المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أوهام الملحدين أوهى من بيت العنكبوت

شحاتة محمد صقر

صفحة ٧ من ١٠

97 ثابتة. إن نقطة بدء خلق الإنسان لا تشبه الحالة الستمرة له بعد أن صار سوي ا يمَ على الأرض. إذن: فنظري ة "لا فوازييه" لا تتناول بحال من الأحوال الزمن الأول لبداية الكون, ومالها ينحصر في الأزمان التي يترج ح فيها قيام النظام الكوني الذي درسته هذه النظرية. وبهذا يتبين لنا أن التعميم الزمني فيها, الشامل لكل أزمان الماضي, تعميم غير صحيح إطلاقًا. فاللعبة الفكرية التي يلعبها الماد يون هنا هي لعبة التعميم الفاسد, الذي لا سند له إلا الادعاء, ومعلوم بداهةً أن الادعاء وحده من غير دليل مقبول في ميزان الفكر, لا ي ثْ ب ت أية قضي ة, وهو كذب, أو محض تخي ل وافتراض ذهني . السؤال الثاني: هل ر ص د واضع النظرية ومؤيدوها ومقرروها م ن بعد ه, أجزاء الكون وعناصه في مستقبل ما يأتي من الأزمان, وثبت لهم من رصدهم أنه لا يمكن أن يخ لق شيءٌ من العدم, ولا ي مكن أن ي عدم شيءٌ موجود؟ ونقول: كيف يستنى لهم رصد الستقبل وهم لا يملكون استقدامه؟! معظم ما يملكونه هو قياس الستقبل على الحاضر وعلى الماضي, قياسًا ذهنيًا, بشّط استمرار نظام الكون القائم . وهم لا يستطيعون أن يح كموا على الكون بأنه لا يمكن أن يتغير نظامه الكلي , فتأتيه حالةٌ من الحالات يمسي أو يصبح فيها عدمًا , أو تنعدم بعض أجزاء منه , أو تضاف إليه أجزاءٌ ل تكن هيئتها ولا مادتها فيه, فهذا حكم لا سبيل إليه, إنه حكم على مهول, والحكم على الجهول باطل, هو رجم بالغيب, وقول بغير علم, وبغير ظن راجح أيضًا , إذ لا يوجد دليل ولا شبه دليل. إذن فنظرية "لا فوازييه" تنطبق على هذا الكون بشّط استمرار نظامه القائم, وهي لا تحكم على الستقبل حكماً قاطعًا باستحالة تغير هذا النظام , ولكن ما دام هذا النظام قائماً , فإن ضابطه أن جيع ما يجري من تغيرات الدركات للناس فيه إنما هو من

عدد الصفحات ٩٧

98 قبيل التحولات, باستثناء ظاهرة الحياة والوت, التي ل يصل العلم الإنساني إل إدراك حقيقتها, ولا إل معرفة سر التقاء الأرواح بالأجساد وانفصالها عنها. وبهذا يتبين أن التعميم الزمني الشامل لكل أزمان الستقبل في هذ ه النظرية تعميم غير صحيح إطلاقًا. ويقال هنا أيضًا: إن لعبة الغالطة في نظرية "لا فوازييه" هي لعبة التعميم الفاسد, الذي لا سند له إلا الادعاء, وكل ادعاء لا يدعمه دليل مقبول ادعاء ساقط. لقد تأكد بالبيان الشافي أن نظرية "لا فوازييه" محدودة ببعد زمني معين , لا يشمل الزمان الماضي السحيق , ولا الزمان الستقبل الجهول . وتأكد لدينا أن هذه النظرية مشّوطة بوجود هذا النظام القائم للكون, ماضيًا ومستقبلاً , وليس لهذا النظام طبيعة عقلية توجب أن يكون كذلك من الأزل إل الأبد. السؤال الثالث: هل رص د واضع هذه النظرية ومؤي دوها ومقر روها م ن بعد ه هذا الكون كله في كل أبعاده الكانية؟ ألا يحتمل عقلاً وجود مكان سحيق في الكون ل يرصدوه, ول يعرفوا ما فيه؟ أفيحكمون عليه إذًا حكماً غيابيًا قياسًا على ما رصدوه منه في الأمكنة التي استطاعت أن تبلغ إل مداها أجهزتهم وملاحظاتهم؟! إن هذا الحكم الغياي مع جهالة الْصائص والصفات حكم باطل, وهذا لا يستلزم ضرورة مخالفة الغائب للحاضر, ولكن لا يستلزم أيضًا ضرورة موافقته. فلا بد إذًا من تحديد مكان النظرية بالأبعاد الكانية التي كانت مال اللاحظة والقياس بالأجهزة, مع التجاوز بصحة قياس ما شابهها عليها, مما لا يخضع للملاحظة الباشة.

عدد الصفحات ٩٨

99 وهكذا يظهر لنا أن نظرية فوازييه" محدودة بب عْد مكاني معين , وهو أمرٌ توجبه الدراسة النطقية الحيادية , وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن العرفة والحقيقة. السؤال الرابع: هل شمل رصْد واضع هذه النظرية , ورصد مؤي ديها ومقر ريها م ن بعد ه, كلر أجزاء الكون المادي وغير الماد ي, ما ظهر منه وما بطن , وما ل يصل إليه الإدراك الإنساني, مما هو موجود في الكون, ويثبته الاستنتاج الفكري, ولكن لا يزال عن أجهزة الحس غيبًا, فهو غير مدرك بالحواس, لا بطريقة مباشة, ولا بطريقة غير مباشة؟ الجواب الواقعي يقول: إن الوسائل الإنسانية كلها ل تصل حتى الآن إل رصْد كل ما في هذا الكون , ولا إل إدراك جيع ما فيه , فما هو غيب عن الناس أكثر مما هو مشهود لهم. والجواب الواقعي يق ول أيضًا: إن للإدراك الإنساني ب عدًا لا يستطيع تجاوزه, وإن لهذا الإدراك حدودًا هو عاجزٌ عن اختراقها . وتحديد الب عْ د الإدراك ي لنظرية "لا فوازييه" يتلخص بأن النظرية قد اعتمدت على ملاحظة عال الشهادة من الكون الدرك بالحواس الإنسانية ووسائلها . أما عال الغيب الذي لا تصل إليه الإدراكات الإنسانية الباشة أو عن طريق الأ جهزة والوسائل, فهو عال خارج بطبيعته عن مال النظرية. لذلك فإن هذه النظرية لا تستطيع أن تحكم على ما هو غيب عن الإدراك الإنساني من هذا الكون, إذْ حكمها عليه هو من قبيل الحكم على الغائب الجهول في ذاته وفي صفاته. وعال الغيب لا يصح الحكم عليه إلا بموجب الأحكام الشاملة عقلاً لعال الشهادة وعال الغيب معًا.

عدد الصفحات ٩٩

111 فمعظم ما تستطيعه النظري ات بالنسبة إل عال الغيب: هو أن تعل ق أحكامها تعليقًا كليًّا , أو تصدر أحكامًا مشّوطة احتمالية غير جازمة , وهذا هو ما توجبه الدراسة العلمية النطقية الحيادية, وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن العرفة والحقيقة. الْلاصة: من التحليل السابق يظهر لنا تمامًا أن نظرية "لا فوازييه" ل تتناول من الكون إلا مقطعًا محدود الأبعاد الثلاثة: (البعد الزماني , والبعد الكاني , والبعد الإدراكي) وهذا القطع الحدود هو مال ملاحظتها. يضاف إل كل ذلك أن وجود الحياة في المادة ل يقتر نْ بأي دليل تجريبي يثبت تحول المادة غير الحية إل مادة حية, عن طريق التطور الذاتي , دون أن تتولد من حياة سابقة رغم كل التجارب العلمية التي قامت في عال البحث العلمي حتى الآن. وظهر لنا أيضًا أن نظرية "لا فوازييه" لا تست طيع بحال من الأحوال , إثبات أزلية المادة وأبديتها, وأنه ليس في هذه النظرية أية شبهة تشير إل عدم حاجة الكون إل خالق أزلي أبدي, له كل صفات الكمال, وهو منز ه عن كل صفات النقصان . يزعم الماديون أن الوجود كله منحصرٌ في الكون المادي الْاضع للإدراك الحسي, ولو عن طريق الوسائل المادية الكبة للدقائق الصغيرة , أو التي تح س بما لا تدركه الحواس الإنسانية, أو عن طريق الاستنتاج الفكري أحيانًا. وهذا الزعم لا دليل عليه مطلقًا , إنه مرد إنكار ورجم بالغيب . ومذاهب الماديين حيال هذا الوضوع أن ينكروا بغير دليل وجود ما ل يتوصلوا إل إدراكه أو معرفته عن طريق الحس الباش أو غير الباش. لقد كان الماديون ينكرون ما لا تصل إليه الحواس الإنسانية, قبل أن يتوصل البحث العلمي إل اكتشاف أجهزة تستطيع أن تحس بأشياء كو نية كانت بالنسبة إل الحواس البشّية أمورًا من أمور الغيب , ولما اكتشفت هذه الأجهزة, وكشفت للعلماء

عدد الصفحات ١٠٠

111 الباحث ما كشفت من خفايا داخل الكون , تراجع الفكر المادي عن تعنته قليلاً , فاعترف بوجود أشياء يمكن أن تدركها الأجهزة التي توص ل العلماء الباحثون إل اكتشافها. ومنها أجهزة الإحساس بالأشعة التي لا تدركها حواس الناس , وأجهزة الإحساس بالذبذبات الصوتية التي تنطلق في الأجواء , وأجهزة الإحساس بالطاقات الكهربائية والغناطيسية والحرارية غيرها. وكلما تقد م العلم وتطور ت أجهزة الإحساس بموجودات كانت غيبًا عن الناس قبل التوص ل إليها, تراجع الفكر المادي عن بعض تعنتاته, ولكن ظل منكرًا ما وراءه, مما لا يزال غيبًا. لقد كان الاستنتاج العقلي يثبت أمورًا , وكان الفكر المادي ينكر بتعنت وعناد, وحين كشفت الأجهزة الستحدثة ما كان يثبته العقل, تجاهل الماديون إنكارهم الأول, وأخذوا يراوغون , ويوسعون مذهبهم المادي , حتى يشمل ما أثبتته الأجهزة الستحدثة وأحست به, وقدمت للعلماء شهادة بما شاهدت من خفايا كانت قبلها غيبًا عن حواس الناس. أما الماديون العاصون الذين يعترفون بقوانين العلوم , وما توص لت إليه استنتاجًا عقليًا, فهم يتناقضون مع أنفسهم حين ي س ل مون بمقررات علمية ل يتوصل إليها العلم إلا عن طريق الاستنتاج العقلي , ويرفضون مع ذلك الاستنتاجات العقلية التي توصل إل ضرورة الإيمان بالْالق. ما أعجب أمر هؤلاء الماد يين!! إنهم يرفضون الاستنتاج العقلي , حينما ي لزمهم جيع العقلاء بضرورة الإيمان بالْالق, الذي هو غيب عن الحواس بذاته, لكن ضرورة وجوده ت عل م حتماً بآثار صنعته التقنة, ثم هم يقبلون بمقررات علمية كونية كثيرة ما زالت غيبًا عن الحواس, وغيبًا عن الأجهزة العلمية التقدمة جدًا , مثل صفات الذرة , وحركاتها, وصفات الْلية ,

عدد الصفحات ١٠١

112 وتطورها. مع أن هذه القررات يوجد في بعضها ما دل عليه الاستنتاج العقلي بأمارات ظنية, لا بأدلة قطعية. أليس هذا منهم تناقضًا مع أنفسهم ؟! إنهم لو كانوا منسجمين مع الأدلة العلمية انسجامًا سويًا ل يتدخل معه الهوى , لم ا كانوا متناقضين في مناهجهم , ول ق ب لوا على طول خط العرفة ومكتسباته ا كل الاستنتاجات العقلية القطعية, أو التي تعطي ظنًا قويًا راجحًا , ولما فر قوا بين أفرادها وهي متماثلة في قورة دلالتها . لكنهم متعصبون أصحاب هوى ضد قضية الإيمان بالرب الْالق , فهم يرفضون كل دليل يثبت وجوده , مهما كان دليلاً برهانيًا قويًا , وحينما يكون لهم هوىً في أن ينتفعوا من طاقات الكون وخصائصه , يقبلون ما يقد مه لهم الاستنتاج العقلي حول هذه الطاقات والْصائص , ولو كان استنتاجًا ظنيًا , أو وهميًا أحيانًا, ويخادعون بأن هذا مما تثبته الوسائل العلمية. ويكفي لإدحاض مذهب الماديين اللحدين , ما اعترف به كبار علماء الكون العاصين, من تراجع العلم العاص عن اعتبار الكون مادة تعمل بصورة ميكانيكية, إل إدراك أنه مظهرٌ لْطة عليم حكيم قدير مهيمن على كل شيء. يقول العلامة الفلكي الرياضي البيطاني السير "جيمس جينز": « إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العال, تلك التي كنا أقمناها على عجل. لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة, وهذه القوة تشبه أذهاننا إل حد كبير , وهذا الشبه ليس من ناحية العواطف والأحاسيس , وإنما هو شب ه يتعلق بذلك النهج الفكري الذي يمكننا تسميت ه بالذهن الرياضي » .

عدد الصفحات ١٠٢

113 أنكر الماديون وجود الْالق , ورفضوا الاقتناع بكل أدلة إثباته البهانية , دون أن يقدموا أي دليل تقبله العقول يجعل لهم عذرًا , في هذا الإنكار. إن جيع أدلتهم تنحصر في محاولات إيهام صغار العقول وقليلي العرفة, بأن ما لا تشاهد ذات ه هو غير موجود, وتجاهلوا الأدلة العلمية, التي أثبتت بشكل قطعي عجز الوسائل الإنسانية عن التوصل إل الإحساس بموجودات كونية كثيرة يثبتها العقل , ولا تستطيع وسائل العلم الإنسانية المادية أن تنفيها , بل الأمر بالنسبة إليها يعتمد على براهين العقل ودلائله الاستنتاجية. ولما أنكر الماديون وجود الْالق جلا وعلا, لزمهم أن يقولوا: إن المادة الأول للكون التي هي عديمة الحياة والإحساس والإدراك والفكر, قد ارتقت بالتطور الذاتي حتى نشأت الحياة, التي هي أكمل وأرقى من مادة الكون. ثم نشأت بعد ذلك في الحياة الإحساسات الراقية , حتى مستوى الفكر , ووعي ما في الكون عن طريقه . وبذلك استطاعت المادة أن تعي ذاتها , متمثلاً ذلك في الجهاز الراقي الذي أبدعته بالتطور الذاتي, وهو الدماغ. إن مقولة الماديين هذه مرفوضة في النهج العلمي الذي يعتمدون عليه , ومرفوضة بالبداهة العقلية, ومرفوضة بالسلمة التي اتفق عليها النهج العلمي المادي, والبهان العقلي, وهي استحال وجود التقنات الراقية العقدة بالصادفة. ٠- أما النهج العلمي المادي فقد أثبت: أن المادة التي لا حياة فيها, لا تتولد فيها الحياة بالتطور الذاتي, وأن الكائن الحي فيها لا يأتي إلا نسلاً لحي سابق عليه . فالمادة والحياة أصلان منفصلان في هذا الكون , وليست المادة أصلاً مستقلاً للحياة, وإن كانت الحياة إنما تظهر في م دركاتنا الحسية إذا دبت في جسد مادي مؤهل لظهور الحياة فيه. وأثبتت الأدلة العلمية العترف بها عند الماديين: أن وجود الحياة في المادة أمرٌ حادثٌ جدًا بالنسبة إل مادة الكون الأول.

عدد الصفحات ١٠٣

114  فمن أين دب ت الحياة؟  هل و جدت فيها من العدم الطلق؟  هل و جدت من المادة فاقدة الحياة , وفاقد الَء لا يعطيه ؟ هذان أمران مستحيلان عقلاً . إذن: ل يبق إلا أن خالقًا حيًا عليماً قديرًا حكيماً هو ال ذي نفخ نسمة الحياة في المادة, وهو الذي خلق الحياة , وحين شاءت حكمته أن ينفخ نسمة الحياة في المادة , رك ب الماد ة على الصورة التي قضى بحكمته أن تكون هي الشّط اللازم لاحتواء حركة الحياة. لكن هذا اللازم العلمي والعقلي يرفضه اللاحدة الماديون , ويصرون على الاعتقاد بما هو مرفوض علميًا وعقليًا. ٢- وأما البهان العقلي , فإنه يقرر بحكم البديهة العقلية , أن مادة الكون الأول, التي ليس فيها مركبات متقنة , وليس فيها حياة ولا إحساس ولا وعي , لا تستطيع أن ترقى إل الكمال ارتقاءً ذاتيًا , ولا تستطيع أيضًا أن تصنع أجزاءً فيها ه ي أكمل منها وأرقى. وذلك لأن فاقد الَء لا يعطيه , وصنع الناقص لما هو أرقى منه نظير تحو ل العدم إل الوجود تحولاً ذاتيًا , لأن القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضًا , والعدم الحض لا يخرجه إل الوجود إلا قوة مكافئة له, أو أقوى منه. لكن المادة العمياء الصماء الج اهلة ل تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حية مريدة ذات وعي وإحساس, بل هي أقل قيمة منها, فهي إذن عاجزة بداهة عن إنتاج ما هو خير منها. وهذا يدل بالاستنتاج العقلي على أنه لا بد حتماً من وجود موجود أزلي هو فوق المادة العمياء الصماء الجاهلة, وهذا الوجود الأزلي هو الذي جعل المادة ترتقي في سلم الوجود, وهو الذي خلق الأحياء وما فيها من صفات وما لها من خصائص, وهو الذي

عدد الصفحات ١٠٤

115 أتقن كل شيء صنعًا , ولا بد أن يكون هذا الوجود الأزلي متصفًا بصفات الكمال التي بها يخلق ويتقن ويبدع. ٥- وأما استحالة وجود التقنات الراقية الدقيقة العقدة بالصادفة, فهي قضية من السلمات التي اتفقت عليها الدلائل العلمية المادية, والباهين العقلية النطقية. أما الدلائل العلمية المادية الستندة إل الوسائل الإنسانية فإنها ترفض الصادفة في أي ظاهرة كونية ذات إتقان دقيق معقد, والباحثون العلميون سواء أكانوا م ثاليين أو ماد يين, يبحثون باستمرار عن سبب أية ظاهرة كونية يشاهدونها , ويرفضون ادعاء الصادفة فيها رفضًا قاطعًا , لأن الناهج العلمية الاستقرائية قد أثبتت للعلماء أنه ما من ظاهرة تحدث في الكون دون أن تكون مسبوقة بسبب مكافيء لحدوثها , وإذا كانت هذه الظاهرة من الظواهر التي تحتاج إل صاحب علم ومهارة حتى يكون قادرًا على إنتاجها , قرروا أن منتجها صاحب علم ومهارة, وهكذا. وأما الباهين العقلية فقد استطاعت أن تقد م للرياضيين وللمنطقيين أدلة قاطعة لا يتطرق لها أدنى شبهة, وهذه الأدلة تثبت استحالة وجود متقنات راقية معقدة التكوين - كخلق الذبابة - عن طريق الصادفة. فكيف بالكون كله وما فيه من م تق نات لا حصر لها , أصغرها الذرة , وأكبها في نظرنا الجرة , وأدناها في الأحياء التي اكتشفناها "الفيروس" وأعلاها فيما نشاهد الإنسان. فماذا يقول الماديون وقد حاصتهم الأدلة من كل مكان؟! ويزعم الماد يون أزلية مادة الكون الأول وأبديتها, وهذا الزعم أمر مرفوض بالبهان العقلي, وبالدلائل العلمية التي تعتمد على الوسائل الإنسانية. ٠- أم ا البهان العقلي: فيمكن تلخيصه بأن ما هو أزلي هو واجب الو جود عقلاً لذاته , وما هو واجب الوجود لذاته لا يمكن أن يكون قابلاً للتغير :

عدد الصفحات ١٠٥

116  لأن قابلية التغير إمكان , والإمكان نقيض الوجوب , سواء أكان هذا الوجوب وجوب وجود أو وجوب عدم , والنقيضان لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد بحال من الأحوال.  ولأن التغير هو انعدام للصفاتالأول, وحدوث للصفات الجديدة, والذي يقبل الانعدام والحدوث لا يكون واجب الوجود, بل هو ممكن الوجود وأصله العدم, وهذا مناقض للْزلية.  ولما كانت ذات الوجود ملازمة باستمرار لصفاته , فإن الحدوث في الصفات التي هي ملازمة للذات يستلزم حدوث الذات , وهذا مناقض لأصل ادعاء أزلية الكون الذي هو ملازم للتغير بالشاهدة. ٢- وأما الدلائل العلمية التي تعتمد على الوسائل الإنسانية فقد عب عنها طائفة من علماء الطبيعة , الذين أثبتوا عن طريق الدلائل العلمية , أن الكون صائر إل العدم, وأن ما هو صائر إل العدم لا يمكن أن يكون أزليًا . واستدل بعض هؤلاء بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية. تقوم فكرة التطور الداروينية على: ٠- أن الكائنات الحية تسير في تطورها مرتقية من أدنى الأحياء إل الأعلى فالأعلى, وأن الإنسان قد كان قمة تطورها. ٢- وبقاء ب عض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إل ظاهرة الصراع من أجل البقاء, فالبقاء يكون للنوع الكافح الأفضل. وأما النوع الْامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر, ثم يضمحل, ثم ينقرض. ٥- والعضو الذي يه م ل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد, يضمر شيئًا فشيئً ا, حتى يضمحل , ولا يبقى منه إلا أثر يدل عليه, وقد لا يبقى له أي أثر.

عدد الصفحات ١٠٦

117 كانت هذه هي الداروينية في عال الأحياء, ث م ع م مت حتى شملت الوجود المادي كله, من الغاز السديمي الأول حتى الجرات فالكواكب, فالواد الصالحة لظهور الحياة, فالنبات, فالحيوانات, فالنبات, فالحيوان, وأمسى التطور مذهبًا. وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده, وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد ترجع كلها إل ثلاثة عناص: ٠- وجود التشابه في النباء الجسمي لدى الكائنات الحية. ٢- تأخر ظهور بعض الأنواع عن بعض. ٥- وجود زوائد في بعض الأحياء ليس لها وظيفة حاليًا, فوجودها ينبئ عن أنها كانت في أزمان غابرة ذات وظيفة, فلما أهملت ضمرت, وما بقي منها دال عليها, كالزائدة الدودية في أمعاء الإنسان. ورأى اللاحدة وأصحاب الفكر المادي في آراء "داروين" أساسًا يمكن أن يدعم مذهبه م, فاتخذوها أساسًا, وأخذوا يروجون لها في ميادين العلم, ويعتبونها "نظرية" مع أنها لا ترقي في سلم البحث العلمي عن كونها "فرضية". وبعد أن أطلقوا عليها زورًا وتزييفًا عنوان "نظرية" أضافوا إليها فكرة جديدة, وهي أن نظرية التطور قادرة على تفسير نشأة الْلق, ونشأة الحياة, من ماد ة الكون الأول التي هي سديم غازي, أي سحابة غازية مؤلفة من أدنى الغازات تركيبًا, وأن هذا التطور قد كان تطورًا ذاتيًا, وليس ذا حاجة إل تدخل خالق ذي قدرة وعلم وحكمة, فالطور بطبيعته الذاتية قد أجرى هذه التغييرات العظيمة التي نشاهدها في الكون وفي أنفسنا. وانطلقت الأجهزة اليهودية العالية ضمن خطط مرسومة, ترو ج لهذه النظرية الد عاة, في أسواق العلم, وفي ميادين الثقافة, وفي أجهزة الإعلام الختلفة, وتمج د بها وبواضعها داروين, وترفعه إل درجة غير عادية.

عدد الصفحات ١٠٧

118 الرأي العلمي الأخير في مذهب التطور: يرى جهور أهل البحث العلمي العاصين , والشتغلين بعلم الأحياء, أن ما يسمى بنظرية التطور لا يرقى إل مستوى "النظرية". بل هو لدى التحقيق لا يزال في مستوى "الفرضية". وذلك لأنه ل يوج د حتى اليوم أي دليل واقعي مشاهد ولو معمليًا يرج ح صح ة الفرضي ة, ولو بمثال واحد من الأمثلة التي يصح الاعتماد عليها, كأساس للتطور القرر في النظرية الدعاة أو التخيلة. يقول "سير آرثر كيث" في مقال له جاء في كتاب "العلم أسراره وخفاياه" بعنوان: (داروين و"أصل الأنواع"): « ويقرر بعض النقاد الحديثين للانتخاب الطبيعي بأنه لا حول ولا قوة في إحداث صورة جديدة من النبات أو الحيوان » . وذكر عن بعض النقاد أن كيفية حدوث التطور, أو آلية التطور الوصوفة كتاب "أصل الأنواع" لداروين, قد تكون كلها خاطئة. ثم قال: «وإذا كان حقيقة كذلك, فقد يصبح "أصل الأنواع" غير متمش مع الزمن إطلاقًا » . لكن "س آرثر كيث" من الذين يتمسكون بمذهب النشوء والارتقاء, وهو مذهب التطور الذاتي, على الرغم من أنه غير ثابت علميًا, وعلى الرغم من أنه لا سبيل إل إثباته بالبهان. وذلك لأنه لا خيار له إذا ل يأخذ بمذهب التطور الذاتي, إلا أن يؤمن بالْلق الرباني الْاص الباش, وهو غير مستعد لهذا الإيمان, بعد أن اتخذ لنفسه الإلحاد مذهبًا وعقيدة, لذلك فهو يقول في مكان آخر: « إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا, ولا سبيل إل إثباتها بالبهان ونحن لا نؤمن بها إلا أن الْيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالْلق الْاص الباش, وهذا لا يمكن حتى التفكير فيه » .

عدد الصفحات ١٠٨

119 موضوعات مذهب التطو ر وموقف الإسلام منها يتناول مذهب التطو ر ثلاث موضوعات: الوضوع الأول: تطو ر المادة غير الحية من السديم الغازي, حتى تكو نت النجوم والكواكب. الوضوع الثاني: كيف دب ت الحياة في المادة؟ أو كيف تطورت المادة حتى كانت فيها كائنات ذوات حياة؟ الوضوع الثالث: كيف وجدت أنواع الأحياء؟ أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة, حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان؟ الوضوع الأول: تطو ر المادة غير الحية من السديم الغازي, حتى تكو نت النجوم والكواكب. أولاً: إنْ كان التطو ر الدعى مقرونًا باعتقاد أن هذا التطور معتمد على خطة رسمها الْالق عز وجل , فهو سنة من سننه, ويتم الأمر بخلقه, فأمر ادعائه سهل, ولا ينبني عليه مناقضة لقضية من قضايا الدين الحق. والنهج السليم يحت م علينا أن نترك هذه القضية للبحث العلمي, إذ ليس لدينا في الفاهيم الإسلامية ما يتعارض معها, بل قد نجد ما يلتقي معها نوع لقاء, مثل كون السماء في أول أمرها دخانًا, ومثل كون عرش الرحمن أول الأمر على الماء, ومثل تكامل عملية خلق السماوات والأرض, وهي أيام لا ندري مقاديرها, فهي على كل حال ست أحقاب زمنية. على أن الوضوع لا يعدو من وجهة نظر العلم الصحيح أن يكون افتراضًا نظريًا فكريًا, قد تدل عليه بعض الأمارات التي تسمح بالتخمين, ولا تسمح بوضع نظرية جازمة. ثانيًا: وإن كان التطور الدعى مرادًا منه التطور الذاتي, أي الذي لا يخضع لْطة خالق عليم حكيم قادر, فهو أمر مرفوض حتماً , علميًا, ودينيًا, وفلسفيًا.

عدد الصفحات ١٠٩

111 وذلك لأنه لا يسمح التطور الذاتي, لو أمكن أن يوجد, بإحداث هذه التقنات العجيبة الترابطة في الكون كله, وليس أمام مدعي التطور الذات إلا ادعاء أن هذا الإتقان قد تم على سبيل الصادفة. وقد أثبت الباحثون الرياضيون وغيرهم أن مثل هذا الإتقان الكوني العجيب من الستحيل أن يكون بالصادفة, وأقوالهم في هذا كثيرة. فالصادفة في أحداث التطور الكوني الد عى مرفوضة علميًا ورياضيًا وواقعيًا, مهما تهرب الماديون من مضايق الباهين العقلية والعلمية, لافتراضات الأزمان السحيقة التي يمكن أن تسمح بمصادفة تصنع متقنًا ما. يقول "جون أدولف بوهلر": « عندما يطب ق الإنسان قوانين الصادفة لعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر الطبيعية, مثل تكوين ج ز يْء واحد من جزئيات البوتين من العناص التي تدخل في تركيبه, فإننا نجد أن عمر الأرض كله لا يكفي لحدوث هذه الظاهرة » . الوضوع الثاني: كيف دب ت الحياة في المادة؟ أو كيف تطورت المادة حتى كانت فيها كائنات ذوات حياة؟ إن النصوص الدينية تكشف لنا أن الحياة سر من أسرار الْالق, ونفخة رب انية روحي ة في المادة. فالحياة ليست نتاج المادة, بل الماد وعاء لها. لقد خلق الله جسم آدم من الطين, ولم ا سواه نفخ فيه من روحه, فصار إنسانًا حيًا, بعد أن كان مادة ميتة. وبعد أن يعلق الجنين في رحم أم ه, يج مع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم ي رس ل إليه الل ك في نفخ فيه الروح. وعندئذ تدب فيه الحياة الإنسانية. وحين أراد الله أن يخرق سنته في خلق عيسى من أم بدون لقاح أب, أرسل إل أمه مريم اللك, فتمثل لها بشًّا سويًا, ﭧ ﭨ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ

عدد الصفحات ١١٠

111 ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ (مريم: ٢٠- ١٠). وتم تكوين الغلام في بطنها بنفخة كان بها إنسانًا. ﭧ ﭨ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ (التحريم: ٢٠). وحين أعطى الله عيسى معجزة إحياء ما يصنع من الطين على هيئة الطير جعل الله في نفخته فيها سر الحياة. مزاعم الماد يين: ويزعم أصحاب الفكر المادي أن الحياة من ظواهر التطور في المادة, فالحياة وما يتبعها من صفات الإحساس والإدراك والفكر والعواطف والانفعالات كلها من ثمرات تطو ر المادة, وصفات من صفات الماد ة, متى ترك بت بشكل معق د كالشكل الذي ظهرت به الأحياء. ولا يقدم الماد يون لإ ثبات هذا الادعاء أي دليل عقلي أو علمي, لأنهم لا يملكون شيئًا من ذلك, ول يستطيعوا بعد كل الجهود التي بذلوها أن يقد موا أي دليل علمي. وما قدموه مر د تكه ن تخي لي, ورغبات يريدون أن يكون الواقع على وفقها, ولكن الحق والواقع لا تصنعه رغبات الناس وأهواؤهم. وهذا الادعاء الذي ادعاه الماديون مرفوض علميًا, من قبل علماء الأحياء أنفسهم. وذلك لأن القرار الذي انتهى إليه علماء الأحياء بعد تجارب كثيرة ومتنوعة, يجزم بأن المادة اليتة لا يمكن أن تتحول ذاتيًا إل مادة حية, وأن الحي لا بد أن يتولد عن حي أو ي شتق من حي. ول يستطع العلماء الماديون التفرغون باهتمام شديد في الشّق والغرب لتخليق أدنى خليه حية وأقلها تركيبًا وتعقيدًا, أن يتوصلوا إل تخليق مثل هذه الْلية من المادة, دون أن يأتي التخليق من حياة سابقة لها. فالقرار العملي الواقعي الأخير: إن الحياة لا تتولد إلا من حياة.

عدد الصفحات ١١١

112 كما كان قد قر ر ذلك من قبل , العلماء الؤمنون بالْلق الرب اني من علماء الأحياء مثل: "أغاسيز". وأخيرًا العال الفرنسي الشهير "باستور" مكتشف جراثيم الأمراض. ومع ذلك فقد ظل الماديون يرغبون في اعتقاد أن الحياة ظهرت نتيجة تطور المادة تطورًا ذاتيًا, وا عتبوا ذلك اعتقادًا فلسفيًا, لأنه لا بديل بعد رفض هذا الاحتمال إلا الإيمان بالْلق الْاص الباش, وهذا أمر يرفضونه, لأنهم لا يريدون الإيمان بخالق غيبي لا يشاهدونه. هكذا اعتباطًا من غير دليل, على الرغم من أنهم يؤمنون بغيبيات كثيرة يستنتجونها استنتاجًا نظريً ا فلسفيًا, دون أن يكون لها شواهد من الواقع الشاهد. وحين يؤمنون بغيبيات عن حواس هم وأجهزتهم تثبتها لهم استنتاجاتهم النظرية, كصفات الذرة وخصائصها, نجدهم ينكرون على أصحاب الاستنتاجات الفكرية النظرية العقلية, ما توصلهم إليه استنتاجاتهم التعلقة بغيبيات دينية , حول الْالق عز وجل وصفاته العظيمة. هذا منهم تناقض مع أنفسهم, يؤمنون بسلامة الاستنتاج العقلي حينًا, ويجحدونه وينكرون على من يستند إليه حينًا آخر. والتتبعون للماديين في مالات العلوم, وفي مالات الحياة الختلفة, يلاحظون أن الماديين لا ينفكون عن الاعتما د على الاستنتاجات الذهنية العقلية, بل يسرفون أحيانًا إسرافًا شديدًا في الاعتماد عليها, كالاستنتاجات السياسية التي تمس أشخاصهم ومبادئهم ومذاهبهم ومنظماتهم الحزبي ة والإدارية. مقولة من العلماء الطبيعيين حول النشوء الذاتي: جاء في كتاب "التطور عملياته ونتائ جه" ما يلي: « ل تعد نظرية النشوء الذا تحظى باحترام البيولوجيين, بعد عمل "ريدي" و"سبالنزاي" » . ولكن اكتشاف البكتيريا غير ذلك, فهذه كائنات حي ة أبسط مما كان يتصو ر في مضى, والبكتيريا موجودة في كل مكان, وكان من الصعب جدًا أن لا توجد في أي وسط مناسب لنم وها. وقد كان احتمال حدوثها ذاتيًا داخل أي وسط عضوي فكرة كثير من العضدين الناصين. (أي: لفكرة النشوء الذاتي).

عدد الصفحات ١١٢