129 إضافة إل العقوبات الجسدية العجلة التي قد يتعرض لها الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر , في الحياة الدنيا , توجد عقوبات نفسية نازلة بهم لا محالة , وهي نتائج لازمة للكفر بالله واليوم الآخر, تقتضيها سنة الله في خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلاً . وهذه العقوبات النفسية تشتد كلما اشتد الكفر والإنكار والجحود. وتوجد مقادير متفاوتة من هذه العقوبات النفسية لدى بعض الؤمنين , تتناسب مع مقادير ضعف إيمانهم, أو غياب تصوراته ومفاهيمه عن أذهانهم وقلوبهم, بالنسيان, والغفلات, والانشغال الفكري والنفسي والقلبي, بأمور الحياة الدنيا. وتظهر هذه العقوبات في صور مختلفات متفاوتات من ص ور العذاب النفسي التاليات: القلق والاضطراب, والحرمان من طمأنينة النفس وراحة القلب. ضيق الصدر, والشعور بالسجن النفسي. تكد ر النفس. الغم والهم . الحزن والأسى. الرغبةفي الانتحار تخلصًا من الحياة. إرادة الانتقام, والظمأ النفسي للتشفي من كل شيء في الوجود. مشاعر الكراهية والبغض. الْوف الشديد من الأوهام. الهلع الذي لا يهدأ , إذا أصابه الشّ فهو جزوع , وإذا أصابه خير فهو منوع, يعاني آلام الْوف من زوال ما في ملكه من زهر الحياة الدنيا. شدة الحقد على كل من لا يطاوع في تحقيق الرغائب.
عدد الصفحات ١٢٩131 الحسد الذي يكوي القلوب بناره. التمزق النف. الضجر من الحياة. جنون العظمة, ومشاعر آلام الحرمان مما يصبو إليه منها. العزلة النفسية التي تولدها الأنانية الفرطة , وهذه العزلة تقترن بالوحشية الضنية الملة. إن كبار الفكرين الغربيين شهدوا على إفلاس الدنية الغربية, ضاربين الأمثلة على ذلك بشيوع الإلحاد الذى مزق النفوس بالشك والحيرة ودعا إل الان تحار على الرغم من الرخاء المادى, وبالتفرقة العنصرية حتى فى أرقى الدول حضارةً , وبالانحلال الْلقى والاستهتار بالقيم الذى منع اس تقرار الأسرة وأغرى بارتكاب الفواحش, وباستخدام العلم فى استنباط وسائل الدمار. يقول (ماكس نوردو ) الألمانى فى كتابه (الأكاذيب التفق عليها فى مد نيتنا الراهنة): «الإنسانية دائبة وراء البحث عن العلم والسعادة, ولكنها ل تكن فى عهد من عهودها أبعد عن الارتياح إليها والغبطة بها مما هى عليه فى هذا العصر, فلو سألت أى إنسان أو أى بيت هل تحس بالسعادة لقال لك: «ابحث عنها بعيدًا عنا » وانظر الإلحاد وما فشا فيه من تشاؤم بلغ قمته فى فلسفة " شوبنهور" وتلميذه " هارتمان " , عقرد النفس و دفع إل الانتحار أو إدمان الْمور , ليس عند ال غ ن ى ارتياح واطمئنان, وليس عند الفقير صب واحتمال , إن الناس يشكون اليوم من ضياع الأخلاق, فهل يسمح الإلحاد بها وقد أزال الإيمان من القلو ب, وأزال معه البادئ الصالحة؟ لقد كانت الإنسانية فى قديم الزمان تشكو مما نشكو منه من القلق وعدم الارتياح, ولكن الذى منعها أن تثور ثورتنا أنها كانت تستمد من إيمانها تعزيةً وسلامً ا, والذى ينتظر سعادةً أخروية ي سْ ه ل عليه أن يصب على شىء وقتى ويخفف وقعه عليه » اهـ.
عدد الصفحات ١٣٠131 وقد جاء في البيان القرآني ما يد ل على صور العذاب النفسي الذي يعاني من آلامه الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر, وذلك في آيات كثيرة, منها: ٠- قول الله ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ (الأنعام: ٣٢٠). الحرج: أشد الضيق. والغابة الكتظة التي لا ي ستطاع الدخول إليها. فالذين يرفضون الإيمان بالحق, وي صرون على الإنكار والجحود, كبًا أو رغبة بالفجور, لا يستجيبون لدعوة الإسلام , ويتعالون عن قبول الحق , فإذا بلغوا إل مستوى توجيه إرادة الله بالحكم عليهم بالضلالة نزل في صدورهم بموجب سنة الله في خلقه داء الضيق والحرج. والضيق والحرج في الصدور عذاب نفسي ش بهه الله بحالة الاختناق التي تصيب من يصرعرد في السماء رويدًا رويدًا , فيتناقص عليه الأكسجين شيئًا فشيئًا , لأن نسبة الأكسجين تتناقص طردًا مع الارتفاع في طبقات الجو , كما أن الضغط الجوي يتناقص, فيتسبب عن تناقصه انفجارٌ في الأوعية الدموية في أجسام الأحياء . وهذا العذاب النفسي نتيجة طبيعية للكفر بالله واليوم الآخر , مع الإصار والعناد, وهو عقوبة ربانية تأتي الكافرين العاندين ضمن سنن الله الكونية . فهو بهذا الضيق والحرج يرفض الطاعة لله, والاستسلام لأوامره ونواهيه, ويشعر بآلام السجن النفسي الذي يرسف بقيوده, وهو مع ذلك يظل مستكبًا متعاليًا يصرعرد إل حيث ينتظره هلاكه. ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ أي: كذلك الضيق والحرج الذي تعاني من آلامه صدور الذين أصوا على الكفر عنادًا واستكبارًا , يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون, وهذا الرجس يتراكم عليهم بسبب ارتكا بهم للمعاصي التي نهى الله عنها في شيعته, والعاصي أرجاس وقاذروات في السلوك, لها
عدد الصفحات ١٣١132 عقوباتها الكثيرة , كل رجس منها بحسبه, وكل رجس منها له في سنة الله عقوبة من جنسه. وبمقدار ضعف التصورات الإيمانية لدى الؤمنين ضعفاء الإيمان , يأتيهم نصيب من الضيق والحرج في الصدور, ويتراكم عليهم من الرجس بحسب معاصيهم. ٢- وقول الله ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ (الحج: ٠٥). هذه الآية تصور أحوال التمزق النفسي, والضياع, ومشاعر السقوط النتكس إل الهالك, ومشاعر القلق والذعر, وهي الأحوال التي تصيب الشّكين على مقدار ما عندهم من شك. لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم, ورفعه بالتكوين إل مرتبة عبوديته له, وحرره من العبودية لن سواه, ولكن الله عز وجل ستر أفعاله في الْلق بأستار الظواهر السببية. فإذا اختار الإنسان بإرادته الشّك بالله, فيجعل نفسه عبدًا لبعض ما خلق الله , أو لبعض من خلق الله, فقد أسقط بذلك نفسه من الرتبة العلية التي جعله الله فيها, وبهذا السقوط الهاوي إل الحضيض لا بد أن ينتكس على رأسه, فيخر من مرتبة السمو, ويهوي إل سحيق مهلك. ومع هذا الوضع الذي يخر فيه, لا بد أن تتمزق نفسه من كل جانب, لأنه لا يجد الطمأنينة, ولا سعادة الحياة, بسبب ما هو فيه من شك, ثم إذا انتهت حياته ووافته منيته, وجد نفسه مهمشًا محطماً , وأقبل عليه ما هو أدهى وأمر, وهو حسابه وعذابه عند ربه. والعقوبات النفسية للمشّكين تأتي ضمن سنن الله في كونه, لأن الإشاك بالله مما يسبب هذه النتائج داخل الأنفس, ضمن قوانين الأسباب والسببات.
عدد الصفحات ١٣٢133 وأنواع الشّك الْفي , التي هي من العوارض التي قد تمس قلوب الؤمنين ونفوسهم, تجلب لهم مقادير من هذه العقوبات النفسية , بحسب سبة الشّك الْفي الذي مسهم قوةً وضعفًا. ٥- وقول الله لرسوله في شأن النافقين: ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ (التوبة:٣١). كم نلاحظ في الناس أهل أموال والأولاد يأتي إذا أتى ضمن سنن الله في كونه, وضمن مقاديره التي يصيب بها عباده. وقد ينزل بعصاة الؤمنين الرائين نصيب من هذا العذاب , على مقدار معاصيهم ومراءاتهم, وتناقص إيمانهم, وبعدهم عن أسباب السعادة الحقيقة التي يتدفق بها الإيمان الْالص الكامل في قلوب الؤمنين الصادقين. ١- وقول الله ﭨ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ (طه: ١٢٠-1.) الضنك: هو في اللغة الضيق والشدة , فالعيشة الضنك هي الضيقة الشديدة بمشكلاتها وهمومها, وبما تحيط به الأنفس والصدور من ضواغط مؤملة مضجرة, ولو كان الإنسان موسعًا عليه في الرزق, قد تكون عقوبة من الله نازلة بالإنسان, يحس بها وبآلامها في صدره ونفسه , بسبب إعراضه الإرادي عن ذكر الله , وانشغاله الكلي بمشكلات الحياة الدنيا وزينتها , ولعبها ولهوها, والتفاخر والتكاثر فيها , الأمر الذي أنساه آيات ربه, بعد أن أتته وعلمها, ولكنه انشغل بدنياه فأعرض عنها فنسيها. ويعاق ب العرض عن ذكر الله يوم القيامة عقابًا آخر , فيحشّ أعمى , لأنه أغمض بصيرته في الدنيا, فتعامى عن تكرير مشاهدة آيات الله البينات, بعد أن أضاءت
عدد الصفحات ١٣٣134 له أنوارها فرآها, ثم نسيها نسيانًا كليًا بمرور الزمن, فكان كأنه أعمى لا يراها, فعوقب على ذلك يوم القيامة من جنس عمله, فح شّ أعمى . ويبدو أن هذا العرض هو من صنف الؤمنين, إلا أن معاصيه صفته كليًا عن ذكر ربه. أما من أسرف ول يؤمن بآيات ربه فله في الحياة الدنيا مثل هذا الضنك النفسي, وله في الآخرة عذاب أشد وأبقى, دل على هذا قول الله ﭨ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ . لقد عب عن العذاب النفسي الذي دلت عليه نصوص من القرآن الكريم, فريق كبير من فلاسفة اللحدين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. إنهم لما أبعدوا عن تصوراتهم قضايا الإيمان بالله وال يوم الآخر , وأقفلوا على أفكارهم نوافذ الرؤية التي تطل على هذه القضايا, ورفضوا كل أدلة الإيمان بالغيبيات, وجدوا أنفسهم أمام مموعة من مشكلات الحياة القاسية على النفوس, والثيرة للقلق فيها. ووقعوا بسبب ذلك تحت براثن تصور أن تصاريف الوجود كله تخضع لقوة عمياء تبني وتهدم , تتطور إل الحياة , ثم تنتهي بالوت , فيها قسوة الصيبة, وعنف الكارثة, وهي خالية من أية عاطفة, وهي باردة تجاه مشاعر الناس آلامهم وآمالهم. وفيما يلي طائفة من أقوالهم التي عبوا فيها عن معاناتهم وشقائهم في هذه الحياة الدنيا: ٠- مع الفيلسوف اللحد "برتراند رسل": يرى الفيلسوف الإنكليزي اللحد "برتراند رسل" أن الرجل الحر لن يعبد قوى العال الْارجي الغشوم, التي تغزوه بمتابعة هجومها, وليست تقصد من هجومها إل غاية معلومة, فهي تقوض له كل ما يبني من دور, وكل ما يشيد من م د ن , ولكنه سيعب د ما في باطنه من ق وىً خلاقة مبدعة , تلك القوى التي لا تني تجاهد وتكافح أسباب الفشل, والتي تمج د آيات الجمال التي تدور في روائع الفن من نحت وتصوير .
عدد الصفحات ١٣٤135 لقد رفض هذا الفيلسوف اللحد الإيمان بالله واليوم الآخر, والإيمان بحكمة الابتلاء في هذه الحياة الدنيا, فبدا له العال الْارجي عنه قوى غاشمة لا هدف لها. وفي هذا التعبير عن القلق النفسي الذي يعاني منه, والْوف الدائم من قوى الكون العمياء. وإذا قد رفض "رسل" الإيمان بالله, ورفض عبادته, فقد بدا له أن يركز نظره حول ذاته , فيعبد ما في داخله من قوى خلاقة مبدعة, وهذا لون من مشاعر الربوبية التي يشعر بها الستكبون. إنه ترك عبادة الله الْالق البدع الصور الذي أتقن كل شيء صنعًا , الربانية الصحيحة, ووضحت له تصوراتها على وفق التعاليم الإسلامية , لا نحلت عنده كل الإشكالات التي ولدت لديه الفلسفة التشائمة, ول تهدمت في نفسه كل الأبنية الوهمية, التي صورت له الحياة ممع آلام ومتاعب وأحزان , وألوان من الشقاء لا محيص للإنسان عنها, ولا مناص له منها. ٢- مع الفيلسوف"نيتشه": ورأى الفيلسوف الألماني اللحد "فريدريك نيتشه" الحياة صورة للشقاء والعاناة, بعد أن ألغى من فكره التصورات الصحيحة عن الْالق, وحكمة الا بتلاء, وأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى هي دار الْلود, وفيها الجزاء بالثواب والعقاب. وبسبب ذلك زحفت إل نفسه أفكاره الفلسفية حول القوة, والإنسان الأعلى متأثرً ا بنموذجه الطبيعي الأناني الستكب, وأعرب عما في حياة الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من شقاء نفسي في هذه الحياة القاسية, فقال: « إنني أعلم جيد العلم لماذا كان الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يضحك؟ لأنه وحده هو الذي يعاني أشد العناء, فاضطره ذلك أن يخترع الضحك ». ٥- مع الفيلسوف "سبنسر": ولم ا نظر الفيلسوف الإنكليزي "هربرت سبنسر" إل الوجود با لنظار المادي الحدود, الذي لا يفسر الحياة تفسير الؤمنين بالله واليوم الآخر, بدت له الحياة تافهة
عدد الصفحات ١٣٥136 حقيرة لا تستحق البقاء لذلك ختم كتابه "البادئ الأول" بإعلان أن الحياة تافهة حقيرة لا تستحق البقاء. ولم ا دنا من الوت نظر وراءه يستعرض حياته, فإذا هي في نظر ه أيام تنقضي كلها في كسب الشهرة الأدبية, دون أن يتمتع فيها بَء من الحياة نفسها, فضحك من نفسه وسخر, وتمنى لو أنه قضى تلك الأيام الدابرة في حياة بسيطة سعيدة. ولم ا حضرته الوفاة كان على يقين بأنه ل يعمل في حياته إلا عبثً ا. ١- مع الفيلسوف اللحد "شوبنهور": ورأى فيلسوف التشاؤم اللحد "أرثر شوبنهور" أن طيبات الحياة كلها عبث, وأن العال في كل ما يقصد إليه فاشل, وقال: « إننا لو تأملنا الحياة الصطخبة ل رأ يْ نا الناس جيعا يشتغلون بما تتطلبه من حاجة وشقاء, ويستنفذون كل قواهم لكي ي رض وا حاجات الحياة التي لا تنتهي, ولكي يمحو أحزانها الكثيرة ». ورأى أن الوت مروع ومفزع وهكذا ظهرت له الحياة وجودً ا مشحونً ا بالأل والشقاء, ورآها عبثً ا في عبث. والسبب في تشاؤمه ومعاناته أنه عزل عن تصو ره قضية الإيمان بالله واليوم الآخر, ورفض حكمة الابتلاء في ظروف هذه الحياة الدنيا. ولو أ نه وضع في تصو ره هذه العناص الإيمانية, وآمن بها, لعرف غاية الحياة الدنيا, وعرف مسؤوايته فيها, ولعاش راضيً ا عن مقادير الله فيها, س اعيً ا فيما يسعده ساعدة أبدية خالدة, مطمئن القلب, غير مبلبل الفكر, ول كان دائماً منفتح النفس بالأمل الذي ي فر غ على أفئدة ال ؤمنين السعادة والطمأنينة والرضا. إنه في فلسفته أدرك أن "النرفانا" التي يؤمن بها البوذيون, وهي الحياة الآخرة, هي التي تتمثل بها الحكمة النهائية. ولو أنه آمن بالحياة الآخرة, التي جاءت بالأنباء عنها الرسالات الربانية الصحيحة, ووضحت له تصور اتها على وفق التعالي م الإسلامية , لانحلت عنده كل
عدد الصفحات ١٣٦137 الإشكالات التي ولدت لديه الفلسفة التشائمة, ولتهدمت في نفسه كل الأبنية الوهمية, التي صورت له الحياة ممع آلام ومتاعب وأحزان , وألوان من الشقاء لا محيص للإنسان عنها, ولا مناص له منها . ٣- مع الفيلسوف اليهودي اللحد "سارتر": والفيلسوف اليهودي الوجودي اللحد "جان بول سارتر" رأى الوجود كله من دوائر القلق والغثيان والتاعب الآلام . وكتب في ذلك جلة قصص ومسرحيات ض مر ن ها آراءه الفلسفية الوجودية التي تتقيأ الكاره, والتي أبرزه فيها تافهة حقيرة مخيفة مملوءة بالشقيات, مشحونة بالآلام. والسبب في كل ذلك كفره بالله واليوم الآخر, وجحوده الحق الذي أنزله الله في رسالاته للناس . بخلاف الؤمنين الذين يحيون حياة طيبة , بمشاعر الإيمان ومفاهيمه التي أنزلها الله في قرآنه. إن مشاعر الؤمنين النفسية هي دائماً مشاعر السعادة , والأمل, والطمأنينة, مهما كانوا في ظروف من الحياة قاسيات, وفي متاعب وآلام جسدية. إن الإيمان بالله واليوم الآخر يفرغ على الؤمنين من الرضا والتسليم وطمأنينة القلب ما لا يكون في أي شيء غيره على الإطلاق. وهذا ما بينه الرسول إذ يقول: « م ر ه َك َ م ر َال م ؤ م ن َإ ن َأ ع ج بًاَلأ ه َخ يْ ٌ،َ ص اب ت ه َ ص اب ت ه َسَ اء َش ك ر َف كَ ن َخ يْ ًاَلَ ،َو إ ن َأ ح د َإ لَّ َل ل م ؤ م ن ،َإ ن َأ و ل ي س َذ اك َلأ ضَ اء َص بْ َف كَ ن َخ يْ ًاَلَ َ َ»(رواه مسلم طالما تغنى اللحدون بإلحادهم وأفكارهم وحريتهم التي يتمي زون بها عن غيرهم من الؤمنين "البسطاء" في نظرهم! وطالما أتحفونا بسيل من إبداعاتهم غير النطقية يدرعون فيها أنهم عقلانيون ويتعاملون مع الأمور بواقعية, وأنهم أكثر سعادة من غيرهم من الؤمنين الذين حكموا على أنفسهم بالانقياد للدين, وحرموا أنفسهم من ملذات الحياة!!
عدد الصفحات ١٣٧138 ولكن يأتي الواقع والعلم ليك ذ ب هؤلاء ويفضح أساليبهم وكذبهم ويجعلهم عبة لغيرهم وغيرهم وأنهم مرد أدوات للشيطان يستخدمها في حربه مع الؤمنين التي سيخسرها بلا شك, وأن هؤلاء اللحدين اتخذوا الشيطان وليًّ ا لهم من دون الله, ليكونوا شكاء له في نار جهنم يوم القيامة. ومن عظمة القرآن أنه ل يهمل الحديث عن هؤلاء بل وصفهم وصفً ا دقيقا يليق بهم, ﭧ ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ (البقرة: ٢٣٢). فماذا نرجو من إنسان أخرجه الشيطان من النور إل الظلمات؟ إنه مث ل إنسان ميت يائس لا حياة فيه ولا استجابة لديه, وهذ ا ما أثبتته الدراسات العلمية الح ديثة! الأبحاث العلمية تثبت أن اللحدين أكثر الناس يأسً ا! ففي دراسة حديثة تبين أن اللحدين هم أكثر الناس يأسً ا وإحباطً ا وتفككً ا وتعاسة!! ولذلك فقد وجدوا أن أعلى نسبة للانتحار على الإطلاق كانت بين اللحدين واللادينيين, أي الذين لا ينتسبون لأي دين, بل يعيشون بلا هدف وبلا إيمان. فقد أكدت الدراسات العلمية التعلقة بالانتحار أن أكب نسبة للانتحار كانت في الدول الأكثر إلحادً ا وعلى رأسها السويد التي تتمتع بأعلى نسبة للإلحاد. أما الدا نمرك فكانت ثالث دولة في العال من حيث نسبة الإلحاد حيث تصل نسبة (اللحدين واللادينيين) إل ١١ %. جزء من الدراسة التعلقة بتأثير التعاليم الدينية على الانتحار يؤكد أن هناك اختلافً ا كبيرً ا بين الدول الإسلامية وبين أي دولة أخرى من دول العال بشكل ملفت للانتباه! هذه الدراسة قام بها الدكتور جوس مانويل والباحثة أليساندرا فليشمان, وهي دراسة علمية شاملة استندوا فيها إل مراجع الأمم التحدة الوثقة.
عدد الصفحات ١٣٨139 وتؤكد هذه الدراسة العلمية أن أعلى نسبة للانتحار كانت بين اللحدين, ثم البوذيين ثم السيحيين ثم الهندوس وأخيرً ا السلمين الذين كادت نسبة الانتحار بينهم تقترب من الصفر. يقول الدكتور جوس مانويل والباحثة أليساندرا فليشمان في بحثهما وبالحرف الواحد: «إن نسبة الانتحار في الدول الإسلامية (بخلاف كل ا لدول الأخرى) تكاد تقترب من الصفر (أقل من واحد بالألف), وسبب ذلك أن الدين الإسلامي يحرم الانتحار بشدة ». وفي دراسة أجراها باحث ون أمريكيون عام ١١١٢ وتهدف لدراسة علاقة الانتحار بالدين, أ جريت بعناية فائقة, وتم اختيار عدد كبير من الأشخاص الذين حاولوا الانتحار أو انتحروا بالفعل, ومن خلال سؤال أقاربهم وأصدقائهم ودراسة الواقع الديني والاجتماعي لهم, تبين أن أكثر النتحرين هم اللحدون (واللادينيون) فقد جاؤوا على رأس قائمة الذين قتلوا أنفسهم ليتخلرصوا من حياتهم وتعاستهم!! في مساء الثالث والعشّين من شهر يوليو عام ١١١٠م و ج د ت جثة إسماعيل أدهم طافية على مياه البحر التوسط, وقد عثر البوليس في معطفه على كتاب منه إل رئيس النيابة يخبه بأنه انتحر لزهده في الحياة وكراهيته لها, وأنه يوصي بعدم دفن جثته في مقبة السلمين ويطلب إحراقها!! فمن هو إسماعيل أدهم هذا الذي آثر هذه النهاية الروعة؟! ولد بالإسكندرية وتعلم بها, ثم أحرز الدكتوراه في العلوم من جامعة موسكو عام ٠٥١٠, وعين مدرسًا للرياضيات في جامعة سان بطرنسبج, ثم انتقل إل تركيا فكان مدرسًا للرياضيات في معهد أتاتورك! بأنقرة, وعاد إل مصر سنة 1 فن كتابً ا وضعه في (الإلحاد) وكتب في ملاتها. تأثر إسماعيل أدهم بالد الشيوعي الإلحادي بسبب إدمانه قراءة إنتاج القوم حتى علقت أفكارهم بعقله وتمكنت من قلبه؛ فألف إثر ذلك رسالة سماها (لماذا أنا
عدد الصفحات ١٣٩141 ملحد؟), وقد رد على رسالته هذه: الدكتور أحمد زكي أبو شادي برسالة عنوانها: (لماذا أنا مؤمن؟). ورد عليها: محمد فريد وجدي بمقالة عنوانها (لماذا هو ملحد؟). انتحر إسماعيل مظهر وله من العمر تسعة وعشّون سنة؛ أي في ريعان شبابه, فكانت نهايته نهاية مأساوية لشاب كان شديد الذكاء واسع الثقافة , كان ا لأول على دفعته في البكالوريا , ثم حاز الدكتو راه وأل ف مؤلفات كثيرة, ودر س , وكان يحسن التحدث بست لغات, كل هذا وهو في هذا العمر الصغير إلا أنه بعدها اختار الكفر على الإيمان, وتدرج في مهاوي الضلال إل أن وصل إل آخر دركاته وهي الإلحاد - والعياذ بالله - لتكون خاتمته في ت لكم الجثة الطافية على مياه البحر آيةً لن خلفه من شباب الإسلام النابهين أن لا يغتروا بذكائهم ومواهبهم. فيخوضوا - لأجلها - ذات اليمين وذات الشمال واثقين - زعموا! - من أنفسهم, معرضينها للفتن والإنسلاخ من الدين؛ إما بإدمانهم العكوف على كتب أهل الضلال والحيرة والشك كشأن أدهم, أو بمصاحبتهم وألفتهم لن يشككهم في دينهم ويهو ن عليهم الطعن فيه أو التحير من بعض شائعه, مانبين في ذلك أهل الإيمان ساخرين من نصائحهم, متهمين لهم بالتحجر وضيق الأفق! وإسماعيل أدهم مرد أنموذج ينبغي أن نعتب بحاله حيث ارتد على دبره بعدما جاءه الهدى واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, وإلا فإن الأمثلة من تاريخنا القديم والحديث معلومة مشهورة. فمن القديم مثلاً: ابن الراوندي اللحد الذي انتهى حاله إل أن ألف كتابًا سماه "الدامغ" يزعم أنه يدمغ به القرآن!! دمغه الله. فهذا الرجل ذكر الؤرخون عنه أنه كان في أول أمره حسن السيرة, كثير الحياء, ثم انسلخ من ذلك. وذكروا - أيضًا - شيئًا من ذكائه وعقله, ولكن كما قال الذهبي في ترجته: «ل ع ن الله الذرك اء ب لا إ يْما ن , و ر ضي ا ع ن الب لا د ة م ع الترقْو ى » . والذي يهمنا من ترجته هو قول الذهبي عنه«كان يلازم الرافضة واللاحدة, فإذا عوتب قال: «إنما أريد أن أعرف أقوالهم »
عدد الصفحات ١٤٠141 فكان نهاية هذا التهاون في الجلوس مع البتدعة واللحدين أن أصبح واحدًا منهم, بل أجرأ على حرمات الله. وفي الؤرخين من يجزم بأنه م ا ط ال ع م ر ه , ب لْ ع اش س تًّ ا و ث لا ث ينْ س ن ةً , مع ما انتهى إليه من الخازي. وقيل: ص ل ب ه أحد السلاطين ببغداد. ومن الحديث: الشاعر الكويتي فهد العسكر. فقد ذكر صاحبه عبد الله الأنصاري عنه أنه شب متدينًا, يؤدي الصلاة مع والده في السجد, ويحافظ على أدائها مع والده في كل فرض من الفروض, حتى صلاة الفجر, فقد كان والده يأخذه معه إل السجد وهو صغير السن؛ إل أن تشّب الدين في عروقه ودمه. ثم أصبح مؤذنًا بعد ذلك. لكنه بعدها - كما يقول صاحبه الأنصاري - أغرق في القراءة, واستمر في الإطلاع على مختلف الآراء والأفكار الأدبية والاجتماعية والسياسية إل أن تحول تحولاً كليًا في تفكيره, و في نظرته إل الحياة, وإل بعض التقاليد والعادات الوروثة ؛ ثم أخذ يتعاطى الْمرة التي تغزل بها كثيرًا في شعره, وهكذا, إل أن أصبح منعزلاً في أفكاره وآرائه عن بيئته التدينة, وعن الجتمع الحافظ. فنصحه أهله وأقاربه وزجروه عن هذا السلك الهلك, ولكنه أب ى واس تكب, فهجروه واعتزلوه ونبذوه, فلزم العزلة والإنزواء ومعاقرة الْمر مع من هم على (مشّبه) إل أن أصابه الله بالعمى وهلك غير مأسوف عليه. وبعد وفاته ل يصل عليه أحدٌ من أهله , وقاموا بحرق ما وجدوا من أشعاره التي تنضح بالكفر والاعتراض على شع الله والاستخفاف بشعائره. ولعل في هذه الأمثلة للناكصين على أعقابهم بعد أن أبصروا الطريق, عبة لن يعتب, حتى لا نكون ممن قال الله فيهم: ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩﮪ ﮫ ﮬ ﮭ (البقرة: ٢٠٢ ). وممن قال الله فيهم: ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ (محمد: ٣٢ ).
عدد الصفحات ١٤١142 اسمه أبو الفيض بن البارك الناكوري , و لد سنة ١٣١هـ وقرأ العلم على والده, وأخذ بعض الفنون العربية عن الشيخ حسين الروزي, ثم أقبل على قرض الشعر إقبالا كليًا, وخاض كثيرًا في الحكمة العربية, له مصنفات تدل على اقتداره على العلوم الأدبية, منها (موارد الكلم) الغير منطوق في الأخلاق. وكان حريصً ا على جع الكتب النفيسة, بذل عليها أموالا طائلة وجع ١١٥١ من الكتب الصححة النفيسة, أكثرها كانت مكتوبة بأيدي مصنفيها. ووصل خبه لسلطان الهند الأشهر «أكب شاه بن ايون البابري »فاستقدمه وسمع قصائده, فأعجب به, وجعله من خاصته ومن أقرب رجال مشورته, ولقد قام ذلك الزنديق بإفساد عقيدة السلطان أكب شاه حتى أخرجه من الدين بالكلية, وجعله حربًا على الإسلام وأهله. قال عنه العلامة البدايوني في النتخب: « كان مخترع الجد والهزل والعجب والكب والحقد, وقد جع من خصال الكفر والنفاق والْبث والرياء والرعونة, ما ل يكن لأ؛ د في زمانه, وكان غاية في العناد والعداوة لأهل الإسلام, والطعن في أصول الدين والحط من الصحابة وتابعيهم والسلف والْلف من القدماء والتأخرين من الأحياء والأموات, حتى كا ن يفوق اليهود والنصارى والهندوس والجوس ألف مرة في هذا الباب فضلاً عن الروافض (٢) » لما رأى هذا الضال الزنديق إنكار السلمين عليه ومبالغتهم في الحط عليه والتحذير منه أعلن عن عزمه تأليف تفسير للقرآن الكريم لتطهير ع رضه م ن ق دْ ح الناس, ولكن من كفره ونفاقه وزندقته كان يعمل التفسير وهو في حالة السكر والجنابة, (١) عوَى الكلب : لوى أنفه ثم صاح ص ياح ا ممدود ا ليس بن باح . (٧) الروافض: الشيعة.
عدد الصفحات ١٤٢143 وكان يلقيها على الأرض وتطأ الكلاب أوراقها, وظل على زندقته وضلالته, وكل يوم يقنع السلطان السفيه ببدعة جديدة وضلالة أشد من سابقتها حتى حانت نهايته التي كانت مليئة بالعب والعظات وآية من آيات الرحمن في خلقه. أصيب ذلك الزنديق الضال الذي أض لر خلقًا كثيرًا, وكاد أن يهدم الإسلام بالهند, أصيب بمرض نادر وغريب حار الأطباء فيه, حيث تورم وجهه للغاية, وفي نفس الوقت نحل جسده حتى صار مثل العصا البالية, وبعد فترة من العاناة الشديدة مع الرض الغريب, اسود وجهه حتى صار مثل الزنوج, وكان من قبل شديد البياض بهي الطلعة, وبعد فترة أخذ يعو ي كالكلاب, حتى أن السلطان أكب شاه لما عاده في بيته عوى عليه كالكلب, وصار الناس يتحاشون الدخول عليه, حتى أولاده وأهل بيته جعلوه في بيت منعزل خوفًا من العدوى, وظل الزنديق يعوي ليل نهار حتى مات وهو يعوي كالكلاب (٠). (١) الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام, عبد الحي بن فخر الدين الحسيني (٦/ ٧٢١).
عدد الصفحات ١٤٣144 كتب الشاعر النصراني اللحد إيليا أبو ماضي قصيدته الشهورة (الطلاسم التي تتنافى مع ديننا الإسلامي وفي نظرته لسألة الْلق والألوهية والوت والحياة بعد الوت وما إل ذلك. وإنه من الصعب جدًا على الن فس البشّية الجدال في البديهيات لكن هذا الشاعر جاد ل فيها بشكل غريب , لكن الجميل هو تلك القصيدة الرائعة التي رد بها الشاعر السلم فتحي محمد سليم على تلك الطلاسم, وذلك في قصيدته (إنني أدري في نقض لست أدري). ونذكر هنا بعض أبيات لهذا اللحد الرتاب, ونذكر بعض ردود السلم عليها, قال اللحد: جئت ، لا أعلم من أين، ولكن ي أتيت ولقد أبصرت قــد امي طريقا فمشيت وسأبقى ماشي ا إن شئت هـذا أم أبَ ين ت كيف جئت ؟ كيف أبصَ ـرن ت طريقي؟ لست أدري ! أجديدٌ أم قديمٌ أنا في هذا الوجــــودن هل أنا حر طليقٌ أم أس ير في قيــــودن هل أنا قائدٌ نَ فن سي في حياتي أم مَ ق ـودن أتمن ى أن ني أدن ر ي ولكن ... لسن ت أدر ي! وطريق ي، ما طريق ي؟ أطويلٌ أم قصـيرن ؟ هلن أنا أصــعد أم أهبـــط فيه وأغ ـورن ؟ أأنا الس ائر في الد رب أم الد رب يس ــيرن ؟ أم ك لا نا واقفٌ والد هر يجر ي؟ لست أدر ي!
عدد الصفحات ١٤٤