113 ولكن تجارب "باستور" الشهورة قد نقضت ذلك تمامًا, فقد حفظ حساءً مغليًا في إناء مقفل لا يدخل فيه الهواء إلا من خلال أنبوبة شعرية ملتوية, لتكون بمث ابة مصيدة للجزيئات الصلبة, وبذلك كان الحساء معرضًا للتأكسد لوصول الهواء إليه, ولكن ل تظهر فيه بكتيريا (لأنها علقت في الأنبوبة ول تصل إليه, فكانت بمثابة مصفاة لها). ولهذا كان من الواضح أن الهواء الحامل للبكتيريا هو الذي يصيب الحساء العر ض, وأن البكتيريا نفسها قد نشأت فقط من البكتيريا التي سبق وجودها. وقد كانت هذه هي الضربة القاضية على فكرة النشوء الذاتي للكائنات العقدة » . الوضوع الثالث: كيف وجدت أنواع الأحياء؟ أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة, حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان؟ لقد درس "د اروين" وم ن جاء بعده من الذين ن قحوا آراءه أنواع الأحياء, ما كان منها حيًا وقت الدراسة, وما جعوه من الحفريات التي قاموا بها, وما شهدوه من دفائن القرون الأول في الصخور والكهوف, وما جعوه من مخلفات الأحياء في الرمال, وبقايا السيول القديمة, وما استخرجوه من محفوظات الثلوج التراكمة من أزمان قديمة, فانتهوا إل حقائق وصفية ب ن وْا عليها تفسيرات احتمالية تخميني ة. وأهم الحقائق الوصفية التي توص لوا إليها ما يلي: ٠- وجود التشابه في خط ة بناء الأجسام, وفي سلوك الكائن الحي. ٢- وجود بعض زوائد في بعض الأجسام, كالزائدة الدودية عند الإنسان, دون أن يكون لها وظيفة في جسم الإنسان حاليًا, كما بدا لهم, وكاستطالة سلسلة الظهر السفلى عند بعض الناس استطالة تشبه بقايا ذيل تقاص, فهو كما بدا لهم في طريقه إل الزوال. ٥- تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض. فمن ظاهر التشابه, ووجود بعض الزوائد التي ليس لها وظائف حاليًا كما بدا لهم, وتأخر وجود بعض الأحياء عن بعض وفق حساب أعمار أقدم ما اكتشف من
عدد الصفحات ١١٣114 أجسامها الدفونة ومتحج راتها, استنتج "دارون" والذين نق حوا فكرة التطور من بعده استنتاجًا فكريًا, أن الكائنات الحية تطو رت تطورً ا ذاتيًا تصاعديًا, من أدنى الكائنات الحية حتى الإنسان الذي هو أعلاها كمالاً. وكانت "الأميبا" هي أدنى الكائنات الحية في التصور, ثم جاء التصحيح إل "البكتيريا" التي هي أدنى من الأميبا بعد اكتشافها, ثم جاء التصحيح إل "الفيروس" الذي هو أدنى من الباكتيريا ب عد اكتشافه, فالفيروسات في نظرهم الآن تتوسط الحد الفاصل بين الحي وغير الحي. لكن هذا الاستنتاج استنتاج احتمالي نظري, وليس أمرًا علميًا مؤيدًا بشواهد من الواقع, إذ ل يلاحظ الباحثون في الطبيعة ولا في الختبات حالة واحدة من حالات التطور التخي لة في الاست نتاج, لكن التخيل طرح ذلك على الأحقاب الزمنية الغابرة, وتخل ص من الطالبة بالشواهد من الواقع. على أن التطور لو ثبت علميًا بشواهد من الواقع في الطبيعة, فإنه لا يفيد أن التطور حدث ذاتيًا, بل النظرة الإيمانية القائمة على ملاحظة الحكمة في الْلق تق يم البهان على أن خطة الْالق قد رت بت عمليات الْلق وفق سنة التطور, كما رتبت عملي ة خلق الإنسان وفق أطواره حتى يكون نطفة, فجنينًا, فطفلاً, فيافعًا, فبالغًا أشده, فما وراء ذلك من أطوار. ومن الب دهي أن التشاب ه في الأنواع الختلفة لا يقتضي النسب بينها, ولا يستلزمه عقلاً , فالأمر يتوقف على ثبوت ذلك النسب بشكل واقعي, نعم قد يكون إحدى الأمارات الضعيفة. وكذلك تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود, لا يقتضي أن السابق أبٌ أو جدٌ لما ظهر بعده, إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى, ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى, ثم أبدع أخيرًا الإنسان.
عدد الصفحات ١١٤115 وهذا ما نلاحظه في سلسلة البتكرات والخترعات الإنسانية, فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر البدع ونتاج عمله, بالاستناد إل ملاحظته للسابق, وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل, بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه, فالعملية تكون عملي ة فكية, ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءً جديدًا. ومهما يكن من أمر فالاحتمالان أمران متكافئان إمكانًا, بشّط ربط كلٍّ منهما بأنه مظهر لاختيار مدب ر خالق حكيم. أما التطور الذاتي إل الأكمل دون تدبير حكيم عل يم قدير خالق, فهو أمرٌ مستحيل عقلاً, إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطة ثابتة, وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود. وإحالة الأمر على الصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الْلق الكبى. وقد قر ر أصحاب فكرة التطور أزمانًا سحيقة لظهور الكائنات الح ية التطورة, ثم لظهور الإنسان الأول, واعتبوا هذه الأزمان كافية نظريًا لحدوث التطور. إلا أن علماء الفيزياء والجيولوجيا قد أظهروا منذ عام (١٣١٠م) وما بعده عدم صحة ما حد ده أصحاب مذهب التطور من أزمان سحيقة, فعمر الحياة في الأرض أقصر من تقديرهم بكثير, وعمر الأرض أيضًا أقل مما قد روه بكثير, فما يلزم في رأيهم للتطور الذاتي من زمن غير متوافر في الواقع مطلقا ً. واعترف بذلك القائلون بالتطور أنفسهم, فقد جاء في مقال بعنوان "نظرية التطو ر منقحة" بقلم "روث مور" بكتاب "العلم أسراره وخفاياه": « منذ عام (١٣١٠م) والشوا هد العلمية تشير بلا مهرب منه إل حقيقة واحدة, هي أن الإنسان ل يظهر سواء في الوقت أو بالطريقة التي يقول بها "داروين" وعلماء التطور الحديثون, فلقد أظهر علماء الفيزياء والجيولوجيا منذ عام ( ١٣١٠م) بوضوح أن العال أقدم, وأن الإنسان أصغر سنًا كثيرًا عما اجترأ أي واحد على تقديره من قبل » .
عدد الصفحات ١١٥116 وأظهر من ذلك ما نشّته جريدة الشّق الأوسط في العدد ١٢٥٥" بتاريخ ١٠جادى الأول ١١١٠هـ الوافق لـ ١/٠/١١١٠م تحت عنوان " العلم يثبت أصل الإنسان" وقد جاء فيه ما يلي: « واشنطن- مكتب الشّق الأوسط: ضج ت الأوساط العلمية في الغرب, لا سيما في الولايات التحدة, بنبأ الاكتشاف الذي توصل إليه فريق من العلماء الأمريكيين بعد نحو عشّ سنوات من البحث والدراسة في علم الوراثة والجنيات, وقادهم البحث إل اكتشاف أن الجينات الثابتة في كل النوع البشّي يمكن تقفيها إل امرأة واحدة (سماها فريق البحث: بايف, أو حواء) انحدر منها كل البشّ, وكانت خصبة الولادة. وإليها تعود الجينات الثابتة عند كل البشّ, والبالغة نحو خمسة آلاف جين. حتى الاتحاد السوفييتي فإن الإدارة الشيوعية فيه قد أنفقت خلال ستين عامًا من الشيوعية ستين مليارًا حتى يثبتوا نظرية "إنجلز" القائلة: "الح ياة ما هي إلا تفاعل كيميائي" على مخابر علوم الحياة, فكان قرار العلماء الباحثين في سنة " ١م" الذي قد موه إل القادة السوفييت: « ليس للعلوم قدرة على إثبات أن الحياة نتيجة تفاعل كيميائي, وليس في مستطاع الوسائل العلمية إيجاد الحياة إلا عن طريق الْلايا الحية التي لا نستطيع أن نوجدها من المادة غير الحية, وكذلك النبات » . وتلق ف هذا القرار الصادر عن العلماء السوفييت, علماء مخابر علوم الحياة أمريكا, فدعوا إل اجتماع ضم الفريقين في أمريكا, وأعلنوا بيانًا مشتركًا جاء فيه ما يلي: «العلم عاجز عن إيجاد الحياة ». وأضافوا إليه بناءً على اقتراح الوفد السوفييتي «بل إن العلم عاجز عن أن يعرف إلا بعض مظاهر المادة, وليس الروح » . لقد أثبت الباحثون من العلماء بعد جهد طويل ما ذكره ا بقوله ﭨ ﯮ ﯯ ﯰﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ (الإسراء: ٣١).
عدد الصفحات ١١٦117 إن فكرة التطو ر لو ثبتت علميًا فإننا لا نجد في الإسلام نصوصًا ترفضها, ما دام الأمر راجعًا إل حكمة الله الْالق وتقديره, باستثناء خلق الإنسان الذي جاء في القرآن والسنة وصف صيح حول الطريقة التي تم بها خلقه, فهي طريقة ظاهرها ينافي أن يكون الإنسان متطورًا من سلسلة الحيوانا ت التي هي دونه في الْلق. لكن يبدو أن من التعذ ر أن ت ثبت فكرة التطور علميًا, فهي ستظل في دائرة الاحتمال الافتراضي. على أن القرآن الكريم قد وج ه للسير في الأرض والبحث فيها لعرفة كيف بدأ الله الْلق, فقال ﭨ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ (العنكبوت: ١٢). ولا بد أن يكون هذا النظر هاديًا, إل دلائل الإيمان بالله الْالق, لا إل عكس قضية الإيمان. ٠- قلتم إن تطور الْلية الأحادية للمتعددة ثم للْحياء الختلفة؛ أمر افتراضي اعتمد على تفسير ظ اهرة الوجود مع اكتشافات الحفريات ومعرفة تاريخها, فق لتم إن الْلايا الأحادية قد و جدت قبل بليون عام أو أكثر, وظهرت اللافقاريات قبل "١١٣ - ١١" مليون سنة مع الديدان والحشّات, وبدأت الفقاريات في الظهور قبل ١٣١ مليون سنة ومثلها الأسماك, وظهرت الفقاريات البية قبل ١٣٥ مليون سنة, وظهرت الثديات قبل ١١٠ مليون سنة والطيور قبل ٣٥٠ مليون سنة, وأول إنسان قبل حوالي 1 مليون سنة على حسب ما ذكرتم في نتائج حفرياتكم. فهل رأيتم هذا التطو ر ب أعينكم؟ بما أنه ل يسبق لأحد أن رأى عملية التطو ر هذه فعليًا من قبل ولا يمكن حتى إثبات أن هذه العملية تتم بشكل مستمر, فهي- بناءً على كلامكم - غير موجودة. ٢- حاليًا في عال الحيوانات فقط يوجد حوالي أكثر من خمسة ملايين نوع. وبلا شك فإن الْلايا الأحادية مازالت موجودة حتى الآن كالبكت يريا من غير أن نرى لها
عدد الصفحات ١١٧118 تطورًا, وهنالك من الأحياء ما هو موجو د بصورته التي وجد بها في سحيق الزمان, فكيف يمكن أن نستنتج من غير برهان بأن الأنواع الأخيرة كانت نتاج تطور الأنواع الأول بالطفرات والصدفة, مع تواجد الأحياء ذات الْلايا الواحدة حتى يومنا هذا؟. ٥- الداروينية وخ لْق الذباب: ﭧ ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫﭬ ﭭ ﭮ ﭯ (الحج: ٥٢). خ لْ ق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل لأن الذباب يحتوي على ذلك السر العجز سر الحياة فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل ولكن الأسلوب القرآني العجز يختار الذباب الصغير الحقير لأن العجز عن خلقه يلقي في الحس ظل الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل! فلكل م ن يد عي بأنه ليس هناك خالق أو أن هنالك طريقة للخلق غير الله فليخلق ذبابة, ولنطبق ذلك على الداروينية: الذباب حشّة ول يوج د أي تطور في الحشّات! الذبابة تتغذى على أنواع مختلفة ولها أشكال مختلفة. الذبابة ذكر وأنثى وتتناسل فكيف يفسر التطور ذلك الذبابة حية تطير وتأكل وتتبز وتموت فما سر ذلك؟ فهذه الحشّة الصغيرة وحدها تؤكد بأن لها خالقً ا وأنها حجة لن يدعي وجودها بالصدفة وحقًا قول الول . ﭧ ﭨ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ (فصلت: ٥٣).
عدد الصفحات ١١٨119 يردد اللحدون مقولة الشيطان« :ه ذ ا الله خ ل ق الْْ لْق ف م نْ خ ل ق ا ؟ » وقد أخبنا بذلك رسول الله . فع نْ ع ائ ش ة أ نر ر س ول الله ق ال : «َت يه َالش ي ط ان َ ح د ك م َي أ إ ن َأ ف ي ق ول :َم ن َخ ل ق ك ؟َف ي ق ول :َ «الل ََ»،َف ي ق ول :َ «ف م ن َخ ل ق َالل ؟َ »ف إ ذ اَو ج د َذ ل ك َ :َ ح د ك م ،َف ل ي ق ر أ أ«آم ن ت َب الل َو ر س ل ه ،َف إ ن َذ ل ك َي ذ ه ب َع َ ن ه َ»(رواه الإمام أحمد ال سن د, وصححه الألباني, والأرنؤوط). وعن أ ن س بْن م ال ك ق ال : ق ال ر س ول اللَّر : « ل ن َي بْ ح َالن اس َ ي ت س اء ل َ ون َح تَّ َي ق ول واَه ذ اَالل َ َخ ال ق َك َِّشَ ء َف م ن َخ ل ق َالل َ َ»(رواه البخاري وع نْ أ ب ى ه ر يْر ة ق ال : ق ال ر س ول اللَّر : «لَّ َي ز ال َالن اس َي ت س اء ل ون َ ح تَّ َ َي ق ال َه ذ اَ الل ََخ ل ق َالْ ل ق َف م ن َخ ل ق َالل َ ،َف م ن َو ج د َم ن َذ ل ك َش ي ئًاَف ل ي ق ل َآم ن ت َ ب الل ََ» (رواه مسلم ع نْ أ ب ى ه ر يْر ة ق ال : ق ال ر س ول اللَّر : «لَّ َي ز ال َالن اس َي ت س اء ل ون َ ح تَّ َي ق ال َه ذ اَ الل ََخ ل ق َ الْ ل ق َف م ن َخ ل ق َالل َ ،َف إ ذ اَق ال واَذ ل ك َف ق ول وا :َ«َالل ََح دٌَالل َ أَ الص م د َل م َي لِ َو ل م َي ولَ َو ل م َي ك ن َلَ َك ف وًَ ح دٌَ اَأَ»َث م َلْ ت ف ل َع ن َي س ار ه َث لا ثًاَو ل ي س ت ع ذ َ م ن َالش ي ط ان َ » (رواه أبو داود, وحس نه الألبا قال الشيخ الألباني : «دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: م نْ خ ل ق الله ؟ أن ينصرف عن مادلته إل إجابته بما جاء في الأحاديث الذكورة, وخلاصتها أن يقول: « آم نْت ب اللَّ و ر س ل ه , الله أ ح دٌ الله الصرم د ل ْ ي ل دْ و ل ْ ي ول دْ و ل ْ ي ك نْ ل ه ك ف وًا أ ح دٌ ». ثم يتفل عن يساره ثلاثا, ويستعيذ بالله من الشيطان, ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة. وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله, مخلصً ا في ذلك أنه لابد أن تذهب الوسوسة عنه, ويندحر شيطانه لقوله : «ف إ نر ذ ل ك ي ذْه ب ع نْه »
عدد الصفحات ١١٩121 وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من الجادلة العقلية في هذه القضية, فإن الجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن الؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم, فتنبهوا أيها السلمون, وتعرفوا إل سنة نبيكم , واعملوا بها, فإن فيها شفاءكم وعزكم »(٠). وهذا العلاج السريع يقطع الش بهة من أصلها لكي لا تفسد على السلم تفكيره وإيمانه لو استرسل معها؛ لأن الناس يتفاوتون في عقولهم, وليسوا كلهم سيدرك بطلان هذه القولة الشيطانية لو حللت له ونقضت, ولهذا يكتفى معه بهذا العلاج العاجل الذي يقيه الرض بإذن الله. أما أصحاب الشكوك والحيرة من أنصاف التعلمين فيستخدم معهم أسلوب آخر يعري لهم هذه القولة؛ لأنهم حتما لن يقتنعوا بالعلاج الأول الذي يتكئ على إيمان الشخص وفطرته. إن التساؤل عن علة وجود الصدر الأول , حجة يوسوس بها الشيطان للإنسان, منذ بدأ الفكر الإلحادي يدب إل أذهان بعض الناس . وهذه الحجة الشيطانية تزعم أن الإيمان بأن الله هو الصدر الأول للْشياء , والوقوف عنده, يساوي نظريًا وقوف اللحدين عند المادة الأول للكون, التي يطلقون عليها اسم السديم, وتزعم أن كلا الفريقين لا يجد جوابًا على التساؤل عن علة وجود الصدر الأول, إلا أن يقول: لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول, وتزعم أن اللحد اعترف بهذا قبل الؤمن بخطوة واحدة. وبعد هذه الزاعم يخادع مطلقوها بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية, حين لا توجد أدلة وشواهد وبراهين كافيات. (٠) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (١/٥).
عدد الصفحات ١٢٠121 ولدى البحث النط قي الهادئ يتبين لكل ذي فكر صحيح , أن هذه الحجة ليست إلا مغالطة من الغالطات الفكرية, وهذه الغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تباينًا كليًا, ولا يصح التسوية بينهما في الحكم. وفيما يلي تعرية تامرة لهذه الغالطة من كل التلبيسات التي س ترت بها . إننا إذا وضعنا هذه الغالطة بعبارتها الصحيحة كانت كما يلي: ما دام الوجود الأزلي الذي هو واجب الوجود عقلاً ولا يصح في حكم العقل عدمه بحال من الأحوال غير معلول الوجود , فلم لا يكون الوجود الحادث غير معلول الوجود أيضً ا؟! إن كل ذي فكر صحيح سليم من الْلل, يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له, فلا يصح أن يشتركا بناءً على ذلك في حكم هو من خصائص أحدهما. على هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه ص نعت هذه الغالطة الجدلية . أما أزلية الْالق, وعدم احتياج وجوده إل علة, فبهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي: إن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر, ولا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل. لأنه لو كان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيءٌ ما. إذن: فلا بد أن يكون وجود موجود ما , هو الأصل , ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلاً لأية علة, بل وجوده واجب عقلاً , ولا يصح في العقل تصور عدمه , وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم و ج د , وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون العدم العام الشامل هو الأصل الكلي. ومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل, فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم أن يكون حادثًا.
عدد الصفحات ١٢١122 أما ادعاء أصل ية الوجود للكون بصفاته التغيرة فهو ادعاء باطل , وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزليًا. إن هذا الكون يحم ل دائماً وباستمرار صفات حدوثه , تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية الستندة إل الشاهدات الحسية, وتشهد بها البحوث العلمية الختلفة في كل مال من مالات العرفة, والقوانين العلمية التي توص ل إليها العلماء الماديون. وإذْ قد ثبت أن هذا الكون عالٌ حادثٌ , له بداية وله نهاية, فلا بد له حتماً من علة تسبب له هذا الحدوث , وتخرجه من العدم إل الوجود , وذلك لاستحالة تحو ل العدم بنفسه إل الوجود. أما من لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقًا , وتقضي الضرورة العقلية بوجوده, فوجوده هو الأصل. لذلك فهو لا يحتاج أصلاً إل موجد يوجده , وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطلٌ بالحتمية العقلية , لأنه أزليٌ واجب الوجود , ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلاً , وليس حادثًا حتى يتساءل الفكر عن سبب وجوده. وهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته, لقلنا فيه أيضًا كذلك . لكن صفات الكون الشاهدة الدروسة تثبت حدوثه. يضاف إل هذا أن مادة الكون الأول عاجزة بطبيعتها عن السيرة الارتقائية التي ترتقي بها ذاتيًا إل ظاهرة الحياة, فالحياة الراقية في الإنسان. بهذا تنكشف للبصير النصف الغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان , وتخطر على أذهان الناس, بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الوضوع وزواياه, فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علة وجود الله. إنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثًا, وأن تجعل واجب الوجود عقلاً ممكن الوجود عقلاً وأن الأصل فيه العدم, ليتساءل الفكر عن علة وجوده. أو تريد أن ت وه م بأنر ما قامت الأدلة على حدوثه هو أزلي , أو هو واجب الوجود لذاته, لت س و ي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إل علة لوجوده.
عدد الصفحات ١٢٢123 وتريد هذه الغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقضي بأن الأصل هو وجود موجود أزلي , وهذا الوجود الأزلي لا يصح عقلاً أن ي سأل عن علة لوجوده مطلقًا , لت ن افي هذا السؤال مع منطق العقل, وهذا الوجود الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه. أما الكون فصفاته تستلزم بالباهين العقلية والأدلة العلمية الختلفة حدوثه , لذلك كان لا بد من السؤال عن علة لوجوده, ولا تكون هذه العلة إلا م ن ق ب ل الوجود الأزلي, الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده, خارجًا عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية, وخلاف ذلك مستحيل عقلاً . والحدوث من العدم العام الشامل, دون سبب من موجود سابق له مستحيلٌ عقلاً . لو افترضنا (جدلاً) : ولو افترضنا (جدلاً) أيها اللحدون أن أحدًا خل ق الله, فستقولون: من خلقه هو أيضًا؟ ثم من خلق الآخر ثم الآخر … وهكذا. ولكن إل متى؟ إل ما لا نهاية؟ فلابد أن يدرك العاقل وجود خالق ل يخلقه أحد, أورل ليس قبله شىء, وهذا فى عقيدتنا هو الله الذى خلق كل شىء ول يخلقه شىءٌ , ﭧ ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ (الإخلاص: ٠ - ١). إذا قلنا أن كل شيء له مصدر, و كل مصدر له مصدر, ومن ثم فالصدر هذا له أيضً ا مصدر فسنبقى في علاقة إل ما لا نهاية!! إذً ا منطقيًّ ا فالتسلسل بهذا الشكل لابد له أن يمتنع؛ بمعنى أنه حتماً سنصل إل مصدر ليس له مصدر. وهذا ما يمكن أن نسميه الصدر الأول . وهذا الأول يجب أن يكون قبل بداية الزمان؛ لأنه لو كان بعد الزمان فيجب أن يكون له هو بداية, وكذلك هو أيضً ا قبل الكان لأنه لو كان الكان يسبقه أيضً ا فيجب أن يكون له بداية لأن الكان سبقه .
عدد الصفحات ١٢٣124 فبدون الليل والنهار والكواكب والنجوم والشمس والقمر لا يوجد أيام و شهور ولا سنوات وليس هنالك وقت وبالتالي فليس ثمة زمان؛ فالزمان والكان بد ءا مع بعضه ما, والله خالق الزمان والكان وهو الأول غير الحدث بالزمان ولا الكان. عندما يقال لك أن الله تعال موجود قبل الزمان والكان فهذا شيء ليس له مثيل في أذهاننا وعقولنا أو في حياتنا نقيس عليه. وها هنا مثالٌ قد ي قر ب ذلك : لو استطعنا بطريقة ما الوصول إل جنين في بطن أمه وهو في شهره التاسع الأخير وقبل ولادته بأيام ؛ ثم أخبناه وقلنا له: أنك بعد أيام سوف تخرج من هذا السائل الذي أنت تعيش فيه وتجد أطفالاً يشبهونك, وسوف تأكل من هذه الفتحة التي في فمك وليس من الحبل السري الذي تعودت أن تأكل منه طوال هذه الأشهر وسوف تجد مخلوقً ا جيلاً يرعاك ويهتم بك اسمه الأم أو أمك. ففي هذه الحالة لن يصد ق كل هذا لأنه لا يستطيع أن يتصور فهو في عال آخر وما نتحدث عنه ليس في مخيلته وليس له مثيل عنده؛ بل هو أصلاً سوف ينكر وجود أمه وهو موجود في جوفها. إن الإجابة عمن خلق الله يمكن ت ع ق لها, فالإيمان منطل ق من الت ع ق ل وليس بالضرورة التصو ر. يحاول اللحدون التشكيك في أدلة الؤمنين بالله, وهي من القوة والكثرة بحالة لا تسمح لعاقل أو ذي فكر منصف بأن يشكك فيها . وها هنا موجزٌ سريعٌ لنماذج من هذه الأدلة, التي يمكن أن ت كتب في تفصيلها ملدات صخمة, ولكل فريق من العلماء الؤمنين بالله عدة طرق لإثبات وجوده, وهذه الطرق قد أوصلتهم إل الإيمان الكامل به, القائم على اقتناع كاف بهذه الحقيقة ,
عدد الصفحات ١٢٤125 حتى كتب علماء الثورة العلمية العاصة ألوف البحوث الشتملة على الأدلة التي هدت أصحابها إل أن وجود الله حقيقة لا شك فيها. وفيما يلي عرض موجز سريع لهذه الأدلة: البهان الأول: أثبت العلم وأثبتت اللاحظة أن الكون وحوداثه الستمرة, أمورٌ ل تك ن ثم كانت, وكل شيء ل يكن شيئًا مذكورًا ثم كان لا بد له حتماً من م وجد أوجده, ولا بد أن يتصف هذا ال وج د بالصفات التي تؤهله لعمليات الإيجاد, ولا بد أن يكون أزليًا غير حادث , وإلا احتاج هو أيضًا إل موجد يوجده . (وهذا هو دليل السببية). البهان الثاني: أثبت العلم وأثبتت اللاحظة الستمرة أن كل ما في هذا الكون أمرٌ متقن , وإتقانه ليس من ذاته حتماً , إذن فلا بد له من متقن أتقنه. ومئات الألوف من الظواهر الكونية التي تعرض نفسها للبحث, حتى ينكشف للباحثين جوانب مدهشة من إتقانها, الأمر الذي يدل على أن متقنًا محجوبًا عن الأنظار, يتقن الأشياء بعلمه وحكمته , ويصرف أحداثه ا بقدرته . (وهذا هو دليل الإتقان في الكون). وفي هذا الجال يكتب العلماء النصفون ألوف القالات الستفيضة الثبتة لهذه الحقيقة. البهان الثالث: تثبت اللاحظة الستمرة في أشياء هذا الكون أن العناية إحدى الصفات البارزة فهيا. فما من حاجة لحي من الأحياء في الكون إلا لها ما يسدها, ويلبي مطالبها على أكمل وضع وأتقنه. فما من حاجة لدى نبات أو حيوان إل غذاء إلا لها الغذاء اللائم لها على أحسن وجه وأتقنه. وما من حاجة لدى ذي حياة إل كساء يدفع عنه الحر والبد والضر, إلا لها ما يحقق مطالبها على أحسن وجه وأتقنه.
عدد الصفحات ١٢٥126 وما م ن نزعة إل رفاهية وترف واستمتاع بجمال إلا لها في الكون ما ي لب ي رغبتها, سواءً للسائلين. وما من داء إلا له دواء , وما من قوة إلا لها ضد مكافئ , ما ل يكن للقضاء والقدر في الحكمة العامة مرادٌ ما. إل غير ذلك من أمور كثيرة لا تحصى. وكل هذا من العناية, والعناية لا تكون إلا صفة لذي علم وحكمة ورحمة , وهذه صفات عليم حكيم رحيم , وهو الله عز وجل. (وهذا هو دليل العناية). والعناية تستلزم الإتقان في الصنع , فكل مشمول بالعناية مصحوب بالإتقان . ولكن قد يكون الإتقان وحده ظاهرة لا تقترن بالعناية , حين لا يكون ذو حاجة إل العناية موجودًا. فالكون المادي كله متقن, ولو كان في معزل عن مخلوق حيٍّ يحتاج إل العناية. البهان الرابع: يثبت برهان العقل أنه لا يوجد شيء في هذا الكون هو واجب الوجود لذاته, بل كل ما فيه هو من الأمور المكنة , التي لا يرى العقل مانعًا من أن تكون على صورة أخرى غير الصورة التي هو عليها. وكل أمر ممكن عقلاً فالأصل أنه كان معدومًا , ول يوجد في الواقع إلا بمرجح رج ح وجوده ضد الإمكانات الأخرى. ولا بد أن يكون هذا الرجح لأوائل المكنات وجودًا واجب الوجود لذاته, وهذا لا يكون من الكون , لأن الكون كله وكل ما فيه أ مور ممكنة غير واجبة الوجود عقلاً . (وهذا هو دليل الإمكان في الكون). البهان الْامس: الإنسان أكمل حادث موجود في هذا الكون , بحسب ما نلاحظ ونشاهد من موجودات. والإنسان ل يخلق نفسه حتماً , ول يخلق أبواه, وأي شيء دونه لا يستطيع أن يخلقه, لأنه فاقد لكمالاته, وفاقد الَء لا يعطيه.
عدد الصفحات ١٢٦127 إذن: فلا بد من موجود هو أكمل من الإنسان, يملك أن يخل ق في الإنسان صفات العلم والإرادة الحرة, وسائر الصفات النفسية, بعد م نْ ح ه صفة الحياة. بل لا بد أن يكون هذا الْالق ذروة الكمال كله. ويمكن أن نسمي هذا (دليل الكمال). البهان السادس: من اللاحظ في أحداث تاريخ الإنسان , أن مظاهر الجزاء العادل للْمم من السنن الثابتة في الكون . والجزاء العادل لا يكون من مادة صماء عمياء لا تعلم من أحداث الناس ونياتهم شيئًا. إذن: فلا بد من موجود عظيم عليم يرقب أعمال الناس , ويعلم نياتهم ومقاصدهم, ويجازيهم بعدله. وهذه الصفات لا بد أن تكون صفات موجود ليس جزءًا من الكون الدروس, ولا مشبها له, لأن شيئًا منه لا يصلح لثل هذه الصفات. وشواهد مظاهر الجزاء العادل الذي ليس له سبب إنساني ظاهر كثيرة في تاريخ الناس. وهذا دليل (ظاهرة العدل). البهان السابع: الروح سر غير مادي من أسرار هذا الكون , وهذه الروح متى وجدت في المادة صارت المادة حية. ولا يوجد واحد في الأحياء يعرف روح نفسه, أو يملك نفخها في المادة, أو يملك تثبيتها إذا جاء أجل مفارقتها لجسدها. إذن: فلا بد من موجود أعلى من المادة, ومن عال الأرواح التي لا تملك لأ نفسها شيئًا, وهذا الوجود الأعلى هو الذي ينفخها في المادة فتكون حية, ويقبضها من المادة ميتة لا حياة فيها. ﭧ ﭨ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ (الأنعام: ١٠). وهذا دليل (ظاهرة الروح). البهان الثامن: دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم, وخلاصته:
عدد الصفحات ١٢٧128 لا بد أن يكون الوجود هو الأصل, وإلا ل يوجد شيءٌ البتة, لأن العدم الطلق الشامل لا يمكن أن يتحول بنفسه إل الوجود, ولا يمكن أن يوج د شيئًا غيره. وبما أن الوجود هو الأصل فيجب أن يكون للموجود الذي هو الأصل الكمال الطلق, ويجب أن يكون كل وصف فيه واجب الوجود. لكننا في كون ليس لعناصه صفات الكمال الطلق ,إذن: فالوجود ذو الكمال الطلق غير هذا الكون, وهو الذي خلق هذا الكون, وأودع فيه من الأدلة والشواهد ما يدل عليه, ومنح الفكر للإنسان ليمتحنه في قضية الإيمان بخالقه. هذه الباهين الأصول يمكن أن تكتب حولها تفصيلات وبحوث مستفيضة تملْ ملدات. فموقف الفكر الإيماني موقف من يعرض براهينه وأدلته العقلية والعلمية بقوة, ويستطيع أن يجادل بها, وي قن ع وي سك ت كل منصف طالب معرفة الحق, غير مغالط ولا مراوغ ولا كذاب. بخلاف موقف الفكر الإلحادي في كل ذلك.
عدد الصفحات ١٢٨