المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ٣ من ١٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 72 أما طريقة العرض عليه ، فتمتاز بالمرونة التامة، فقد كان يتقبل بصدر رحب لهجة الراوي ، وروايته، ما التزم ـت الفصاحة المطلوبـة في القراءة، وما وافقت النقل الصحيح، ومن أجل ذلك لم يكن يردّ قراءة لغيره من القراء ، أو يتعصب لاختياره، بل كان يسهّ ل القرآن لمن قرأ عليه، إلا أن يقول له أحد: أريد قراءتك 1 . وهذا ما جعل معلّى بن دحية يتعجب من ذلك، حين قدم عليه من مصر، فوجده يقرئ الناس بجميع القراءات ؛ قال :"سافرت ب كتاب الليث إلى نافع لأقرأ عليـه ، فوجدتـه يقرئ الناس بجميع القراء ات، فقلت له : يا أبا رؤيم ما هذا ؟ فقال لي : سبحـان الله، أأ حرَم ثواب القـرآن؟ أنا أ قرئ الناس بجميع القراءات ، حتى إذا كان من يريد حرفي ، أقرأته به "2 . وهذا يدل على أن منهج نافع مع الع ارضين عليه كان يقوم على التيسير ، فقد كان يترك ال قارئ يقرأ بما اعتاد القراءة به ، إن كان الوجه الذي يقرأ به صحيحا من حيث النقل، فصيحا من حيث اللغة، لا يخالف رسم المصحف ، حتى لو خالفت هذه القراءة اختياره . ولعل هذا هو السبب في اختلاف الرواة عنه ؛ فقد اختلف كل من ورش وقالون في أكثر من ثلاثة آلاف حرف ، من قط ع، وهمز ، وتخفيف، وا دغام ، وشبهه، ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه، ولا نقلها أحد عن نافع غيره ، لأن ورشا قرأ عليه بما تعلّ م في بلده، فوافق ذلك رواية قرأها نافع على بعض أئمته، فترك ـه على ذلك، وكذلـك ما قرأ علي ـه قالـون وغي ـره، وكذلك الجواب عن اختلاف الرواة عن جميع القراء 3، وهذا يعني أن الرواة عن نافع قسمان : - قسم يقرأ عليه بما يخالف اختياره ، ولكنها قراءة صحيحة عنده ، فيقرّه عليها، فتكون رواية على سبيل الإقرار . 1 - غاية النهاية في طبقات القراء ، 7/999 . 2 - معرفة القراء الكبار، ص 31 . 3 - الإبانة عن معاني القراءات، مكي بن أبي طالب، ص 21،21.

عدد الصفحات ٣٣

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 73 - وقسم يقرأ عليه بما يوافق اختياره ، فتكون رواية على سبيل الاختيار. وما دام الحديث قد جرى عن الاختيار، فمن المناسب بيان معناه، وحقيقته، و توضيح الأسس، والركائز التي اعتمدها نافع في اختياره . 11- الاختيار وركائزه عند نافع : الاختيار: هو أن يعمد من كان أهلا له إلى القراءات المروية ، فيختار ما هو الراجح عند ه، ويجرد من ذلك طريقا في القراءة على حدة1؛ ذلك أن كل إمام قد وصل إليه عبر شيوخ ه عدد من أوجه القراءة ، بالسند الصحيح إلى رسول الله ، فقام هو بالانتقاء، وفق طريقة خاصة به ، فصار هذا الاختيار منسوبا إليه2. وأما سبب ظهوره عند الأئمة، ف إن عثمان  لما كتب المصاحف، وجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها ، فقرأ أهل كل مصر ب ما يوافق خط مصحفهم، وتركوا ما يخالفه ، فاختلفت قراءة أهل الأمصار ، لهذا السبب، ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، حتى وصل النقل إلى الأئمة3، فكان كل واحد منهم يقوم باختيار وجه يرجحه ، فينسب إليه. وقد بين القرطب ـي هذه الحقيقـة قائلا: "وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء ؛ وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعلم وجهه من الق راءات ما هو الأحسن عنده والأولى ، فالتزمه طريقة ، ورواه ، وأقرأ به ، واشتهر عنه ، وعرف به ، 1 - كتاب التبيان، لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريق الإتقان، طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري، مطبعة المنار، مصر، ط1،1991 هـ، ص30 . 2 - الاختيار عند القراء، مفهومه، مراحله، وأثره في القراءات ، أمين بن إدريس بن عبد الله فلاته ، ماجست ير مخطوطة، إشراف : محمد ولد سيدي ولد حبيب، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1170 هـ، ص19 . 3 - ينظر: الإبانة عن معاني القراءات ، مكي بن أبي طالب، ص13 .

عدد الصفحات ٣٤

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 90 ونسب إليه"1. ويزيد ابن الجزري ذا ك إيضاحا فيقول : " ونعتقد أن معنى إضافة كل حرف من حروف الاختلاف إلى من أضيف إليه من الصحابة وغيرهم ، إنما هو من حيث إنه كان أضبطَ له، وأكثر قراءة وا قراء به ، وملازمة له ، وميلا إليه، لا غير ذلك، وكذلك إضافة الحروف وال قراءات إلى أئمة القراءة ورواتهم ، المراد بها أن ذلك القارئ ، وذلك الإمام، اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة ، حسب ما قرأ به ، فآثره على غيره ، وداوم عليه ، ولزمه ، حتى اشتهر ، وعرف به ، وق صد فيه ، وأ خذ عنه ، فلذ لك أضيف إليه، دون غيره من القراء، وهذه إضافة اختيار ، ودوام ، ولزوم، لا إضافة اختراع ، ورأي ، واجتهاد "2. ومن الجدير ذكره ، أن اجتهاد القارئ في اختيار أحد وجوه ال قراءات ، لا يؤثر على تواتر قراءته ، لأنه اختارها من بين عدة وجوه ، كلها متواتر 3، قال نافع : " قرأت على هؤلاء ، فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم ، فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته ، حتى أّ لفت هذه القراءة "4، مع العلم أن قراءة هؤلاء قراءة صحيحة، ولكنه الاختيار ، فقد كان يأخـذ من قراءة بعض شيوخ ـه ويترك ، كما قال :"تركت من قراءة أبي جعفـر سبعين حرفا "5. ولهذا فقد روي عن كل واحد من القراء السبعة اختياران وأكثر ، ولم يعرف عن أحد منهم أن ه كان يتعصب لاختياره ، و لم يمنع واحد منهم حرف الآخر ، ولا أنكره ، بل سوّ غه وحسّ نه6 . والآن وبعد أن اتضح معنى الاختيار ، ينبغي بيان الأسس التي اعتمدها نافع في اختياره، و أهمها: 1 - الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصا ري القرطبي، ت ح: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، ا لمملكة العربية السعودية، دط، 1179هـ، 7009 م،1/11. 2 - النشر في القراءات العشر، 1/17 . 3 - المصدر نفسه، 1/11 . 4 - معرفة القراء الكبار، ص 11. 5 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها . 6 - الإبانة عن معاني القراءات، مكي بن أبي طالب، ص29، و البرهان في علوم القرآن ، 1/777 .

عدد الصفحات ٣٥

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 91 أ-اعتماده النق ـل وبع ـده عن القي ـاس: إن النظر في الأسانيد لمعرفة الأوثق والأضبط، أمر عرف به أهل الحديث ، غير أن الأمر ذاته موجود عند القراء؛ إذ إن الشرط الأ ساسي لقبول القراءة هو صحة السند ، وأمارة ذلك: أن يروي القراءة العدل الضابط عن مثله، حتى تنتهي1. وقد كان نافع يعجب ممن يتبع القياس في القرآن ؛ قال الأصمعي:"سمعت نافعا يقرأ :   ،[الأنعـام، 17]، فقلت لـه: إن أبا عمرو يقرأ : (يقـضِ الحق)، ويقول: (القضاء مع الفصل)، فقال نافع: وي! يا أهل العراق ، تقيسون في القرآن؟ "2. ولهذالم يخرج الأ ئمة القراء في اختياراتهم عما نقلوه عن شيوخهم ، من صحيح القراءة، بل ورد القول عن عدد منهم، كنافع وأبي عمرو: "لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت، لقرأت حرف كذا كذا، وحرف كذا كذا "3، وقد ورد عن نافع قوله أيضا: "والله ما قرأت حرفا إلا بأثر "4. ولا شك أن تتبع نافع الأسانيد وتفحصها ، أوصله إلى معرفة الرجال الذين نقلوا الحروف، ومن ثم معرفة درجة ثقتهم وضبطهم ؛ فقد كان يأتي أبا جعفر فيقول: "يا أبا جعفر، ممن أخذت حرف كذا وكذا ؟ فيقول: من رجل قاريء من مروان بن الحكم ، ثم يقول له : ممن أخذت حرف كذا وكذا ؟ فيقول: من رجل قاريء من الحجاج بن يوسف"5. وهذا التفحص في الأسانيد ، هو الذي أدى به إلى ترك حروف كثيرة ، مما وجده عند بعض شيوخه ، كما سبق الحديث عن ذلك. 1 - النشر في القراءات العشر، 1/19. 2- ينظر: جمال القراء وكمال الإقراء ، علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري علم الدين السخاوي ، تح: عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1، 1416هـ، 1666م، 2/511. 3 - النشر في القراءات العشر ،1/17، والسبعة في القراءات، ص 12. 4 - الكامل في القراءات العشر، والأربعين الزائدة عليها، ص 11 . 5 - معرفة القراء الكبار، ص 11.

عدد الصفحات ٣٦

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 97 ب- التزامه موافقة المصحف : الثابت أن موافقة المصحف ركن أساسي من أركان قب ـول القراءة؛ إذ القراءة الصحيح ـة هي ما وافقت العربي ـة، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها1. ومن حرص نافع على موافقة المصحف ، أنه كان يثبت الياءات الزوائد، في اللفظ دون الخط، احتراما للرسم ؛ فقد روى ابن مجاهد بسنده عن الأصمعي ، قال:"سمعت نافعا يقرأ ""2 بياء، فقلت لنافع: هكذا كتابها؟ فقال: لا"3، وهذا الخلاف اليسير للمصحف مغتفر؛ لأنه ي رجـع إلى معنى واحد ، وت مشِ يه صحة القراءة وشهرتها ، وتلقّ يها بالقبول، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة، لا يسوغ مخالفة الرسم فيه ، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخ الفته4. ج- تحريه الفصاحة في الوجه المختار: لقد حظيت قراء ة نافع بمكانة رفيعة بين العلماء، حتى إنهم عدّ وها مع قراءة عاصم من أصح القراءات سندا ، وأفصحها في العربية 5 . وا ذا أضيف إلى هذا مدى ما حظي به بعض شيوخ نافع وتلامذته من سبق في العربية، ورسوخ قدم فيها، تبين مدى ما أتيح له من حظ وافر في ذلك؛ فقد كان شيخه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أول من وضع العربية بالمدينة6، وكان من أعلم 1 - النشر في القراءات العشر، 1/9. 2 - وهي من قوله تعالىفي سورة الحج، آية 71:       . 3 - السبعة في القراءات، 134. 4 - النشر في القراءات العشر، 1/13. 5 - فتح الباري ، شرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني، دار المعرفة ، بيروت، دط، 1319هـ،9/30. 6 - ينظر: معرفة القراء الكبار، ص11 .

عدد الصفحات ٣٧

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 99 الناس بالنحو1، وكذلك شيخه مسلـم بن جندب، أفصح القراء ، ويعد من النحويين2، وقد كان الأصمعي أحد تلامذته، فقد لازم ـه، و روى عنه 3. ومما هو مؤكد أن ملازمة نافع كبار فصحاء زمانه ، من بعض أساتذته، أو من بعض تلاميذه ، يدفعه حتما إلى مزيد من أخذ الحيطة والحذر في التزام أفصح الوجوه، وأسيَ رها في الل غة، وأجدرها بالقبول في القراءة ، ومن كان هذا شأنه، لابد أن تجيء اختيارات ـه في القراءة والأداء جار يـة على مذاهب الفصحـاء من الحجازيين ، سائرة على المشهور المألوف من أساليب العرب في الاستعمال 4 . د- اعتماده المعنى في الاختيار : لقد كان نافع يبني اختياره على المعنى الذي يترجح عنده ، أو يستيقن أنه الأنسب لهذا الموضع؛ فقد ورد أنه سأل مسلم بن جندب عن الآية:       [المعارج ، 19]، فقال: "إلى غاية"، فسأله عن:    ،[القصص،91]، فقال: "الردء : الزيادة "5. وقد قرئت كلمة (ن ص ب) بضم النون والصاد، وقرأها نافع : بفتح النون وا سكان الصاد (نَصْب)؛ قال ابن خالوي ـه: " فالحجة ل من قرأه بضمتين ، أنه أراد جمع 1- طبقاتالنحويين واللغويين، أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي، تح : محمد أبو الفضل إبراهيم، د ار المعارف، مصر، ط0، 1991م، ص04 . 2 - إنباه الرواة على أنباه النحاة، القفطي، 3/041 . 3 - معرفة القراء الكبار، ص46 . 4 - ينظر: قراءة الإمام نافع عند المغاربة، عبد الهادي حميتو، مطبعة إليت، سلا، المغرب، ط 1،1101 هـ، 0223م،1/391 ،390 . 5 - معرفة القراء الكبار، ص14 .

عدد الصفحات ٣٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 91 (نَصْ ب)، والحجـة لمن فتح وأسك ـن، أنه جعله ما نص ـب لهم كالعلَ م، أو الغاية المطلوبة"1 . أما (ردا )، فقد قال نافـع: " من قرأ (ردءا ) بالهمـز، أراد : عونـا، ومن قرأ (ردا ) بلا همز، أراد : زيادة " 2 . ويتضح مما سبق ، أن اختيار نافع كان وفق أسس علمية متينة، تجعل القارئ يطمئن إلى أنه يقرأ قراءة صحيحة ، بذل صاحبها جهدا كبيرا في اختيارها ، مما جعلها تلقى القبول الحسن في حياته، وبعد وفاته. 11 - وفاته: لقد سخر نافع حياته كلها لخدمة القرآن الكريم وتعليمه، وما إن حلّت سنة 113هـ- على أرجح الأقوال 3 – حتى جاءه أجله، وقبيل وفاته ، طلب منه أبناؤه أن يوصيه ـم، فكانت وصيتـه آيـة من كتـاب الله، وهي قول ـه تعالـى:             ، [الأنفال،1]4. 1 - الحجة في القراءات السبع، الحسين بن أحمد بن خالويه، تح : عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، بيروت، ط1، 1121 هـ، ص363 . 2 - إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل، أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي، تح : محي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية ، دمشق، سوريا، 1930هـ،1371م، 1/101،101. 3 - لقد ذكر ابن الجزري إضافة إلى هذا التاريخ عدة تواريخ أخرى لوفاته، و هي: 110،117،117،170هـ، ولكن هذا التاريخ تكرر في عدد من المصادر، مما يدل على رجحانه، ينظر : غاية النهاية في طبقات القراء، 7/731، وكتاب السبعة في القراءات، 19، ومعرفة القراء الكبار، ص 11، وتهذيب التهذيب، 10/919 . 4 - غاية النهاية في طبقات القراء، 7/731 ،ومعرفة القراء الكبار، ص 11 .

عدد الصفحات ٣٩

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 91 رابعا - موقف النحاة من القراءات القرآنية : إن قارئ كتب النحو واللغة يقف على حقيقة واضحة ، وهي أن القرآن بقراءاته المتو اترة والصحيحة والشاذة، يعتبر حجة في اللغة؛ قال سيبويه: "القراءة لا ت خالَف، لأن القراءة السنة "1، وقد علق الزركشي على كلام سيبويه قائ : "وا نما كان كذلك لأن القراءة سنة مروية عن النبي ،ولا تكون القراءة بغير ما رو ي عنه"2. وقال السيوطي : " أما القرآن ، فكل ما ورد أنه قر ئ به ، جاز الاحتجاج به في العربية ، سواء أكان متواتـرا، أم آحادا، أم شـاذا"3، ثم قال: "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشا ذة، لا أعلم فيه خلافا بين النحاة"4. وقال ابن خالويه: "فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة ، من أهل الأمصار الخمسة، المعروفين بصحـة النقل، وا تقان الحفـظ، المأمونين على تأديـة الرواية واللف ظ، فرأيت كلا منهـم قد ذهب في إعراب ما انف ـرد به من حرف ـه مذهبا من مذاهب العربية لا يدفع، وقصد من القياس وجها لا يمن ـع، فوافق باللفظ والحكاية طريق النقل والرواية "5. وقالأيضا: "قد أجمع الناس جميعا، أن اللغة إذا ور دت في القرآن ، فهي أفصح مما في غير القرآن ، لا خلاف في ذلك"6. 1 - الكتاب، عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه، تح: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 9، 1102هـ،1322م،1/112. 2 - البرهان في علوم القرآن ، 1/977 . 3 - الاقتراح في علم أصول النحو ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تح: محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ص71 . 4 - المرجع نفسه ، والصفحة نفسها . 5 - الحجة في القراءات السبع، 11، 17 . 6 - المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تح: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1332م، 1/112.

عدد الصفحات ٤٠

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 91 غير أن قارئ هذه الكتب ، لا يمكنه أن يغض الطرف عن تلك الردود التي صدرت عن بعض النحاة ، بتخطئة هذه القراءة أو تلك، كما سيتضح فيما يلي: 1- انتقاد النحاة بعض القراءات القرآنية : على الرغم من المكانة السامية التي حظيت بها القراءات القرآنية عند النحاة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من أن يردوا بعضها ، أو أن يتهموا أصحابها باللحن والخطإ، أو الجهل، وعدم مع رفة العربية . ومن هؤلاء ابن جني، فبعد أن قرر اختلاس الهمزة 1 في(بَارِئِك م) من قوله تعالى:      [البقرة ، 19 ]،اعتمادا على ما قاله سيبويه2، قال: "وهو - أي سيبويه - أضبط لهذا الأمر من غيره من ال قراء الذين رووه ساكنا "3 . ومنهم كذلك عدد من النحاة 4 الذينردوا قراءة ابن عامر ، وذلك في قوله تعالى :          [الأنعام، 192] ، فقد قرأها بضم الزاي وكسر الياء على البناء للمفعول، و(قتل ) بالرفع ، على أنه القائم مقام الفاعـل، و(أولادَ هم) بالنصب، على أنه مفعـول القتل، و(شركائِ هم) بالجر على الإضافة، وقد فصل بينهما بالمفعول5. 1 - الاختلاس: الإتيان ببعض الحركة في الوصل، وهو يدخل جميع أنواع الحركات ، من فتح وضم وكسر، و يقدَّر المحذوف من الحرك ـة بالثلث، والمنطوق بالثلثيـن، وهو مرادف لـ (الإخفـاء) و(الاختطاف). ينظر: مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات، إبراهي ـم بن سعيد بن حمـد الدوسري ، دار الحضارة للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1،1173هـ، 7002 م، ص11. 2 - ينظر: الكتاب، 1/707 . 3 - الخصائص، عثمان أبو الفتح بن جني، تح : محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت، د ط، دت، 1/77. 4 - هم البصريون ، ومن تبعهم من البغداديين، أما الكوفيون، فهم يقبلون القراءات ، ويحتجون بها. ينظر: مدرسة الكوفة، ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، مهدي المخزومي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة، مصر، ط 7،1977هـ،1312م، ص911. 5 - التبيان في إعراب القرآن ، عبد الله بن أبي عبد الله الحسين العكبري ، تح : علي محمد البجاوى ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة، دط، دت، 1/917 .

عدد الصفحات ٤١

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 97 وقد أنكر الأنبـاري على الكـوفيين إجازة الفصـل بين المضاف والمضـاف إليــه بغير الظرف وحرف ال جـر1؛لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين هما بالمفعول، في غير ضرورة الشعر ، والقرآن ليس فيه ضرورة 2،ولذا فالبصريون يقولون بوهْي هذه القراءة، ووهم القارئ ؛ إذ لو كانت صحيحة، لكان ذلك من أفصح الكلام3 . قال النحاس: "وا نما أجاز النحويون التفريق بين المضاف و المضاف إليه بالظرف ، لأنه لا يفصِ ل، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن"4 . وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي : "قر اءة ابن عامر لا تجوز في العربية، وهي زلة عالم ، وا ذا زل العالم، لم يجز اتباعه" 5. وقال الزمخش ـر ي: "وأما قراءة ابن عام ـر    ،برفع القتل ، ونصب الأولاد ، وجرّ الشر كاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف ، فشيء لو كان في مكان الضرورات ، وهو الشعر ، لكان سمجا مردودا ، فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز ، بحسن نظمه وجزالته "6 . والحقيقة أن ابن عامر الذي عاب بعض النحاة قراءته ، كان في الطبقة الأولى من التابعين، وقراءته ليست هينة السند ، وقد روى ابن مجاهد عنه ثلاث روايات ؛ إحداهن: أنه قرأ على عثمان، والثانية : أنه سمع من عثمان وهو صبي، والثالثة : أنه قرأ على من 1 - على أساس أن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، فلا يجوز أن يفصل بينهما. 2 - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد، الأنباري، دار الفكر، دمشق، دط، دت، 7/191،191. 3 - نفسه،7/191. 4 - تفسير القرطبي،7/31. 5 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها . 6 - الكشافعن حقائـق غوامـض التنزيـل، وعيـون الأقاويـل في وجوه التأويـل، جـار الله أبو القاسـم محمـود بن عمر الزمخشري ، دار الكتاب العربي، بيروت، دط، 1107هـ، 7/13 .

عدد الصفحات ٤٢

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 92 قرأ على عثمان، وليس هذا لغيره من أئمة القراء، بل بيْن كل واحد وبين علي، وعبد الله بن مسعود، وأبيّ ، وابن عباس، رجلان أو ثلاثة 1 . وهو إضافة إلى ذلك ، إمـام من أعلام القــراء ، وكبار التابعين، و أحد القراء السّ بعـة، وا مام الشامِي ين، وهو يعد من صميم العرب الذين يحتجّ بكلامهم، وقد تلقى قراءته هذه عن الأثبات، وتلقاها عنه المئات2 . وقد رد ابن الجزري على الزمخشري قائلا : " والحق في غير ما قاله الزمخشري ، ونعو ذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشه ي ! وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟ بل الصواب جواز مثل هذا الفصل، وهو الفصل بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول، في الفصيح الشائع الذائع اختيارا ، ولا يختص ذلك بضرورة الشعر ، ويكفي في ذلك دليلا هذه القراءة الصحيحة المشهورة ، التي بلغت التواتر؛ كيف وقارئها ابن عامر ، من كبار التابعين ، الذين أخذوا عن الصحاب ة، كعثمان بن عفان، وأبي الدرداء رضي الله عنهما ؟! وهو مع ذلك عربي صريح من صميم العرب ، فكلامه حجة، وقوله دليل، لأنه كان قبل أن يوجد اللحن، وي تكلم به، فكيف وقد قرأ بما تلقى وتلقن ، وروى وسمع ورأى ؟ إذ كانت كذلك في المصحف العثماني المجمع على اتباعه، وأنا رأيتها فيه كذلك ، مع أن قارئها لم يكن خاملا ، ولا غير متبع ، ولا في طرف من الأطراف ، ليس عنده من ينكر عليه إذا خرج عن الصواب "3 . 1 - شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ، المسمى الدر النفير والعذب المنير، عبد الواحد بن علي المالقي، تح: عادل أحمد عبد الموجـود، وعلي محمد معـوض، دار الكتب العلميـة، بيروت، لبنان، ط1،1171هـ، 7009م، ص13،70. 2 - في أصول النحو، سعيد الأفغاني، دار الفكر، دمشق، دط، دت، ص19 . 3 - النشر في القراءات العشر، 7/719.

عدد الصفحات ٤٣

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 93 وقد وصف سعيد الأفغاني، النحاة الذينخطّأوا هذه القراءة بالتعصب، وبين أنهم إنما فعلوا ذلك لتسْلم لهم قواعدهم، فقال:"ولكنّ البصريين من النّ حـاة تسرَّ عوا فوهَّوْ ا هذه القراءة تعصُّبا لمقاييسهم النظرية، ومع أن القراءة ليس ـت فَنَّهم، فقد حملهـم التعصّ ب على القطع في مسألة من غير فهم، لتسْ لم لهم قواعد وضعوها ، دون استقـراء واف "1، وقال أيضا : "وكان المنه ـج السليم يقض ـي أن يصحح النحاة البصر يون قاعدتهم ، محتجين بهذه القراءة ، كما فعل الكوفيون، لا أن يضعّفوا قراءة متواترة، يرويها المئات من العرب ، المحتج بكلامهم عن رسول الله "2. 2- انتقاد النحاةبعض ما ورد في قراءة نافع : لقد انتقد عدد النحاة بعض ما ورد في قراءة نافع ، و من ذلك: ا- انتقاد سيبويـه تحقيـق الهمـز في نحـو: (نبيء) و (بريئ ـة)، وذلك في قولـه تعالـى:           [التحري ـم،1]، و      [البينـة، 7]، فق ـد قرأ ناف ـع بتحقي ـق الهم ـز في الموضعين 3،فقال سيبويه: "وقد بلغنا أن قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق ، يحققون نبيٌ وبريئةٌ ، وذلك قليلٌ رديء"4 . وقد فسر الرضي ا ستراباذي ذلك بقوله: "يعني أنه قليل في كلام العرب "5، ثم قال: "ولعل القراءات السبع عنده ليست متواترة، وا لا لم يحكم برداءة ما ثبت أنه من القرآن الكريم "6. 1 - في أصول النحو، ص 10،11. 2 - نفسه، ص11. 3 - السبعة في القراءات، ص 139،و جامع البيان في القراءات السب ـع، عثمان بن سعيد بن عثمـان بن عمـر أبو عمرو الداني، جامعة الشارقة، الإمارات العربية المتحدة ، ط1،1109هـ،0221م، 7/211. 4 - الكتاب،9/111 . 5 - شرح شافية ابن الحاجب ، رضي الدين محمد بن الحسن الإ ستراباذي ، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1107هـ، 1327 م،9/91. 6 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

عدد الصفحات ٤٤

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 10 وهذا الوص ف من سيبويه لهذه القراءة لا يغض منها ، فكونها قليلة، لا يعني أنها ليست صحيحة، وخاصة أنها قراءة أهل مكة 1. ب- تلحين بعض النحاة نافعا في هم ـز (معايش)، في قول ـه تعالى :          [الأعراف ، 10]، فقد قرئت بالي اء، من غير همز ولا مدّ ، لكل القراء ، وهو القياس ، لأنّ الياء في المفرد أصل ، لا زائدة فتهمز ، وا نما تهمز الزائدة، نحو: (صحائف) في (صحيفة)2. قال ابنجني:"قد اختلفت الرواية عن نافع ، فأكثر أصحابه يروي عنه (معايش)، بلا همز، والذي روى عنه بالهمز خارجة بن مصعب "3،وقد قال فيه ابن الجزري : "أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو ، وله شذوذ كثير عنهما، لم يتابع عليه"4. ونظرا لشذوذ هذه ا لقراءة ، فقد قال فيها ابن عاشور: "وهي رواية شاذة عنه ، لا ي عْبَأ بها"5. ومع هذا فإن ابن الأثير ينسبها إلى نافع، ويعيبه عليها، قائلا: "ألم تعلم أن نافع ابن أبي نعيم ، وهو من أكب ـر القراء السبعة قدرا ، وأفخمهم شأنا ، قال في (معايش): (معائش) بالهمز، ولم يعلم الأصل في ذلك، فأوخذ عليه ، وعيب من أجله "6. 1 - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، محمود أبو الفضل الألوسي، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، دط، دت، 90/701 . 2 - تفسير البحر المحيط، محمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي ، تح: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1177 هـ، 7001م،1/771 . 3 - المنصف، شرح الإمام أب ي الفتح عثمان بن جني النحوي لكتاب التصريف ، للإمام أبي عثمان المازني النحوي البصري، تح : إبراهيم مصطفى ، و عبد الله أمين، إدارة إحياء التراث القديم، القاهرة، ط 1، 1979هـ، 1311م، 1/902 . 4 - غاية النهاية في طبقات القراء ،1/719 . 5 - التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، دط ، 1337م، 2/91. 6 - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء الدين نصر الله الموصلي بن الأثير، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية ، بيروت ، دط ، 1331،1/99 .

عدد الصفحات ٤٥

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 11 وممن عابه أيضا، أبو عثمان المازني ؛ فقد قال في كتابه (في التصريف ): "فأما قراءة من قرأ من أهل المدينة: (معائش) بالهمز، فهي خطأ, فلا يلتفت إليها، وا نما أخذت عن نافع بن أبي نعيم، ولم يكن يدري ما العربية "1. والحق أن هذه القراءة لم ت روَ عن نافع وحده ، بل رويت عن غيره أيضا؛ فقد رويت عن الأعرج ، وزيد بن عليّ ، والأعمش ، وابن عامر 2. وقد علل الفراء لهذه القراءة تعلي ـلا حسنا، فقال: "وربما هم ـزت العرب هذا وشبهه ، يتوهمون أنها (فعيلة)، لشبهها بوزنها في اللفظ ، وعدّة الحروف، كما جمعوا مسيل المـاء: (أمسلة)، شب ه ب ـ(فعيل)، وهو (مَ فعِ ل)، وقد همزت العرب المصائب ، وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة، لكثرتها في الكلام"3. وعلق أبو حيان على ذلك قائلا: "فهذا نقـل من الفرّاء عن العـرب، أنهم ربما يهمز ون هذا وشبهه ، وجاء به نقل القراء الثقات ، كابن عام ـر، وهو عربيّ صراح، وقد أخذ القرآن عن عثمان، قبل ظهـور اللحن، والأع ـرج، وهو من كب ـار قرّاء التابعين، وزيد بن عليّ، وهو من الفصاحة ، والعلم ، بالمكان الذي قلّ أن يدانيه في ذلك أحد ، والأعمش ، وهو من الض بط، والإتقان ، والحفظ ، والثقة ، بمكان، ونافع، وهو قد قرأ على سبعين من التابعين، وهم من الفصاحة ، والضبط ، والثقة ، بالمحلّ الذي لا يجهل، فوجب قبول ما نقلوه إلينا ، ولا مبالاة بمخالفة نحاة البصرة في مثل هذا "4، ثمرد على المازني بقوله: " وأما قوله : إنّ ناف عا لم يكن يدري ما العربية ، فشهادة على النفي ، و لو فرضنا أنه لا يدري ما العربية ، وهي هذه الصناعة التي ي توصل بها إلى التكلـم بلسـان العرب ، فهو لا 1 - المنصف لابن جني، شرح كتاب التصريف لأبي عثمان المازني، ص 907. 2 - تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 1/771 . 3 - معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، تح : أحمد يوسف نجاتى، ومحمد على نجار ، وعبد الفتاح إسماعيل شلبى، دار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، دط، دت، 1/979،971 . 4 - تفسير البحر المحيط، 1/771 .

عدد الصفحات ٤٦

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 17 يلزم ـه ذلك؛ إذ هو فصيح، متكلم بالعربية ، ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظنّ بالقرّاء، ولا يجوز لهم "1. وهكذا فإن انتقاد بعض النحاة قراءة نافع ، وغيرها من القراءات المتوات ـرة، في غير محله، وقد التبس الأمر عليهم لأسباب، منها: 1-إن بعض النح ـاة، و خاصة البصريين منه ـم، كانوا كثيرا ما يحتكمـون إلى قواعدهم، ويخطّئـون ما خالفها؛ فما وافـق قواعدهـم، ولو بالتأويل قبلـوه، وما خالفـها، رفضوا الاحتجاج به، ووصفوه بالشذوذ2. 2-اعتقاد بعضهم أن القارئ يختار قراءت ـه اجتهادا، لا سماعا ، وهذا ما جع ـل الزمخشري ينكـر على بعض القراء تسكي ـن الراء والب ـاء في :         [البقرة، 213]، ثم يعلل لذلك بقولـه: "والسبب في نح ـو ه ـذه الروايات قلة ضبط الراوي، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية ، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو"3 . وقد علق أحمد بن محمد ، المعروف بابن المنير على تخطئة الزمخشري لابن عامر، في قراءته (شركائِ هم)، من سورة الأنعام قائلا: "وأنا أبرأ إلى اللّه، وأبرئ حملة كتابه، وحفظة كلامه ، مما رماهم به ، فإنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة ، اختار كل منهم حرفا ، قرأ به اجتهادا ، لا نقلا وسماعا ، فل ذلك غلّط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين أن وجه غل طه رؤيته الياء ثابتة في شركائهم ، فاستدل بذلك على أنه مجرور"4. 1 - السابق، 1/771 . 2 - ينظر: مدرسة الكوفة ، ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، مهدي المخزومي، ص997 . 3 - الكشاف،1/973. 4 - نفسه،7/70.

عدد الصفحات ٤٧

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 19 3- اعتقاد بعضهم أن بعض القراء لا علم لهم بالعربية، كما قيل ذلك عن نافع ، وقد مر قبل قليل. والواقع أن كثيرا من القراء هم من النحاة ، و قد امتازوا بالضبط، والدقة في النقل؛ قال أبو حيان – وهو يرد على من قال إن ابن جني أثبت من أبي عمرو الداني:"هذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت، كلام لا يصح، إذ رتبة أبي ع مرو الداني في القراءات ومعرفتها ، وضبط رواياتها، واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات ، فضلا عن النحاة الذين ليسوا بمقرئين، ولا رووا القرآن عن أحد، ولا روى عنهم القرآن أح ـد، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النق ـل، وعدم التجاسر ، ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتابا في (كلا وكلتا)، وكتابا في (إدغام أبي عمرو الكبير)، دل على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة، ولا المعْ ربين ، إلى سائر تصانيفه رحمه الله "1. وهكذا يظهر جليا ، أن طعن بعض النحاة في قراءة نافع ، وغيرها من القراءات القرآنية الثابتة، لا مسوغ له ، وكان ينبغي عليهم أن يعدّ لوا منهجهم ، لتكون القراءات القرآن ية مما يحتجّ ون به؛ إذ هي أصح وأسلم ، وأولى من كثيرٍ مما اعتمدوا علي ه من الشعر، أو من أقوال العرب . 1 - تفسيرالبحر المحيط، 1/911.

عدد الصفحات ٤٨