المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ٥ من ١٨

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 50 في لغته، ولكن هذا من أمرهم "1،وقد فسر السيرافيّ ذلك بقوله: "يريد أنّ أمر العرب في الإمالة لا يطّرد على قياس لا يخالفونه، وكذلك ترك الإمالة لا يطّرد"2. وهذا يعني أننا قد نجد بعض أفراد قبيلة يستعملون الفتح، و قبيلتهم معروفة بالإمالة، وبعضا آخر يستعمـل الإمالة، و قبيلتهم معروفة بالفتح، ولكن ينسب الفتح إلى أهل الحجاز على وجه التغليب، وكذلك الحال في الإمالة، فهي تنسب إلى بني تميم على هذا الوجه. خامسا-ما يمنع من الإمالة: يمن، من الإمالة داخل الكلمة أمران : 1-وجود أحد أصوات الاستعلاء: تمن، الإمالةَ الأصواتُ المستعلية السبعة، وهي : الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، والخاء، وذلك إذا كان صوت منها قبل الألف، مثل: قاعد، وغائب ، وخامد، وضامن، وظالم3،وكذلك إذا كان الصوت من هذه الأصوات بعد ألف، وذلك في مثل: ناقد، وعاطس ، وعاصم ، وعاض ـد، أو كان أحـد تلك الأصوات بعد الألـف بحرف، نحو : نافـخ، ونابغ، وناشط4. وقد بين سيبويهعلة ذلك فقال: "وا نما منعت هذه الحروف الإمالة، لأنها حروف مستعلية إلى الحنك الأعلى، والألف إذا خرجت من موضعها ، استعلت إلى الحنك الأعلى، فلما كانت م، هذه الحـروف مستعلية، غلبت عليها، كمـا غلبت الكسرة عليها 1 - الكتاب، 2/646. 2 - شرح كتاب سيبويه ، أبو سعيد السيرافي، ت ح: أحمد حسن مهدلي ، وعلي سيد علي، دار الكتب العلمية ، بيروت، لبنان، ط6،6242هـ، 4008 م، 2/604. 3 - الأصول في النحو، أبو بكر محمد بن سهـل بن السـراج الن حوي البغدادي ، تح: د.عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط3،6288م، 3/652،و اللم، في العربية ، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، تح: فائز فارس، دار الكتب الثقافية، الكويت، دط، دت ، ص 668. 4 - ينظر: الكتاب، 2/642.

عدد الصفحات ٦٥

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 56 في(مساجد) ونحـوها ، فلما كانت الحروف مستعلية، وكانت الألف تستعلي، وقربت من الألف، كان العمل من وجه واحد أخف عليهم"1. ومعنى كلام سيبويه أن هذه ا صوات حيـن تستعلي، تتصـل بالحنك الأعلى، فتجذب الألف إلى الفتح، وتمنعه من الإمالة2. وقد جوزوا الإمالة في الأفعال ، م، وجود الحرف المستعلي قبل الألف ، لدخول الكسرة في بعض التصريفات ، مثل الفعل (طاب)، لأنه حي ـن يتص رف م، ضمير المتكلم، تدخله الكسرة ، فيقال: (طِبت )، وذلك من باب الانسجام الصوتي3. 2- وجود الراء : تمن، الراء الإمالة بشرطين : أ-ألا تكون مكسـورة : فإن كانـت كذلك جلبت الإمالـة، وغلبت الصوت المستعلي، كإمالة الألف في نحو: (قارب ). ب-أن تتصل بالألف قبلها أو بعدها: نحو (راشد )، (جدار)4 . سادسا-الفتح والإمالة في قراءة نافع : تعتبر الإمالة من السمات البارزة في رواية ورش عن ناف،، من طريق الأزرق 5، أما قالون، فيفتح كل ما أماله ورش، إلا كلمة (هــــار) من قولـــــــــــــــــــــه تعالى: 1 - المصدر السابق، والصفحة نفسها. 2 - ينظر: كتاب أسرار العربية ، الأنباري، ص 360، وفي اللهجات العربية ، إبراهيم أنيس، ص62 . 3 - ينظر: الموضح في التجويد، عبد الوهاب بن محمد القرطبي، ت ح: غانم قدوري الحمد، دار عمّار، عمّان، ط1،1241هـ، ص466، 463. 4 - الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقراءات، عبد البدي، النيربانيدار الغوثانى، دمشق، ط6، 6242هـ، 4005م، ص981. 5 - أماالأصبهاني فقد روى سائر باب الإمالة بالفتح، إلا الهذلي، فقد انفرد عنه بتقليل الهاء والياء من فاتحة مريم ، وكذا الهاء من طه. ينظر: القول الأصدق في بيان ما خالف فيه الأصبهاني الأزرق ، نور الدين علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم المصري الملقب بالضباع، المكتبة الأزهرية للتراث ، مصر، دط، 6262هـ، 6222م، ص 45 .

عدد الصفحات ٦٦

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 54           [التوبة، 660]، فأمالـه إمالـة محضة1. ومن أبرزمظاهر الإمالة عند ورش من طريق الأزرق : 1-اعتماده التوسط (التقليل): اعتمد ورش هذا النوع من الإمال ـة في سائر ما أماله، إلا الهاء من (طه)، فقد قرأها بالإمالة الكبرى 2. وقدفضّ ل الداني هذا النوع من الإمالة، فقال : "وعلماؤنا مختلفون، أيهما أوجه وأولى ؟ وأنا أختـار الإمالة الوسطـى، التي هي بين بين، لأن الغرض من الإمالة حاصل بها"3،و قد فسر ابن القصاب ذلك بقوله: "والمقصود الإشارة إلى اللغتين 4، وحجته في ذلك أنه لم يُمِل، لئلا يخرج الحرف عن أصله، ولم يفتح لقوة الموجب، فتوسط الأمرَ في ذلك "5. 2-أخذه بأغلب الأسباب التي تنشأ عنها الإمالة: لقد ذكر العلم ـاء أن هناك أسبابا تُسوِّغ الإمالـة، وهي أسباب مجـوزة لها ، لا موجبة، على اعتبـار أن الإمالـة جائزة، ومن ثم فإنه يجـوز تفخيم كل ممال، ولا يجوز إمالة كل مفخم6،وقد اعتبرها ابن الجزري اثني عشر سببا 7، بينما اقتصر مكي على 1 - شرح الدرر اللوام، في أصل مقرأ الإمام ناف،، أبو عبد الله محمد بن عبد الملك المنتوري القيسي، تح : الصديقي سيدي فوزي ، دار الحديث الحسنية، الرباط، المغرب، ط6،6246هـ،4006م،4/226 . 2 - إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السب، ، للإمام الشاطبي، عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم أبو شامة، تح: إبراهيم عطوة عوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دط، دت، ص446. 3 - الإتقان في علوم القرآن ، السيوطي، 6/366. 4 - يقصد: أن التوسط يدل على اللهجتين؛ اللهجة التي تستعمل الفتح، واللهجة التي تستعمل الإمالة. 5 - شرح الدرر اللوام، في أصل مقرأ الإمام ناف،، 4/288. 6 - ينظر: حاشية الصبان، على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك ، 2/360، وشرح المفصل ، 2/62 . 7 - ينظر: النشر في القراء ات العشر، 4/34.

عدد الصفحات ٦٧

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 53 ثلاثة أسباب 1، غير أن ابن السراج وال عكبر ي وابن يعيش ذكروا ستة أسباب، مستخرجة من كتاب سيبويه ، وهي : أ-ما أميل من أجل الياء : مثل شيبان، وكيَّال، و بيَّاع. ب- ما أُميل من أجل كسرة قبله: مثل: سربال ، وشِملال، أَو بعده، مثل: عابد، وعالم ، ومساجد. ج - ما انقلب من ياء مثل: باع. د- ما شُبه بالمنقلب من الياء: مثل: دعا، وغزا، فالألف في هذين الفعلين ونحوهما أصلها واو، غير أنها تعود في بعض التصاريف ياء، نحو: دُ عي وغُ زي. هـ- ما يمال لأن الحرف الذي قبل الألف يكسر في صيغة (فَعَلْتُ ): وذلكَ نحو: خاف، وطاب، وهاب ، فإنه في صيغة (فعلت): خفت، وطبت، وهبت . و-الإ مالةُ لل مالة: وهي إمال ـة الألف الثانيـة لإمالة الألف الأولى2،مثل: (عمادا) في: رأي ـت عِمادا . و كل هذه الأسباب ترج ـ، إلى سببي ـن: سبب لفظي ، وسبب معنوي ؛ فاللفظي : الكسرة أو الياء، والمعنوي : الدلالة عليهما3. ولقد اعتمـد ورش من طريق الأزرق كل هذه الأسباب، إلا ما تَ ع رض فيه الكسرة أحيانا، نحـو إمالـة (جاء) و(شاء) لقولهم: (جئت) و(شئت)، فإن ورشا لم يمل ذلك، كما لم يمل الألف؛ لكسر ما قبلها نحو: (ضعافا)4. 1 - الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، 6/620. 2 - ينظر: الأصول في النحو، ابن السراج، 3/650، واللباب في علل البناء والإعراب ، العكبري، 4/264، وشرح المفصل، ابن يعيش، 2/66. 3 - النشر في القراءات العشر، 4/34، وحاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك ، 2/360. 4 - الفجر الساط،، والضياء اللام، في شرح الدرر اللوام، ، عبد الرحمن بن القاضي، 3/626، وشرح الدرر اللوام، في أصل مقرأ الإمام ناف،، المنتوري، 6/266 .

عدد الصفحات ٦٨

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 52 سابعا-الأفعال الممالة في رواية ورش: تدخل الإمالة كلاا من الاسم والفعل؛ و لما كان هذا البحث مقتصرا على دراسة الفعل فقط، فسيتم الحديث عن الإمالة التي تدخل الأفعال، وذلك كما يلي: 6-افعال التي تحوي ألفا أصلها ياء، أو ألفا متطرفة منقلبة عن واو: من الأفعـال التي أص ـل ألفها ياء : (سعى، أتى، أبى، اشترى، رمى، يتوارى، استعلى، يخشى)، فهذه الأفعال تمال ألفها عند ورش ، من طريق الأزرق ، في أي موض، وُ جدت؛ للدلالة على الأصل اليائي ، و من الأفعال التي أصل ألف ـها واو : (سجى، ودحيها، وتليها)1؛ يقول سيبويه: "ومما يميلون ألفه، كلُّ شيء من بنات الياء والواو ، كانت عينهُ مفتوحة"2،ثم علل لذلك، فبين أن ما كان من بنات الياء، فإن ألفه تُمال، لأنها في موض، ياء، وبدل منها، فَنَحو ا نحوها، وأما بنات الواو ، فأمالوا ألفها، لغلبة الياء على لام الكلمة، فالكلمة من هذا القبيل إذا جاوزت ثلاثة أحرف ، قلبت ياء، نحو: (معديّ )، التي أميلت، لتمكُّ ن الياء في بنات الواو ، وهي أخف عليهم من الواو ، فنحوا نحوها 3. ويوضح المبرد ذلك بقوله : "واعلم أ نّ الألف إذا ك انت منقلبة من ياء في اسم أو فعل، فإمالتها حسنة، وأحسن ذلك أن تكون في موض، اللام... وذلك قولك: (رمى ، سعى، قضى)؛ وذلك لأن الألف ه ي التي يوقف عليها ، والإمالة أبين ، وهي التي تنتقل على الثلاثة، فتكون رابع ة، وخامسة، وأكثر ، فإذا كانت كذلك، رجعت ذوا ت الواو إلى الياء ، نحو: مغ زيان، ومل هَيَان"4. 1 - شرح النظم الجام، لقراءة الإمام ناف،، عبد الفتاح بن عبد الغني بن محمد القاضي، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة ، دط، دت، ص 64 ،63. 2 - الكتاب،2/668. 3 - نفسـه، 2/662. 4 - المقتضب، 3/23.

عدد الصفحات ٦٩

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 56 فدلالة الإمالة في هذه المواض،، هي بيان أن أصـل الألف الياء، أو أن أصله الواوي صار في حكم الياء، لأن هذه الياء قد تظهر في ما أكثر من الثلاثي، فيقال مثلا في دعا: ادعيت، أو عند بنائها للمفعول، فيقال : دُعيَ 1. 2- الفعل(رأى ) : قلل ورش صوتـي الفعل (رأى )، وهما الراء والهمزة ، إن وقعا قبـل حرف متحـرك، نحـو:            [الأنعام، 22]، أو ضميرا ؛ سواء أكان ضمير مخاطب، نحو:           [الأنبياء، 32]، أم ضمير غائب، نحو:          [النمل، 60]، فإن وقعا قبل ساكن، نحو:          [الأنعام، 28] فتحهما وصلا، وقللهما وقفا، فإن وق، بعدهما ساكن لازم ، نحو:          [النمل، 26] ،فتحهما وصلا ووقفا2. ويلاحظ هنا ، أن إمالة فتحة الراء ، تبعت إمالة فتحة الهمزة ، التي أميلت لإمالة الألف، وهذا م ا يعرف با لإمالة للإمالة3، وال هدف من إمالـة فتحة الراء والهمزة جميعا – كما قال الداني-: "ليكون العلاج بهذه الكلم من جهة واحدة ، طلبا للخفة"4،فالهدف إذن هو التخفيف، الذي يحصل بسبب التجانس5 . 3- الألفات المنقلبة عن الياء في رؤوس الآي: يقلل ورش الألفات المنقلبة عن الياء، بغير خلاف عنه، إذا وقعت في رءوس الآي، وأواخرها ، في السور الإحدى 1 - ينظر: الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، 6/628، 686،و الإمالة في القراءات واللهجات ، عبد الفتاح إسماعيل شلبي، ص425. 2 - شرح النظم الجام، لقراءة الإمام ناف،، عبد الفتاح القاضي، ص62 . 3 - شرح الدرر اللوام، ، 6/265. 4 - نفسه، 6/262. 5 - ينظر: شرح شافية ابن الحاجب، 3/63 ، و الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، 6/626.

عدد الصفحات ٧٠

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 55 عشرة التالية: النجم، والمعارج ، و الضحى، و طه، و القيامة، و عبس، والنازعات، والشمس، والأعلى، والليل، والعلق؛ سواء أكانت يائية أم واوية، ومن أمثلة ما انقلبت ألفها عن ياء: ( يرضى، يخشى)، ومما انقلبت ألفه عن واو: (سجى)1. وقد قيل في هذه الألفاتالمنقلبة عن الواو : إن معظمها رسم بالياء ، للدلالة بها على مذهب من يميل، فالرسم د ال على الإمالة2. والحقيقة أن هناك سببا آخر لإمالة بعض ما أصل ألفه واو، في رؤوس آي السور المذكورة ، و هو الانسجام الصوتي؛ إذ إن رؤوس الآي ب منزلة القوافي ، وهي مواض، وقف، والوقف موض ـ، تغيير، والإمال ـة وما قاربها تغيير ، كالإشمام3، والروم 4،ولذلك غُ يِّ ـرت رؤوس الآ ي، فنُحِ ي بها نح ـو الياء ، لأنـها مواض، وقف5.، وقدبين ابن الحاجب أن الفتحة تمال في كلمة، لإمالة مثل تلك الفتحة في نظير تلك الكلمة في الفواصل، فكلمة (الضحى)، أميلت لتزاوج (قلى)، وسهّ ل ذلك كونها في أواخر الكلام، ومواض، الوقف6 . وهكذا فإن ا مالة كانت من السمات ا لمميزة لرواية ورش عن ناف،، من طريق الأزرق ، وقد اعتمد التقليل بوجه عام، وهو نو ع وسط بين الإمالة الكبرى والفتح ، ولعله أراد بذلك أن ينأى بنفسه عن إنكار جم، من علماء اللغة الإفراط في الإمالة ، 1 - شرح النظم الجام، لقراءة الإمام ناف،، عبد الفتاح القاضي، ص 68 . 2 - الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، 6/623 3- الإشمام: هو الإشارة إلى الحركة من غير تصويت، أي هو ضم الشفتين من غير صوت، بعد النطق بالحرف الأخير ساكنا، إشارة إلى الضم، ولا بدّ من إبقاء فرجة بين الشفتين، لإخراج النفَس، وضم الشفتين للإشمام يكون عقب سكون الحرف الأخير، من غير تراخ، فإن وق، التراخى ، فهو إسكان محض، لا إشمام معه. ينظر: النشر في القراءات العشر، 4/646. 4 - الروم: هو الإتيان ببعض الحركة ، أو هو عبارة عن النطق بالحركة بصوت خفي، يدرك معرفته الأعمى بحاسة سمعه، ويسمعه القريب دون البعيد، ويستعمل في الحركات الثلاث . ينظر: المصدر نفسه، والصفحة نفسها. 5 - ينظر: الحجة للقراء السبعة، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسيّ، تح: بدر الدين قهوجي، بشير جويجابي، دار المأمون للتراث ، دمشق، بيروت، ط4، 6263 هـ، 6223م، 6 /206 و5 /206. 6 - ينظر: شرح شافية ابن الحاجب، الرضي الإستراباذي، 3/63،62.

عدد الصفحات ٧١

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثاني- الفتح والإمالة 52 حيثأنكروا شيئا من قراءة الكوفيين، كقراءة حمزة والكسائي1، غير أنه لم يشأ في الوقت نفسه أن يهملها تماما؛ لدلالتها على أصل الأصوات من ناحية، ولأن ها تعمل على الانسجام بين الأصوات من ناحية أخرى ، مما يساهم في تسهيل إخراج الألفاظ، ومن ثم في الاقتصاد في الجهد. 1 -ينظر: القول المعتبر، في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور، إياس محمد حرب آل خطاب، مطاب، برنتك للطباعة والتغليف، الخرط ـوم، السودان، ط6، 4066م، ص20.

عدد الصفحات ٧٢

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 86 المبحث الثالث- المد والقصر: إن للمد خصوصية واضحة، فلقد ارتبط بالقرآن وقراءاته ، وقلّ استعماله في الشعر وكلام العرب ، ومن ثم فإن الباحث في هذا الموضوع لن يجد في كتب اللغة ما يشفي الغليل؛ فعلماء اللغة القدامى درسوا الم ـد كظاهرة عام ـة، غير أن علماء القراء ات والتجويـد هم مـن ركّ زوا في دراسة هذا الموضوع ، وفصّ لوا فيه القول ، وبحثوا عن أسبابه، ومقادير ه، وغيرها من الأحكام التي تتعلق به. و قبل الحديث عن المد في قراءة نافع، ينبغي بيان بعض الأحكام الخاصة به، والتي تساعدنا في معالجة هذا الموضوع . أولا - أصوت المد : أصوات المد نوعان : 1-أصوات المد واللين: وهي ثلاثة؛ الواو الساكنة، بشرط ضم ما قبلها، والياء الساكنة، بشرط كسر ما قبلها، والألف، ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، ويجمعها لفظ (واي)، ويجمع أمثلتها لفظ (نُوحِيها)1. ويحدث المد في هذه الأ صوات عند ملاصقتهن لهمزة أو ساكن 2، نحو : ( جاء)، حيثما وقعت، و (محياي )، من قولـه تعالـى :             [الأنعام، 461]،وقد بين المهدوي أهليـة هذه الأصوات للمد دون غيرها ، لكون الحركات مأخوذة منها، فامتداد الصـوت بها ممكـن، 1 - العميد في علم التجويد، محم ـود بن علي بسّة المصري، تح : محمد الصادق قمح ـاوي، دار العقيد ة، الإسكندرية، ط 4،4141هـ،4001م، ص38. 2 - كتاب الكشف عن وجوه القراءات وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، 4/11 .

عدد الصفحات ٧٣

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 86 ويسـوغ فيه التطويـل، والتوسط، والتقصير، ولا يسوغ ذلك في شيء من الأصوات سواهن1. 2-صوتا اللين: وهما الياء الساكنة التي قبلها فتحة، والواو الساكنة التي قبلها فتحة، وقد سمّ يتا بذلك، لأنهما تخرجان في لين، وقلة كلفة على اللسان2،غير أن المد فيهما أنقص من المد في أصوات المد واللين، وذلك لتغيّر حركة ما قبلهما عن جنسهما3. ثانيا-طول صوت المد: يمكن للمد أن يستمر مدة طويلة، مادام يحدث بسبب استمرار الهواء في الخروج من الفم بشكل حر، حال اتخاذ اللسان والشفتين وضعا خاصا. وأكثر اللغات تميز بين طوليـن لصوت المد؛ صوت مد قصير، وصوت مد طويل، ثم تغض ال طرف عن الاختلافات الأخرى في الطول ، وذلك لأنه قد يكون من الصعب على الأذن العادية أن تميز بين درجتين من الطول في السياق الصوتي ، والاختلاف في الطول يرجع إلى الاختلاف في المدة الزمنية التي يستمر صوت المد فيها في النطق4. فالطول والقصر مرتبط ان بمدى سرع ـة الأداء ، ومن الطبيعي أن يقـل طول الأصوات عندما تزيد سرعة الأداء، وأن يزيد طول الأصوات القصيرة عندما تقل السرعة ، ومع ذلك فلا بد من الاحتفاظ بالفرق بين الأصوات الطويلة والقصيرة، مهما زادت السرعة أو قلّ ت. 1 - شرح الهداية، أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ، تح: حازم سعيد حيدر، مكتبة الرشد، الرياض، دط، 4141هـ، 4/80 . 2 - التمهيد في علم التجويد، ابن الجز ري، ص24 . 3 -الكنز في القراءات العشر، عبد الله بن عبد المؤمن بن الوجيه تاج الدين ، تح: خالد المشهداني، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط 4،4141هـ، 4001 م، 4/470 . 4 - في الأصوات اللغوية، دراسة في أصوات المد العربية ، غالب فاضل المطلبي، وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الشؤون الثقافية والنشر، بغداد، العراق، دط، 4231م، ص83،82 .

عدد الصفحات ٧٤

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 07 ولقدتمكن علماء التجويد من ضبط طول المد في القرآن الكريم ضبطا واضحا، جعلهم يفرقون بين أزمنته المختلفة ب شكل دقيق جدا، معتمدين على معايير معينة، تحدد زمن المد ؛ فجعلوا زمن ا لقصر مقدار حركتين ، وجعلوا زمن المد بمقادير مختلفة، أكثر من الحركتين ، على حسـب حاله1،لأن طول المد يز داد بمجاورة أصوات معينة2. وقد حاولهؤلاء العلماء ضبط طول المد في أحواله المختلفة ، وأعطوا لكل حالة اسما يعبر عنها، مع بيان مقدار المد فيها، كما يلي: 1-القصــــر: ومقداره حركتا ن، أي: ألف، وهو زمن النطق بصوتين: (ق، ق) أو (قا). 2- فويق القصر: ومقداره ثلاث حركات ، أي: ألف ونصف، وهو زمن النطق بثلاثة أصوات، نحو: (ضرب ). 3- التوســـط: ومقداره أربع حركات ، أي: ألِ فان، وهو زمن النطق بأربعة أصوات، نحو: (نصره ) أو (قالا). 4- فويق التوسط: ومقداره خمس حركات ، أي: ألفان ونصف، وهو زمن النطق بخمسة أصوات، نحو: (نصرهم ) أو (ناداه). 5-الطول أو الإشباع: ومقداره ست حركات ، أي: ثلاث ألفات، وهو زمن النطق بستة أصوات، نحو: (نوحيها) أو (أوذينا)3. 1 - العميدفي علم التجويد، محمود بن علي بسّة، ص34 . 2 - التحديد في الإتقان والتجويد، الداني، ص 400 . 3 - الميزان في أحكام تجويد القرآن ، فريال زكريا العبد، دار الإيمان، القاهرة . دط، دت، ص 186 .

عدد الصفحات ٧٥

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 01 ثالثا-مراتب المد: لقد رتب علماء التجويد المدود بحسب قوتها، وأعطوا كل نوع منها اسما، وذلك كما يلي: 1-المداللازم: وهو أقوى المدود جميعا، لأصالة سببه، وهو السكون، وصلا ووقفا، واجتماعـه معه في كلمـة أو حرف ، ولِ لُ زوم مده حالة واحدة، وهي ست حركات 1. 2-المد المتصل: وهو في المرتبة الثانية، لأصـالة سببه وهو الهمز، واجتماعه معه في كلمة واحدة، غير أنه مختلف في مقدار مده2 . 3-المدالعارض للسكون: وهو في المرتبة الثالثة، لاجتماعه مع سببه، وهو السكون في كلمة واحدة، غير أن السكون عارض ومختلف في مقدار مده3. 4-المدالمنفصل: وهو في المرتبة الرابعة ، لانفصال سببه عنه، وهو الهمز، والاختلاف في مقدار مده4. 5-مد البدل: وهو في المرتبة الأخيرة ، لأن المدود السابقة جميعا يقع سببها بعدها، بينما يتقدم سبب البدل عليه، ولأن المدود السابقة كلها أصلية، ولم تبدل من شيء آخر، بخلاف مد البدل، فإنه مبدل من همز5. 1 - معجم علوم القرآن، الجرمي، ص 856 2 - غاية المريد في علم التجويد، ص 118. 3 - العميدفي علم التجويد، ص 68. 4 - غاية المريد في علم التجويد، عطية قابل نصر، ص 118. 5 - العميدفي علم التجويد، ص 36 .

عدد الصفحات ٧٦

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 08 رابعا - أحكام المد: للمد ثلاثة أحكام، هي: الوجوب، والجواز، واللزوم، وباعتبار ذلك، فإن المد ينقسم ثلاثة أقسام؛ فأما الوجوب: فهو خاص بالمتصل، وأما الجواز: فهو خاص بالمنفصل، والعارض للسكون والبدل، وأما اللزوم: فهو خاص باللازم، وا نما كان المتصل واجبا، لوجوب مده زيادة عن الطبيعي اتفاقا، وكان المنفصل والعارض للسكون جائزين : لجواز مدهما وقصرهما ، وكان البدل جائزا : لجواز مده وقصره عند ورش فقط1. خامسا- وظيفة أصوات المد : إن أصوات المد تؤدي دورا أساسيا في عملية النطق، كونها تملك قوة إسماع عالية جدا، تفوق قوة إسماع الصوامت بكثير، كما أنها تمكن جهاز النطق من الانتقال من وضع صوت صامت، إلى الذي يليه، وبهذا صارت أصوات المد وسيلة لربط سلسلة من الصوامت في أثناء الكلام، وهذا يعني أن أصوات المد على غاية من الأهمية، فهي تقوم بتجميع الصوامت بعضها مع بعض، لتأليف الكلام، كما تقوم بإعطائها قوة على الإسماع2 . سادسا -المد والقصر في الأفعال في قراءة نافع : ينقسم المد عند علماء التجويد قسمين: أصلي وفرعي . 1-المد الأصلي: وهو ما لا تقوم ذات الحرف من دونه، وليس بعده همز ولا سكون، ومقداره حركتان، وسمي أصليا: لأصالته، نظرا لثبوت مقدار مده، وهو حركتان على حالة 1 - الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم ، أحمد محمود عبد السميع الحفيان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط4، 4144 هـ،4000 م، ص 11، والعميدفي علم التجويد، محمود بسّة، ص31. 2 - ينظر: في الأصوات اللغوية، دراسة في أصوات المد العربية، غالب فاضل المطلبي ، ص11،13.

عدد الصفحات ٧٧

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 07 واحدة دائما، باتفاق جميع القراء 1، و سمى طبيعيا أيضا، لأن صاحب الطبيعة السليمة لا ينقصه عن مقداره ، ولا يزيده عليه2. 2-المد الفرعي : سمى هذا النوع من المد فرعيا، لتفرعه من الأصلي، نظرا لتفاوت مقادير المد في أنواعه المختلفة، بما قد يزي ـد عن الأصلـي، ولتوقفـه على سبب، كهمز أو سكون3. وقدر صد العلماء أسبابا متنوعة للمد؛ فقد لاحظوا أن أصوات المد قد تطول في بعض السياقات الكلامية ، وتقصر في أُخرى، فأحصوا ذلك، وبينوا أن له سببين لفظيين، هما : الهمزة والسكون، وقد تحدّ ث ا بن جني عن هذين السببين ، فبين أن أصوات المد هي : الألف، والياء ، والواو، فقال : "ألا ترى أن الألف، والياء ، والواو اللواتي هن أصوات توامّ كوامل، قد تجدهن في بعض الأحوال أطول وأتم منهن في بعض، وذلك قولك: يخاف، وينام، ويسير، ويطير، ويقوم، ويسوم، فتجد فيهن امتدادا واستطالة ما"4. ثم يوضح أن الزيادة في طول هذه الأصوات فوق هذا الحد تعود لسببين : وقوع الهمزة بعدها، أو الحرف المدغم ، فيقول: " فإذا أوقعت بعدهن الهمزة ، أو الحرف المدغم، ازددن طولا وامتدادا"5 . وأنواع المد الفرعي خمسة: المتصل، والمنفصل ، والعارض ، والبدل ، واللازم 6، وتفصيل هذه الأنواع في قراءة نافع ك ما يلي:- 1 - مدخل في علوم القراءات، السيد رزق الطويل، ص165 . 2 - ينظر: العميد في علم التجويد، محمود بن علي بسّة، ص38، و الموسوعة القرآنية المتخصصة ، مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر، 4148 هـ،4004م،4/824. 3 - الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم، الحفيان، ص 18. 4 - سر صناعة الإعراب، 4/47 . 5 - نفسه، 4/47،43 . 6 - الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم، ص 18.

عدد الصفحات ٧٨

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 07 1-المد المتصل: وهو أن يقع الهمـز بعد حـرف المد في كلمـة واحـدة، وسمي متصلا، لاتصال المد بسببـه، وهو الهـمز في كلمة واحدة1، وله مرتبتان : أ- مرتبة طولـى: بمقدار ثلاث ألفات، أي بقدر ست حركات لورش ؛ فهو أطول القراء مدّا في هذا النوع2، وذلكنحـو: ()، من قولـه تعالـى مثلا:             [الأنعام، 64]، و()، مـن قوله تعالى:         [النور، 81]، و ()، من قوله تعالـى :             [القصص، 76]. ب- مرتبة وسطى : بمقدار ألفين، أي بقدر أربع حركات لقالون3. 2-المد المنفصل: و هو المد الذي انفصل سببه عن شرطه، وذلك بأن يقع حرف المد آخر كلمة، والهمـزة أول كلمـة أخرى 4، نحو: (  )، من قوله تعالى:            [البقــرة، 8]، و( )، من قوله تعالـى:                 [البقـرة، 481]، و( )، من قوله تعالى:            [آل عمران، 71]، 1 - العميدفي علم التجويد، محمود بسّة ، ص33. 2 - الوافي في كيفية ترتيل القرآن الكريم ، الحفيان، ص 11. 3 - معجم علوم القرآن ، الجرمي، ص 464. 4 - نفسه، ص 468 .

عدد الصفحات ٧٩

الفصل الأول- البنية الصوتية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- المد والقصر 05 ولقالـون في هذا الن وع: القصر والتوسط، وقيـل: إنه يمد المنفصـل بمقدار ثلاث حركات ، وله وجه آخر، وهو القصر، أما ورش ، فله الإشبـاع بمقدار ست حركات 1. ووجه المد في كل من المتصل والمنفصل : أن صوت المد ضعيف خفي، والهمز قوي جلد، فزيد في طول المـد، تقوية لضعف صوتـه، أو للتمكـن من النطق بالهمزة 2، وقد عزا ابن الباذش لبعض شيوخه : أن الزيادة في المد اختيار من ورش ، خالف فيه نافعا وقالون عنه3. وحجة من قصر المدّ في المنفصل، أن الهمزة ليست مع صوت المد واللين في كلمة واحدة، ومن ثم فهي تنفصل منه في الوقف، و بذلك أُ مِ ن خفاء صوت المد واللين مع الهمزة 4. وا نما جرى القراء في المد على طريقة العرب في الإدغام، فالعرب اجتمعت على الإدغام فيما كان من كلمة، نحو: "قدّ ، ومدّ ، واحمرّ ، ولم تجتمع في المنفصل نحو: جَعَلَ لَكَ 5. 3-المد العارض للسكون: وهو ما جاء فيه بعد حرف المد، أو حرف اللين سكون عارض ، في حالة الوقف فقط، مثل: (العالمين، نستعين، بيت، خوف، مآب)، وسمي عارض ا، لعروض المد بعروض السكون6،وهذا النوع يجوز مده وقصره ، والمراد بالمد: ما يشمل التوسط، وما وما فوقه، والتوسط أربع، والمد ست حركات، والقصر حركتان 7. 1 - ينظر: معجم علوم القر آن، الجرمي، ص464 ،و الوافي في شرح الشاطبية ، عبد الفتاح القاضي، ص71. 2 - معجم علوم القرآن، الجرمي، 464. 3 - الإقناع في القراءات السبع، ص801 . 4 - ينظر: العميد في علم التجويد، محمود بن علي بسّة، ص36. 5 - الإقناع في القراءات السبع، ص 480 . 6 - مدخل في علوم القراءات ، السيد رزق الطويل، ص 438. 7 - نفسه، ص 436.

عدد الصفحات ٨٠