81 ثانيًا وتزعم المادية أن المادة الأول للكون مادةٌ عديمة الحياة, عديمة الإدراك, عديمة الفكر , عديمة الإحساس , وأنها بالتطور الذاتي ارتقت صفاتها حتى وصل الكون إل ما هو عليه الآن. ثالثًا: وتزعم المادية أن المادة الأول للكون أزلية , فهي إذن أبدية , وحين تدمغهم أدلة حدوث الكون يقولون: لا نعرف كيف وجد الكون , كما لا يعرف الؤمنون بالله كيف و جد الْالق , ويقيسون هنا قياسًا فاسدًا , إذ يقيسون الأزلي الذي لا ب در من وجوده عقلاً , ووجوده هو الأصل, على الح ادث السبوق بالعدم , والذي لا يصح وجوده عقلاً ما ل يوجده الأزلي . ويقول الماديون : لا توجد علة للكون , والطبيعة بنظامها التام خرجت من العماء الصرف , أي: من العدم الكلي , ويلتزمون بهذا الادعاء قبول الستحيل العقلي البدهي الاستحالة. فإذا سألت الماديين: كيف ي نتج العماء الصر ْ ف أو العدم الك لي شيئًا موجودًا له صفات وخصائص وأوزان وحجوم وطاقاتٌ وقوى؟ قالوا: لا ندري , لكن الأمر هكذا. وإذا سألتهم: كيف ي نتج العماء الصر ْ ف أو العدم الك لي نظامًا بديعًا ؟ وكيف يظهر القصد الحكيم من غير ذي إرادة وعلم وحكمة؟ وكيف تتفجر الحياة من غير ذي حياة؟ قالوا: لا ندري, لكن الأمر هكذا. وقالوا: هو النشوء والارتقاء . وقالوا: هي طبيعة المادة متى تشكلت بوضع خاص. وقالوا: هي الصادفة. وكذبوا في كل ذلك, والواقع يرفضه, ومنطق العقل يرفضه. رابعًا: وتزعم المادية أن الإحساس في الحياة إل درجة وعي الذات ووعي ما يجري حولها من الكون , حتى مستوى الفكر العالي في الإنسان , إنما كان نتيجة تطور المادة تطورًا ذات يًا ارتقائيًّ ا وبناءً ؛ على هذا تزعم المادية أن الأفكار إنما هي انعكاس حركة
عدد الصفحات ٨١82 المادة على الدماغ , وأن العرفة صورة يصطنعها الدماغ بإحداث ال روابط بين الصور التي تنعكس عليه من المادة. خامسًا: وتزعم المادية أن الحياة ظهرت في الكون المادية نتيجة الصادفة, دون خطة سابقة من عليم حكيم, ودون قضاء وقدر من مريد ومختار, ودون قدرة خالقة من خالق قدير . وتزعم أن الحياة ثمرة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية الستمرة, فهي أثر تركيب خاص معق د للمادة. وما زالوا يصرون على هذا الزعم , مع أن القرار العلمي الأخير الذي اتفق عليه العلماء الشّقيون, والغربيون الماديون ينص على أن العلم عاجز عن إيجاد أدنى صورة من صور الحياة, بتخليقها من المادة التي لا حياة فيها. سادسًا: وتزعم المادية أنه لا وجود لَء اسمه الروح على اعتبار أن هذه الروح مباينة في طبيعتها للمادة . وتزعم أن المادة حينما تكون في تركيب معين تكون الحياة من معطياتها , وكلما ارتقى هذا التركيب ارتقت معطيات الحياة من الشاعر النفسية والإرادة واللذة والأل والأفكار. سابعًا: وتزعم المادية أن الإنسان هو الذي اخترع بتخيله فكرة الرب الْالق القدير الهيمن العليم الحكيم العدل العين عند اللمات , الجازي على الحسنة وعلى السيئة. الواقع أنه لا وجود لهذا الرب الْالق. هذه هي خلاصة أصول مزاعم المادية, وهي جيعها دعاوى ت قريرية لا دليل عليها مطلقًا . وتتفرع عن هذه الزاعم الأصول مزاعم فرعية كثيرة, تتساقط من تلقاء نفسها متى ظهر تساقط هذه الزاعم الأصول. ويتلخص موقف الماديين بأنهم يقولون: إن أصل الوجود كله مادة لها طاقة, أو طاقة تشكلت مادة. وهذه المادة عديمة الوعي والإرادة والتدبير, وليس وراءها عقلٌ يدبرها , ولا إرادة تهيمن عليها وتسيرها,
عدد الصفحات ٨٢83 ولا قصد يوجه مسيرتها, ولا علم يحيط بكل ذرة من ذراتها, وكل حركة من حركاتها, وليس لها علة من قبل عليم حكيم مريد قد أبدعها, ونظم حركتها, ووضع قوانينها. ويحاول الماديون إقناع أنفسهم ومن يستجيب لهم, بأن اكتشاف العلماء لحلقات الاتصال بين ظاهرات الطبيعة كاف لحل كل تساؤل حول مصدر المادة , وحول سر نظام عملها وإتقان صنعها, وزعموا أن هذا يغنيهم عن إثبات حاجة المادة إل قوة غيبية عليمة حكيمة مريدة مختارة. لقد تعلق الماديون بذيول المادة, واندفعوا وراء الوهم الْادع الذي سيطر على مشاعرهم, وعلقوا أنفسهم بسرابها , وصبوا على ظمأ أفكارهم وقلوبهم الشديد الذي ل ي رْو ه سراب المادة , وتظاهروا كذبًا وزورًا وتزييفًا لحقيقة ما في نفوسهم بأن أسئلتهم قد انتهت عند حدود معرفة الروابط بين الظاهرات ا لسببية, التي هي في حقيقتها أسباب ظاهرية وليست عللاً حقيقية. إن الروابط بين الظاهرات عاجزة عن تفسير الكون , والقوانين نفسها التي توصل إليها العلماء تحتاج إل تفسير ما دامت لا تنتهي إل الإرادة العليمة الحكيمة القادرة. إنهم اتجهوا هذا الاتجاه الناقص الباطل عقليًا وعلميًا , ليفروا من الاعتراف بالحقيقة الكبى, وهي وجود الله عز وجل, وذلك لئلا يلتزموا تبعات هذا الاعتراف. -1 لا يقدم الماديون لأي دعوى من الزاعم التي زعموها أي دليل عقلي أو عملي, غير محاولات الطعن بأدلة مخالف يهم في مذهبهم القتصر على إثبات الوجود المادي وإنكار ما سواه , وإنكار الرب الْالق على أي تصور من تصورات الثبتين له , أصابوا في تصورهم أو أخطؤوا. -2 كل ما يقدمه الماديون لإثبات أفكارهم لا يخرج عن ادعاءات لا دليل عليها, لا من البديهة, ولا من النظر العقلي, ولا من وسائل العلوم الطبيعية الكونية.
عدد الصفحات ٨٣84 إنها قضايا تقريرية يحكمون بها من عند أنفسهم , دون أن يشهد لهم دليل صحيح بَء منها , وظواهر الكون وقوانين الطبيعة التي توصلت إليها العلوم التجريبية, لا تسمح لهم مطلقًا بأن يفسروا الكون بأي زعم من الزاعم التي قدموها في تقريراتهم. ومع ذلك يزعمون لأنفسهم العلمية, ويحتكرونها لناهجهم على سبيل الادعاء الكاذب, ويد عون أنهم يتقيدون بالإثباتات العلمية القائمة على التجربة واللاحظة والشاهدة الحسية. -3 سبيل الماديين لتأييد أفكارهم وإدْحاض أفكار مخالفيهم- على طول خط مناظراتهم - يتلخص في الأكاذيب, وصناعة الغالطات , وترديد الدعاوى , والثرثرة بالأقوال الزخرفة , وادعاء العلمية , ومواجهة الخالفين بالنقد اللاذع , وبالهزء والسخرية, وبالشتائم, والاتهام بالرجعية والجمود والتخلف العلمي والفكري, ونحو هذه السالك القذرة. -4 العقول العلمية عند كل النصفين , تدين الماديين بالسطحية , والتخلف العلمي, والكابرة, والتعصب, والتقليد الأعمى, واتباع الهوى , والرغبة بإطلاق البهمية الفترسة الدمرة في الإنسان. اضطرب الماديون في تفسيراتهم لتعليل الوجود المادي وما فيه من تغيرات وحدوثات. وكلما اكتشف العلم حلقة سببية من حلقات أسباب الظواهر الطبيعية في الكون, قال الماديون: انتصرت المادية, وتأكدت صحة الذهب المادي, ثم يخيب أملهم حين يعجزون عن تفسير هذا السبب وإدراك ماهيته. أمثلة من أقوالهم الضطربة: -1 قال الفلكيون منهم: يكفينا قانون الجاذبية في تعليل الكون . مع أن قانون الجاذبية نفسه غيبيٌ غير مشهود الذات , وهو نفسه يحتاج إل تعليل, وليس هو القانون الأول الذي يمكن أن تعلل به كل الظاهرات.
عدد الصفحات ٨٤85 - 2وقال الطبيعيون منهم: يكفينا قانون المادة والقوة عن الاعتقاد بقوة غيبية كبى تدبر العال, وتهيمن عليه, وترجع إليها كل تصاريفه. -3 وقال الكيميائيون منهم: تكفينا خصائص الذرة وصفاتها, وألفة العناص, في معرفة نسبة التكوين المادي. -4 وقال اليكانيكيون منهم: تكفينا سنن القوة والطاقة, لعرفة حقيقة القوى النبثة في الطبيعة. -5 وحين كشف "غاليليو" من ظواهر الكون دوران الأرض حول الشمس, قال الماديون: انتصرت المادية. وماذا في هذا الكشف غير الوصول إل معرفة ظاهرة من الظواهر التي لا حصر لها في هذا الكون؟! -6 وح كشف الفلكيون بوسائلهم حركة الأجرام السماوية , وضبطوا ما توصلوا إليه منها , قال الماديون: انتصرت المادية. وماذا في هذا الكشف إلا التوسع في معرفة الظواهر التي تحتاج هي أيضًا إل تفسير وتعليل؟ ! -7 وحين علل "تشارلس داروين" في كتابه "أصل الأنواع" ظاهرة وجود الكائنات الحية , واختلاف أنواعها بفكرة النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي , قال الماديون: انتصرت المادية. مع أن هذه الفكرة ل تثبت علميًا ولا سبيل إل إثباتها, ولو أنها ثبتت فعلاً فهي نفسها تحتاج إل تفسير وتعليل من سبب غيرها يستند إل إرادة وعلم وحكمة. -8 وحين قد م "آينشتاين" آراءه في النظرية النسبية , قال الماديون: انتصرت المادية. مع أن النظرية النسبية لا تعلل وجود الكون , ولا اختلاف ظاهراته , إنما هي فقرة من فقرات نظام الكون الحكم. يقول الماديون مقالاتهم بأفواههم لا بعقولهم وقلوبهم , إذ لا يوجد في أي مكتشف علمي صحيح أي دليل ينصر الفكر المادي الناقض لقضية الإيمان بالله الْالق الهيمن. فلا دوران الأرض حول الشمس يعلل الكون وجودًا وتطورًا ونظامًا . ولا
عدد الصفحات ٨٥86 أفكار النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي لو صحت تعلل وجود الكون وتطوره ونظامه, إذ هي أيضًا بحاجة إل تفسير وتعليل . ولا النظرية النسبية , ولا علوم الذرة والطاقة, ولا سائر القوانين الكتش فة تصلح لتعليل وجود الكون , وتطوره, ونظامه, وإتقان صنعته, وظاهرة الحكمة الدركة من خلال كل شيء فيه. إنه لا يشفي العقول والصدور في تعليل هذا الكون إلا الإيمان بموجود أكب أزلي أبدي, قدير عليم حكيم, يفعل ما يشاء ويختار, له كل صفات الكمال, وهو منزه عن كل صفات النقصان. ويحاول الماديون الإقناع بصحة مذهبهم المادي, معتمدين في هذا الإقناع على أن اكتشاف النزر اليسير الذي اكتشف من السنن الكونية الجزئية التي يفسر الطبيعيون بها بعض الظاهرات الكونية , كاف في تعليل الكون كله , وفي تعليل ظاهرة الوجود الحادث كلها. ويبين الربانيون أن الكون لا يمكن تعليله ببضع سنن اكتشفت من سننه, وهي أنفسها بحاجة إل تعليل , ولا يزال العلم الإنساني بها ناقصًا وغامضًا , وغير كاشف لماهيات الأسباب والعلل, وما دامت الأسباب والعلل سننًا وقوانين لا تملك علماً ولا حكمة ولا إرادة ولا اختيارًا , فإنها لن تكون كافية لتعليل تصاريف الكون التقن الحكم الذي يتجلى فيه القصد, وتظهر فيه العناية. إن التعليل مثلاً بالجاذبية , أو النشوء والارتقاء لو ثبت, أو بغير ذلك من أسباب وقوانين, لا يكفي في بيان السبب الحقيقي النهائي القنع لتساؤلات الفكر. إن التعليل بهذه الأ سباب يشبه تعليل انعقاد الأجنة في الأرحام بالاتصال الجنسي بين الذكر والأنثى , وتعليل النبات بزرع الحب في الأرض , وسقيه بالماء , وإمداده بالشّوط اللازمة لظهور النبات ونمائه. إن هذه الأسباب أسبابٌ وضعت في نظام الْلق للعملية الحقيقية . وبها ستر الْالق أفعاله في خلقه, ليمتحن أولي الأفكار بالإيمان به, وهو غيب عن حواسهم, ولا تصلح هذه الأسباب لأن تكون أسبابًا حقيقية تعمل من ذواتها.
عدد الصفحات ٨٦87 إن السبب الحقيقي شيء آخر غير هذه الأسباب الوسيطة حتماً , إن هذه الأسباب لا تشتمل على مقتضيات عقلية تستلزم مسبباتها, فلا بد من الانتقال منها إل السبب الحقيقي , وهذا الانتقال يوصل حتماً إل إثبات قضية الْلق الرباني , وبذلك تطمئن فطر العقول والقلوب والنفوس, إذ به تنتهي إل الجواب القنع السكت القاطع لأي تساؤل منطقي مقبول . إن جاذبية "نيوتن" وكيمياء "لافوازيه" ونظام "لا بلاس" ونسبية "آينشتاين" وأشباهها, إنما تكشف عن أنظمة وأسباب وسيطة , وضعها خالق الكون , وجعل تصاريف خلقه ضمنها , وهي بذواتها لا تصلح لتعليل وجود الكون , وتطوره, وما يجري فيه من تصاريف تعليلاً حقيقيًا مقنعًا وشافيًا, ولا تصلح لتفسير استمرار نظامه الدقيق, وثبات قوانينه, وما يبدو في كل جزء من أجزائه من حكمة مقصودة. أهم أدلة الماديين محاولاتهم الرامية إل تعليل الظواهر الكونية بالأسباب الكونية التي يكتشفونها علميًا, أو يستنتجونها استنتاجًا عقليًا , ويسمونها قوانين طبيعية, مع أن هذه الأسباب أو ما يسمونه بالقوانين الطبيعية تحتاج هي أنفسها إل تعليل , إذْ ليس من صفاتها الذاتية صفة الأزلية, ولا صفة العلم والإرادة والاختيار الحكيم. والشّح التحليلي التالي يبين مدى ضعف الأسباب المادية عن تعليل حوادث الكون, وعدم صلاحيتها لتعليل حقيقي مقنع : إن قوانين السببية المادية تعلل حدوث الظواهر الكونية بوصفها أسبابًا صورية أو وسيطة , تم بموجبها تنظيم تغيرات الكون وأحداثه , لا بوصفها أسبابًا حقيقية . لذلك كانت البديهة العقلية الفطرية تتطلب باستمرار متابعة حلقات سلسلة الأسباب المادية, حتى تنتهي إل السبب الحقيقي الفعال , وهو لا بد أن يكون سببًا ذا إرادة وقدرة, ثم إذا كان العمل حكيماً , فلا بد أن يكون سببًا ذا إرادة وقدرة وعلم وحكمة, وهذه من لوازم صفة الحياة.
عدد الصفحات ٨٧88 ومتى وصل الفكر بطريقة منطقية سليمة إ ل م سب ب ذي حياة وإرادة وقدرة وعلم وحكمة, وصل إل القناعة الكافية بأن هذا السبب يصلح لأن يكون هو السبب الحقيقي, الذي يتوقف الفكر عنده عن متابعة السؤال عن السبب الحقيقي. أما الحلقات السببية التي قامت بينه وبين الظاهرة التي حدثت, فهي جيعها من قبيل الوس ائل أو الأسباب الصورية أو الوسطية , ولا تصلح لأن تكون هي السبب الحقيقي الذي يورث القناعة , ولا ت نهي تساؤلات الفكر , ولا ت روي ظمأه إل معرفة السبب الحقيقي. قد يعض الكلب الحجر الذي رآه يتجه نحوه ليصيبه, أما الإنسان الفكر فإنه يبحث عن الذي رمى الحجر نحوه بقصد, فإذا عرفه واستبان أنه قد قصد قتله أو إيذاءه حاول أن ينتقم منه دفاعًا عن نفسه, ول يفكر بالانتقام من الحجر مطلقًا . وهنا نقول: إن الماديين الذين يقفون عند الأسباب المادية للظواهر الكونية التي يتجلى فيها القصد, ولا يبحثون عن السبب الحقيقي, مع أن هذه الأسباب تحتاج هي أنفسها إل أسباب تفسر ظاهراتها وتعلل حدوثها, إنما يفكرون بمثل دماغ الحيوان الذي يعض الحجر الذي ق ذف عليه. وحين يرى العال الباحث عظامًا قديمة في مكان ما من الأرض , يعزو وجودها إل سبب , هو كونها عظام حيوان كان حيًا يومًا ما , وحين تجتمع لديه مم وعة عظام يمكن أن يتألف منها هيكل عظمي لحيوان ذي صفات خاصة , فإنه يفكر في تأليفها وتجميعها, حتى يستخرج الهيكل العظمي الكامل لذلك الحيوان. ثم إذا رأى ظاهرة تدل على أن الحيوان تعرض لكسر في جسمه , بسبب أثر سهم أو صدمة أو عضة حيوان مفترس, فإنه يفكر في البحث عن سبب موته. ثم يتساءل أيضًا عن سبب وجود هذه العظام في الكان الذي وجدها فيه , وهكذا يتسلل مع الأسباب حتى يكتشف جلة معارف, وحتى ينتهي إل موقف تنقطع عنده أسئلته. وهذا الوقف: إما أن يكون أمرًا لا يحتاج إل تفسير, باعتبار أن الضرورة
عدد الصفحات ٨٨89 العقلية تقضي به . وإما أن ي كون أثرًا لذي حياة وإرادة وغيرهما من الصفات التي تتطلبها طبيعة الظاهرة اللاح ظة. وفي الظواهر الكونية يقال: ٠- إن ينابيع الأرض تأتي من مخازن مياه فيها, وهي تجويفات في باطنها, وفي جبالها. 2- ومخازن الأرض هذه قد تجمعت الياه فيها مما تسرب في مساربها من ميا ه الأمطار والثلوج. ٥- أما الأمطار والثلوج فهي من السحب , وتنزل منها على سطح الأرض بأسباب. ١- وأما الس حب فهي تتجمع من تبخر مياه البحار وغيرها, وتأتلف وتجري في السماء بوساطة الرياح. ٣- وأما تبخر الياه فيكون بتأثير حرارة أشعة الشمس أو سبب آخر. 1- وأما الرياح فتوجهها عوامل لها أسبابها. ٢- وأما الشمس فهي تدفع أشعتها بسبب النيران العظيمة اللتهبة فيها, إذ هي كتلة نارية ملتهبة. وهكذا لا يقف الفكر عن البحث عن الأسباب , ولا يقنعه أي سبب مادي يعتبه هو السبب الأخير, بل يرى كل سبب مادي غير صالح لأن يكون سببًا ذاتيًا كافيًا للوقوف عنده, إذ هو في حركته السببية يحتاج أيضًا إل سبب . لكن متى وصل الفكر إل فاعل ذي إرادة وقدرة وصفات تؤهله لأن يكون هو السبب الحقيقي وقف عنده واكتفى, ورأى ذلك مقنعًا وكافيًا لتعليل حدوث الظاهرة, وارتوى ظمؤ ه إل معرفة السبب الحقيقي , أما ا لوسائل أو الأسباب الوسيطة التي لا تملك إرادة الفعل بذواتها فلم تكن لتروي ظمأه.
عدد الصفحات ٨٩91 وبناءً ع هذا نستطيع معرفة أن السبب ينقسم إل قسمين: القسم الأول: السبب الذي هو من قبيل الوسائل , أو الأسباب الصورية أو الوسيطة, وهو سبب غير حقيقي, إذ هو لدى التحليل سبب فاعل باستخدام غيره له, لا فاعل بذاته. القسم الثاني: السبب الذي يفعل بذاته , ولو عن طريق استخدام الأسباب الوسيطة, وهذا هو السبب الحقيقي. ويمكن أن نفهم هذين القسمين بوضوح عن طريق الثال التالي: إن الرصاصة التي قتلت قد كانت سببًا وسيطًا للقتل فهي سبب غير حقيقي. والبارود الذي اشتعل في الأنبوبة النحاسية فدفع الرصاصة , قد كان سببًا وسيطًا للدفع, فهو سبب غير حقيقي. و"الكبسولة" التي أشعلت البارود في الأنبوبة قد كانت سببًا وسيطًا للإشعال, فهي سبب غير حقيقي. وضر ْ ب إبرة الدفع للكبسولة قد كان سببًا وسيطًا لتفجيرها وإطلاق الشّارة منها, حتى يشتعل بسببها البارود, فهو سبب غير حقيقي. والإصبع التي حركت زناد الدفع قد كانت سببًا وسيطًا لضرب الإبرة على الكبسولة, فهي سبب غير حقيقي. أما إرادة الرجل الذي حررك إصبعه, وهو حرٌ مختار ل ي كرهه أحد , قاصدًا إطلاق الرصاصة, وإصابة الهدف الذي أصابته, وقتل من قتلته الرصاصة , فهي السبب الحقيقي الذي ينتهي الفكر عنده, فلا يسأل عن سبب آخر وراءه. نعم. قد يسأل عن غاية الرجل القاتل م ن توجيه إرادته هذه, وعن هدفه, وعن مصلحته من ذلك العمل , بيد أنه لا يسأل عن سبب حقيقي وراء الإرادة الدركة الختارة, التي كانت هي السبب في توجيه الحركة لأول حلقة من حلقات سلسلة الأسباب, التي هي في حقيقتها وسائل وأسباب وسيطة غير حقيقية.
عدد الصفحات ٩٠91 ربما تحد ث بعض الحوادث على سبيل الصادفة , في حدود م در كات نا الظاهرة , أو يفعلها فاعل دون إرادة وقصد, ولكن يستحيل أن تتكرر على نظام واحد, وأن تبز فيها دائماً مع التكرار آثار القصد , ثم تكون مع ذلك قد حدثت على سبيل الصادفة. هاتان قضيتان متنافرتان لا تجتمعان. وهنا نلاحظ أن كل ما تكتشفه العلوم من أسباب للظواهر الكونية الحادثة, هي في حقيقة أمرها وسائل, أو أسباب وسيطة, أو حلقات مقترنة متتابع توهم أنها أسباب, وليست بأسباب حقيقية. وحين نوافق على تسميتها أسبابًا وعللاً , فإنما ن سم يها بذلك تسمية مازي ة لا حقيقية, وهو نظير قولنا: إن الرصاصة التي نفذت إل مقتل القتيل هي التي قتلته, مع أن القتيل إنما قتله ذو الإرادة الذي أطلق عليه الرصاصة ليقتله, فكانت الرصاصة بكل شوطها وسيلة, أو سببًا وسيطًا استخدمه القاتل الحقيقي. وإذ قد ظهر لدينا الفرق بين السبب الحقيقي, والأسباب التي هي في حقيقتها من قبيل الوسائل أو الأسباب الوسيطة, يحس ن بنا أن نعرف أيضًا الفرق بين السلاسل السببية الوسيطة غير الحقيقية, وبين السلاسل الاقترانية. السلاسل السببية الوسيطة: أما السلاسل السببية الوسيطة غير الحقيقية , فهي تشبه العربات التي تجر ها قاطرة القطار, وتشبه القاطرة نفسها. إن كل عربة تجرها العربة التقدمة عليها, والقاطرة تجر العربة الأول الوصولة بها, لكن القاطرة نفسها لا تكفي لأن تكون السبب الحقيقي, فلا ب د من تجاوزها حتى نصل إل الحرك الريد الدرك لما يفعل, فهو الذي نقتنع بأنه هو السبب الحقيقي, وقد نتجاوزه أيضًا باعتباره مأمورًا , حتى نصل إل من أمره بتسيير القطار. فالارتباط بين القاطرات ظواهر سببية , لكنها ليست أسب ابًا حقيقية , إذ لو تغيرت إرادة محرك القاطرة لأوقفها, وعندئذ يقف كل القطار .
عدد الصفحات ٩١92 السلاسل الاقترانية: وأما السلاسل الاقترانية, فهي تشبه السيارات التلاحقة في موكب عسكري أو مدني, ضمن عرض نظامي. إنها من جهة الصورة الظاهرة تتحرك تحركًا متتابعًا يوهم أنها مترابطة, غير أنها منفكةٌ حقيقةً , وما يظهر منها ليس أكثر من اقتران فقط , ولكل سيارة منها سائقها , وإرادات السائقين توافقت بموجب نظام عام أملاه واضع خطة العرض. ولو كانت هذه السيارات تسير بشكل آلي, وت وجره بموجب موج ه ألكتروني , مرتبط بمركز توجيه عام, لكانت كل سيارة منها موجرهةً بموجب إرادة الشّف العام على التوجيه مباشة, رغم انفكاك الارتباط بين السيارات. وحين ننظر في هذا الكون الكبير نجد سلاسل سببية وسيطة غير حقيقية , ونجد سلاسل اقترانية. أما السلاسل السببية الوسيطة, فإن برهان العقل يوجب أن يكون لها سبب حقيقي هو العلة الفاعلة, ويكفي أن يكون الحرك لأولها. وأما السلاسل الاقترانية فكل حلقة منها تتطلب سببًا حقيقيًا, أي: علة فاعلة. وبهذا يظهر لنا سقوط رأي الماديين الذين يحاولون إقناع أنفسهم وغيرهم, بأن معرفة أسباب الظواهر الكونية , والتي قد يطلقون عليها قوانين ط بيعية, كاف لتعليل الكون, ولتعليل حدوث ظاهراته, دون الحاجة إل إثبات فاعل قدير عليم مريد يفعل ما يشاء ويختار. ويتأكد لدينا بالبهان أن الظواهر الكونية التقنة الحكيمة تحتاج حتماً إل فاعل أزلي أبدي قدير عليم مريد حكيم يعفل ما يشاء ويختار.
عدد الصفحات ٩٢93 ومن الأسباب الحقيقية أو العلل الكافية عقلاً: الضرورات أو الحتميات العقلية. فمتى كان السبب الحقيقي أو العلة ضرورة عقلية أو حتمية عقلية, كانت كافيةً للتعليل, ومورثة للاقتناع التام , وبها ينتهي العقل إل العرفة التي لا يتساءل بعدها عن علة للظاهرة. ٠- فمن الضرورات العقلية, أو الحتميات العقلية, أن يكون وجود موجود ما, هو الأصل, لا العدم الكلي العام الشامل لكل ما يخطر في الفكر وجوده. وذلك لأنه لو كان العدم الكلي الشامل لكل ما يخطر في الفكر وجوده هو الأصل, لاستحال عقلاً وواقعًا أن يتحول العدم بنفسه إل الوجود. وإذا استحال أحد النقيضين كان النقيض الآخر واجب الوجود عقلاً . إذن فقد وجب بالضرورة العقلية أو بالحتمية العقلية, أن يكون الوجود لوجود ما, هو الأصل. وما كان وجوده هو الأصل عقلاً , فإنه لا يحتاج تفسيرًا ولا تعليلاً , ولا يتطلب سببًا . هذه الضرورة العقلية , أو الحتمية العقلية, تثبت عقلاً بدليل استحالة نقيضها عقلاً . ٢- ومن الحتميات العقلية استحالة تحول العدم الطلق بنفسه إل الوجود. وهذه الضرورة العقلية , أو الحتمية العقلية , ثابتة بالبديهة العقلية , ولا دليل أقوى من دليل البديهة العقلية, وبها ي ست د ل على العارف النظرية. 3- ومن الحتميات العقلية استحال تأث العدم الحض في الوجود, أو فيما هو موجود, وذلك لأن العدم الحض ليس أي شيء مطلقًا . وهذه الحتمية أو الضرورة العقلية ثابتة بالبديهة, ولا تحتاج أي برهان عقلي. ١- ومن الحتميات العقلية , استحال توقف وجود الَء على وجوده نفسه, واستحالة توقف عدمه على عدم ه نفسه. وهذه الاستحالة قد جاءت من الدور الستحيل عقلاً بداهة .
عدد الصفحات ٩٣94 ٣- ومن الحتميات العقلية استحالة كون بعض الَء أكب من الَء كله . وهذه الاستحالة آتية من أن بعض الَء مهما عظم فهو موجود في كله , ويزيد عليه بأشياء ليست هي في البعض. 1- ومن الحتميات العقلية أن فاقد الَء لا يكون قادرًا على إعطاء ذلك الَء الذي لا يملكه, ولا يملك سببًا لإعطائه. وهذا بحكم البديهة العقلية. ٢- ومن الحتميات العقلية أن فاقد القدرة على إيجاد الَء لا يمكن أن يوج د ذلك الَء. وهذا بحكم البديهة العقلية. ١- ومن الحتميات العقلية أن ما هو واجب الوجود لذاته لا يمكن أن يلحقه العدم بحال من الأحوال. وذلك لأنه لو جاز أن يلحقه العدم لما كان واجب الوجود, بل ممكن الوجود والعدم , وهذا تناقض (واجب الوجود =ممكن الوجود والعدم) والتناقض لا يجتمع في شيء واحد بداهةً . ١- ومن الحتميات العقلية أن ما هو واجب الوجود لذاته لا بد أن تكون صفاته واجبة الوجود أيضًا , فلا يتطرق لها إمكان التغير بحال من الأحوال. وذلك لأن إمكان التغير إنما هو قابلي ة انعدام الصفة وحلول صفة أخرى محلها, ولما كان واجب الوجود لا يخلو عن صفاته منذ الأزل , فصفاته مثله في الأزلية , فهي إذن واجبة الوجود. ١٠- ومن الحتميات العقلية , أن الإمكان في الَء دليل حدوثه , لأنه لو ل يكن حادثًا لكان واجب الوجود, وهو ضد الإمكان فاجتماعهما في شيء واحد تناقض, وهو مستحيل عقلاً . ٠٠- ومن الحتميات العقلية أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان, وأن الضدين لا يجتمعان, وقد يرتفعان. وهذه من القررات النطقية الس لر م بها عند الجميع.
عدد الصفحات ٩٤95 ٢٠- ومن الحتميات العقلية أن كل ممكن الوجود والعدم أصله العدم, لأنه لو كان أصله الوجود لكان واجب الوجود عقلاً , فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم, لاستحالة التناقض. ٥٠- إذا استوفت القسمة العقلية جيع الاحتمالات المكنة عقلاً لَء من الأشياء, استحال عقلاً الزيا دة عليها في ذلك الَء نفسه , فالوقوف عند الاحتمالات المكنة ضرورة عقلية, أو حتمية عقلية, وعدم القدرة على إيجاد احتمال زائد عليها لا ي سم ى عجزًا , وإنما هو انسجام مع أحكام العقل وحتمياته , وضرورات الحقائق وحتمياتها. يتذرع الماد ي ون بنظرية "لافوازييه" في الكيمياء, التي تقول: لا يخ لق شيء من العدم الطلق, ولا ي عدم شيء , وإنما هي تحو لات من مادة لمادة, أو من مادة لطاقة, أو من طاقة لطاقة, أو من طاقة لمادة. وإذا دققنا في أصول هذه النظرية التي قر رها "لافوازييه", وتابعه فيها علماء الكيمياء وسائر الباحثين في الطبيعة, نجد أنها تتحدث عن مال معين ذي أبعاد ثلاثة, وليس في مستطاعها أن تتحدث عن كل الوجود, في كل أبعاده من الأزل إل الأبد, وإلا كانت غير علمية وغير عقلية. إن التحدث عن الوجود كله, بكل أبعاده من الأزل إل الأبد, ما هو مشهود منه وما هو غير مشهود, أمرٌ لا تستطيع تقريره أية نظرية استقرائية, مهما بلغ شأنها, إلا أن يكون كلامها رجًا بالغيب, وتكه نًا لا سن د له, وطرحًا تخيليًّا محضًا . والأبعاد الثلاثة لنظرية "لافوازييه" التي تقف فيها عند حدود لا تستطيع تجاوزها, هي ما يلي: الأول البعد الزماني. الثا البعد الكاني. الثالث البعد الإدراكي.
عدد الصفحات ٩٥96 وها هنا ت طْ ر ح أربعة أسئلة على العلماء: السؤال الأول: هل ر ص د واضع هذه النظرية العلمية, ومؤيدوها ومقرروها م ن بعد ه, أجزاء الكون وعناص ه في كل الأزمان الماضية, بما فيها الأزمان السحيقة في القدم, وبناءً على هذا الرصد الشامل عرفوا أنه ل يخ لق شيء من العدم في الأزمان القديمة جدًا ؟ الجواب: أنهم ل يفعلوا ذلك , لأنه لا يتسنى لهم بحال من الأحوال , وهم أبناء النهضة العلمية الحديثة. ألا يدخل في حدود الإمكان العقلي أن نظام الكون بعد خلقه من العدم , قد ر سم وق د ر له , أن يخضع لسنة التحويلات مدة بقائه, أو إل جلة أحقاب زمنية , ونحن ل نشاهد إلا ما عاصنا من هذه الأحقاب؟ هذه واحدة, ت وق ف نظرية "لافوازييه" عند حدٍّ زمني ولا تستطيع من ورائه أن تتحدث بإيجاب ولا بسلب. وقد أوْ ق ف القرآن الباحثين في الكون عند حدود ما شهدوه منه, فقال ﭨ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ (الكهف:٠٣). والحجة الثانية لإيقاف هذه النظ رية عند حدها الزمني , ت ق د مها الأدلة العلمية والعقلية, التي تثبت أن لهذا الكون بداية, وإثبات أن لهذا الكون بداية يستلزم بداهةً أنه ل يكن ثم كان , فهو إذن مخلوق من العدم , بقدرة خالق موجود أزلي واجب الوجود لذاته. بهذا يتضح أن هذه النظرية لا تتحدث عن الانطلاقة الأول للكون, لأن أيًا من الأجهزة العلمية لا تستطيع أن تسترجع الأزمان السحيقة, وترصد الكون فيها. وكذلك لا تستطيع النظرات التحليلية الاستنتاجية, أن تحكم على ماضي الكون وانطلاقته الأول , بالقياس على واقعه النظامي الذي نشاهده في الحاضر , لاحتمال الاختلاف الكبير بين نقطة البدء, وبين ما يأتي بعدها من حالات نظامية مستمرة, وسنن
عدد الصفحات ٩٦