المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف الحزب السادس من القرآن الكريم

عبد الله أمين حسين المغير

صفحة ١١ من ١٨

145 إعلانه واتباعه وا ذابة الفوارق وتوحيد العقيدة، وا ن اعتَرَ ضَ نا شيء من سوء التفاهم والخلا ف، وجب أن نَ رُ دَّ ه إلى أصل التوحيد وكلمته ".(1) 4) قررت هذه " الآية وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، فأما وحدانية الألوهية فهي قوله: (ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ) وأكَّ ده بقوله: (ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ )، والإله هو المعبود الذي تُ و لَ ه العقول في معرفته وتدعوه وتصمد إليه لاعتقادها أن السلط ة الغيبية له وحده، وأما وحدانية الربوبية فهي قوله:(ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ) فالرب: هو السيد المربي الذي يطاع فيما يأمر وينهى، والمراد هنا من له حق التشريع والتحليل والتحريم ".(2) 1) "تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات الت ي تهدي الناس إلى طريق الحق بأسلوب منطقي رصين، ولذا كان النب ي  يكتبها في بعض رسائله الت ي أرسلها إلى الملوك والرؤساء ليدعوهم إلى الإسلام ، فقد جاء في كتاب النبي  إلى هرقل - ملك الروم -: ( من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتب الهدى، أما بعد: ف ني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، ف ن توليت ف ن عليك إثم الأريسيين،( ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ)) إلخ الآية(3) ".(4) (1) التفسيرالوسيط، الزحي لي، (1/255.) (2) تفسير القرآن الحكيم، محمد رشيد رضا، 3/326.) (3) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله :( ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ )، (6/31)، حديث رقم 4113، والأريسيون هم الأتباع والزُّرَّاع والأُجراء. (شرح السنة، البغوي،12/279.) (4) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ( 2/179.)

عدد الصفحات ١٦٢

146 المبحث الثالث المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 21 و21 ) وفيهثلاثة مطالب: المطلب الأول: ذم الجدال بغير علم. المطلب الثاني: بيان حقيقة إبراهيم  وتنزيهه عن الشرك المطلب الثالث: الادعاء الكاذب لا يزيد الحق إلا وضوحاً .

عدد الصفحات ١٦٣

147 المطلب الأول: ذمن الجدال بغير علم: قال الله تعوالى: (ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ) [ن11،11]. لقد كرِه الإسلام أن يملأ الرجل فاه كلاما لا علمَ له به، فهو يَ هرِ فُ بما لا يعرف، ويتشدَّق بما لم يتحقَّق، ويملأ المكان من حوله ضجيجا وهو في الحقيقة يجهل ما يقول، وليس من الأخلاق القويمة أن يتعرَّض المرء للجدل، فإنَّ ذلك مُن قِص للهيبة، وهو سبي ل للخطأ والتعصب للرأي. أولا: سبب النزول: " عن ابن عباس  قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول ا ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل الله تعالى: (ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ) ".(1) ثانياالمعنى الإجمالي: لما اختصم اليهود والنصارى عند رسول الله  في شأن إبراهيم  وادّعت كل طائفة أنه كــان منهم وعلى دينهم ، برَّ أ الله  إبراه ـيم مـما ادَّ عـوا فيه ، وأخبر أن اليهودية والنصرانية إن ــما حـدثــا بعد نزول التوراة والإنجيل ، و ا نما نزلا بعد إبراهيم بزمان طويل ، وأنتم أيها اليهـود والنصارى قـد جادلتم وخاصمتم فيما وجدتم في كتبكم وأُ نزِ ل عليكم بيانُ ه في أمر موسى وعيسى، وادَّ عيتم أنكم على دينهما، وقد أنزلت التوراة والإنجيل عليكم ، (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ) فليس في كتابكم أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً ،(ﮫ ﮬ ) يعني ما كان إبراهيم عليه من الدين ، (ﮭ ﮮ ﮯ ) أي: وأنتم جاهلون بما تقولون في إبراهيم .(2) ثالثاالعبر والدلالات المستفادة من الآيتين : 1) بيَّنت الآيتان صفة من صفات أهل الكتاب، وهي المجادلة بغير علم، ونالَهم الذمُّ على فعلهم ذاك، وكثير من الناس قد صارت له هذه الصفة كالقرين، فهي لا تنفكُّ عنه، ولا ينفكُّ عنها، وهذا النوع من الناس كثيراً ما يستجلبون لأنفسهم المتاعب، فهو إن جادل وغَلَبَ فقد كَدَّ عقله، (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/91.) (2 )انظر: لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/363.)

عدد الصفحات ١٦٤

148 وربَّما وقع في الكذب والمِراء، وا ن جادل وغُلِب اعتبر ذلك هزيمة له ولابد له من ردِّ اعتبار، فهذا مرض نفسيٌّ، يجب على صاحبه أن يتخلَّص منه بشتى الطرق. " (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ) ختم الله  ببيان علمه تعالى المؤكد، فقرر العلم المطلق له سبحانه، ونفَى عنهم العلم في هذا المقام، فالله  هو الذي يعلم حال إبراهيم ، ويعلم الحق فيما يتحاجون به بعلم وبخير علم ، ويعلم مَن الذي يكون أهلا لرسالته أيكون من العرب أم يكون من العجم؛ (ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ) [124]،وهو الذي يعلم بخفايا نفوسهم، والحقد الدفين فيها، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله. وقد قرر سبحانه أنهم لاَ يعلمون، فقال: (ﮭ ﮮ ﮯ )، فهم لا يعلمون حال إبراه يم  ولا من هو أهل للرسالة ، وليس من شأنهم أن يعلموا؛ لأنَّ أحقادهم تحول بينهم وبين أن يدركوا الذي عليه من يخالفونهم، فإنه لاَ شيء كالحقد والحسد يحول بين المرء والإدراك السليم والعلم الصحيح ".(1) 2) الجدال بعلمٍ له ضوابط وآداب، فلابد له من نية صادقة، والحق يحتاج إلى أن يتكلَّف الإنسانُ الكلمةَ، فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار، وعلى من يتصدَّر لهذا الأمر أن يراعيَ ذلك، فعليه أن يعرض فكرته بقوة وأدب ووضوح، ولا عليه أن يستجيب الخصم، فقد أدَّى دوره المَنوط به. ومن لا علـمَ لـه لـيس مـن حقـه أن يجـادل، فإنـه سـيُ غري بـ ه السـفهاء، فيجهلـون عليـه، ولـن يستطيع بيان الحق في المسألة، وسيكون عُرضة للَّوم والعتاب، وهو عن ذلك غني. 3) عدم جواز الجدال بغيـر علـم " فـي الآيـة دليـل علـى منـع الجـدال بالباطـل، بـل ورد الترغيـب فـي ترك الجدال من المُ حِـق... وقـد ورد تسـويغ الجـدال بـالتي هـي أحسـن كقولـ ه تعـالى:(ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ) [125]،( ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ) [46]، ونحو ذلك فينبغي أن يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة ".(2) 4) الجدل بغير علم سبيل للحيدَة عن الحق، ومفتاح الضلال في الدين، فلا يزال بصاحبه حتى يَغ مِسَه في الضلال غَم سا، فلا يستطيع منه فِكاكا، فعن أبي أمامة  قال رسول ا  : ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليٌ إلا أوتوا الجدل )، ثم تلا رسول الله  هذه الآية:( ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ) [58](3)، والمع نى " أنَّه ما ضلَّ قوم مهديون كائنين (1) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1263،1264.) (2) فتح البيان في مقاصد القرآن ، صديق القنوجي، (2/262.) (3) سنن الترمذي، كتاب تفسير القر آن، باب سورة الزخرف، ( 1/379)، حديث رقم 3213، قال الألباني: حسن

عدد الصفحات ١٦٥

149 على حال من الأحوال إلا أوتوا الجدل ، يعني من ترك سبيل الهدى وركب سنن الضلالة "(1)، فقد كان أهل الأهواء والبِدع يشتغلون بالجدل عمَّا يعتقدون انتصارا لمذاهبهم الفاسدة وأقوالهم الباطلة، فقد أفرزت للأمة عقولُهم خبيثَ ما كانو ا يُب طِنون، فَضَلُّوا وأضَلُّوا، وما نالوا خيرا قط، فالناس عن ذكرهم بالخير لاهون، كما كانوا هم عن الخير ساهون، وهذه مصائر من اتَّبع هواه بغير هدى من الله، أن ينسى الناسُ ذكرَه، ولا يذكرون محامدَه، وا ن كانت قد سارت بآرائه الرُّكبان، وتناقلها الناس على مرِّ الزمان. 1) من أضرار ومخاطر الجدال أ - كثــرة الجــدال تُــوغِر الصــدور، وتجعــل فُــرَص الإصــلاح بــين المتجــادلين بعيــدةً وصــعبةً؛ لأنَّ طرفا مقتنع برأيه، ولا يجد عنه محيصا، ويرى غيرَه على الباطل وا ن كان مُحِقاا. ب - يورث صاحبه الكِب رَ والغـرور، فهـو لا يقبـل مـا عنـد الغيـر مـن نصـح ورأي، بـل الـرأيُ رأيُـه، والقولُ قولُه، وهو يرى نفسه فوق الجميع، ولا يرى لأحد عليه فضلا؛ حتى لا يشعر بالنقص. ت - يَب عثُ على كثرة الخصومات، فعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي  قال ( إن أبغض الرجال إلى الله الألَ دن الخَ صش م ) (2) ، كما يدعو إلى التعصُّب للرأي والاعتدادِ به، وين أى بصاحبه عن التجرُّد للحق والانتصار له. ث - الجــدل فــي كثيــر مــن أحيانــه - بــدافع مــن التعصــب والرغبــة فــي الانتقــام - يــدعو إلــى رمــي الآخرين بالتهم الباطلة بما يُنقِص من شأنهم، ويَحُطُّ من قد رهم. ج - " ضـــياع الحقـــائق بـــين المتجـــادلين، و تبعثُـــرُ الحقـــائق علـــى الأفـــو اه، فـــلا يضـــبط قـــول، ولا يســتقيم فكــر؛ ولـــذلك كــان العلمـــاء الربــانيون ينهـــون عــن الجـــدل ؛ لأن مثــارات الجـــدل هــي مثـــارات الشيطان ".(3) ح - والجــدل بغيــر علــم يجعــل مــن صــاحبه أضــحوكة للنــاس، فــإنَّ همَّــه أن ينتصــر لنفســه، ويقرِّر قوله، فهو يخبط خبط عشواء، ويكون متردِّدا، فهو لا يدري من أين يؤتَى، وتلك علامة الجاهلين. (1) فيض القدير، المناوي، 1/172.) (2) صحيح البخـاري، كتـاب المظـالم والغصـب، بـاب قولـه تعـالى ( ﭽ ﭾ ﭿ ) [214]،3/131)، حـديث رقـم 2417،الألد هو العسير الخصومة الشديد الحرب ، (شرح صحيح البخار ي، ابن بطَّال، 6/192.) (3) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 2/4147.)

عدد الصفحات ١٦٦

151 المطلب الثاني: بيان حقيقة إبراهيم  وتنزيهٌ عن الشرك : قال الله تعالى: (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ) [11]. جــادل اليهــود والنصــارى فــي إبــراهيم ، فــادَّعى اليهــود يهوديَّتــه وادعــى النصــارى نصرانيته، فردَّ الله تعالى علـيهم قـولهم، وهنـا يبـين القـرآن حقيقـة ديـن إبـراهيم ، وأنَّـه كـان موحِّدا، وأثبت براءته من الشرك. أولا: المعنى الإجمالي: " مــا كــان إبــراهيم  فــي يــوممــن الأيــام يهوديــا كمــا قــال اليهــود، ولا نصــرانيا كمــ ا قـال النصـارى ولكنـه كــان حنيفـا أ ي مـائلا عــن العقائـد الزائفـة متحريــا طريـق ا لاسـتقامة، وكــان "مسلما" أي: مستسـلما اللّـه تعـالى منقـادا لـه مخلصـا لـه العبـادة وَمـا كـانَ مِـنَ ال مُش ـرِكِينَ الـذين يشـــركون مـــع اللّـــه آلهـــة أخـــرى بـــأن يقولـــوا إن اللّـــه ثالـــث ثلاثـــة، أو يقولـــوا عزيـــر ابـــن اللّـــه أو المسيح ابن اللّه أو غير ذلك من الأقوال الباطلة والأفعال الفا سدة ".(1) ثانيامعاني المفردات : (ﯚ) : الحَنَــفُ هــو الميــل، و الحنيــف: المائــل إلــى الــدين المســتقيم(2)،" وقيــل: الحنيــف الــذي يوجــد ويختتن ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته، وهو أحسن الأديان وأسهلها وأحبها إلى الله  ".(3) "وكلمة (ﯚ) تعني الدين الصـافي القـادم مـن الله، والكلمـة مـأخوذة مـن المُ حَ سَّـات، فـالحَ نَ فُ هو ميل في الساقين من أسفل، أي اعوجاج في الرجلين، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مُ س تَ وٍ ".(4) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) قـال تعـالى(ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ) [141]، قـــال الحسن البصري رحمه الله : " كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلامُ، (1) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 2/191.) (2) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/99.) (3) لباب التأويل في معاني التنزيل، الخازن، 1/363.) (4 )زبدة التفاسير ، محمد متولي الشعراوي، ص76.

عدد الصفحات ١٦٧

151 وا ن محمدا رسول الله، وا ن إبراهيم وا سماعيل وا سحاق ويعقوب والأسباط كانوا بـرآء مـن اليهوديـة والنصرانية، فشهِد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك ".(1) ففي هذه الآية " حدّد القرآن هوّية الأنبياء السابقين، وأنهم يلتقون مع خاتم النّبيّين على دعـوة واحدة هي دعوة التوحيد الخالص لله ، وعبادة اللّه وحده، والعمل بالفضائل، والبعد عن الرّذائل ".(2) 2) وقد بيَّن الله تعالى حقيقةإبراهيم  في غير ما موضع، قال تعالى(ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) [131،131]، فجعل الله تعالى ملةَإبراهيم  أصلا، وجعل الراغبين عنها سفهاء، لا يفقهون حقيقة رسالته. 3) يقول الشيخ الشعراوي رحمه ا وهنا يتساءل الإنسان، هل كان إبراهيم  في العوج أو في الاستقامة؟ وكيف يكون حنيفا، والحَ نَ فُ عِ وَ ج؟ وهنا نقول: إن إبراهيم  كان على الاستقامة، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان مُ ع وجا ا، وجاء إبراهيم ليخرج عن هذا العوج، وما دام منحرفا عن العوج فهو مستقيم ".(3) 4) دعا إبراهيم  أباه وقومه إلى التوحيد، وكان أبوه صانع الأصنام، فهو يصنعها ويبيعها، وكان إبراهيم  يتهكَّم عليهم وعلى آلهتهم الباطلة، فبع د مناقشتهم في التوحيد انتهى به الأمر إلى تحطيم أصنامهم وهم في عيدهم، فكادوا له وتآمروا عليه ليحرقوه، فنجَّاه الله تعالى منهم، ورفع ذِكرَه في العالمين، قال تعالى: (ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ) [57،58]. 1) دعا إبراهيم  إلى التوحيد بما أوتيَ من قوة وبما وسِعت ه الحيلة، واستخدم أساليب الحوار والإقناع، فها هو في دعوته لأبيه يستخدم أسلوبا رقيقا يتناسب ودعوةَ الأ ب، قال تعالى : (ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ) [ 42]،وفي دعوته للنمرود استخدم الإقناع بالحُجَّة، قال تعالى: (ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ) [258]. (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ( 2/156.) (2) التفسير الوسيط، الزحيلي، 1/63.) (3) تفسير الشعراوي، 3/1121).

عدد الصفحات ١٦٨

152 وفي دعوته للناس الذين يعبدون الكواكب استخدم معهم أسلوب الإقناع بالتدريج، ثم بيَّن لهم أنَّ الشمس والقمر والكوكب تغيب عنهم فلا تصلح أن تكون آلهة، فالإله لا يغيب عن مخلوقاته، ولما انتهى من حوارهم: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ) [78-79]. المطلب الثالث: الاد عاء الكاذب لا يزيد الحقَّ إلا وضوحا : قال الله تعالى: (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ) [11]. كثيرا ما يقدِّم أهل الباطل خدماتٍ مجانيَّةً للحق وأهله، وهذه الخـدمات تـوفِّر علـى المـؤمنين عنـاء التجرِبة، وتعطيهم ثقة كبيرة بالحق الذي يحملوه، وتُ كسِبُهم تعاطفا من الناس وربَّما من بعض المخالفين. أولا: سبب النزول: " قال رؤساء اليهود للنبي  :لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منـك ، وأنـه كـان يهودياـا وما بك إلا الحسد فنزلت هذه الآية ".(1) ثانيا المعنى الإجمالي: " (ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ) أي: أجــــدرهم بولايتــــه وأحــــراهم بموافقتــــه ، (ﯥ ﯦ ) فــــي عصره وأجابوا دعوته فاهتـدوا بهديـه ، (ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ) معـه فـإنهم أهـل التوحيـد المخلـص الذي لا يشوبه اتخاذ الأولياء ولا التوسل بالوسطاء والشـفعاء ، وأهـل الإخـلاص فـي الأ عمـال الـذي لا يبطله شرك ولا رياء ، وهذا هو روح الإسلام والمقصود من الإيمان ".(2) ثانيا: العبر والدلالات المستفادة من الآية: 1) كيد أعداء الحق يعـود علـى الحـق وأهلِـه بـالنفعلمَّـا ادَّعـى أهـل الكتـاب أنَّ إبـراهيم  مـنهم، أكــذبهم الله تعــالى وردَّ علــيهم قــولهم، وهكــذا شــأن أهــل الباطــل دائمــا، يرمــون أهــل الحــق بــالتُّهَم الباطلة والإفك الصارخ، ولم يد رِ هؤ لاء أنَّ فعلهم ذلـك يعـود علـى أهـل الحـق بـالنفع وعلـى الحـق كذلك، فالافتراء والتشهير ونحوهما تعمل على وضوح الحق وا ن طال الزمن. 2) لقــد كــان المشــركون يعتقــدون فــي النبــي  الأمانــةَ والصــدقَ، وكــان اتهــامُهم لــه بالكــذب والجنــون والكهانــة والســحر ضَــر ب مــن التنــاقض، فقــد كــان مــن الم شــركين مــن لا يــوافقهم علــى ذلــك إلا (1) زاد المسير، ابن الجوزي، 1/453)، أسباب النزول، الواحدي، ص 159. (2) تفسير القرآن ال حكيم، محمد رشيد رضا ، (3/335.)

عدد الصفحات ١٦٩

153 بـدافعٍ مــن الكِبـر والغــرور، رغـم اقتنــاعهم بأمانتـه وصــدقه وأخلاقـه، وقــد كشـف القــرآن الكــريم بعض ذلك، قـال تعـالى: (ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ) [33]،" عـن علـي  قـال أبـو جهــل للنبـي : إنـا لا نكـذبك، ولكــن نكذب ما جئت به، فنزلت هذه الآية ".(1) 3) عنــدما ادَّعــى فرعــون الربوبيــة والألوهيــة واســتخفَّ قومــه بــذلك، كــان بيــانُ الحــقِّ واضــحا فــي يــوم الزينــة، وعنــدما غــرق هــو وجنــودُه، فلــو كــان كمــا يــدَّعي لأنقــذ نفســه مــن الهــلاك، ولكنــه ادِّعـــاء كـــاذب لا يقـــوى أمـــام قـــذائف الحـــق، وكـــذلك كـــان النمـــرود عنـــدما ادَّعـــى أنـــه يحيـــي ويُميـت، كانـت المنـاظرة الشــهيرة التـي انقلـب فيهــا النمـرود علـى أعقابــه خاسـئا، عنـدما حَجَّــه إبراهيم . 4) أهل الباطل في كل زمان ومكان لا يألُون جهداً في إلحاق التُّهم الباطلة بأهل الحق، ولـم يعلموا أن ادَّعاءاتهم الكاذبة تزيد أهل الحـق قـوةً إلـى قـوتهم، وتزيـد التفـاف النـاس حـولهم، وتضــاعِف مســتوى إيمــانِ أهــل الحــق بحقِّهــم، وكلمــا ضــيَّقوا الخنــاق علــيهم جــاءت النتــائج عكســية لمــا كــانوا يؤمِّلــون، فهــم يمكــرون بالليــل والنهــار، ويــدبِّرون الدســائس والمــؤامرات، ويعتقـــدون ســـرِّيَّتَها، فـــإذا هـــم مكشـــوفون مفضـــوحون، وهـــذا مـــن لطـــف الله تعـــالى بعبـــاده المـــــــــــــؤمنين، قــــــــــــــال تعــــــــــــــالى: ( ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ) [38]. (1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ( 6/26.)

عدد الصفحات ١٧٠

154 المبحثالراب المقاصد والأهداف لسورة آل عمران الآيات ( 25 و15 ) وفيهثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان ضلال أهل الكتاب واهتداء أهل الإسلام. المطلب الثاني: تحذير أهل الإيمان من الكفر وكتمان الحق. المطلب الثالث: دعوة المسلمين إلى نبذ الاتصاف بصفات أهل الكتاب.

عدد الصفحات ١٧١

155 المطلب الأول: بيان ضلال أهل الكتاب واهتداء أهل الإسلام: قال الله تعالى : (ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ) [11]. بيَّنت آيات كثيرة من القرآن الكريم أنَّ أه ل الكتاب قد ضلَّوا السبيل وتنكَّبوا الطريق، فقد حرَّفوا كتبهم المنزَّلة من عند الله تعالى، وقام أحبارهم ورهبانهم بتغيير معالم دينهم، أما المسلمون فقد هداهم الله تعالى، فكانت شريعتهم معصومة، وتكفَّل الله تعالى بحفظ كتابهم، وقيَّض الله تعالى لهم علماء ربانيي ن يصحِّحون للأمة مسارها كلَّما نَأَت بها الآراء وتشعَّبت بها المذاهب. أولا: سبب النزول: " قال اليهود لمعاذ بن جبل وعمار بن ياسر: تركتما دينكما واتبعتما دين محمد ؟ فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس  ".(1) ثانيا المعنى الإجمالي: " إن فريقاً من أهل الكتاب يتمنون إضلال المؤمنين وفتنهم عن دينهم، بإلقاء الشبه التي تُ وهِ ن الاعتقاد، وهم ف ي عملهم هذا لا يضلُّون إلا أنفسهم بإصرارهم على الضلال الذى يحيق بهم وحدهم، ولا يعلمون إنَّ عاقبة سعيهم هذا لاحقة بهم ولا تضُ رُّ المؤمنين ".(2) ثالثا: العبر والدلالات المستفادة من ا لآية: 1) موقف أهل الكتاب العدائي من بعثة النبي والأمة الإسلامية: لقد امتلأت قلوب اليهود والنصارى غيظاً بعد مبعث محمد ، وما كان ذلك إلا الحسدُ، فإنه قد أنبأتهم التوراة والإنجيل بأنَّ نبيا قد أظلَّ زمانُه، فكانوا ينتظرونه على أنه مرسَل لهم على وجه الخصوص، ولم يكونوا يعلمون أنه من العرب، فلمَّا بُعث النبي  أضمروا عداوته من أول الأمر، ولم يألُوا جهدا في تأليب الناس عليه. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " إنَّ الإح نة التي يكنُّها أهل الكتاب للجماعة المسلمة هي الإح نَة المتعلقة بالعقيدة، إنهم يكرهون لهذه الأمة أن تهتدي، يكرهون لها أن تفيء إلى عقيدتها الخاصة في قوة وثقة ويقين، ومن ثَمَّ يرصدون كلها لإضلالها عن هذا المنهج، والإلواء بها عن هذا الطريق "، ثم يقول: " وهذه الرغبة القائمة على الهوى والحقد والشر، ضلال لا شك فيه، فما تنبعث هذه الرغبة الشريرة الآثمة عن خير ولا عن هدى، (1) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 1/454)، معالم التنزيل، البغوي، 2/13.) (2) تفسير المنتخب، لجنة من علماء الأزهر، 1/29.)

عدد الصفحات ١٧٢

156 فهم يوقِعون أنفسهم في الضلالة في اللحظة التي يودون فيها إضلال المسلمين، فما يحب إضلال المهتدين إلا ضال يهيم في الضلال البهيم "، ثم يقول: " والمسلمون مَك فِيُّون أمر أعدائهم هؤلاء ما استقاموا على إسلامهم، وما لهم عليهم من سبيل، والله سبحانه يتع هَّد لهم ألا يصيبهم كيد الكائدين، وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي المسلمون مسلمين ". (1) 2) تعريض القرآن بأهل الكتاب وضلالهم: لقد أكَّد القرآن الكريم هذا الشعور الخبيث عند أهل الكتاب، وهو الحسد بعد تبيُّن الحق الواضح عندهم، فقال تعالى:(ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ) [119]. قــال تعــالى (ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ) [44]، يقول ابن كثير رحمـه ا يخبـر تعـالى عـن اليهـود علـيهم لعـائن الله المتتابعـة إلـى يـوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى ويعرضون عما أنزل الله على رسوله ، ويتركون مـا بأيـديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد  ليشتروا به ثمنـا قلـيلا مـن حطـام الـدنيا ، (ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ) أي يــودون لــو تكفــرون بمــا أنــزل علــيكم أيهــا المؤمنــون وتتركــون مــا أنــتم عليــه مــن الهـــــــــــدى والعلـــــــــــم النـــــــــــافع ،(ﭑ ﭒ ﭓ) أي: هـــــــــــو يعلـــــــــــم بهـــــــــــم ويحـــــــــــذركم مـــــــــــنهم ، (ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ) [النساء45] أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه ونصيرا لمن استنصره ".(2) 3) يقول الشيخ الشعراوي رحمه ا إن معنى " ودَّ ت " هو " تمنَّ ت " و " أحبَّ ت "، ولماذا أحبوا أن يُضِ لُّ وا المؤمنين؟ لأن المنحرف حين يرى المستقيم، يعرف أنه كم نحرف لم ينجح في أن يضبط حركته على مقتضى التكليف الإيمان ي لــ " افعل " و " لا تفعل "، أما الملتزم المؤمن فقد استطاع أن يضبط نفسه، وساعة يرى غير الملتزم إنسانا آخر ملتزما، فإنه يحتقر نفسه ويقول بينه وبين نفسه حسدا للمؤمن: لماذا وكيف استطاع هذا الملتزم أن يقد ر على نفسه؟ ويحاول المنحرف أن يأخذ الملتزم إلى جانب الانحراف، وعندما لا يستطيع جذب الملتزم إلى الانحراف فهو يسخر منه، ويهزأ به، ويحاول أن يحتال عليه ليأخذه إلى جانب الانحراف ".(3) (1) في ظلال القرآن ، (1/413،414)، والإحنة: هي الحقد في الصدر،وجمعها إحَن و ا حَنَات ، (النهاية في غريب الحديث والأثر ، ابن الجزري، (1/27)، تاج العروس، الزبيدي، 34/119.) (2) تفسير القرآن العظيم، 4/21). (3) تفسير الشعراوي، 3/1133.)

عدد الصفحات ١٧٣

157 4) إنَّ محاولات أهل الكتاب لإضلال المسـلمين وردِّهـم عـن ديـنهم تبـيِّن أنَّ الـدين الخـاتم هـو الحــق الــذي تــتحطَّم عليـــه كــل آمــالهم، ومحــاولاتُهم هـــذه كثيــرة، فحمــلات التنصــير كانـــت مســــتمرة وبـــــدون انقطــــاع لأجيـــــال المســــلمين، مســـــتغلِّين فقــــر المســـــلمين وجهلهــــم بـــــدينهم وحــاجتَهم إلــى العــيش الكــريم، ولكــنَّ الصَّــحوة الإســلامية التــي طوَّفــت فــي بــلاد المســلمين، أيقظتهم من سباتهم، وراحت تبشِّرهم بالعلو والمجد فـي قـادم الأيـام، ولعبـت دورا كبيـرا فـي انحسار هذا المدِّ الهائج من حملات التنصير التي ترعاها دول الغرب. وأعمال أهل الكتاب من تضليل وتشويه ما هو إلا دليل جهالتهم بدينهم، فدينهم في أصله يدعو إلى التوحيد، وقد بشَّر أنبياؤهم بمجيء محمد ، قال تعالى (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [6]. 1) طبيعة الإسلام ومميزاته تقف سدا أمام إرادة الضلال والفتنة: أنزل الله تعالى القـرآن للمسـلمين كتابـا مُحكمــاً ، وحفظــه مــن الانــدثار والضــياع، وســهَّل للعــالمين ذكــرَه فقــال تعــالى: (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ) [17]، وجعــل شــريعتهم وســطا، تلبــي احتياجــات الإنســان، وتحمــي حقوقه، وتجيب عن تساؤلاته المتعلقة بالكون والحياة، فلا تتركـه نَه بَـةً لآراء خادعـة، ولا لمـذاهب سقيمة، تُض ني عقلَ ه، وتُمرِ ض قلبَ ه. وما دامت هذه الشريعة بهذا الكمال، وبهذا التناغم مع النفس البشرية فإنَّها ستقود البشرية إلى المجد والرِّفعة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وهذا يعني أنها تمتلك أدوات التأثير على القلوب والعقول، فهي ربانية المصدر، ووسطية لا غلوَّ فيها، ومتوازنة وثابتة لا تتغير، وهي واضحة لا غموض فيها، وتناس ب الفطرة ولا تعارضها، وتحترم العقل، فهذه المزايا جعلت أهل الكتاب يشعرون بالحرج وضيق الصدر؛ لأنها تسحب من تحت أرجلهم البساط، وتكشف للناس عوارهم ، وهذا ما لا يسلِّمون به أبدا، فكان أن جعلوا من أنفسهم أبواقا كاذبة، ينشرون الشبهات عن هذا الدين، ويشوَّهون رموزه، ويتعرَّضون بالأذى لأتباعه، وهم يعلمون أنَّ هذا الدين منتصر لا محالة، ولكنهم يعملون على تأخير هذا النصر ما وسعتهم الحيلة، وبما أوتوا من قوة. " إنهــم لا يشــعرون بالكارثــة التــي ســوف تــأتي مــن هــذا الضــلال المركــب الــذي ســينالون عليه العقاب، ولو أنهم تعمقوا قليلا في ال فهـم لتوقفـوا عـن إضـلال غيـرهم، ولـو بحثـوا عـن اليقـين الحق لتوقفوا عن ضلال أنفسهم ".(1) (1) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، 3/1136.)

عدد الصفحات ١٧٤

158 6) حذَّر الله تعالى المؤمنين من طاعة أهل الكتاب، فهم لا يبغون إلا الشر والضلال، قال تعالى (ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ) [111،111]، وتبين الآية أنَّ المسلمين هم أهل الهدى والاستقامة، وأن الاعتصام بكتاب الله تعالى وبما جاء به الرسول  هو صمام الأمان لهم. 7) المسلمون مهتدون بهدايـة الله تعـالى لهـم، فعقيـدتهم واضـحة، وشـريعتهم سـمحة، تيسِّـر علـى الناس أمور حياتهم، ويقبلها العقل، وتستريح بها ا لنفس، وهم ذَوُو خُلُق ينهـاهم عـن ارتكـاب ما لا ينبغي من آثام، وقد رفع الله تعالى عنهم الآصـار التـي كانـت علـى أهـل الكتـاب، ولـم يكلِّفهم الله تعالى من الأعمـال مـا لا يسـتطيعون، ووعـدهم علـى القليـل مـن الأعمـال العظـيمَ مــن الأجـــر، فـــذلك أدعـــىٰ لتمسُّـــكهم بـــدينهم واهتــدائهم بـــه، ويكفـــي لاهتـــدائهم بهـــذا الـــدين أن نــبَّههم الله تعــالى لِمَــا كــان عليــه ســابقوهم مــن الضــلال والفســاد، وا عــلام الله تعــالى لهــم بكيــد أعدائهم لهم وتربُّصهم بهم، مع بيان ما هم عليه من الحق، وما عليه أولئك من الباطل. المطلب الثاني: تحذير أهل الإيمان من الكفر وكتمان الحق: قال الله تعالى: (ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ) [12]. بعــث الله تعــالى أنبيــاءه للنــاس ليبيِّنــوا لهــم مــا يجــب أن يــأتوه، ومــا يجــب أن يــدَعوه، فكان أوجبُ الواجبات الإيمان، وأظلـم الظلـم الكفـر، ولهـذا كـان الصـدعُ بـالحق وا ظهـاره للنـاس شـيمةَ الأنبيــاء وأتبـاعهم، فــلا ينبغـي لهــم كتمانــه، بـل يلــزمهم حم ـلُ النــاس عليـه مــا اســتطاعوا، فهو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة. أولا: المعنى الإجمالي: " (ﯾ ﯿ ) من اليهود والنصارى ، (ﰀ ﰁ ) يقول: لم تجحدون، (ﰂ ﰃ) يعني: بما في كتاب الله الذي أنزله إليكم على ألسن أنبيائكم، من آيِ هِ وأدلته ، (ﰄ ﰅ) أنه حق من عند ربكم ، وا نما هذا من الله  توبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد  وجحودهم نبوّتَ ه، وهم يجدونه في كتبهم، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ، وأنه من عند الله ".(1) (1) جامع البيان، الطبر ي، (6/152.)

عدد الصفحات ١٧٥

159 ثانيا: العبر والدلالات المستفادة من الآية 1) هــذا النــداء الموجَّــه لأهــل الكتــاب فيــه إنكــار علــيهم لكفــرهم بآيــات الله تعــالى، فــإن وجــود الــدلائل أمــام أعيــنهم باعــث لهــم علــى الإيمــان لا الكفــر، وفــي هــذا النــداء إشــارة للمســلمين لأِن يحـــذروا مـــن الكفـــر والارتـــداد إليـــه بعـــد الإيمـــان، فـــإنهم إن فعلـــوا ذلـــك اســـتحقوا الـــذَّمَّ الحاصــل لأهــل الكتــاب، فأهــل الكتــاب لــم يرعَــو لكتــبهم حرمــة، فلــم يصــونوها، وخلطوهــا بغيرها وحرَّفوها، فكان الذم لهم قرينا، وكان الذم لكل من سلك مسلكهم. 2) كتمان الحق والضَّنُّ به على الناس، فهو من صفات خبيثي النفوس، الذين لا يريدون للناس الهداية، ولا يريدون لكلمة الدين أن تسود، فاليهود عندهم علم من كتبهم بصفة ا لنبي ، ورغم ذلك كتموا أمره، ولم يبثُّوا ذلك في الناس، قال تعالى:(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ) [146]، وقال تعالى (ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ) [159]،قال أبو العالية(1) : "نزلت في أهل الكتاب، كتمُوا صفة محمد ثم أخبر أنهم يلعنهم كلّ شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كلّ شيء، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ".(2) وعن أبى هريرة  قال: قال رسـول الله : ( من سئل عن علم فكتمٌ ألجموٌ الله بلجام من نار يوم القيامة ).(3) 3) جــرَت عــادة كثيـــر مــن حملـــة العلــم فـــي هــذا العصــر علـــى اتِّبــاع الملـــوك والرؤســاء، رغـــم علمهـــم بـــأنَّ ذلـــك فتنـــةً فـــي الـــدين، وتلبيســـا علـــى عـــوام المســـلمين، فهـــم لا يســـتطيعون أن يجهروا بكلمة الحق ولا أن يتحمَّلوا تبعاتهـا، وفـي الوقـت ذاتـه لا يريـدون البقـاء بعيـدا عمَّـا هــم فيــه، فيفقــدون امتيــازاتهم، وتــذهب عــنهم الشــهرة، فاتِّبــاعهم لــرأي الملــوك والرؤســاء نــوع مــن كتمــان العلــم الــذي تعلَّمــوه، وتــزداد خطــورة الأمــر عنــدما تخــرج فتــاوى توافــق الســلطان وتخـالف نصــوص الشــرع، فهــذا فيـه ارتكــاب لجــريمتين، الأولــى فـي كتمــان الحــق، والثانيــة في مخالفة الحق رغم العل م به، وفي هذا افتـراء علـى الـدين بنسـبة مـا لـيس منـه إليـه، وقـد (1) أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران البصري الفقيه المقر ئ، رأى أبا بك ر، وقرأ القرآن على أبي وغيره ، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما ، مات على الأصح سنة ثلاث وتسعين رحمه الله تعالى . (تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/61.) (2) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/136.) (3) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، ص 454، حديث رقم 3619، قال الألباني: حسن صحيح.

عدد الصفحات ١٧٦

161 نهـــى الله تعـــالى عـــن ذلـــك فقـــالســـبحانه: (ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) [116]. 4) ويدخل في كتم الحق الامتناعُ عـن شـهادة الحـق لمسـتحقيها، فـإنَّ فـي ذلـك إضـاعة للحـق على أصحابه، وفتحُ ثغرة لأصحاب الأيمـان الكاذبـة لـلإدلاء بأيمـانهم، قـال تعـالى: (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ) [283]. 1) كمـا يــدخل فـي كــتم الحــق شـهادةُ الــزور، فشـاهد الــزور يعلــم الحـق ويعــدل عنـه؛ ليقتطــع مــن مال غيره بغير وجه حق، وفيه ظلم بيِّن لأصحاب الحق، وقد ورد التحذير الشديد مـن قـو ل الـــزور فـــي القـــرآن الكـــريم، قـــال تعـــالى : (ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ) [31]،فاقترن قول الزور بالشرك بالله تعـالى، و عـن عبـد الـرحمن بـن أبـي بكـرة، عن أبيه  قال: قال النبي  :( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثا، قالوا: بلى يوا رسوول الله، قوووال: " الإشوووراك بوووالله، وعقووووق الوالووودي ن - وجلوووس وكوووان متكئوووا فقوووال- ألا وقوووول الزور"، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليتٌ سكت ).(1) المطلب الثالث: دعوة المسلمين إلى نَ بر ذ الات صاف بصفات أهل الكتاب: قال الله تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ) [15]. أو سبب النزول: " عـــن ابـــن عبـــاس رضـــي الله عنهمـــا قـــال: قـــال عبـــد الله بـــن الصـــيف وعـــدي بـــن زيـــد والحارث بن عوف بعضهم لبعض تعالوا نجيء نؤمن بما أنـزل الله علـى محمـد وأصـحابه غـدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع ويرجعون عن دينهم ، فأنزل الله تعالى فيهم:(ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ) ".(2) ثانياالمعنى الإجمالي: " لم تخلطون الحق الذي جاء به النبيون، ونزلت به كتبهم مـن عبـادة اللّـه وحـده، والبشـارة بنبـــي مـــن بنـــي إســـماعيل يعلّـــم النـــاس الكتـــاب والحكمـــة بالباطـــل الـــذي لفّقـــه أحبـــاركم ورؤســـاؤكم بتــأويلاتهم الفاســدة، وتجعلــون ذلــك دينــا يجــب اتباعــه، كمــا جــاء فــي آيــة أخــرى (ﭞ ﭟ ﭠ (1) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، 3/172)، حديث رقم 2614. (2) العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني،2/623.)

عدد الصفحات ١٧٧