177 الاعتداء علـى حقـوق الآخـرين، فـا قـد حـرَّم الظلـم علـى نفسـه وجعلـه بـين النـاس محرَّما، فعن أبي ذر عن النبي فيما روى عن الله تبارك وتعـالى أنـه قـال ( يا عباد إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلتٌ بينكم محرما، فلا تظالموا ...).(1) ب - إنَّ إنصاف المرء غيرَه من نفسه فضيلة ومَن قَبـة، فهـو مـن شِـيَم أربـاب النفـوس الكبيـرة التي تعالـت علـى أدواء النفـوس والقلـوب، فاتِّبـاع الحـق أَو لـى وأح ـرى أينمـا كـان، وهـذا دليــل التواضــع ومعرفــة المــرء قــد رَ نفســه، فــإنَّ الإنســان لا يــزال كبيــرا عنــد الله تعــالى وعند الناس ما دام ينتصف من نفسه، ويعترف للآخرين بما يجب لهم. ت - العــدل أســـاس الملــك وعمـــوده، فمتــى اســـتقام أمــر العـــدل ســ اد الأمـــن، وانتظمــت حيـــاة النـــاس، وعمَّت البركة وانتشر الرخاء، ويصبح المجتمع أقربَ إلى المثالية والكمال، ففي خلافة الفاروق عمرِ بنِ الخطاب عاش الناس فـي ديـارهم آمنـين، فـلا مكـان للظـالمين بيـنهم، ومَـن يَش ـ تمُّ فيه عمرُ رائحة ظلم أو جَور أو غِلظة فإنه يعزله إنكان والياً ، ولا يولِّيه إن كان خالياً . المطلب الثاني: التحذير من القول على الله تعالى بغير علم: قال الله تعالى: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ) [11]. أنزل الله تعالى للناس شرائع محكمة، وحذَّر من التلاعب بها، فإنَّها ما أُنزلت إلا للعمل بما أوجبَت ه، واجتناب ما نَ هَت عنه، ولم تترك لأحد مجالا للإضافة إليها أو الحذف منها، فإنَّ ذلك مؤشر خطير وعلامة شؤم في حق من ارتكبه، فقد انتحل صفة ليست له، ولا هو لأمرها مُطيق. العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) أخبرت الآية عن صفة من صفات اليهود، وهي افتراء الكذب على الله تعالى ب علم، فقد احلُّوا لأنفسهم أموال العرب، "و ردَّ الله عليهم بأنهم يكذبون على الله بادعائهم أن ذلك في كتابهم، وهم يعلمون كذبهم الصريح فيه ؛ لأن التوراة خالية من هذا الحكم الجائر وهو خيانة الأميي ن".(2) 2) إنَّ افتــراءَ الكــذب علــى الله تعــالى بعلــمٍ جريمــة كبــرى، فهــي نســبة قــول أو حكــم إلــى الله تعــالى لــم ينزل ه الله في كتاب ولم يأمر به رسولا، واليهود بين أيديهم التوراة، ثم نـزل الإنجيـل، فيهمـا الهـدى والنور، ولكنهم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، فحرَّفوا كتاب الله تعـالى، وخلطـوه بغيـره مـن كـلام الأحبـار والقساوسة، واتَّخذوا ذلك دينا ومنهجا، واعتقدوا أنَّهم على الهدى، وغيرَهم على الضلال. (1) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/1224)، حديث رقم 2177. (2) التفسير المنير، الزحيلي، ( 3/267.)
عدد الصفحات ١٩٤178 وقــــد ذكــــر القــــرآن الكــــريم فــــي عــــدة مواضــــع وجــــودَ هــــذه الصــــفة الرديئــــة فــــي اليهــــود والمشــــــركين، قــــــال تعــــــالى مُخبــــــرا عــــــنهم: (ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) [49 ،51]، قـــال ابـــن زيـــد (1): " نزلـــت فـــي قـــولهم: (ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ) [18]، وفـــي قـــولهم (ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ) [111] ".(2) 3) كان المشركون يعتقدون توحيد الله في ربوبيته ، فهم يؤمنون بالله تعالى ربا موجودا وخالقا ومحييا ومميتا ورازقا ومدبرا لشؤون الكون، لكنَّهم أشركوا به في توحيد العبادة ، قال تعالى: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ) [43]،فهم بعبادتهم لهذه الأوثان قد افترَوا على الله تعالى إفكا عظيما بصرف عبادتهم لغيره، وزعمهم أنَّ هذه الأوثان تنفع وتضر، فالشرك هو أظلم الظلم، وأفرى الفِرى، وأعظم جريمة ارتكبها الإنسان. 4) نعى الله تعالى على المفترين عليه ظلمَهم، وتوعَّدهم عليه عذابا في الدنيا والآخرة، قال سبحانه: (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ) [18]. 1) جعــل الله تعــالى هــذا الــدين فــي كفالتــه وحفظــه، فمهمــا حــاول المفتــرون تحريفــه أو تأويلــه بمــا يخــالف روح الشــريعة، فــإنَّ ذلــك ســيرتدُّ علــيهم خيبــة وحســرة، فــلا فــلاح لهــم ولا بقــاء لطــرقهم الفاسدة، قال تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ) [69]، فمَه مـا طـال أمـدُهم، واسـتعانوا بكـل الحِيَــل والألاعيـب لصَـر ف النـاس عــن مـنهج الله الحـق، فـإنَّ ذلــك إلــى بــوار وانــدحار، ومصــيرهم فــي الآخــرة عــذاب النــار، فلــن يُشــادَّ الــدين أحــد إلا غَلَبَــه، وا نَّ الهُدى والسَّناءَ والتمكينَ لأهـل الحـق مـا عَضُّـوا عليـه بنواجـذهم، وصـبروا علـى مشـاق الطريـق ولأ واء السَّــفَر، قــال رســول الله :( يحموول هووذا العلووم موون كوول خَلَووف عدولُووٌ، يَ نر فُووون عنووٌ تحريف الغوالين وا نتحوال المبطلوين وتأويول الجواهلين )(3)،فالعـدولُ موجـودون فـي كـل زمـان، وهــم العلمــاء الــذين يبيِّنــون للنــاس أمــور ديــنهم، ويحفظــون عقــول النــاس وأفهــامهم مــن تخلــيط المبتدعين وتأويلات الجاهلين المبطلين. (1) هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي البصري: أحد الأعلام وصاحب ابن عباس ، قال ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله، توفي سنة 23ه،(تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/71.) (2) تفسير القرآن العظ يم، ابن كثير، (4/111.) (3) مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي، كتاب العلم، الفصل الثاني، 1/92)، حديث رقم 249، قال الألباني: صحيح.
عدد الصفحات ١٩٥179 المطلب الثالث: أهمية أداء الأمانة والوفاء بالعهد والتحلي بالتقوى: قال الله تعالى: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ) [ عمران11]. جاء الإسلام مقرِّراً للأخلاق وداعياً إليها، فقد أقرَّ كثيراً من خلالٍ اتَّصف بها العرب في جاهليَّتهم، ومنها أداء الأمانة والوفاء بالعهد، وجعلها الإسلام من أمارات الإيمان ومن لوازم التقوى. أولا: المعنى الإجمالي: " من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد إذا بُ عث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر (ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ) ".(1) ثانيا العبر والدلالات المستفادة من الآية : 1) إنَّ التعامل بالأخلاق الحميدة مع الناس هو تعامل مع الله تعالى بطريقٍ أَولى، فالمسلم يعامل غيره من الناس- وا ن اختلفت عقائدهم- بأخلاقه هو لا بأخلاقهم هم، وهذا مأخوذ من قول النبي : ( اتق الله حيثما كنت، وأتب السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن)(2)، فلفظة الناس عامة لا تُقصر على المسلمين، أي كل الناس، ومعاملة الناس بالخلق الحسن مرتبط بالتقوى التي يتبعها مغفرة الذنوب، فالارتباط بين التقوى والخلق الحسن قوي، والثاني ناتج عن قوة الأول وحضوره. 2) أداء الأمانة أ - " إن الأمانـــــة فضـــــيلة ضـــــخمة، لا يســـــتطيع حملهـــــا الرجـــــال المهازيـــــل، وقـــــد ضـــــ رب الله المثـــــل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفـرط فـي حقهـا، قــال تعــالى: (ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ) [72] "(3) ب - بيَّن القرآن أنَّ أداء الأمانة من صفات المؤمنين، فقال سبحانه: (ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ) [:8]، و بيَّن النبي أنَّ خيانة الأمانة من صفات المنافقين، قال : ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وا ذا وعد أخلف، وا ذا اؤتمن خان ).(4) (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/22.) (2) سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب معاشرة الناس، 4/311)، حديث رقم 1297، قال الألباني: حسن. (3) خلق المسلم، محمد الغزالي، ص 13. (4) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، 1/16)، حديث رقم 33.
عدد الصفحات ١٩٦181 2) الوفاء بالعهد قال تعالى: ( ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ) [34]، وقال تعالى ( ﭰ ﭱ ﭲ ) [152]،وقال تعالى: (ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ) [1]،" إذا أبرم المسلم عقدا فيجب أن يحترمه ، وا ذا أعطى عهدا فيجب أن يلتزمه، ومن الإيمان أن يكون المر ء عند كلمته التي قالها، ينتهى إليها كما ينتهى الماء عن شطآنه، فيعرف بين الناس بأن كلمته مَ وثِ ق غليظ، لا خوف من نقضها ولا مطمع ف ي اصطيادها".(1) قــــــــــــــال تعــــــــــــــالى(ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ) [91]، وهـــذا يشـــمل جميـــع مـــا عاهـــد عليه العبد ربَّه من العبادات والنذور والأيمـان التـي عقـدها إن كـان الوفـاء بهـا بِـراا، ويشـمل أيضـا مــا تعاقــد عليــه هــو وغيــره كـــالعهود بيـــن المتعـــاقدين، وكالوعــد الـــذي يعـــِ دُه العـــبد لغيــره ويؤكـــده علــى نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها. (2) وقــــد ذكــــر الله تعــــالى أنَّ الوفــــاء بالعهــــد مــــن صــــفات المــــؤمنين أولــــي الألبــــاب، قــــال ســبحانه: (ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ) [21]،كمــا ذكـــر أن نقــض العهـــد مـــن صــــفات الكفــــار والمنــــافقين، قــــال ســــبحانه: (ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ) [55،56]، وقـــــال رسول الله :( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وا ذا وعد أخلف، وا ذا اؤتمن خان ).(3) والقيــام بتوفيــة العقــود مَنــوط بموافقتهــا للشـــرع، وا لا فــإنَّ الوفــاء بهــا يصــبح نقضـــاً للعهد مع الله تعالى؛ لأنَّ العقد مع الله تعالى أولى بالوفـاء، قـال رسـول الله ( : الصولح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرَّ م حلالا أو أحلَّ حراما ، والمسولمون علوى شوروطهم إلا شرطا حرَّ م حلالا أو أحلَّ حراما ).(4) (1) خلق المسلم، محمد الغزالي، ص 14. (2) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من علماء التفسير وعلوم القرآن، 4/193.) (3) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، (1/16)، حديث رقم 33. (4) سنن الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما ذُكر في الصلح بين الناس،3/634)، حديث رقم 1312، قال الترمذي حسن صحيح.
عدد الصفحات ١٩٧181 4) التحلي بالتقوى أ - التقــوى حِل يــة المــؤمن و عنوانــه بــين النــاس، وهــي ســبب النجــاة فــي الآخــرة، فقــد وعــد الله تعــالى المتَّقين بأنَّ العاقبة لهم فقال سبحانه: (ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ) [83]،و عـــن أبـــي هريـــرة قـــال: سُـــئل رســـول الله عـــن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقـال: ( تقوى الله وحسون الخلوق )(1)، وقـدكانـت العاقبـة للمتقـين في الآخرة لِما عُلم من حالهم عدم اقتحام المحارم، ولزوم حدود الطاعة فلا يتجاوزونها، فالمنع باب العطاء، فإنهم لما حرموا أنفسهم الشهوات، نالوا من الله أسنى الدرجات. ب - التقـــوى وصـــية الله تعـــالى للأولـــين والآخـــرين، قـــال تعـــالى: ( ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ) [131]. ت - اكتساب التقوى: ليست التقوى صفة ابتدائية، بل تأتي بالجِدِّ والتميُّز في الأعمال، فهي صفة مكتسبة، ولا يزال العبد يديم أعمال الخير حتى تصير سجيَّته، لا تفارقه أبداً، فاكتساب التقوى يكون بالقيام بأعمالٍ لا يستطيع معظم الناس القيام بها؛ لثق لها على النفس، قال تعالى:(ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ) [15- 19]، فكلَّما اشتدَّت مقاومة المؤمن لنفسه وشهواته ارتفع منسوب التقوى في قلبه، فآتت أُكُلَها وحاز المؤمن بها شرف الدنيا والآخرة. ث - من آثار التقوى: ل لتقوى آثار طيبة، فهي صمَّام أمان للمجتمع، فإذا استشعر كل واحد أنه مُراقَـب ومحاسَب، فلن يُقدِم على عمل يغضب الله تعالى، وبذلك تستقيم الأمور، ويصبح المجتمع أقرب إلـــى المثاليـــة كمجتمـــع الصـــحابة ، فتختفـــي الجـــرائم، ويَعُـــمُّ الأمـــن، وتكثـــر الخيـــرات، وتـــزداد البركـــــات، قـــــال تعـــــالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [96]، ويقترب النصر، وتعلو راية التوحيد. (1) سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، 4/363)، حديث رقم 2554، قال الترمذي: حديث صحيح غريب، وقال الألباني: حسن الإسناد.
عدد الصفحات ١٩٨182 المطلب الراب : التحذير من اتخاذ الدين مطية لتحقيق مكاسب دنيوية: قال الله تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ) [11]. مـــاكـــان الـــدين فـــي يـــوم مـــن الأيـــام أداة لتحقيـــق المكاســـب الدنيويـــة الباطلـــة، فالشـــريعة وا ن جاءت لتمكين الناس من تحقيق مصالحهم بِوجـهٍ مشـروع، فـإنَّ اتِّخاذهـا وسـيلة لكسـب الـدنيا بالباطـل أمر له خطرُه، فهو يودي بصاحبه إلى المهالك في الآخرة كما أخبرت الآية الكريمة. أولا: سبب النزول: عــن عبــد الله قــال: قــال رســول ا :( موون حلووف علووى يمووين، وهووو فيهووا فوواجر، ليقتط بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليٌ غضبان ، قـال: فقـال الأشـعث: فـيَّ والله كـان ذلـك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي ، فقال لي رسول ا :" ألك بينووة ؟ " ، قلــت: لا، قــال: فقــال لليهــودي: " احلووف "، قــال: قلــت: يــا رســول الله، إذاً يحلــف ويــذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: (ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ) إلى آخر الآية).(1) ثانياالمعنى الإجمالي: " إنّ الذين يستبدلون بتركهم عهد الله الذي عهـد إلـيهم، ووصـيته التـي أوصـاهم بهـا فـي الكتـب التي أنزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله وبأيمانهم الكاذبـة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليهـا، (ﯳ) يعنـي عوضًـا وبـدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها، (ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ) يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حَ ظَّ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم ".(2) ثالثا: معاني المفردات (ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ) : الخَلاق هو " النصيب الوافر مـن الخيـر "(3)، فـالمعنى" لا حَـظَّ ولا نصيب لهم في نعيم الدار الآخرة ".(4) (1) صحيح البخاري، كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، 3/121)، حديث رقم 2416. (2) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/155.) (3) معاني القرآن وا عرابه، الزجاج،1/434.) (4) أيسر التفاسير لكلامالعلي الكبير، أبو بكر الجزائري، (1/331.)
عدد الصفحات ١٩٩183 رابع ا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) خُس ران من يشتري بعهد الله ثمنا قلييقـول الشـيخ الشـعراوي رحمـه الله: " إن الحـق يوضـح لنـا أن الأثمـــان لا تكـــون مشـــتراة أبـــدا، إنهـــا مُشـــترى بهـــا، ولـــذلك تكـــون أول خيبـــة فـــي صـــفقة الـــذين يشـــترون بعهـــد الله ثمنـــا قلـــيلا، إنهـــم اشـــتروا الـــثمن، بينمـــا الـــثمن لا يُشـــترى، فالـــذي يشـــتري هـــو الســلعة، ويــا ليــت الــثمن الــذي اشــتروه ثمــن لــه قيمــة، لكنــه ثمــن قليــل، ومــن هنــا جــاء تحــريم الربــا لأن المرابـــي يعطـــي الشـــخص مائـــة، ويريـــد أن يســـترده مائـــة وعشـــرة، ويكـــون المرابـــي فـــي هـــذه المســـألة قـــد جعـــل النقـــود ســـلعة، وهكـــذا تكـــون ال صـــفقة خائبـــة مـــن بـــدايتها، إذن فـــأول خيبـــة فـــي نفوس الناس الذين يسـتبدلون الهـدى ويأخـذون بـدلا منـه الضـلالة، إنهـم خاسـرون،(ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ) [16]".(1) 2) اتخاذ الدين وسيلة لتحقيق مصالح دنيوية كجلب المال أو الحصول على الجاه صفة ذميمة اتَّصف بها أهل الكتاب، فأحبار اليهود ورهبان النصارى وقساوستهم فعلوا ذلك بشكل صارخ عندما كتموا ما أنزل الله تعالى عليهم، فإنَّ كت مَ العلم فيه تضييع للحقوق، وطمس لمعالم الدين، فيصبح الناس كقطيع هائم يوجِّههم الأحبار والقساوسة كيفما شاءوا، ونتيجة لجهل الناس المُط بق بدينهم بسبب تعمية علمائهم لهم، رسخ في أذهانهم أنَّ كلَّ ما يقوم به رجال الدين حقٌّ، واستغلَّ هؤلاء فرصتهم، فلبَّسوا على بني قومهم ليسودوا، فسادوا، وصار الأمر لهم، فكان الملوك والأباطرة لا يخرجون عن قول الكنيسة، وا لا قُتلوا أو أُسقِطت عروشهم، فكانوا يسوسون شعوبهم برأي الك نيسة، وقد توعَّد الله تعالى هؤلاء ومن قبلَهم على فعلهم هذا فقال سبحانه: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ) [187]. وابتدع قساوسة النصارى ما سمَّوه صكوك الغفران، وذلك بأن يأتي المذنب فيقعد أمام القس، ويعترف بما اقترف، ويدفع مبلغا من الم ال لقاء صك غفران يؤتاه، فهذا من أكل أموال الناس بالباطل، وكذلك ما كان من أمرهم حينما أقطعوا الإقطاعيات، وملكوا رقاب الناس، وزادت ثرواتهم على نحوٍ فاحش، والناس يحسبونهم أهل الدين والورع، وهؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى: (ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ) [174]. (1) تفسير الشعراوي، 3/1113.)
عدد الصفحات ٢٠٠184 3) إنَّ هـــذه الصـــفة مـــن صـــفات المنـــافقين، فهـــم يَحُثُّـــون الخطـــى طلبـــا لمصـــالحهم، وا رضـــاء لرغباتهم الدنيئة، فعندما يكون الانتصار والفتح للمسـلمين انتسـبوا لهـم، وا ذا كـان مـن ذلـك للكفار نصيب مالوا إليهم، لعلَّ ذلك يعود علـيهم بشـيء مـن حطـام الـدنيا قليـلٍ، فهـم كمـا قـال الله تعــالى فــيهم: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ) [141]. 4) خطــورة تبنِّــي حملــة العلــم هــذا المســلكواليــوم قــد اتَّخــذ بعــض مــن انتســب للعلــم الشــرعي الــدِّينَ سُــلَّما يصــعد بــه علــى حســاب الــدين، فهــم فــي مؤسَّســاتهم الدينيــة الرســمية يــأمرون الناس بطاعة الحاكم، رغم علمهم بفساده ومخالفته للشرع متـأوِّلين فـي ذلـك النصـوص أو أنهم نأَوا بأنفسهم عن دائرة الأحداث، ويتزلَّفون له بصورة فَجَّـة، ويزيِّنـون لـه مـا يفعـل، ولا يقومون بواجب النصيحة، وينالون من العلماء الربانيين، والعاملين للإسلام، قاصدين فـي ذلـــك رضـــا رؤســـائهم، ولـــو كـــان فـــي ذلـــك غَم ـــط لحقـــوق الغيـــر، فلـــم يَر عَـــوا حـــقَّ العلـــم ولا حرمتَه، وتراهم يُض فون على أنفسـهم هـالاتٍ ضـخمةً مـن الألقـاب ذات الـوزن الثقيـل، فهـم بطانة السوء، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا. وآفــة رجــال الــدين حــين يفســدون، أن يصــبحوا أداةً طيعــةً لتزييــف الحقــا ئق باســم أنهــم رجــال الــدين ، فهــم يســتغلون ثقــةَ النــاس بهــم، وغــايتُ هم فــي ذلــك الوصــول إلــى مقــررات معينــة ترضي زعماءهم، حتى لو كانت هذه المقررات تخالف الشرع وتصادمه، وهذا النوع من حملة العلم معروفون في لُ حون قولهم، ومعروفو ن في مصالحهم التي يكتسبونها بالدين بأي وسيلة، ولا يراعون في ذلك حق العلم وأمانته. (1) (1) انظرفي ظلال القرآن، سيد قطب، ( 1/419،412)، مختصرا
عدد الصفحات ٢٠١185 المطلب الخامس: التحذير من التلبيس على الناس وفتنتهم في دينهم: قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) [11]. أولا: المع نى الإجمالي: " يخبر تعالى أن من أهل الكتاب فريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي: يميلونه ويحرفونه عن المقصود به، وهذا يشمل اللَّ ي والتحريف لألفاظه ومعانيه، وذلك أن المقصود من الكتاب حفظ ألفاظه وعدم تغييرها، وفهم المراد منها وا فهامه، وهؤلاء عكسوا القضية وأفهموا غير المراد من الكتاب، إما تعريضا وا ما تصريحا، فالتعريض في قوله (ﭗ ﭘ ﭙ ) أي: يلوون ألسنتهم ويوهمونكم أنه هو المراد من كتاب الله، وليس هو المراد، والتصريح في قولهم: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ )، وهذا أعظم جرماً ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون عل ى الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وا ثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك ".(1) ثانيا: معاني المفردات (ﭔ ﭕ ): " لَ يُّ الألسنة: قيل تحريف اللسان عمّا في القلب، وهو الكذب، وقيل: هو التنطُع والتجمُّل بالكلام لتشبيهه بغيره ، وقيل: لَ يُّ هم بألسنتهم: تحريفهم بالتأويل الباطل ".(2) "ولَيُّ اللسان معناه، فَ ت لُه عند النطق لتوجيه الكلام نحو معنى لاَ يُ قصد من ظاهر اللفظ، وهذا يشمل معاني كثيرة، فيشمل إخفاء بعض الحروف عند النطق بكلمة، فيتغير المعنى... ومن اللَّي أن يغير لفظا بلفظ آخر، ويومئ اللفظ الثاني إلى معنى غير المقصود من الأول... ومن ليِّ اللسان أن تقرأ عبارات في الكتاب بنغمته، وهي ليست منه ، ومِنَ اللَّي المعنوي، تحريف المعاني بتوجيهها إلى غير المراد منها ".(3) ثالثا اللطائف البيانية: (ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ) " فيه من المبالغة في تشنيعهم وتقبيح أمرهم وكمال جراءتهم ، وإظهار الاسم الجليل والكتاب في محل الاضمار لتهويل ما أقدموا عليه من القول ".(4) (1) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 136. (2) تفسير الراغب الأصفهاني، الراغب الأصفهاني، 2/661.) (3) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، (3/1297.) (4) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/12.)
عدد الصفحات ٢٠٢186 رابعا العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) ذكرت الآية أنَّ فريقاً من أهل الكتاب يتلاعبون بنصوص كتبهم؛ ليموِّهوا على الناس الحقيقة، وتكونَ هذه النصوص فتنة لهم، وهم في ذلك يفترون على الله الكذب رغم علمهم بأنهم مفترون. وقد كان الحديث سابقاً عن مجادلة اليهود في شأن إبراهيم ، وعن كفرهم بمحمد وآيات الله المنزَّلة عليه، وا رادة اليهود إضلال المسلمين وفتنتهم عن دينهم، وخيانة بعضهم للأمانة، وافتر اء الكذب على الله تعالى في سبيل تحقيق مآربهم، وطلبهم الدنيا بعمل الآخرة. وهنا يذكر القرآن الكريم صفةً قبيحةً فيهم، تجمع عدة صفات فيها، وهي تحريف النصوص وصرفها إلى غير وجوهها المحتملة، ويتبع ذلك إلباسها ثوب الباطل؛ لتَمُرَّ على الناس وكأنها من الدين، وقد كش ف الله تعالى صنيعهم هذا في أكثر من موضع من كتابه العزيز. 2) إنَّ لَ يَّ أعناق النصوص وا لحاق المعاني الباطلة بها أمر خطير ، وشرٌّ مستطير ، فهو أعظم أبواب الفتن على الناس في دينهم، إذ به تتغير معالم الدين، وتذهب هيبته وحُرمته، ويصبح هينا رخيصا، يلتصق به كل أفاك أثيم. 3) ظهور الفرق الضالة المنسوبة للإسلام وقد أصاب أمة الإسلام ما أصاب أهل الكتاب، فظهرت فِرق كثيرة كالروافض والباطنية والخوارج وغيرهم، وكلُّهم على غير السنة، وهذه الفِرق تؤول آيات القرآن الكريم، وتطعن في كثير من أحاديث النبي ، وتعتمد تأويلها لآيات القرآ ن دينا يدينون الله تعالى به، وليس عندهم على تأويلاتهم دليل ولا برهان، إنما هو الهوى والحقد على الإسلام وأهله. 4) وقد أمرنا الله تعالى بلزوم طريق الحق، وحذَّرنا من سلوك طرق هؤلاء المبتدعة، فقال سبحانه (ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ) [153]،وقال جَّل شأنه: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ) [119]. 1) علـى المسـلم أن يكــون فَطِنـاً متيقِّظــاً ، لا يأخـذ الكــلام علـى عواهنــه، بـل يتثبَّــت منـه، حتــى إذا وجــده موافقــا لمــا فــي القــرآن مــن آيــات ومــا فــي الســنة مــن نصــوص أخــذ بــه ولا ضــير عليــه، وأي كــلام منســوب لأيِّ إنســان يجــب عرضــه علــى القــرآن والســنة، فــإن وافــق فَ بِ هــا ونعمت، وا ن خالف رُدَّ على صاحبه. 6) إنَّ من ينشرون الافتراءات على الدين يركنون إلى جهل العامة، فهم لا اطِّلاع لهم حتى يتبيَّن لهم الحق في المسائل، وواجب أهل العلم أن يقفوا سداا منيعا لكل من يحاول النيل من حرمة الدين وتعاليمه.
عدد الصفحات ٢٠٣187 ويرى الباحث أنه يدخل في التحذير من التلبيس على الناس التحذيرُ من مخاطبته م بغير ما يفهمون، أو بما هو فوق عقولهم، قال علي : "حدثوا الناس بما يعرفون ، أتُ حِ بُّ ون أن يُ كَ ذَّ ب اللهُ ورسولُ ه؟ ".(1) وعن عبد الله بن مسعود :" ما أنت بِمُ حَ دِّ ثٍ قوما حديثاً لا تبلغُ ه عقولُ هم إلا كان لبعضهم فتنة "(2)، فالقول ذو المعنى المركَّبعندما يدخل عقل من لا يحسن توجيهه يفتتن به، وكذلك الشبهات، فإنها تغزو القلب وتأتيه في مقتل، فلا يستطيع منها فكاكاً . (1) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا، 1/37)، حديث رقم 127. (2) صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع،1/2)، حديث رقم 14.
عدد الصفحات ٢٠٤188 المبحث الثاني المقاصد والأهداف لسورة آل عمر ان الآيتان ( 15 و12 ) وفيه مطلبان: المطلب الأول: حث المسلمين على أن يكونوا ربانيين . المطلب الثاني: تنزيه الأنبياء عن الشرك وعن الدعوة إلى ما ينافي التوحيد.
عدد الصفحات ٢٠٥189 المطلب الأول: حث المسلمين على أن يكونوا ربانيين: قوووووال الله تعوووووالى: (ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [11]. إنَّ الإسلام لا يرضى لأتباعه بأن يقبلوا بالحد الأدنى من التديُّن، بل يريد منهم الارتقاء دوما لينالوا أعلى الدرجات، وما من درجة أسمى للمؤمن من الربانية، فهي درجة عالية الذُّرى، بعيدة المنال، وهي يسيرة عل ى من يسَّرها الله تعالى له. أولا: سبب النزول: " قــال ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا : " قــال أبــو رافــع القُرَظِــي حــين اجتمعــت الأحبــار مــن اليهــود والنصــارى مــن أهــل نجــران، عنــد رســول الله ودعــاهم إلــى الإســلام: أتريــد يــا محمــد أن نعبدكَ كما تعبد النصارى عيسى ابن مـريم؟ فقـال رجـل مـن أهـل نجـران نصـراني يقـال لـه الـرئيس: أوَ ذاك تريـد منــا يـا محمــد، وا ليــه تـدعوننا؟ أو كمــا قـال ، فقــال رســول الله :( مَعَوواذَ اللهش أنر نَعربُوودَ غَيررَ اللهش، أو أنر نَأرمُرَ بشعشبَوادَةش غَيرورشه، مَوا بشوذَلشكَ بَعَثَنشوي، ولا بشوذَلشكَ أَمَرَنشوي )، أو كمـا قـال ، فـأنزل الله فـــــي ذلـــــك مـــــن قولهمـــــا(ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ) إلـــــى قولـــــه: (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) [81] ".(1) ثانياالمعنى الإجمالي: " لا يصــح لبشــر آتــاه الله مــا آتــاه مــن الــنعم أن يقــول للنــاس اعبــدوني مــن دون الله، ولكن الذى يعقل أن يصدر منه هو أن يقول لهم: كونـوا (ﮃ) أي: منقلبـين علـى طاعـة الله تعــالى وعبادتــه وحــده بجــد ونشــاط وا خــلاص، بســبب كــونكم تعلمــون غيــركم الكتــاب الــذى أنزله الله لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له، أ ي قارئين له بتمهل وتدبر ".(2) ثالثا: معاني المفردات (ﮃ): الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون ، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعتـه، وقيل: علماء فقهاء، وقيل: علماء معلِّمين، و قيل: الرباني الذي يربي النـاس بصـغار العلـم قبـل كبـاره ، الربانيون أرباب العلم والياء للنسب ، وقيل: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العـالم بأنبـاء الأمة ما كان وما يكون، والربانيون: الذين ج معوا مع العلم البصارة بسياسة الناس .(3) (1) جامع البيان، الطبري، ( 6/132)، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/29.) (2) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/212.) (3) انظر الكشاف، الزمخشري، ( 1/174)، معالم التنزيل، البغوي، ( 1/65)، فتح القدير، الشوكاني، (1/472.)
عدد الصفحات ٢٠٦191 رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) عنـــدما يُقـــال: إن فلانـــا ربَّـــانيٌّ، فـــإنَّ ذلـــك لـــه معنـــى كبيـــر، فالربانيـــة تعنـــي فـــي مفهومهـــا البسيط: قيام المرء بما أوجب عليه دينُه ابتداء، والغوصُ في العلم غَو صَ من أراد معرفـة الأسرا ر، والعملُ بما علم، وتعليمُ ذلك للناس، ويُحَلَّى كلُّ ذلك بصـفات الأنبيـاء مـن الحلـم والصبر والصفح وغير ذلك. 2) من الربَّاني؟ الرباني هو" الجامع إلى العلم والفقه البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم "(1)، وكلمة ربَّاني هي ا نتساب إلى الله تعالى، " وتؤدي إلى معان: منها أنَّ كلَّ ما عنده من حصيلة البلاغ لا بد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الـرب؛ لأنه لم يأت بشيء من عنده، أي أنه يأخــذ من الله ولا يأخذ من أحد آخر أبدا، فهو رباني الأخذ ، وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر: إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفاً بخلق أنزله رب يربي الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم، فهو عندما ينقل ما عنده للناس يكون مربيا، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح ".(2) سئل ابن الأعرابي (3) عن الرباني فقال: " إذا كان الرجل عالمـاً عـاملاً معلِّ مـاً قيـل له هذا رباني ، فإن خَ رَ مَ عن خصلة منها لم نَ قُ ل له رباني ".(4) 3) مكانة الربانية، وواجب من نالها: إن الربانية درجـة سـامية عاليـة الـذُّرى، لا يسـتطيعها إ أرباب الهمم العالية والعزائم المتوقِّدة، فإنها درجة تستحق أن يُتعِب المسلم نفسه لبلوغها. 4) إنَّ وصول المرء إلى درجة الربانية يسجِّل عليه ا ستحقاقاً كبيراً ، لا يجدُرُ به التنصُّلُ منه، ولا الحَيدةَ عنه، فالرباني قد أخذ قسطاً كبيراً وحظا عظيما من العلم الذي يؤهله لأِن يتبوَّأ أسمى المقامات، فهو عالم في نفسه، معلِّم لغيره، نافع للناس، وهذا المعنى يشهد له قول الرسول : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قـال رسـول الله (: إن الله وملائكتوٌ وأهول السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليُ صَ لن ون على معلم الناس الخير ).(5) (1) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن، ( 1/472)، في الحاشية (2) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1166.) (3) محمد بن زياد، أبو عبد الله بن الأعرابي، من موالي بني هاشم، نحوي عالم باللغة والشعر، ولد سنة 115ه، وتوفي بسامراء سنة 231ه أو233ه،( بغية الوعاة في طبقات اللغويين والن حاة، السيوطي، 1/156.) (4) مفتاح دار السعادة ، ابن القيم، (1/121.) (5) سنن الترمذي، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة، 1/15)، حديث رقم 2191، قال الألباني: صحيح
عدد الصفحات ٢٠٧191 1) الربانية تأتي بالمجاهدة: وليست الربانية جائزة أو هبة تأتي للإنسان غَفَلاً بـدو ن سـابق جهـد، بـل هي صـفة يسـتوجبها الإنسـان بعـد إفـراغ الوسـع واسـتنفاذ الطاقـة، وفيهـا مـا فيهـا مـن حمـل الـنفس على المكاره واحتمال المشاق، فالنفس والشيطان والهوى والـدنيا أعـداء تَحيـق بالإنسـان، وتَصـرِفُه عن معالي الأمور وعظائمها، وهي العقبات الكأداء التي تعيق المرء عن كل خير. 6) ولكي يصل المسلم إلى مقام الربانية لابُدَّ له من تحقيق صفات كثيرة، منها صفة التقوى فيما بينه وبين الله ، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا، والمجاهدة فيما بينه وبــين الــنفس، وهــي صــفات الراســخين فــي العلــم (1)، بالإضــافة إلــى مكــارم الأخــلاق بوجــه عــام، والعمل بما يعلـ م قـدر الإمكـان، وتعلـيم النـاس، والصـبر علـى ذلـك، والجهـر بكلمـة الحـق، والأمـر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك كثير كثير، ولا تعني كثرةُ الصـفات صـعوبةَ التطبيـق، بل الأمر يكون بتوفيق الله تعالى لعبده وا عانته له، وا لا فالعبد لا حول له ولا قوة إلا بالله تعالى، قال تعالى: (ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ) [282]. 7) وقدبيَّ ن الله كيف تتربى الربانية في نفس المـؤمن، فـذكر أنهـا عِل ـمُ الكتـاب المنـزَّ ل والعكـوف علــى دراســته فقــال: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ) أي أنَّ الــذي يربِّــي الربانيــةَ هــو الاستمرارُ والدُّ ؤ وبُ على أمرين اثنين : الأ ول: دراس ة الكتاب المنزَّ ل، وتجاوز كل العقبـات التـي تحـول دون هـذه الدراسـة، وذلـك بسـلامة مصدر التَّلقِّي. الثاني: استيعاب علم الكتاب وتعليمه مـن الـبعض ليـتمكن الدارسـون مـن أن يعرفـوا حقيقـة كتـاب الله، والاهتداء بهديه. (2) المطلب الثاني: تنزيٌ الأنبياء عن الشرك وعن الدعوة إلى ما ينافي التوحيد: قوووووووووال الله تعوووووووووالى: (ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ) [ 12]. من المستحيل عقلاً أن يدعوَ المرء إلى شيء وضدِّه، فالأنبياء عليهم السلام قد بعثهم الله تعالى لهداية الناس، وبيان طريق الحق لهم، فدعوتهم هي التوحيد، وما كان لأحد منهم أن يدعو إلى كفر أو معصية. (1) انظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/227.) (2) انظرزهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، ( 3/1225،1221.)
عدد الصفحات ٢٠٨192 "إن من يهبه الله الحكمة في الدعوة لمنهج الله وتطبيق هذا المنهج، لن يضيف للمنهج شيئا، وبحكم صدقة مع الله فهو لن يدعي أنه مبعوث من الله للناس، إنه يكتفي بالدعوة لله وبأن يكون أسوة حسنة ".(1) أولا: المعنى الإجمالي " لا يصح لبشر امتَ نَّ اللّه عليه بإنزال الكتاب، والهداية إلى الحكمة والصواب في فهم ما أنزل اللّه عليه، وا يتائه النبوة والرسالة، ثم يطلب من الناس أن يعبدوه وحده، أو يعبدوه مع اللّه، فهذا هو الشرك بعينه، ولكن يقول: كونوا أيها الناس ربانيين، أي متمسكين بالدين، مطيعين لله أتم طاعة، بسبب كونكم تعلِّ مون الكتاب لغيركم، وبسبب كونكم تدرسونه وتتعلمونه ، ولا يعقل أن يأمر نبي باتخاذ الملائكة والأنبياء آلهةً تُ عبد من دون اللّه، فكل هذا كفر وفسوق وعصيان، لا يتَّ فق مع الإسلام، والانقياد لله بالطبيعة والفطرة التي فُ طِ رَ الناسُ عليها ".(2) ثانيا: المناسبة: " لما ذُ كِ ر لَيُّ اليهودِ ألسنتَهم بـالتوراة، وهـو ضَـر ب مـن التحريـف ، اسـتطرد بـذكر التحريـف الـــذي عنـــد النصـــارى لمناســـبة التشـــابه فـــي التحريـــف إذ تقَـــوّل النصـــارى علـــى المســـيح أنـــه أمـــرهم بعبادتــه فــالمراد بالبشــر عيســى ، والمقصــو د تنزيــه عيســى عــن أن يكــون قــال ذلــك ، ردا ا علــى النصــارى ، فيكــو ن رجوعــاً إلــى الغــرض الــذي فــي قولــه: (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) إلى قوله: (ﮈ ﮉ) [64] ".(3) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآيات: 1) دَعَا الأنبياء جميعاً إلى التوحيد، قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) [25]، فـــلا يُتصـــوَّر أبـــداً أن يـــدعوَ نبـــيٌّ أو مَلَـــك أو عبـــد صـــالح النــــاسَ إلــــى عبــــادة نفســــه، قــــال تعــــالى: ( ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ) [29]. 2) قولــــه تعــــالى(ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ) أي: " لا يَف عَــــل ذلــــك؛ لأنَّ مــــن دعــــا إلــــى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبيـاء إنمـا يـأمرون بالإيمـان، وهـو عبـادة الله وحـده (1) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1162). (2) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/257.) (3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/223.)
عدد الصفحات ٢٠٩