الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 12 ويعدّ سيبويه من أوائل من اهتم ب الإدغام من علماء العربية القدامى، فقد عدّ ه محور دراسته للأصوات 1، و هو يعتبره تقريب صوت من صوت ، كما هو الحال في الإمالة2؛ فالإدغام عنده درجات ؛ يبدأ بتقريب صوت من آخر، وا دنا ئه منه، وينتهي عند رفع اللسان بهما من موضع واحد، فهو يشمل تأثر الصوت بالصوت، سواء أكان التأثر كاملا، يترتب عليه فناء الصوت المتأثر، أم كان جزئيا يفقد معه عنصرا من عناصره 3. أما من جاء بعده من النحاة، فهم يطلقون مصطلح الإدغام في الغالب على ما يحدث من اتصال بين صامتين؛ أحدهما ساكن، والآخر متحرك ، ولذا فإن تعريف الإدغام عندهم لا يكـاد يخـرج عن عبارات مثل : "تضـع لسانك لهما موضعا واحدا"4، و"ترفع لسانك بهما رفعة واحدة "5، و "تعتمد لهما باللسان اعتمادة واحدة "6، و"يعتمد بهما على المخرج اعتمادة واحدة قوية "7. ولقد درس علماء القراءات والتجويد موضوع الإدغام، من باب الحر ص على ضبط قراءة القرآن حتى لا تتطرق إليها الزيادة أو النقصان ، ومن ثم فقد امتازت بحوثهم بالدقة التامة ، كبيان الزمن المستغ ـرق في الإدغام، والتفريق بين الإدغام الصغير والإدغام الكبير8. 1 - ينظر: في البحث الصوتـي عند العرب، خليل إبراهيم العطية، منشورات دار الجاح ـظ، بغداد، دط، 9185م، ص89. 2 - ينظر: الكتاب، 4/991 . 3 - ينظر: أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي ، عبد الصبور شاهين، ص 923. 4 - الأصول في النحو، ابن السراج، 5/403. 5 - اللباب في علل البناء والإعراب، العكبري ، 2/461. 6 - المقتضب، المبرد ، 9/555. 7 - شرح شافية ابن الحاجب، ا ستراباذي، 5/253. 8 - ينظر: التحديد في الإتقان والتجويد ، الداني، ص11، والرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، مكي بن أبي طالب، ص243، و جهد المقل، محمد بن أبي بكر المرعشي ، الملقب بساجقلي زادة، تح : سالم قدوري الحمد، دار عمار، المملكة الأردنية، ط 2،9421هـ،2008م، ص11، والإدغام الكبير، أبو عمرو بن العلاء، تح: عبد الكريم محمد حسين، منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، الكويت، دط، دت، ص 55.
عدد الصفحات ٩٧الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 15 أماعلماء اللغة المحدثون، فحين يتحدثون عن الإدغام أو المماثلة، فهم يتحدثو ن عن صامتين أدمجا، وامتزجا امتزاجا كاملا، حتى صارا صامتا واحدا طويلا1، وقد اختلفوا في زمنه، ف قدر ه بعضهم بزمن نطق صوتين قصيرين 2،وقدره آخرون بأقل من من ذلك؛ لأن الناطق بكلمة (وعدْتّ ) مثلا، يضع لسانه للنطق بالدال، ثم إنه لا يزيل لسانه عن موضعه، بمجرد النطق بها، لكي يعيده إلى الموضع نفسه، لينطق بالتاء، بل يظل لسانه في موضعه، حتى يتم نطق التاء التي هي من مخرج الدال 3. وهذا ما يسميه أحمد مختار عمر (قانون الجهد الأقل)، أي إن المتكلم يحاول أن يتجنب التحركات النطقية التي يمكن الاستغناء عنها 4. وهذا الاقتصاد في حر كة الفم، يتبعه حتما اقتصاد في الزمن، أي إن الناطق بالإدغام ي تجاوز زمن نطقه زمن الصوت الواحد ، ولكن ه لا يصل إلى زمن النطق بالصوتين، وهذا عين ما قاله المرعشي قديما: " و زمانه أطول من زمان الحرف الواحد، وأقصر من زمان الحرفين "5. 1 - ينظر: التطور النحوي للغة العربية، محاضرات برجستراسر، رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2،9494هـ،9114م، ص54،و اللغة، جوزيف فندريس، تعريب : عبد الحميد الدواخلى، محمد القصاص، مكتبة الأنجلو المصري ة، دط، 0591م، ص 48،41،و التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث، الطيب البكوش، المطبعة العربية، تونس، ط 5،9112م، ص61،والأصوات اللغوية، إبراهيم أنيس، ص 999، ودراسة الصوت اللغوي، أحمد مختار عمر، ص 581،588 . 2 - ينظر: الصرف وعلم الأصوات، ديزيرة سقال، دار الصداقة العربية، بيروت، ط 9،9116م، ص911، و المنهج الصوتي للبنية العربية، رؤية جديدة للصرف العربي، عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، بيروت، دط، 9400هـ،9180م، ص201. 3 - أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي، عبد الصبور شاهين، ص295 . 4 - دراسة الصوت اللغوي، ص512. 5 - جهد المقل،ص11 .
عدد الصفحات ٩٨الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 14 وقد قسم العلماء الإدغام عدة تقسيمات؛ فمنهم من قسمه من خلال التشابه بين الصوتين1، ومنهم من قسمه بحسب الحركة والسكون 2،ومنهم من قسمه من خلال تأثير الأصوات3. ثانيا - وظيفة الإدغام: لما كان الإدغـام ظاهرة صوتي ـة، تحدث بسبب تأثـر الأصـوات المتجاورة بعضها ببعض، فإن الغرض منه طلب التخفيف ؛ وقد عبر سيبويه عن ذلك بقوله: "كان أخف عليهم أن لا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة "4،فوظيفة الإدغام إذن هي التخلص من التكرار، أو من المقاطع المتماثلة ، على اعتبار أن الصوتين المدغمين لا يجتمعان في مقطع واحد ؛ بل يكونان في مقطعي ن متواليين ، فيكون أولهما قفلا للمقطع الأول، ويكون آخرهما مفتاحا للمقطع الثاني 5. ثالثا - مواطن انتشار الإظهار والإدغام في جزيرة العرب : لقد انتشـر الإدغام في القبائ ـل البدائية التي ت عدُّ السرعة في ا لكلام من أهم خصائص لهجة أبنائها، فتدغم الأصوات بعضها في بعض، و تسقط منها ما يمكن الاستغناء عنه، بغرض الاقتصاد في الجهد العضلي 6. 1 - ينظر: الكتاب، 4/451،443، والخصائص، 9/931، والشافية، ابن الحاجب، ص920، والمفصل، الزمخشري، ص 348 ،و التحديد في الإتقان والتجويد، الداني، ص 11. 2 - ينظر: التيسير في القراءات السبع، الداني، ص 93 ، والنشر في القراءات العشر ، 9/201 . 3 - ينظر: التطور اللغوي بين القوانين الصوتية والقياس، رمضان عبد التواب، مجلة مجمع اللغة العربية، عدد: 55، ربيع الثاني، 9514هـ، مايو،9114،55/993، والأصوات اللغوية، إبراهيم أنيس، ص 901 . 4 - الكتاب، 4/443 . 5 - الإدغام، مفهومه، وأنواعه ، وأحكامه، أبو أوس إبراهيم الشمسان، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عدد 23، محرم 9420 هـ، ص5 . 6 - ينظر: في اللهجات العربي ـة، إبراهي ـم أنيس، ص65، واللهجات العربية في القراءات القرآنية ، عبده الراجحي، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، مصر، دط، 9116، ص921.
عدد الصفحات ٩٩الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 13 وقد كانت قبيلـة (تميم) من أشهر القبائ ـل التي روى عنها اللغوي ـون والنحاة الإدغام؛ فقد أخبر سيبويه أنهـم يقولـون:"(مَحُّمْ )، يريدون : (مَعَه مْ )، و(مَحَّاؤ لاَءِ )، يريدون : ( معَ هؤلاء)"1. ومن القبائـل التي روي عنها الإدغ ـام أيضا: طيء، وأسد ، وبكـر بن وائل ، وتغلب، وعبد القيس ، وا ذا علمنا أن هذه القبائل دائم ة الحركة ، فلم تكن تستقر على حال، وأنها نزحت بعد ذلك إلى العراق ، أمكننا فهْ م ميل أغلب قراء العراق إلى الإدغام، كأبي عمرو ، والكسائي ، وحم ـزة؛ لا سيم ا وأن الكسائي كان مولى لبني أسد ، تلك القبيلة التي آثرت الإدغام 2. أما القبائل التي آثرت الإظهار فهي : قريش ، وثقيف، وكنانة، وهذيل 3، وسبب اتجاه هذه القبائل إلى الإظه ـار، هو ميلهم إلى إيضاح الأصوات ، وتجنب الّ لبس، وهي من صفات المتحضري ـن الذين يعنَ وْ ن بتخيّ ر اللفظ، وحسن الأداء ، ويعمدون إلى نطق كل صوت، دون تداخل بين الأصوات " 4. وا ذا كان الحجازي و ن عموما يلتزمون الإظهار ، فهذا لا يعني أنهم جميعا كذلك، فقد ورد أن بعضهم كان يدغم ، تأثرا ببعض المجاورين لهم ، غير أن اللهجة الغالبة عندهم هي الإظهار، واللهجة الغالبة عند التميميين هي الإدغام5. رابعا -الإظهار في الأفعال في قراءة نافع: لقد كان نافع يفضل الإظهار؛ فلا يكاد يدغم إلا ما كان إظهاره خروجا عن كلام العرب ، وخاصة فيما رواه عنه ورش من طريق الأزرق 6،ولذا فإن مساحة 1 - الكتاب، 4/430 . 2 - اللهجات العربية في التراث ، أحمد علم الدين الجندي، 9/509 . 3 - ينظر: في اللهجات العربية ، إبراهيم أنيس، ص 64 . 4 - نفسه، ص 920 . 5 - ينظر: اللهجات العربية في التراث ، ص 595. 6 - السبعة في القراءات ، 995،و النشر في القراءات العشر ، 2/94.
عدد الصفحات ١٠٠الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 16 الإظهار عند ه مساحة متسعة ؛ إذ لم يدغم إلا حروفا يسيرة ، وهذا مق ارنة ببعض القراء ، كأبي عمرو والكسائي وحمزة ، حيث كان الإدغام سمة ظاهرة في قراء تهم. و سنتناول في ما يلـي دراسة الأفع ـال التي اختـار نافع فيها الإظهار، مقتصرين على ما يتقارب فيه صوت من الفعـل مع ما سبقه، أو ما لحقه، أو التي يتقارب فيها صوتان داخل الفعل؛ أما المتفـق على إظهاره ، فهو سمة عامة لكل القراءات ، وليس من خصائص قراءة نافع . 1-الأفعال التييتقارب الصوت الأول منها مع ما سبقه: أ-إظهار الصوت الأول من الفعل مع ذال (إذ): اتفق ورش و قالون على إظهار الذال من (إذ) عند ستة أصوات؛ ثلاثة منها للصفير، وهي السين والصاد والزاي، والثلاثة الأخرى هي : الجيم والدال والتاء1،و نمثل لأصوات الصفير بالسين، في قوله تعالى: [النور، 92]، ولغيرها بالتاء، في قوله تعالى: [البقرة ، 966]. وقد اتّفـق القـراء على إدغام دال (إذ) عند نفسـها والظّاء، واختلفوا في إدغامها في الأصوات الستة المذكورة 2. والسبب الذي دعا بعض القـراء إلى إدغ ـام هذه الأصوات، هو التقارب بينها وبين الذال من (إذ)، وأما نافع فاختار إظهارها على الأصل 3. ب-إظهار الصوت الأول من الفعل مع دال (قد): أظهر ورش وقالون الدال عند أصوات الصفير، وعند ثلاثة أخرى هي الذال والجيم والشين 4، ومن أمثلتها عند 1 - شرح الدرر اللوامع ، المنتوري، 9/586،581 . 2 - ينظر: الوجيز في شرح قراءات القرأة الثمانية ، الأهوازي ، ص 11. 3 - شرح الدرر اللوامع ، المنتوري، 9/581 . 4 - القصد النافع لبغية ا لناشئ والبارع على الدرر اللوامع ، أبو الحسن علي بن محمد التازي، تح: التلميدي محمد محمود، دار الفنون للطباعة والنشر والتغ ليف، جدة، ط9، 9495هـ، 9115م، ص296.
عدد الصفحات ١٠١الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 11 السين، قوله تعالى : [آل عمران، 989]، وعند الذال في قوله تعالى: [الأعراف ، 911]، وزاد قالون فأظهرها عند (الضاد والظاء)1، نحو : [النساء، 993]، و [ص، 25]. قال الفارسي مبينا موقف القراء من دال(قد): "أما دال (قد)، فإنّهم قد أجمعوا على إدغامها عند نفسهـا، واختلفوا في إدغامهـا عند ثمانية أحرف ؛ عند الجيم، والذّال، والزّاي، والسّين، والشّين، والصّاد، والضّاد، والظّاء"2. والسبب الذي أدى إلى اختلاف القراء حول إدغام هذه الأصوات ، هو التقارب بينها وبين الدال من (قد) من ناحية، وكونها من أصوات اللسان من ناحية أخرى 3، وقد اختار نافع إظهارها على الأصل . ج-إظهار الصوت الأول من الفعل مع لام (هل) و(بل): اتفق ورش وقالون على إظهار لام (هل) و(بل) في ثمانية أصوات، هي: (ت، ث، ظ، ز، س، ن، ط، ض)، وهي على ثلاثة أقسام: 9- صوت اختص به لام (هـل) وهو الثاء، فـي: [المطففين، 56.] 2 - أصوات خمسة اختص بها لام (بل)، وهي : الضاد، والظاء، والطاء، والز اي، والسين، ومن أمثلتها عند الطاء، قوله تع ـــــــالى: 1 - الوافي في شرح الشاطبية، عبد الفتاح القاضي، ص959. 2 - ينظر: الوجيز في شرح قراءات القرأة الثمانية ، الأهوازي، ص18. 3 - شرح الدرر اللوامع، 9/513.
عدد الصفحات ١٠٢الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 18 [النساء، 154]، وعند السين، قوله تعالى : [يوسف، 98]. 5 - صوتان مشتركان بين لام (هل) و(بل)، وهما : النون والتاء، فالنون في نحو: [الشعراء ، 205]، و [البقرة ، 961]، والتاء في نحو: [الملك،5]، و [الأنبياء، 40]. وقد اختلف القراء في إدغامها ، كل على حسب قراءته ، فحجة من أدغم، أن هذه اللام لما كانت ساكنة، أشبهت لام التعريف ، فأدغمت عند هذه الأصوات ، كما تدغم لام التعريف عندهـن، وحج ـة نافع في الإظهار، أنه هو الأصل ، وأن هذه اللام تختلف عـن لام التعر يـف في كونـها غير متصلة بهذه الأصوات، أما لام التعر يف، فإنها تتصل بما بعدها حتما، ولا تنفصل عنه 1. 2- الأفعالالتي يتقارب الصوت الأخير منها مع أول ما يليه: أ-إظهار الفاء مع الباء، نحو: [سبأ، 1]. ب -إظهار البـاء مع الف ـاء، نحو: [الإسراء، 65 ]. ج -إظهار الدال مع الثاء، نحو: [آل عمران، 943]. 1 - ينظر: حجة القراءات ، عبد الرحمن بن محمد أبو زرعة المعروف بابن زنجلة ، تح: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط2،9402هـ، 9182م،ص929.
عدد الصفحات ١٠٣الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 11 د -إظهار الثاء مع الذال، نحو: [الأعراف ، 916]،وقد أظهـرها ورش ، أما قالون، فله الوجهان: الإظهار والإدغام1. هـ-إظهار الباء مع الميم: أظهـر ورش البـاء في نحـو: [هود، 42 ]، وأدغمها قالون2. ووجه إدغام هذه اصوات عند من أدغم هو التقارب ، أو التجانس بينها، وذلك بقصد السهولة ، والاقتصـاد في الجه ـد، أما ناف ـع، فإنه آث ـر الإظهار ، لأنه هو الأصل3. 3-الأفعال التي تقاربتفيها تاء التأنيث الساكنة مع ما يليها: اتفق ورش وقال ـون على إظه ـار تاء التأنيث الساكنـة، وهي المتصلة بالفعل الماضي، نحو: (قالت) وشبهه4، فأظهراها معا عند خمسة أ صوات ، وهي أصوات الصفير الثلاثة، والثاء ، والجي م؛ فمثالها عند الصاد: [الحج، 40]، ومثالها عند الثاء: [الشعراء ، 949]، ومثالها عند الجيم: ،[الحج، 54]،وقد أظهرها قال ـون دون ورش عند الظاء أيضا5، نحو: [الأنعام، 958]. وأما إدغام ورش التاء في الظاء، فلقرب المخرج ؛ يقول سيبويه: "والظاء والثاء والذال، أخوات الطاء والدال والتـاء، لا يمتنـع بعضهنّ من بعض في الإدغام؛ لأنهنّ من حَيِّز واحد، و ليس بينهنّ إلاّ ما بين طرف الثنايا وأصولها"6. 1 - التيسير في القراءات السبع، الداني، ص51، وشرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع، ص30. 2 - المبسوط في القراءات العشـر، النيسابورىّ ، ص909، والتيسير في القراءات السبع، ص51. 3 - ينظر: الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص65. 4 - القصد النافع لبغية الناشئ والبارع على الدرر اللوامع ، التازي، ص298. 5 - الوافي في شرح الشاطبية، عبد الفتاح القاضي، ص 952. 6 - الكتاب،4/464.
عدد الصفحات ١٠٤الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 900 ويوضح الداني ذلك بقوله: "وعل ـة من أدغمـها في الظـاء وحـدها، أنها لما اجتمعت معها من طرف اللسان والثنايا العليا، تأكدت المناسبة بينهما"1. 4- الأفعال التي يتقارب فيها صوتان: اتفق ورش وقالون على إظهار الذال والثاء عند التاء في كلمة واحدة كما يلي: أ- إظهار الذال عند التاء، نحو قوله تعالى: 2 [طه، 14] . ب- إظهار الثاء عند التاء، نحو: (لبثْ تَ ) من قوله تعالى: [البقرة ، 238]،وما يتصرف منه إفرادا وجمعا3،ووجه الإظهار هنا أنه الأصل، وأنه أشبع وأتم 4. وهكذا يتبي ـن أن نافعـا كان يميـل إلى الإظهـار، فقد أظهر عددا كبيرا من المواضع التي أدغمها غيره من القراء . خامسا -الإدغام في الأفعال عند نافع: إذا كان نافع يؤثر الإظهار، فهذا لا يعني أنه لا يدغم أحيانا؛ وخاصة فيما يعد الإظهار فيه خروجا عن ك ـلام العرب ، فقد أدغ ـم بعض الأصوات التي ت قاربت مخارجها ، كما يلي: 1 - شرح الدرر اللوامع ، المنتوري، 9/516. 2 - سراج القارئ المبتدي، وتذكار المقرئ المنتهي، أبو القاسم علي بن عثمان بن محمد المعروف بابن القاصح، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، ط 5، 9515هـ، 9134م،ص11،900. 3 - الوافي في شرح الشاطبية، عبد الفتاح القاضي، ص 951. 4 - معانيالقراءات، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة أبو منصور الأزهري ، مركز البحوث في كلية الآداب، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية، ط1، 1111هـ، 1991م، 9/291.
عدد الصفحات ١٠٥الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 909 1-الأفعال التي يتقارب الصوت الأول منهامع ما سبقه: أ-إدغام الظاء و الضاد و التاء مع دال (قد): أدغـم ورش دون قالون الدال في الظاء، نحو: [البقرة ، 259]، وفي الضاد، نحو: 1[النساء، 966]، وحجته في ذلك من وجهين: الأول: أن إدغام الدال فيهما ، بسبب قوة الضاد والظ ـاء، بالإطباق والاست علاء والجهر والاستطالة في الضاد، فالدال تزداد قوة عند الإدغام ، لأنه ي بدل منها حرف أقوى منها ، مع مشاركة الدال الظاء وال ضاد في الجهر، فالإدغام فيهما حسن قوي مختار2. الثاني: التقارب الذي بين الدال وبينهما، وأنهما من أصوات اللسان، وقد كثر الإدغام في كلامهم في أصوات اللسان3. كماأدغم نافع التاء في دال (قد)، وذلك في مثل قوله: [البقرة ، 233 ]،لقرب المخرج ، وقد بين الداني حسن إدغام التاء في الدال، فقال: "وهو حرف مجهور ، فإذا التقى بالتاء في كلمة، وهو ساكن، أدغم من غير عسر"4، بل إن ابن مجاهد يؤكد أنه لا يجوز الإظهـار هنا، واعتبر إظهاره خروجا عن كلام العرب 5، ولذلك أجمع القراء على الإدغام 6. ب-إدغام الظاء مع ذال (إذ): أدغـم نافـع ذال(إذ) في الظ ـاء، في نحو قوله تعالـى: 1 - شرح الدرر اللوامع، المنتوري، 9/ 515 . 2 - القصد النافع لبغية الناشئ والبارع ، التازي، ص291،و شرح الهداية ، المهدوي، 9/89،82 . 3 - شرح الدرر اللوامع، 9/513 . 4 التحديد في الإتقان والتجويد، ص949. 5 - السبعة في القراءات ، ص 993. 6 - سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي ، ابن القاصح، ص 18.
عدد الصفحات ١٠٦الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 902 [النساء، 65]، وهذا متفق على إدغامه بين القراء، للتجانس بين الذال والظاء ، فهما متحدان في المخرج، ومختلفان في بعض الصفات1. ج-إدغام الراء مع لام (بل): أدغم نافع لام (بل) في الراء ، كقوله تعالى: [النساء، 938] وشبهه، و سبب الإدغام هنا، هو قرب المخرجين ؛ قال سيبويه: "فإذا كانت غير لام المعرف ـة، نحو لام (هل وبل)، فإنّ الإدغـام في بعضها أحسن، وذلك قولك: (هَرَّ أَيْتَ )؛ لأنّها أقر ب الحروف إلى اللام، وأشبهها بها ، فضارعتا الحرفين اللذين يكونان من م خرج واحد "2. د-إدغام الراء مع لام (قل): روى ورش عن نافع إدغام اللام في الراء من (قل)، نحو قوله تعالى: [اسراء ، 24]، وأظهرهما قالون عن نافع بخلاف عنه3. واللام والراء تقاربا في المخرج والصفة ، فهما يخرجا ن من مخرجين خاصين متجاورين، فاللام من حافة اللسان، والراء من طرفه ، بالقرب من حافته، وصفات كل منهما تكاد تتطابق؛ لولا زيادة الراء بالتكرير والانحراف 4 . 2-الأفعال التي أدغمت فيها تاء التأنيث الساكنة مع ما يليها: أ-إدغام تاء التأنيث الساكنة في الطاء: أدغـم نافـع تاء التأنيث الساكنـة في الطاء، نحو: [الأحزاب ، 95]، وهذا متفق على إدغامه ، وقد بين ابن مجاهد أن هذا النوع لا يجوز إظهاره 5. 1 - ينظر: الميزان في أحكام تجويد القرآن، فريال زكريا العبد، ص 31. 2 - الكتاب، 4/431. 3 - ينظر: السبعة في القراءات ، ص 994، والوجيز في شرح قراءات القرأة الثمانية ، الأهوازي، ص82. 4 - الميزان في أحكام تجويد القرآن ، فريال زكريا العبد، ص945. 5 - السبعة في القراءات ، ص 993.
عدد الصفحات ١٠٧الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 905 وسبب الإدغام هنا هو قرب المخرجين؛ إضافة إلى أن الطاء أقوى من التاء، فالتاء مهموسة، والطاء مطبقة، ومستعلاة، وشديدة، ومجهورة 1. ب-إدغام تاء التأنيث الساكنة في الدال: أدغم نافع تاء التأنيث الساكنة في الدال، في نحو قوله تعالى: [الأعراف، 981]، وهذا متّ فَ ق على إدغامه؛ لأن إظهاره خروج من كلام العرب، وهو رديء جدا لقرب الدال من التاء، وأنهما بمنزلة واحدة، فثقل الإظهار2. ج-إدغام تاء التأنيث الساكنة في الظاء: أدغم ورش من طريق الأزرق تاء التأنيث في (الظـاء)، في نحو: [الأنعام،958]، أما قالون فروي عنه الإظهار 3؛ قال الداني: "وعلة من أدغمها في الظاء وحدها ، أنها لما اجتمعت معها في طرف اللسان والثنايا العليا، تأكدت المناسبة بينهما ، فلذلك خصها بالإدغام"4؛ إضافة إلى أن الظ ـاء أقوى من التاء، فالتاء مهموسة ، والظاء قوية بالإطباق والاستعلاء ، أما قالون فقد أظهرها على الأصل 5 . 3-الإدغام في الأفعال التي يتقارب فيها صوتان: أدغم نافع الذال الساكنة في التاء في (أخـذ) وما اشتق منها، مثل: ( )، و()6،حيثما وجدت، وقد وقد بين أبو علي الفارسي الحج ة في هذا النوع من الإدغام بقول ـه: "هذه الحروف لمّا تقاربت، فاجتمعت في أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، قرِّ ب كلّ حيّز 1 - التمهيد في علم التجويد،ابن الجزري، ص 992. 2 - غاية المريد في علم التجويد، عطية قابل نصر، ص911 ،والسبعة في القراءات ، ص 993. 3 - النشر في القراءات العشر ، 2/3. 4 - شرح الدرر اللوامع ، المنتوري، 9/511. 5 - القصد النافع لبغية الناشئ والبارع على الدرر اللوامع ، التازي، ص 298. 6 - السبعة في القراءات ، ص 933.
عدد الصفحات ١٠٨الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 904 منها من الحيّ ـز الآخـر؛ ألا ترى أنهم أدغمـوا الظـاء، والثاء، والذال، في الطـاء، والتاء، والدال، وكذلك أدغموهنّ في الظاء؟"1. وهنـا يبرز إشكال: لماذا أدغم نافع الذال هنا، وأظهرها في نحو: [آل عمران، 924] وشبهـه؟ وقد أجـاب الدانـي عن ذلك بجوابين: أحدهما: أنه أراد الجمع بين اللغتين ، في المو ضعين، لي رى جوازهما وفشوهما فيها. الثاني: أن الإدغام في () ونظائره لا يخرجه إلى الاشتباه بغيره، مما يخالف معناه، بينما الإدغـام في ( )من النبـذ، فإذا أ دغـم صار (فنبتُّها) فاشتبه لفظه بـ (نبتّ ) من النبـات، وكذلك قولـه: ( )من التعوذ، فإذا أدغم، أشبه (العوْد)، كقوله تعالى: [الإسراء ، 8]، فلما كان إدغام ذلك قد يخرجه إلى هذا الحال ، آثر الإظهار فيه2. وهذا يدل على مراع ـاة نافع المعنـى في الإدغام، فإذا ثبت أنه سيؤدي إلى الاشتباه بلفظ آخر، يخرجه من دلالة إلى دلالة أخرى ، ترك ه. وهكذا يتبين أن نافعا كان يميل إلى الإظهار، موافقا لهجة الحجاز، و لا يدغم إلا ما كان الإظهار فيه خروجا عن كلام العرب ، ولذلك فإنه وافق إجماع القراء في أغلب المواضع التي أدغمها. 1 - الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسيّ ، 2/13، 16. 2- شرح الدرر اللوامع ، المنتوري، 9/495.
عدد الصفحات ١٠٩الفصـــــل الثانــي البنيــــة الصرفيـــــة للفعــل في قراءة نافع المبحث الأول : حركة ( فاء وعين) الفعل المبحث الثاني : المجرد والمزيد المبحث الثالث : التشديد والتخفيف في بنية الفعل المزيد المبحث الرابع : حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المبحث الخامس: المبني للفاعل والمبني للمفعول المبحث السادس: الفعل ودلالة الزمن
عدد الصفحات ١١٠الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الأول - حركة ( فاء وعين) الفعل 601 المبحث الأول- حركة ( فاء وعين ) الفعل: أولا -بنية الفعل: يتكون الفعل في العربية من جملة عناصر ، ترتبط بعلاقة نظامية فيما بينها ، تعطي الفعل مدلوله، وهي مجموع الأصوات التي يتكون منها ، فالفعل (كتب) مثلا يتكون من الكاف والتاء والباء، وهي الحـروف الأصـول لهذا الفعـل؛ يقول ابن يعيش: "اعلم أن الأصل عبارة عن الحروف اللازمة للكلمة كيف تصرفت ، وهي تجري مجرى الجنس للأنواع ، نحو الحياة في الإنسان، والفرس ، والطائر، لا بد من وجـودها في كل واحـد من هذه الأنـواع، وا ن اختلفت حقائقـها، وكالمادة للمصنوعات ، نحو الخشب للباب، والكرسي ، والسرير ، فكذلك الحروف الأصول هي مادة لما يبنى منها من الأبنية ا لمختلفة، موجودة في جميعها، نحو: ضرب، يضرب ، فهو ضارب ، ومضروب، فـ (ضرب) موجود في جميع هذه الأبنية"1. فالأصل في الفعل لفظي ومعنوي ؛ أما اللفظي فهو جمل ـة الأصوات التي يتكون منها، وتسمى الجذر ، وأما المعنوي فهـو دلالة جـذر الفعل ، و تظهر في عدد من الكلمات التي تشترك في مجموعة من الأصوات الأص ـول2، مثلما نج ـد ذلك في : علِم، علّم،عالم، معلوم، تعلّ ـم ... فكل هذه الكلمات تشترك في معنى العلم . والواقع أن تغير حركة (الفاء) أو (العين) في الفع ـل، قد يكون سببه لهجي ا، فلا يحمل معه أي تغير دلالي، وقد ينتج عن ذلك تغيـر في الدلالة، وهذا ما سيتضح من خلال دراسة عدد من الأمثلة في قراءة نافع . ثانيا -حركة عين الأفعال الماضية في قراءة نافع : للفعل الماضي الثلاثي ثلاثة أبنية، هي: فَعَلَ و فَعُلَ و فَعِلَ 3، أما أول الفعـل (فاء الفعل) فهــــــو مفتـــــوح، وذلك لأنـه لا يُبتــــدأ بساكــــــــــن، وحُ ــــرّ ك بالفتح، لكـــــــــــــونه أخف 1 - شرح الملوكي في التصريف ، ابن يعيش، تح: فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب، ط6،6131هـ، 6391م، ص 601،603. 2 - ينظر: بنية الفعل ، قراءة في التصريف العربي ، عبد الحميد عبد الواحد ، منشورا ت كلية الآداب والعلوم الإنسانية، صفاقس، 6331م، ص61،61. 3 - حاشيةالصبان، 4/111،و اللباب في علل البناء والإعراب، العكبري ، 2/114.
عدد الصفحات ١١١الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الأول - حركة ( فاء وعين) الفعل 609 الحركات 1،و أما حركة اللام، فحر كة إعراب ، وهي تلزم الفتح، لأ ن الفعل الماضي مبني على الفتح، فإذا وُقف عليه سكِّن؛ إذ الموقوف عليه لا يكون إلا ساكنا2. وتتعدد معاني أبنية الماضي، تبعا لاختلاف حركة العين في هذه الأبنية؛ فبنية (فعَل): تحمل معاني كثيرة، وهي أخف أبنية الأفعـال، واللفـظ إذا خف كثر استعماله، واتسع التصرف فيه ، و بنية (فعِل): تكثر فيها العلل والأحزان و أضدادها، و بنية (فعُل): لأفعال الطّبائع ونحوها3. ولقد وردت أفعال ماضية في قراءة نافع ، اختلف القراء في حركة عينها ، فقرأ نافع بعضها بالفتح، وبعضها بالكسر، وبعضها بالضم كما يلي: 1-فتحعين الماضي: الفعل (بر ق)، قال تعالى: [القيامة، 9]. قرأ نافع (برَ ق) بفتح الراء، وقرأ الجمهور(برِق) بكسر ها4. فأما قراءة الكسر ، فعلى معنى: فزع وبهت و تحيّ ر5،وأصله من برِ ق الرجل، إذا نظر إلى البرق ، فدهش بصره 6، كما يقال: أسِدَ الرجلُ : إذا رأى الأسدَ فتحير، وبَقِ ـرَ : إذا رأى بَقَرا كثير ا فتحيـر7،والعرب تقول للإنسان المتحير المبهوت: قد برِ ق فهو برِ ق8. 1 - أثر الحركات في اللغة العربية، دراسة في الصوت والبنية ، علي عبد الله القرني، رسالة دكتوراه مخطوطة، إشراف : سليمان بن إبراهيم العايد، جامعة أم القرى، السعودية، 6421هـ،2004م ، ص220. 2 - ينظر: المقتضب، المبرد، 2/333، والخصائص، ابن جني، 6/11 . 3 - ينظر: ارتشاف الضرب من لسان العرب، أبو حيان الأندلسي، تح : رجب عثمان محمد، مكتبة الخانجي، القاهـرة، ط 6،6461هـ، 6331م،6/619،611، والمفتـاح في الصـرف، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ، تح: علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط6، 6409هـ، 6319م،ص41. 4 - الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ص119، والحجة للقراء السبعة، الفارسي، 1/141،. 5 - معاني القرآن وا عرابه، إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج، تح: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، بيروت، ط1،1041هـ،1811م، 1/212، ومعاني القراءات ، الأزهري، 1/601. 6 - تفسير البحر المحيط، 1/191. 7 - معاني القراءات ، الأزهري، 3/141. 8 - تفسير القرطبي ، 63 /31.
عدد الصفحات ١١٢