الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 08 وقد اختاره الشاطبي لجميع القراء 1، واختاره بعضهم لأصحاب التحقيق ، كحمزة، وورش، والأخفش عن ابن ذكوان 2، وهو كذلك عند قالون3. 4-مد البدل:- وهو أن تسبق الهمزة صوت المد في كلمة واحدة، نحو: (آدَمَ )، وقيل إنه سمى بهذا الاسم، لأنه غالبا ما يكون قد نتج عن اجتماع همزت ين: أولاهما متحركة بإحدى الحرك ـات الثلاث، والأخرى ساكنـة، والعرب تكـره اجتمـاع همزتين ؛ فتبدل الأخيـرة منهما حرف مد يناسب حركة الأولى، نحو: (آمن) و أصلها (أأمن)4. وقداختلف ورش وقالون في هذا النوع من المد ؛ أما ورش فقد تفرد في رواية الأزرق بزيادة تمكين أصو ات المدِّ واللين ، إذا تقدم عليهن الهمزات ، سواء ظهرن مخففـات، أم محققـات، أو ألق ى حركته ـن على الساك ـن قبلهـن، فلـه المد ، والتوسط ، والقص ـر، نحـو: (ءامنوا )، و(إيمان)، و(أوتوا )، وشبهـه، و أما قالون وبقية القراء ، فقد رووه بالقصر5. ووجه ورش في ذلك ، أنه نظر إلى وجود المدّ والهمز في كلمة، بصرف النظر عن تقدمه أو تأخره ، و حجة من قصر ، أن علّ ـة (المدّ ) في كـل من المنفصل والمتصل للتمكن من النطـق بالهمز، والهمز في (البدل) متقدم علـى حرف المدّ ، فليس هناك ما يدعو إليه6. 1 - النشر في القراءات العشر ، 4/881. 2 - مدخل في علوم القراءات ، السيد رزق الطويل، ص437. 3 - كيف تقرأ القرآن الكريم برواية الإمام قالون عن نافع المدني ، المختار المشري المقروش، فاليتا، مالطا، دط، 8771م، ص 14. 4 - الميزان في أحكام تجويد القرآن ، فريال زكريا العبد، ص 474. 5 - مقدمات في علم القراءات، محمد أحمد مفلح القضاة، و أحمد خالد شكرى، و محمد خالد منصور، دار عمار، عمان، الأردن، ط 4، 4144هـ،4004م، ص484، 414. 6 - الهادي شرح طيبة النشر ، محيسن، 471، 471.
عدد الصفحات ٨١الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 00 5-المد اللازم: و هو المد الذي اتفق القراء كلهم على مده، وعلى مقدار مـده، وسمي لازما ، للزوم سببه، وهو السكون وقفا ووصلا1،ويُ مَ د مدا مشبعا بمقدار ست حركات ، ويحمـل ألقابا أخرى ، بحسـب نوع ـه، وبحسب ما بعـده2، و ينقسـم قسميـن: كلمي وحرف ـي؛ فالكلمي: هو أن يقـع السكون الأصلي بعد صوت المد في كلمة، نحـو:()، م ـن قول ـه تعال ـى: [عبس، 88]، والحرفي : هو أن يقع السكون الأصلي بعد صوت المد في حرف ، نحو: ()،من قوله تعالى: [ق، 4]3. وعلى العموم فإن هناك اختلافا ظاهرا بين راو يي نافع، في موضوع المد والقصر ؛ فبينما كان المد سمة ظاهرة عند ورش من حيث الطول؛ فقد عرف بذلك حتى لقب بـ (شيخ القراء المحققين )4، وقال من وصفه: " كان ورش جيد القراءة حسن الصوت، إذ إذ يهمز، ويمد، ويشدد، ويبين الإعراب ، لا يمله سامعه"5 ، وهو لم يكن يقلل في المتصل والمنفصل عن ثلاثة ألفات (ست حركات )، وكان قد تفرّ د بمد البدل، بينما لم يكن الأ مر كذلك عند قالون ؛ فقد كان يمد المتصل والمنفصل بمقدار ألفين (أربع حركات )، أو ألف ونصف (ثلاث حركات ) أو القصر (حركتان ). وهذا الاختلاف في زمن المد بين القراء ، هو اختلاف صوتي أدائي، ليس له أي أثر دلالي، وا نما كان ذلك تبعا لاختيار كل قارئ . بيد أن اختيار ورش الإطالة في صوت المد، وخاصة في المنفصل ، والبدل ، والمدود الحاصلة من التقاء همزتي ــــــــــن، بخلاف قالــــــــون، وعــــــدد من القراء، بل وتفـــــرده 1 - معجم علوم القرآن ، الجرمي ، ص413. 2 - ينظر: مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات، الدوسري، ص 441. 3 - الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم، الحفيان، ص 13. 4 - مدخل في علوم القراءات، السيد رزق الطويل، ص 32. 5 - النشر في القراءات العشر ، 4/448.
عدد الصفحات ٨٢الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 06 بمد البدل1 يعد أمرا ملفتا ، إلا أن الإشكال يزال ، حين نعلم أن ورشا قد قرأ على شيوخ آخرين في مصر، قبل أن يقرأ على نافع، وقد أقره نافع على ذلك2، فكانت روايته المد عن نافع على سبيل الإقرار ، لا على سبيل الاختيار. 1 - ينظر: الإقناع في القراءات السبع، ص 871، و معجم علوم القرآن، ص464،و الوافي في شرح الشاطبية ، ص71، و مقدمات في علم القراءات، مجموعة من المؤلفين، ص484،414. 2 - ينظر: الإبانة عن معاني القراءات، مكي بن أبي طالب، ص67،65.
عدد الصفحات ٨٣الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 97 المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء : من المعروف أن هناك أصوات ا في العربية مفخمة، وأخرى مرققة ؛ فالمفخمة هي أصوات الاستعلاء، وهي المجموعة في قولهم : (خص ضغط قظ)، و باقي الأصوات مرققة ، وتسمى أصوات الاستفال 1. غير أن اللام والراء ، وا ن كانا في الأصل تابعين لأصوات الترقيق، إلا أنهما يفخّمان أحيانا تفخيما عارضا 2، بل إن هناك من يذهب إلى أن الأصل في الراء هو التفخيم، وا نما ترقق لسبب3، أما اللام ، فقد ساغ التفخيم فيها، لشبهها بالراء، ولتداخلها معها أشد المداخلة4. وفيما يلي حديث مختصر عن التفخيم والترقيق عند اللغويين، وعلماء القراءات، ثم دراسة للتفخيم والترقيق في اللام والراء في رواية ورش عن نافع . أولا -التفخيم والترقيق عند اللغويين وعلماء القراءات : إن قارئ كتب اللغة القديمة لا يكاد يخرج بتصور واضح لمفهوم التفخيم والترقيق ؛ فسيبويه لم يشر إلى هذه الظاهـرة إلا عند حديثه عن ألف التفخيـم، وذلك في قوله: "وألف التفخيم يعنى بلغـة أهل الحجاز في قولهم: الصَّلاة والزَّكاة والحَيَاة"5، ولا نكاد نجد للعلماء من بعده زياد ة في البيان والتوضيح لهذا الأمر، وكل ما ورد عندهم ، أن مصطلح التفخيـم: يدل على المعنـى المقابـل للإمالة6، أماالكتب التي درست هذا الموضوع دراسة وافية ، فهي 1 - معجم علوم القرآن ، الجرمي ، ص4. 2- موسوعة علوم القرآن ، عبد القادر محمد منصور، دار القلم العربى، حلب، ط1، 1411هـ، 1001م، ص161. 3 - النشر في القراءات العشر ، 1/101. 4 - ينظر: شرح الهداية ، المهدوي، 1/111،116. 5 - الكتاب، 4/431. 6 - ينظر: لسان العرب ، 11/410، وشرح شافية ابن الحاجب ، 1/717 .
عدد الصفحات ٨٤الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 10 كتبالتجويد والقراءات ، و قد أطلق علماؤها على تفخيم اللام مصطلح التغليظ1، و عرّ فو ه بأنه: سمـن يعتري الحرف المراد تغليظـه، فيملأ الفم حال النطـق، و عرفوا الترقي ـق بأنه: ضدّ التغليـظ؛ وهو نُحول يدخل على جسم الحرف، فلا يملأ صداه الفم، ولا يغلقه2. والتغليـظ إنما يحصـل بسبب ارتفاع مؤخّ ـرة اللسان عند النطـق بصـوت من الأصوات ، وبقـدر درجة الارتفاع ، تزداد درجة التفخيم، أما الترقيق ، فيحصل بسبب انخفاض في مؤخّرة اللسان، عند النطق بصوت من الأصوات 3. ثانيا- تفخيم اللام عند ورش: لقد انفرد ورش من بين القراء بتغليظ اللام، وذلك لأسباب ستتضح فيما يلي: 1-أسباب تفخيماللام عند ورش: الأصل في اللام الترقيق 4، وتفخم عند ورش ل سببين: أولهما- التعظيم: و يكون في لام الجلالـة؛ إذا لم تُ سبق بكس ـر؛ فإذا سبق ت بكسر رُققت5. 1 - كيف تقرأ القرآن الكريم برواية الإمام قالون، المقروش، ص39. 2 - ينظر: القواعد والإشارات في أصول القراءات ، أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرضا الحموي الحلبي، تح: عبد الكريم بن محمد الحسن بكار، دار القلم، دمشق، ط1، 1406 هـ، 1716 م، ص10، 11. 3 - موسوعة علوم القرآن، عبد القادر محمد منصور، دار القلم العربى، حلب، سوريا، ط1، 1411هـ، 1001م، ص163. 4 - شرح الهداية، المهدوي، 1/119. 5 - هذا الحكم لا يختص به ورش فقط، وا نما هو حكم يتفق عليه جميع القراء . ينظر: الميزان في أحكام تجويد القرآن ، ص 71.
عدد الصفحات ٨٥الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 11 ثانيهما- إذا سبقت بأحد أصوات الإطبـاق: وذلك إذا كان قبلها طـاء، أو ظاء، أو صاد؛ ما لم تنكسر اللام أو تنضم، أو تنكسر أصوات الإطباق أو تنضم1. وخصت أصوات الإطبـاق؛ لأنها أقـوى أصوات التفخيـم، يقول ابن الجزري : "والاستعلاء من صفات القـوة؛ وهي سبعـة يجمعها قولك: (قظ خص ضغط)، وهـي حروف التفخيم على الصواب ، وأع ـلاها الطاء، كما أن أسفـل المستفلة الياء، وقيل: حروف التفخيم هي حروف الإطباق، ولا شك أنها أقواها تفخيما"2. وقد تفرد ورش من بين القراء بتغليظ اللام مع أصوات الإطباق ، في مثل: (ظلموا، ومن أظلم، والصلاة، ومصلى، والطلاق، وطلقتم)، حيثما وجدت، ورققه باقي القراء، ومنهم قالون3. وتفخيم ورش قائم على أسس صوتية قوية؛ ذلك أن اللام المفتوحة إذا سبقها صوت مطبق، مفخم، مستعل، يقرّ ب اللام منه، ليعمل اللسان في التفخيم عملا واحد ا، وهكذا معظم مذاهب العرب، فهم يقربون الصوت من الصوت، ليعمل اللسان عملا واحد ا، ويقربون الحركة من الحركة ، ليعمل اللسان عملا واحد ا4،وهذا ما يسميه علماء اللغة المحدثون باسم (المماثلة)5 . وقد بيّن مكي بن أبي طالب وجه تفخيم اللام المفتوحة فقال: "إنما فخمت اللام إذا كانت مفتوحة، لأن الفتحة مؤاخية للتفخيـم، ولأنها من الألف، ولأن الفتحة مستعلية في 1 - مدخل في علوم القراءات ، السيد رزق الطويل، ص111. 2 - النشر في القراءات العشر، 1 /101 ،103. 3 - الكشف عن وجوه القراءات ، مكي ابن أبي طالب، 1/117. 4 - ينظر: مدخل في علوم القراءات ، ص 111. 5 - ينظر: دراس ـة الصوت اللغوي، أحمد مخت ـار عمر ، عالم الكتب، القاهرة، دط، 1411هـ،1779م، ص319، والأصوات اللغوية، إبراهيم أنيس، ص106، .
عدد الصفحات ٨٦الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 11 المخرج ، كحروف الاستعلاء، والألف حرف يخرج من هواء الفم، فعامل اللام1 بالتفخيم مع الفتح وحرف الإطباق قبله، ليعمل اللسان عملا واحدا، فلما تغيرت اللام عن الفتح، رجع إلى الأصـل، وهو الترقيق، وأيضا فإن اللام إذا انكسرت في نفسها، امتنع فيها التفخيم، لأن التفخيـم إشباع فتـح، ومحال أن يشبـع الفتـح في حرف مكسـور، أو مضموم"2. 2-الأصوات الموجبة تغليظ اللام عند ورش: أجمع القراء سوى ورش على ترقيق كل لام في القرآن ، س وى ما ورد في اسم الله تعالى، والعلة في ذلك، أنهم أجروا اللام على أصلها، ولم يكن التفخيم فيها عندهم قويا مع مجاورة الأصوات التي أوجب ورش بها التفخيم، إذ اللام أصلها الترقيق، فدخول التفخيم فيها ليس بقـوي، كقوته في الـراء، لأن الراء اجتمـع فيها الشبه بأصوات الاستعـلاء، حيث إن العرب منعت الإمالة بها في نحو: (راشد )، كما يمنع المستعلي في نحو: (طالب)، وليس ذلك في اللام3. وقدذكر المهدوي أن الأصوات الموجبة تغليظ اللام عند ورش هي : الصاد، والطاء ، والضاد ، والظاء ، وأقو اها في الإطباق الطاء، ثم الصاد، ثم الظاء، ثم الضاد4. والحقيقة أن هناك خلافا قديما حو ل أصوات الإطباق التي تتسبب في تغليظ اللام؛ فقد نقل ابن الباذش عن المصريين إجماعهم عن ورش تغليظها، إن كانت متحركة بالفتح، وقبلها مباشرة صاد متحركة بالفتح أو ساكنة، نحو: (الصلاة، مصلى، مفصّ لا، فيص لب، 1 - يقصد ورشا . 2 - الكشف عن وجوه القراءات ، 1/110. 3 - ينظر: الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج، الغوثانى، ص 191. 4 - شرح الهداية ، 1/117 ،130.
عدد الصفحات ٨٧الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 13 من أصلابكم) وما أشبهه، فهذا لا خلاف بينهم في أنه مفخم1،وزاد بعضهم تفخيم اللام المفتوحة ، إذا كان قبلها الظاء متحركة بالفتح، أو ساكنة، نحو: ( ومن أظلم، وظلموا ، وبظلاّ م، وظل وجهه ، وظللنا) وشبهه2. وذهب بعضهم إلى تغليظها عند الصاد والطاء، وترقيقها عند الظاء3، وآخرون إلى تغليظها عند الطاء والظاء خاصة، وترقيقها عند الصاد4،ونُ قل عن المهدوي تفخيم اللام المفتوحة ، إذا كانت قبلها ضاد ساكنة، نحو: (أَض لَل تُم )، فإن تحركت الضاد، رقق، نحو: (ضَلَل نَا ، ضلّ وا)5. وهكذا فقد حصل الخلاف في اللام مع أصوات الإطباق الأربعة ، غير أن الداني ذكر أن تغليظ اللام لورش من طريق الأزرق ينبغي أن تسبقه ثلاثة أصوات فقط، وهي : الصاد، والظاء ، والطاء ؛ يقول: "اعلم أن ورشا من طريق أبي يعقوب عنه، روى عن نافع أنه كان يغلظ اللام ويفخّمها، إذا تحرّكت بالفتح لا غير، ووليها من قبلها صـاد، أو ظـاء، أو طـاء، وتحرّكت هذه الثلاثة الأحرف بالفتـح، أو سكنت، لا غيـر"6، نحـو: (سيص لون، ظَ لموا ، طَ لّقتم) وغيرها . وقد اعتبر كمال بشر أن اللام تفخم مع أحد أصوات الإطباق الأربعة : (الصاد، والطاء ، والضاد ، والظاء )، غير أنه لم يشترط فتح أصوات الإطباق أو سكونها ، كما 1 - الإقناع في القراءات السبع، ص116. 2 - المصدرنفسه، والصفحة نفسها. 3 - شرح طيبة النشر في القراءات العشر، محمد بن محمد محب الدين النُّوَي ري، تح: مجدي محمد سرور سعد باسلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1414 هـ، 1003م، 1/40. 4 - المصدرنفسه، والصفحة نفسها. 5 - الإقناع في القراءات السبع ، ص 116 ، وشرح الهداية ، 1/117،130. 6 - جامع البيان في القراءات السبع ، 1/919.
عدد الصفحات ٨٨الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 14 اشترط ذلك علماء التجويد والقراءات ، بل اعتبر أن تفخيم اللام يقع، حتى إذا سُبق بهذه الأصوات، وهي مضمومة ، مثل: صُلّي عليه، وضُلّل1. غير أنتفخيم اللام في مثل هذه الأمثلة لا يبدو ممكنا؛ ذلك أن التفخيم إنما يتناسب مع اللام المفتوحة، أما إذا كسرت فقد صار ممتنعا، قال مكي بن أبي طالب : "فإن اللام إذا انكسرت في نفسها، امتنـع فيها التفخيـم، لأن التفخيـم إشباع فتـح، ومحال أن يشبـع الفتـح في حرف مكسـور أو مضموم"2، وقال المهدوي : " فمتى حاول القارئ أن يجمع الكسرة مع التفخيم في حرف واحد ، كان ذلك ثقيلا"3. 3-أحكام تغليظ اللام وترقيقها عند ورش: لقد سجل العلماء عددا من أحكام التغليظ والترقيق عند ورش ، أهمها: أ-إذا وقعت الألف بين اللام المفتوحة والصاد، فبعض القراء يرقق ، وبعضهم يفخم، وذلك نحو: (فصالاا ) في قوله تعالى: [البقرة ، 132]، و(يَصَّالحَ ا)، في قوله: [النساء، 211]، وكذا إذا فصل بين اللام والطاء ألف، مثل: (فطال) في قوله تعالى: 4 [الحديد، 21]. ب- تغلّ ظ اللام في ذوات الياء، وذلك في مثل: (صلّ ى)، من قوله تعالى: [العلـق، 9، 21]،وهـي إنما تغلـظ مع فتح 1 - علم الأصوات، ص401. 2 - الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، 1/110. 3 - شرح الهداية ، 1/131. 4 - الإقناع في القراءات السبع ، ص219.
عدد الصفحات ٨٩الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 11 الألف المنقلبة، وا ذا أميلت هذه الألف، فإنها تمال مع ترقيق اللام، سواء أكانت رأس آية أم غيرها ، إذ الإمالة والتغليظ ضدان لا يجتمعان، وهذا مما لا خلاف فيه1. ج- تشديد اللام لا يمنع تغليظها، بحجة أ نه فصل بينها وبين صوت الاستعلاء فاصل، وهذا الفاصل لا يعتد به، لأنه لام أدغمت في مثلها، فصار ا في حكم الصوت الواحد الذي جاء بعد صوت استعلاء2،نحو: (يُ صَ لّ بوا )، في قوله تعالى: [المائدة، 33]. د-إذا وقعت اللام المفتوحة بين صوتين مستعليين، نحو: (خلطوا)، في قوله تعالى: [التوبة، 211] ،فقوم من أهل الأداء يغلظون اللام، في مذهب ورش من طريق الأزرق ، من أجل حرفي الاستعلاء، وآخر ون يرقّقونها، لعدم النص عن ورش فيه3. ثالثا-الراء بين التفخيم والترقيق : 1-أصالة التفخيم أو الترقيق في الراء : صوت الراء في العربية صوت لث ـوي، يحدث بتكرار ضربات اللس ـان في منطقة اللثة، ومن هنا جاءت تسميته (الصوت المكرر)4،وقد اختلف علماء القراءات والتجويد ح ول أصالة التفخيم، أو الترقيق فيه على قولين: 1 - النشر في القراءات العشر، 1/221. 2 - نفسه،1/229. 3 - جامع البيان في القراءات السبع، 1/192 4 - علم الأصوات، كمال بشــر، ص711.
عدد الصفحات ٩٠الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 16 الأول: ذهب الجمهـور إلى أن الأصل في الراء هو التفخيم، وا نما ترقق لسبب1، وقد احتجّ مكي لهذه الأصالة بقوله: "والدليل على أن أصلها التغليظ، أن كل راء غير مكسورة ، فتغليظها جائز، وليس كل راء يجوز فيها الترقيق، ألا ترى أنك لو قلت : (رغدا ) و(رقد ) ونحوه بالترقيق ، لغيرت لفظ الراء إلى نحو الإمالة، وهذا لا يمال ، ولا علة فيه توجب الإمالة"2. واحتج غيره بأن أصل الراء التفخيم، لكونها متمكنة في ظهر اللسان، فقربت بذلك من الحنك الأعلى الذي به تتعلق أصوات الإطباق، وتمكنت منزلتها ، ل ما عرض لها من التكرار ، حتى حكموا للفتحة فيها بأنها في تقدير فتحتين، كما حكموا للكسرة فيها بأنها في قوة كسرتين 3. الثاني: ذهب آخرون إلى أنه: ليس للراء أصل في التفخيم، ولا في الترقيق، وا نما يعرض لها ذلك بحسب حركتها ، فترقق مع الكسرة لتسفلها، وتفخم مع الفتحة والضمة لتصعدهما، فإذا سكنت جرَ ت على حكم المجاور لها، وكذلك ترقق مفتوحة ومضمومة إذا تقدمها كسر، أو ياء ساكنة، فلو كانت في نفسها مستحقة للتفخيم، لاحتفظـت بهذه الصفة على كل حال، كما كان ذلك في أصوات الاستعلاء4. والحق أن ح جة القائلين بأصالة التفخيم أقوى ، ولذلك قطع كمال بشر في الأمر، بأن التفخيم هو الأصل بقوله: "وحقيقة الأمر في هذا الشأن ، كما قرر الثقاة من الدارسين في القديم والحديث ، أن صوت الراء أكثر ميلا إلى التفخيم ، وأن مواقع هذا التفخيم كثيرة ، يصعب حصرها، ومن ثم لجأ رجال الاختصاص إلى حصر مواقع الترقيق ، لأنه أسهل منالا، وأقرب إلى الدقة "5. 1 - النشر في القراءات العش ــر، 1/211. 2 - الكشفعن وجوه القـراءات ، 2/111 . 3 - النشر في القراءات العشر، 1/101. 4 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها . 5 - علم الأصوات ، ص401.
عدد الصفحات ٩١الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 19 وقد عبر بعض العلماء عنالترقي ـق في الراء بمصطلح الإمالة ، أي إمالة بين بين1، غير أن ابن الجزري خالفهم في ذلك بقوله: " ولو كان الترقيق إمالة، لم يدخل على المضموم والساكن ، ولكانت الراء المكسورة ممالة، وذلك خلاف إجماعهم"2. 2- الفائدة من ترقيق الراء : لا تختلف الفائدة من تر قيق الراء عن الفائ ـدة من الإمالـة، فالغرض هو تق ريب الأصوات بعضها من بعض للمناسبة، أي حتى تتناسب الأصوات، وتصير في نمط واحد، ويحصل بذلك سهولة في اللفظ؛ ذلك أن اللسان ينحدر عند الترقيق والإمالة، والانحدار أخف عليه من الارتفاع 3. 3-تفخيم الراء وترقيقها في الأفعال في رواية ورش عن نافع : لقد تفرد ورش من طريق الأزرق بمسائل في ترقيق الراءات ، لم يثبت منها شيء عند قالون، الذي وافـق الجماعة في ذلك4، فلقد روى الأئم ـة من القراء المصريين والمغاربة عن ورش من طريق الأزرق وغيره مذاهب: منها ما اتفقوا مع غيرهم على ترقيقه، ومنها ما اتفقوا على تفخيمه، ومنها ما اختلفوا فيه، ومنها ما خصوا به ورشا من طريق الأزرق ، وقد فصلت كتب علوم القرآن ذلك تفصيلا دقيقا 5. 1 - الكشفعن وجوه القراءات ، مكي، 1/101،و جامع البيان في القراءات السبع، الداني، 1/991،وشرح الدرر اللوامع، المنتوري، 1/131. 2 - النشر في القراءات العشر، 1/70، 71. 3- ينظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، 3/391، و النشر في القراءات العشر، 1/371، وشرح المفصل، 7/14. 4- المحيط، بأصول رواية قالون عن نافع من طريق أبي نشيط، صفاء الدين الأعظمي، طوب بريس، الرباط، دط ، 1009، ص11. 5 - ينظر: شرح طيبة النشر، ص133 وما بعدها، و الوافي في شرح الشاطبية في القراءات السبع، ص161 وما بعدها، و النشر في القراءات العشر، 1/71 وما بعدها، و الكشف عن وجوه القراءات ، 1/107 وما بعدها.
عدد الصفحات ٩٢الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 11 وسيتم الاقتصار هنا على افعال المشتملة على الراء المرققة ، سواء أكانت مكسورة ، أم مفتوحة، أم مضمومة، أم ساكنة، لبيان موقف ورش منها: أ-الراء المكسورة : إذا كانت الراء مكسورة، فإنها مرققة لجميع القراء 1، ومن أمثلة الأفعال ال تي رققت فيها الراء في رواية ورش : (أرنا )، من قوله تعالى : [فصلت، 11] . قال المهدوي : "وعلة إجماعهم على ترقيق الراء المكسورة، أن الكسر مناف للتفخيم، فمتى حاول القارئ أن يجمع الكسرة مع التفخيم في حرف واحد، كان ذلك ثقيلا"2. ب-الراء المفتوحة أو المضمومـة: إذا كانت الراء مفتوحة، أو مضمومة، فالقراء جميعا يفخمونها، إلا ورشا فإنه يرققها ، إذا وقعت بعد ياء ساكنة، أو كسرة لازمة، أو حال بينها وبين الكسرة ساكن3، فأما الكسرة اللازمة 4، فإنها تقع قبل الراء ، نحو: (حصرت )، في قوله تعالى: [النساء، 19] وما شابهها5، فالر اء الواردة في هذا الفعل، وما شابهه مرققة ، وترقيقها مرتبط بشرطين : 1 - النشر في القراءات العشر، 1/100. 2 - شرح الهداية ، 1/131. 3 - شرح طيبة النشر في القراءات العشر، النُّوَي ري، ص 133،134 . 4 - معنى لزوم الكسرة هنا، ألا تقع على صوت يجوز تجريد الكلمة منه، فإن وقعت، سمي الكسر عارضا، والكسرة العارضة لا يعتد بها، مثل : (بربهم ، ولربك )، فإذا كان الصوت زائدا، فكسرته غير لازمة ، لا تعمل فيما بعدها. ينظر: شرح الهداية ، 149،141. 5 - جامع البيان في القراءات السبع، الداني، 1/993.
عدد الصفحات ٩٣الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 17 أحدهما: أن لا يكون بعد الراء صوت استعلاء، مثل: (صراط ) من قولـه تعالـى: [آل عمران، 31]. ثانيهما: أن لا تكـون الـراء مكـررة ، مثـل: (ضرارا ) من قو له تعالـى: ،فإن كان بعدها صوت استعلاء أو تكررت، فلا خلاف في تفخيمها1. ومثال الراء إذا وقعت بعد ياء ساكنة ، كلمة (خير)، حيثما وقعت، و مثال التي حال بينها وبين الكسرة ساكن، كلمة (ع ب رَ ة)، حيثما وقعت، وأمثلة هذا النوع في الأسماء، وليست في الأفعال. ومن الأفعال التي اشتملت على راء مضمومـة مسبوقة بكسـرة لازم ـة: ( يخ رُّ ون، ينتص رُ ون) وغيرها من المواضع. ج- الراء الساكنة: لا خلاف بين القراء في إخلاص تفخيم الراء الساكنة، إذا سبقتها فتحة أو ضمّة، سواء أحال بينها وبين هاتين الحركتين ساكن، أم لم يحل2، فإن كانت الراء ساكنة، وقبلها مكسور، فإما أن تكون الكسرة عارضة، نحو: (ار جعوا) من قوله تعالـى: [يوسف، 12]، فالراء هنا مفخمة، والعلة في ذلك أن صوت همزة الوصل هنا زائد ، لا يعتدّ به، وليس بلازم في كل حال، لأنه يسقط في الدرج ، ويدخل في الابتداء، فضعفت كسرته لضعفه3. 1 - الهادي شرح طيبة النشر في القراءات العشر، محيسن، 1/339، 331. 2 - جامع البيان في القراءات السبع، الداني، 1/913. 3 - شرح الهداية ، 1/139 ، 131.
عدد الصفحات ٩٤الفصل الأول -البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - التفخيم والترقيق في اللام والراء 70 أما إذا كانت كسرة المكسور قبلها لازمة ، ولم يقع بعد الراء صوت استعلاء، فإنها ترقق لجميع القراء 1، وذلك نحو: (اصبر) من قوله تعالى: [ص،16]. د-الوقف على الراء المتطرّفة: و تكون مفتوحـة، أو مضمومة، أو ساكنة: 1- الراء المفتوحة: يقف ورش على الراء المفتوحة، المكسـور ما قبلها بالترقيق ، نحو: (ليغفر) من قولـه تعالـى: 2 [الفتح، 1]. 2- الراء المضمومة: يقف ورش عل ـى الراء المضمومـة، المكسـور ما قبلها بالترقيق، نحو: (تستكثر) من قوله تعالى: [المدثر،6]3. 3- الراء الساكنة: الراء الساكنة في الوقف، تجري مجرى الراء الساكنة في الوصل، فتفخم بعد الفتحة والضمة، وترقق بعد الكسرة 4. وهكذا يتضح أن الهدف من تغليظ اللام، وترقيق الراء في رواية ورش ، هو التقريب ، بقصد التجانس، والانسجام بين الأصو ات، حتى تتناسب، وتصيـر في نمط واحد، وفي ذلك اقتصاد في الجهد، حيث إن اللسـان يعمل عملا واحدا، فينحدر عند ترقيق الراء، ليوافق سبب الترقيق، ويرتفع عند تغليظ اللام، ليوافق سبب التغليظ. 1 - الهادي شرح طيبة النشر، 1/341،و جامع البيان في القراءات السبع، 1/914. 2 - جامع البيان في القراءات السبع، 1/911. 3 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها . 4 - النشر في القراءات العشر، 1/101، و التيسير في القراءات السبع، الداني، ص47.
عدد الصفحات ٩٥الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- الإظهار والإدغام 19 المبحث الخامس- الإظهار والإدغام : الإظهار و الإدغـام ظاهر تان صوتيتان هامتان، تحدثت عنهما كتب اللغة قديما و حديثا، وحفلت بهما كتب التجويد و القراءات القرآنية . وقبل دراسة ه اتين الظاهر تين في قراءة نافع ، ينبغي الالتفات بشكل مختصر إلى جهود اللغويين والنحـاة، القدامى منهم و المحدثين، وعلماء القراءات والتجويد الذين درسوا هاتين الظاهرتين دراسة وافية مستفيضة، للإفادة من تلك الجهود في هذا البحث. أولا - الإظهار والإدغام عند علماء اللغة و علماء القراء ات: حين يتحدث العلماء عن الإظهار ، إنما يقصدون إخراج الصوت من مخرجه ، مستوفيا جميع صفاته ، بحيث ي قطع عن غيره، ويبِين عنه ، من غير أن ي سكت عليه1. وهكذا يتباعد الصوتان ، في نطق كل منهما كم ـا هو ، بكل خصائصه، دون أدنى تغير ناشئ عن التجاور. و من المصطلحات التي استعملها القدماء للإظهار:(البيان) و(التبيين) و(المبيَّن)2. وقد عدّوا الإظهـار هو الأص ـل؛ لأنـه لا يحتاج إلى سبب لوجوده ، بخلاف الإدغام، فهو بحاجة إلى ذلك السبب، لأن القصد منه التخفيف3. وبما أن الإظهار هو الأصـل، ولم يدخل لعلة معينـة، فإن العلماء لم يكثروا الكلام عنه في كتب اللغة والقراءات ، بينما ركـز وا حديثهم عن الإدغام، و أطالوا الكلام فيه؛ فتحدثوا عن أنواعه ، وأسبابه ، وفائدته، وأقسامه ... 1 - شرح الدرر اللوامع، المنتوري، 9/583. 2 - ينظر: الكتاب، 4/445، و المقتضب، 9/232 . 3 - ينظر: الكشف عن وجوه القراءات، مكي، 9/954 .
عدد الصفحات ٩٦