المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السادس من القرآن الكريم

عبد الله أمين حسين المغير

صفحة ١٢ من ١٨

161 ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ) [78] ،(ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ) أي: وتكتمون شأن محمد  وهو مكتوب عندكم في التوراة والإنجيل ، وأنتم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عنادا وحسدا ".(1) ثالثا: معاني المفردات: 1) (ﭔ): " اللَّب س هو الخلط "(2)،" ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات الباطلة ".(3) 2) (ﭗ ﭘ): " كتمــان الحــق يحتمــل أن يــراد بــه كتمــانهم تصــديق محمــد ، ويحتمــل أن يـــراد بـــه كتمـــانهم مـــا فـــي التـــوراة مـــن الأحكـــام التـــي أماتوهـــا وعوّضـــوها بأعمـــال أحبـــارهم وآثـــار تأويلاتهم، وهم يعلمونها ولا يعملون بها ".(4) رابعا: المناسبة " لمَّ ا حكى الله تعالى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل، أردف ذلك بأن حكى عـنهم نوعـاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية ".(5) خامسا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) اتَّصـــف اليهـــود والنصـــارى بصـــفات ذميمـــة كثيـــرة، فقـــد قتلـــوا الأنبيـــاء والمصـــلحين، وحرَّفـــوا دينهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسـيحَ ابـن مـريم، وقـالوا قلوبنـا غلـف، ونســبوا إلــى الله تعــالى الولــد، ونســبوا إليــه الفقــر، ولــم يكــن فــيهم أمــر بمعــروف ولا نهــي عــن منكر، فذمَّهم الله تعالى على ذلك، وتعمَّدوا التحايل على الشرع في قصة أصـحاب السـبت، فمســـخهم الله تعـــالى قـــردة وخنـــازير، ولبَّســـوا علـــى النـــاس ديـــنهم، وكتمـــوا صـــفة محمـــد ، وسَـعَو ا فـي إضــلال المسـلمين، وشــدَّدوا علـى أنفسـهم فشــدَّد الله علـيهم، وكانــت قلـوبهم شــتى، فهم يُضمِرون العـداء فيمـا بيـنهم، ويَحسُـدون النـاس علـى مـا آتـاهم الله مـن فضـله، ويفتـرون علـى الله الكــذب وهــم يعلمــون، ويتَّصــفون بالبخــل الشـديد، فــلا يؤتــون النــاس نقيــرا، واشــتُهِروا بالصَّدِّ عن سبيل الله، وكان فيهم أكل الربا وأك ل أموال النـاس بالباطـل، وهـم أحـرص النـاس علــى حيـــاة، فهـــم أجــبن النـــاس، ولطالمـــا كــان الغـــدرُ شـــيمتَهم، والخيانــةُ عـــادتَهم، ويمتهنـــون الخديعة والم كر السَّيِّء، ورفضوا اتِّباع محمدٍ  حسدا وبغيا، ولا يرجون لله وقارا (1) تفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغ ي، (3/191.) (2) جامع البيان، الطبري، 1/166.) (3 )التحرير والتنوير، ابن عاشور، (3/272.) (4) المصدر السابق (3/272.) (5) التفسير الكبير، الرازي، 9/153.)

عدد الصفحات ١٧٨

162 "لقد أعلنوا الإيمان بموسـى أو عيسـى، ولـم يؤمنـوا بمحمـد، لقـد أنكـروا بشـارة موسى وعيسى برسالة محمد الخاتمة، وكان ذلك قمة إلبـاس الحـق بالباطـل، لأنهـم أعلنـوا الإيمــان برســولين ثــم أنكــروا الإيمــان بــ النبي الخــاتم وذلــك لأنهــم كــانوا يعلمــون أن الإســلام الذي جاء به محمد رسول الله هو الدين الحق، وكانوا إذا ما خلوا إلى أنفسـهم عرفـوا ذلـك ولكنهم يجحدونه، (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ) [14] ".(1) 2) في مناداة أهل الكتاب بهذا الاسم توبيخ لهـم، فقـد جـاءهم العلـم واضـحا جلياـا، ورغـم ذلـك عملـوا بما يخالفه، فكـانوا كحمـار يحمـل أسـفارا، فهـو يَت عـبُ فـي حملهـا ونقلهـا ولا يسـتفيد منهـا شـيئا، ولا ينالُه إلا التعب والإرهاق. 3) إنَّ في خطاب القرآن الكريم لأهل الكتاب السابقين بالتوبيخ والتقريع تنويهـا للمسـلمين مـن بعــدهم بعــدم الوقــوع فــي الأخطــاء التــي ارتكبو هــا والصــفات التــي اتَّصــفوا بهــا، والمســلمون مطـالبون بالحفــاظ علــى القــيم الســامية التــي نــدبهم إليهــا ديــنُهم، والحفــاظ علــى الخصــائص المُميِّزة لأمة الإسلام، فهي أمة لهـا كينونتهـا الخاصـة، لا تقبـل بالـدُّون ولا بالتبعيَّـة لغيرهـا مهمــا كـــان وتعـــاظم فـــي نفســه، فكيـــف بقـــوم كأهـــل الكتــاب؟ الـــذين انتشـــرت فـــيهم أمـــراض المجتمعات، واستفحلت فيهم أدواء سابقيهم من الغابرين، وفوق هذا كله كان فيهم الأنبياء والمصلحون، ولكن ظلَّت صفاتهم كما هي لا تتغيَّر، ويحاولون نقلها إلى غيرهم بالعـدوى الفاتكة، وفي المطلب الأول من هذا المبحـث كـان الحـديث عـن حـب أهـل الكتـاب الشـديد وحرصــهم علــى إضــلال المســلمين حســدا وبغيــا، فهــم لا يبغــون لأحــد الخيــر، فضــلا عــن تمنِّي ذلك له. (1) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، ( 3/1139.)

عدد الصفحات ١٧٩

163 المبحثالخامس المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 12 و14 ) وفيهثلاثة مطالب: المطلب الأول: التحذير من التلاعب بالدين. المطلب الثاني: التحذير من التعصب الأعمى. المطلب الثالث: اختصاصُ الله تعالى بعض عباده بالفضل والخير .

عدد الصفحات ١٨٠

164 المطلب الأول: التحذير من التلاعب بالدين: قووووال الله تعووووالى: (ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ) [10]. أوسبب النزول: " كــان أحبــارُ قُــرَى عربيــةَ اثنــي عشــر حبــرًا، فقــالوا لبعضــهم: ادخلــوا فــي ديــن محمــد أول النهــار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حقّ صادق ، فـإذا كـان آخـر النهـار فـاكفروا وقولـوا: إنـا رجعنـا إلـى علمائنـا وأحبارنـا فســألناهم، فحــدَّثونا أن محمــدًا كــاذب، وأنكــم لســتم علــى شــيء، وقــد رجعنــا إلــى ديننــا فهــو أعجــب إلينــا مــن دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله  رسوله  بذلك". "قــال ابــن عبــاس رضــي الله عنهمــا: قــال طائفــة مــن اليهــود لبعضــهم: إذا لقيــتم أصــحاب محمــد أول النهــار فــآمنوا ، وا ذا كــان آخــر النهــار فصــلُّ وا صــلاتكم لعلهــم يقولــون هــؤلاء أهــل الكتــاب وهو أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم ". (1) ثانياالمعنى الإجمالي: " قــال اليهــود بعضــهم لــبعض: أظهــروا الإيمــان بمحمــد فــي أول النهــار ثــم اكفــروا بــه آخــره ، فــإنكم إذا فعلــتم ذلــك ظهــر لمــن يتبعُــه ارتيــاب فــي دينــه فيرجعــون عــن دينــه إلــى ديــنكم ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا ".(2) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) لقـــد آتـــى الله تعـــالى بنـــي إســـرائيل الكتـــاب، وأمـــرهم بـــالتزام طاعتـــه، فقـــال ســـبحانه (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ) [63]، ولكنهم استمرءوا المعصية، وعُرفوا بالتَّولي والإعراض عن دين الله تعالى الـذي أنزلـه إلـيهم، فكيــف إذا جــاءهم نبــي مــن غيــر قــومهم؟ فــإنهم ســيتخذون تــدابيرهم وبمــا أوتــوا مــن قــوة لصــدِّ الناس عنه، رغم أنهم يجدون في كتبهم صفتَه، وأنَّه النبي الخاتم، ولكنهم ضلُّوا وأضلُّوا. 2) قــــــــال تعــــــــالى(ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ) [51]،فهم حريصون أشدَّ الحـرص علـى ضلال الناس وعدم اهتـدائهم للـدين الحنيـف، وا ن كانـت الطريقـة تصـحيحَ مـذهب المشـركين (1) انظرجامع البيان، الطبري، ( 6/157،159)، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني،2/621.) (2) الجامعحكام القرآن، القرطبي، ( 1/162.)

عدد الصفحات ١٨١

165 علـــى مـــنهج المـــؤمنين، فاســـتحقوا بـــذلك اللعـــن والطـــرد مـــن رحمـــة الله تعـــالى، قـــال تعـــالى (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ) [52]. 3) إن اتخاذ الدين مطية لتحقيق مآرب شخصية أو منافع لأجل الـ دنيا أمـر مُنـافٍ لحقيقـة مـا نزل الدين لأجله، فالدين نزل ليَحكُم حيـاة النـاس ويضـبط تصـرفاتهم، لا أن يكـون كشـيء اختياري، يأخذ منه صاحبه ما يخدم مصلحته، ويتركه متى كان عليـه التـزام يجـب الوفـاء به، فيكون في ذلك مشابها لليهود في فعلهم. 4) إن الواجب على المسلمين أن يتَّسموا بالجدِّية في التعاطي مع أوامر الشرع ونواهيه، وهذا ما أمر الله تعالى به بني إسرائيل من قبل، قال تعالى: ( ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) [63]،أي: " تمسَّ كوا به، واعملوا بما فيه بجد ونشاط، وتقبلوه واجتنبوا نواهيه، واعملوا ما جاء به بدون تردد ".(1) 1) إنَّ اتِّخاذ المرءدينه لعبا دليل على عدم تمكُّن الإيمان في قلبـه، فإنـه لا تهـزُّه الغيـرة علـى محـــارم الـــدين عنـــدما تُنتهـــك، ولا يجـــد فـــي نفســـه حرجـــا إذا فـــرَّط فـــي أمـــر مـــن أوامـــره، أو ارتكب نهيا من نواهيه؛ وذلك لعدم توفُّر دواعي الإيمان الحقيقي في قلبه. 6) إن التلاعــب بالــدين يقتــل فــي الــنفس الحميــةَ لــه، وهــذا نــذير شــؤم علــى صــاحبه وعلــى المجتمــع كذلك، فإنَّ استفحال هذا الأمر في المجتمع يهدِّد وجوده، قال تعـالى: ( ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ) [38]،وا ن تعاقــبَ الأيــام علــى المــرء وهــو فــي تفريطــه هــذا بدايــة للتفلُّـــت مـــن تعـــاليم الشـــرع وأحكامـــه، فهـــو لا يعبـــأ بمـــا أتـــى مـــن أمـــر عظـــيم أو حقيـــر، فتهـــون عنـــده المعصية، فلا يجد حرجا في اقترافهـا، ولا تحجـزه نـوازع الخيـر فيـه عـن اقتحـام الحِمـى، ولا يـزال كـذلك حتــى يُخــتم علــى قلبــه، ويصــبح كمــا قــال تعــالى: (ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) [14]، فــإذا وصــل بــه الأمــر إلــى ذلــك الحــد انقلــب علــى أصــحاب التمسُّــك يلمــزهم ويــؤذيهم بقولــه وفعلــه، ويصـبح قلبـه أسـودَ مربـادا كمـا قـال رسـول الله ( : تُعوورَ ضُ الفوتن علوى القلووب كالحصوير عووودا عودا، فأ قلب أشوربها نكوت فيوٌ نكتوة سووداء ، وأ قلوب أنكرهوا نكوت فيوٌ نكتوة بيضواء ، حتوى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة موا داموت ال سوماوات والأرض ، والآخور أسود مش رر بادا كالكوز مُ جَ خ يا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ).(2) (1) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 1/216.) (2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بدأ الإسلام غريبا وأنه يأرز بين المسجدين، 1/129)، حديث رقم 144، مربادا أي: هو أن يختلط السواد بكدرة ، كالكوز مجخِّيا أي: منكوسا أو مائلا، (صحيح مسلم بشرح النووي،

عدد الصفحات ١٨٢

166 7) إن المتلاعب بالدين يفتح على نفسه أبواب الفتن واسعةً، ويغرق في هواه، فيفعل ما يريـد بدون حـاجز يحجـزه، أو ديـن يردعـه، والشـيطان فـي هـذه الحالـة يتلاعـب بالإ نسـان كـالكرة في يد الصبي، يوجِّهها حيث يشاء، حتى يُرديه في نار جهنم والعياذ بالله. 9) ســبب التلاعــب الــرئيس هــو هــوانُ الــدين عنــد أصــحابه، فيصــبحون بــلا حرمــات، وتصــبح أوامــــر الــــدين لا قدســــية لهــــا، وهــــذا مــــا عملــــت لأجلــــه عقــــول قــــوى الشــــرق والغــــرب عبــــر المستشرقين وأتبـاعهم فـي هـذا الز مـان، ومعهـم مـن يـدَّعون الحداثـة والتحضُّـر والمدنيـة، إنهـا دعوة للتحلل من قيم الشرع الحنيف، واتخاذها ظهريا. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " إن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيشاً جراراً من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين - وأحياناً كتاب وشعراء وفنانين وصحفيين- يحملون أسماء المسلمين، لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة ، وبعضهم من "علماء" المسلمين، هذا الجيش من العملاء موجَّ ه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب، في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة ، وتوهين قواعدها من الأساس ، والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء ، وتأويلها وتحميلها ما لا تطيــق، وال ـدق المتصل على رجعيَّ تها، والدع ــوة للتلــفت منها، وا بعــادها عــن مجــال الحياة إشفاقا عليها من الحياة أو إشفاقا على الحياة منها، وابتداع تصورات ومُ ثُ ل وقواعدَ للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات الع قيدة ومثلها ، وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية ، وا طلاق الشهوات من عقالها، وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لِ تَ خِ رَّ في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثراً ، ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرفون النصوص ".(1) المطلب الثاني: التحذير من التعصب الأعمى: قال الله تعالى: (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ) [12]. إن من منهج الدين الحنيف التحيُّزُ للحق، وعدم الغلو فيه، فلا تعصُّبَ إلا للدين، ولا حميةَ إلا للحق، والن اس في فهم الأمور مختلفون، كلٌّ يفهمها بطريقته، ولكنَّ الضابط في هذا كله الدينُ، فهو الحَ كَ مُ في جميع شؤون الحياة. محيي الدين النووي، 2/173.) (1) في ظلال القرآن، 1/411.)

عدد الصفحات ١٨٣

167 أولا: المعنى الإجمالي " قال اليهود لأتباعهم: لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمن وا به ويحتجوا به عليكم، فلا تظهروا ما عندكم للمسلمين حتى يتعلموه منكم، أو يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتتغلب حجتهم عليكم في الدنيا والآخرة، فرد اللّه عليهم بأن اللّه هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمِّ الإيمان، بما ينزل على رسوله من الآيات البينات، و ليس إظهاركم للحق أو إخفاؤكم له دخل في الهداية، بل الهداية من اللّه وتوفيقه، والفضل بيد اللّه، يؤتيه من يشاء، ويختص برحمته من يشاء، كإعطاء النبوة لمحمد، واللّه دائما ذو الفضل العظيم ".(1) ثانيا: معاني المفردات " (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) : فيه قولان: أحدهما: مع ناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم ، والثاني: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم ".(2) ويجوزأن يكون " قوله تعالى: (ﭮ ﭯ ) كلامَ الله يثبِّت به قلوب المؤمنين لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقو ا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله ".(3) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) كان اليهود ولا زالوا أكثرَ الناس تعصبا لما يرونه من دينهم الباطل، وقد علموا من نصوص كتابهم أنَّ الإسلام هو الدين الخاتم الذي يبعث الله به محمدا ، وعملوا على إضلال المسلمين بطرق شتى، فقد تواصَوا فيما بينهم لينفذوا خدعة تفتَّقت عنها عقولهم الرديئة، وحسِبوا أنها قد تنطلي على بعض المسلمين، ولم يكن في حسابهم أن يُكشَفوا، فأظهر الله تعالى خبيئتهم، وكشف للمسلمين حقيقتهم. 2) بيَّنت هذه الآية مدى تعصُّب اليهود لدينهم المحرَّف، فتآمروا فيما بينهم على عدم تصديق المسلمين، وعدم الوثوق بهم، وألا يُظهروا ما بين أيديهم من كتاب فيكون حجة للمسلمين عليهم. (1) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/253.) (2) النكت والعيون، الماو ر دي، (1/451.) (3) معالم التنزيل، البغوي، 2/11.)

عدد الصفحات ١٨٤

168 3) مساوئ التعصب أ - إن التعصـــب مـــذموم حـــين يفتقـــر إلـــى الـــدليل، أمـــا إذا وُجـــد الـــدليل فـــلا بـــد مـــن التوقـــف عنده، بدون مبالغة ولا مغالاة، فالدين وسط، فلا إفراط ولا تفريط، والأخـذ بالـدليل وعـدم مجاوزته لا يُعدُّ تعصبا، بل هو التمسُّك الذي أمر الله تعالى نبيه  به فقـال سـبحانه: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ) [43]. ب - التعصب دليل على حُمق صاحبه وضعفه، كما يدل علـى كِبـرٍ فـي الـنفس، فـلا يقبـل الحق رغم وضوحه، ويتحجَّر عند رأيه وا ن خالف الصواب. ت - التعصــب مــن صــفات أهــل الجاهليــة، فــإنهم ردُّوا الإســلام لأنهــم وجــدوا آبــاءهم علــى طريقة ورثوها كابراً عن كابر، ولا يريدون مخالفتهـا، فـدفعهم هـذا التعصـب إلـى البقـ اء في الكفر منغمسـين، قـال تعـالى: (ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) [22]. ث - التعصب من بقايا الجاهلية، و كان لأجله يقتتل الناس، وبه يتفاخرون، ويطعن بعضهم في بعض، واشتهر به العرب في جاهليتهم الجهلاء، فجاء الإسلام فهذَّبهم، وجعل منهم إخوة متحابين، وأذاب ا لفوارق التي غرسها فيهم أجدادهم ، فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله  خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: ( يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية(1) الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بَر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب )، قال الله: (ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [13].(2) ج - والتعصب للرأي بدون دليل مدعاة للتباغض وتنـافر النفـوس، فهـو يُعمـي القلـب عـن إبصـار الحقيقـــة، وينهـــى صـــاحبه عـــن التجـــرُّد، ويـــأمره بالاعتـــداد بنفســـه، ويســـوِّل لـــه أنَّ الحـــق إلـــى جانبه، ولا يدري أنَّ قلبه قد غشيته الظُّلمة، وغطَّاه الكِب ر، واستحوذ عليه الشيطان. ح - والتعصُّــب مفتــاح لأمــراض القلــوب، فهــو ينمِّــي الحقــد علــى المخــالف وا ن كــان مُحِقاــا، وهــو يعمــي البصــيرة عــن إدراك الحــق، ويبعــث علــى ال حســد والــبغض، ويشــعل فــي قلــب صــاحبه (1 )عبية الجاهلية أي: نخوتها وكبرها وفخرها، تعاظمها أي: تفاخرها ، (تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ، محمد عبد الرحمن المباركفوري ، 2/111.) (2) سنن الترمذي ، كتاب تفسير القرآن ، باب سورة الحجرات ، (1/392)، حديث رقم 3275، قال الألباني: صحيح

عدد الصفحات ١٨٥

169 نار الغِل والكراهيـة، ويدفعـه إلـى الانتقـام، ويحملـه علـى سـوء الظـن وازدراء الخصـوم، ويصبغه بصبغة الغرور، ويطلق للسانه العنان للنَّيل من الخصم، ويتعاظم في نفسه، وقد نهانا الله تعالى عن كل ذلك. 4) وقــد انتشــر هــذا الــبلاء بــين كثيــر مــن المســلمين فــي القــديم والحــديث، وخصوصــا عنــدما انتشــرت المــذاهب الفقهيــة، فكــان بعــض الأتبــاع يتعصــبون للمــذهب رغــم وجــود الــدليل عنــد الآخــر وبيــان حُجَّتــــه، وكــــذلك عنــــد الفــــرق التــــي نبغــــت نابغتُهــــا عنــــدما ظهــــرت كتــــب الفلســــفة والمنطــــق بــــين المســلمين، فــأدَّى هــذا إلــى تفــرق المســلمين شــيعا، وكــل هــذه الفــرق لا تســتند إلــى دليــل صــحيح معتد به، وا ن كان دليلها صحيحا أفسدَت ه بالتأويل الخاطئ المخالف لروح الشريعة ونهجها. 1) لقد اهتم الغربيون والمعادون للإسلام وأهله بإحياء روح العصـبية الجاهليـة، فعمـدوا إلـى بـث فكــرة القوميــة، ورجــوع النــاس إلــى أعـــراقهم بعــدما وحَّــدها الإســلام، واتِّخــاذ اللغــات القوميـــة، كلغـة الأكــراد والأمازيغيــة ولغــة البرابــرة وغيرهــا ممـا يســهم فــي تفتيــت الوحــدة الإســلامية، وقــد وجـــدوا مـــن يعتنـــق آراءهـــم الخبيثـــة مـــن أبنـــاء أمـــة الإســـلام، ويـــروِّج لهـــا، فظهـــرت الـــدعوات المنتنـــة الجاهليـــة، تفـــرِّق بـــين النـــاس فـــي أعـــراقهم وقوميـــاتهم، وجعلـــو ا بـــين الشـــعوب الحـــدود والســــدود؛ ليطفئــــوا نــــور الأخــــوَّة الإســــلامية، ويبــــذروا بــــذور الفــــتن والشــــقاق بــــين الشــــعوب الإســلامية، وحرصــوا علــى تقويــة طــرف علــى طــرف يعلمــون أنَّ بينهمــا خــلاف مــا، بهــدف إبقاء جذوة الصراع مشتعلة بين الفريقين، وهم ينظرون إلى مكاسبهم التي حقَّقوها. 6) "إن نتــائج التعصــب والتقليــد جســيمة وخطيــرة ، مــن أشــدها عــدم قبــول الحــق، ورده إذا جــاء مــن المخــالف، وهــذا إلــى جانــب كونــه مؤديــا إلــى العــداوة والبغضــاء والتفــرق، فهــو خصــلة ذميمــة مــن خصال اليهود، والذين أمرنا الله تعالى ورسوله ،بمجانبة طريقهم وعدم التشبه بهم ".(1) 7) إنكار الإسلام على من ادَّعـى عصـبية جاهليـة: عـن جـابر بـن عبـد الله رضـي الله عنهمـا قال: كنـا مـع النبـي  فـي غـزاة، فكسـع رجـل مـن المهـاجرين، رجـلا مـن الأنصـار، فقـال الأنصاري: يـا للأنصـار، وقـال المهـاجري: يـا للمهـاجرين، فقـال رسـول الله  :( موا بوال دعوووى الجاهليووة؟ " قــالوا: يــا رســول الله كســع رجــ ل مــن المهــاجرين رجــلا مــن الأنصــار، فقال: " دعوها، ف نها منتنة "، فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها؟ والله لئن رجعنـا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، قال عمر : دعني أضرب عنق هـذا المنـافق ، فقال: " دعٌ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابٌ ).(2) (1) تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين ف ي القرآن الكريم، د. علي الصلابي ، ص351. (2) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، ( 4/1229)، حديث رقم 2194،

عدد الصفحات ١٨٦

171 المطلبالثالث: اختصاصُ الله تعالى بعض عباده بالفضل والخير : قال الله تعالى: (ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) [12]. إن مـــن سُـــنَّة الله تعـــالى فـــي خلقـــه أن يجعـــل بعضـــهم فـــوق بعـــض درجـــات، وا ن كـــان هـــذا داخلاً في الفضل والتشريف فإنَّه في بـاب التكليـف أَد خَـلُ، والله  عنـدما يخـتص أحـدا بنعمـة دون غيره فإنَّ ذلك أدعى للقيام بشكر النعمة، والقيام بما تُوجِبُه هذه النعمة من أعمال وحقوق. " إن أحداً ليس لـه حـقٌّ علـى الله، فكـل لحظـة مـن لحظـات الحيـاة هـي فضـل مـن الله، وهـو سبحانه يعطي رحمته بالإيمان بمنهجه لمن يشاء، وهو صاحب الفضل المطلق ".(1) أولا: المعنى الإجمالي " إن فضل الله الواسع ور حمته العامة يعطيهما بحسب مشيئته، لا كما يزعم أهل الكتاب من قصرها ع لى الشعب المختار من بنى إسرائيل ، فهو يبعث من يشاء نبيا ويبعثه رسولا ، ومن اختصه بهذا فإنما يختصه بمزيد فضله وعظيم إحسانه، لا بعمل قدّمه ولا لنسب شرّفه، فاللّه لا يحابى أحدا لا فردا ولا شعبا ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ".(2) ثانيا: معاني المفردات (ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ) : أي " يخــتص بــالنبوة ومــا يترتــب عليهــا مــن الهدايــة والــنعم مـــن يشـــاء مـــن عبـــاده "(3)،قـــال الإمـــام الطبـــري رحمـــه الله : " وأمـــا رحمتـــه فـــي هـــذا الموضـــع، فالإسلام والقرآن، مع النبوّة ".(4) ثالثا: اللطائف البيانية " (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) تذييل لأن الفضل يشمل إعطاء الخير والمعاملة بالرحمة، وتنبيه على أن واجب مريد الخير التعرض لفضل الله تعالى والرغبة إليه في أن يتجلى عليه بصفة الفضل والرحمة فيتخلى عن المعاصي والخبائث ويتحل ى بالفضائل والطاعات عسى أن يحبه ربه ".(5) والكَس ع هوضَر ب الدُبُر باليَد، (النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 4/173.) (1) زبدة التفاسير، محمد متولي الشعراوي، ص 77. (2) تفسير الشيخ المراغي، أحمد مصطفى المراغي، 3/197.) (3) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/121.) (4) جامع البيان، الطبري، 6/117.) (5) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 1/614.)

عدد الصفحات ١٨٧

171 رابعا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) أنكـر اليهـود أن تكـون النبـوة لأحـد غيـرهم فـأنكر الله تعـالى علـيهم ذلـك، ففـي قولـه تعــالى (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ) [73] "زيـــادةُ تـــذكيرٍ لهـــم وا بطـــال لإحالتهم أن يكون محمد  رسولاً مـن الله، وتـذكير لهـم علـى طـرح الحسـد علـى نعـم ا تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً  ".(1) 2) لم يخلق الله تعالى مخلوقاته على درجة واحدة من الأفضلية، بل جعلهم متفاوتين، فقـد اصـطفى من الملائكة جبريل  أمينا للوحي، ومن البشر الأنبي اء، و من الأيام يوم الجمعة، ومن البلاد مكة، قال تعالى: ( ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) [33]. 3) فضَّل الله تعالى البشر على كثير من خلقه، قال تعالى ( ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) [71]، ورجَّ ح الشيخ الشعراوي رحمه الله أن تكريم الله  لآدم أنخلقه بيده(2)،لكنَّ " الصحيح الذي يُ عَ وَّ لُ عليه أنَّ التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عُ م دةُ التكليف وبه يُ عرف اللهُ ويُ فهم كلامُ ه ويوصِ ل إلى نعيمه وتصديق رسله ، إلا أنه لمَّ ا لم ينهض بكل المراد من العبد بُ عِ ثت الرسلُ وأُ ن زِ لَ ت الكتب ".(3) 4) تفضيل الأنبياء بعضِهم على بعض: قال تعالى: ( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ) [253]، وقــــال تعــــالى ( ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ) [55]، فالرســـول أفضـــل مـــن النبـــي، وكـــان مـــن الرســـل أولـــو ا العـــزم، وهـــم فـــي قولـــه تعـــــــــــــــالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [7]،وأفضــل الخلــق و حبيــب الحــق هــو محمــد ، فهــو مُحَمَّــد فــي الأرض والسماء أي محمود فيهمـا، قـال ( : أنوا سويد ولود آدم يووم القياموة، وأول مون ينشوق عنوٌ القبور، وأول شواف وأول مشوفَّ )(4)،وقــال  :(...واصوطفى موون قوريش بنووي هاشوم، واصووطفاني من بني هاشم ).(5) (1) التحرير والتنوير، ابن عاشور، (3/293.) (2) تفسير الشعراوي، 14/9691.) (3) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/126.) (4) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد على جميع الخلائق، (4/1792)، حديث رقم 2279. (5) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي  وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ، (4/1792)، حديث رقم 2276.

عدد الصفحات ١٨٨

172 1) خيريــة هــذه الأمــة: اختــار الله تعــالى أمــة الإســلام، وجعلهــا خيــر أمَّــة أُخرِجــت للنــاس، وأرســل إليهــا أفضــــل الرســــل وشــــرع لهــــا أفضــــل الشــــرائع، قــــال تعــــالى: (ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ) [111]، وجعـل الله تعـالى منـاط خيريَّتِها في إيمانها بالله تعالى، وقيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن خيريَّة هذه الأمة أنها تشهد يوم القيامة للأنبياء بالبلاغ بما علمت من دينها أنَّ كلَّ نبي قد بلَّغ دعوة ربِه، عن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول ا  :( يُجاء بنوح يوم القيامة، فيقال لٌ: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب، فتُ سر ألُ أُ مَّ تٌ: هل بلَّ غكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمتٌ، فَ يُ جاء بكم، فتشهدون )، ثم قرأ رسول الله  :(ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) قال: عدلا، (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ) [143] ).(1) وفــي ســنة التفضــيل مل حــظ تربــوي، وهــو أن يَتَخيَّــرَ الإنســانُ لنفســه أفضــل السُّــبُل، وهو الإسلام، ويصطفيَ لنفسه أسمى الأخلاق، فبِها يرتقي، وينتقيَ لنفسه أفضل الأشياء فيكون له أهلا، فـلا يرضـى بمهنـة وضـيعة، رغـم احتـرام الإسـلام للعمـل أياـا كـان، ويختـارَ زوجــة صــالحة تكــون فــي ظنــه أفضــل النســاء، وهكــذا فــي شــأنه كلِّــه، ينظــر إلــى معـــالي الأمور وأحسنها، وينأى بنفسه عن الأقل والأدنى، وهذا لا ينافي التواضع. (1) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالقرآن والسنة، باب قوله تعالى (ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ) [بقنة 143] ، (2/157)، حديث رقم 7342.

عدد الصفحات ١٨٩

173 الفصل الراب الدر اسة التحليلية لمقاصد وأهداف الرب الراب من الحزب السادس الآيات ( 11 و52 ) ويشتمل على خمسة مباحث: الموبحث الأول: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 11 و11 ). المبحث الثاني: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيتان ( 15 و12 ). الوومبحث الثووالوث: المقاصد والأهداف لسو رة آل عمران الآيات ( 15 و14 ). المبحث الووووووووراب : المقاصد والأهداف لسو رة آل عمران الآيات ( 11 و15 ). المبحثالخامس: المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 52 و52 ).

عدد الصفحات ١٩٠

174 المبحث الأول المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 11 و11 ) وفيهخمسة مطالب: المطلب الأول: بيان أن الإسلام دين العدل والإنصاف. المطلب الثاني: التحذير من القول على الله تعالى بغير علم. المطلب الثالث: أهمية أداء الأمانة والوفاء بالعهد و التحلي بالتقوى . المطلب الرابع : التحذير من اتخاذ الدين مطية لتحقيق مكاسب دنيوية. المطلب الخامس: التحذير من التلبيس على الناس وفتنتهم في دينهم.

عدد الصفحات ١٩١

175 المطلب الأول: بيان أن الإسلام دين العدل والإنصاف: قال الله تعالى: ( ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ) [11]. هذا " مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الله تعالى قد كشف للرسول  بعضا من مكر أهل الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حَ م لةً على أهل الكتاب وكأنهم كلَّ هم أهلُ سوء، لا ، بل منهم مَن يتميز بالأمانة، وهذا القول إنم ا يؤكد إنصاف الإله المنصف العدل ".(1) أولا: المعنى الإجمالي " هذا سلوك أهل الكتاب في الاعتقاد، أما سلوكهم في المال فمنهم من إن استأمنته على قنطار من الذهب أو الفضة أدَّاه إليك لا ينقص منه شيئاً ، ومنهم من إن استأمنته على دينار واحد لا يؤ ديه إليك إلا إذا لاز مته وأحرجته ، وذلك لأن هذا الفريق يزعم بأن غيرهم أميون ، وأن هم لا ترعى لهم حقوق، ويدعون أن ذلك حكم الله ، وهم يعلمون أن ذلك كذب عليه  ".(2) ثانيا: المناسبة ادَّعى اليهود في الآية السابقة " أنهم أوتوا من المناصب الدينية ما لم يؤت غيرُهم، ثم إنه بيَّ ن  أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان ، و لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان ، وهو أنهم قالوا (ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ) حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل و الكثير.(3) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّ أهل الكتاب انقسموا في أداء الأمانة إلى فريقين، فريقٍ يؤديها بالغةً ما بلغت، وفريقٍ يجحدها وا ن قلَّت ، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " إنها خطة الإنصاف والحق و عدم البخس والغبن يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال (1) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1142.) (2) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر ، (1/21). (3) انظر: التفسير الكبير، الرازي، 9/115.)

عدد الصفحات ١٩٢

176 أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك ، والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال، ذلك أن خصومة أهــل الكتاب للإسلام والمسلمين، ودسهم وكي ـدهم وتدبيرهم الماكـر اللئيم، وا رادتـهم الـشـر بالجماعة المسلمة وبهذا الدين، كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم، حتى في معرض الجدل والمواجهة ، فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناساً أمناء، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية ".(1) 2) الخيانة جزء من الشخصية اليهودية: من نفيس كلام الإمام القرطبي رحمه الله: " أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين ، والمؤمنون لا يميزون ذلك ، فينبغي اجتناب جميعهم، وخُ صَّ أهل الكتاب بالذكر- وا ن كان المؤمنون كذلك- لأنَّ الخيانة فيهم أكثر فخرج الكلام على الغالب، والله أعلم "(2)، وكلام الإمام القرطبي رحمه الله مبنيٌّ على الاحتياط في التعامل مع هؤلاء، فالخيانة فيهم أصيلة، وهم لا يتورَّعون عن إلحاق الضرر بالمسلمين حيثما واتَت هم الفُرَص. 3) أخبرت الآية " عن خلق عجيب فيهم، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يُ دحَض حقُه"(3)، وهذا حال اليهود إلى يومنا هذا 4) قال تعالى ( ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ)[24] ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحِجاج... والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي  ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذَّ بهم من غير أن يصرح بالتكذيب .(4) 1) أمر الله تعالى بالعدل بين الناس فـي الحُك ـم وغيـره فقـال سـبحانه :( ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) [91]، فالعدل" يشمل ما كان في حقه تعالى وفـي حـق عبـاده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفَّرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليـه مـن الحقـوق المالية والبدنية والمركَّبة منهما في حقه وحق عباده ".(5) 6) أهمية العدل وفضيلته أ - إنَّ العــدلَ قيمــة عليــا، يتطلَّــع إليهــا كــل النــاس، فــلا يجــدر بإنســان ســوي أن يبــيحَ لنفســه (1) في ظلال القرآن، 1/417.) (2) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/177.) (3) التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/299.) (4) معالم التنزيل، البغوي، 6/322.) (5) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من علماء التفسير وعلوم القرآن، 4/192.)

عدد الصفحات ١٩٣