المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ٢ من ١٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 17 ب- قيام بعض الصحابة بتعليم القرآن، كمصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، حين هاجرا إلى المدينة ، قبل الهجرة النب وية2. ج- ظهور طائفة من الصحابة تخصصت بالقراءة ، وقد سمّـوا (القراء )3 . وكان من القراء المشهوري ـن: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ، وأبيّ بن كعـب، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن مسع ـود، وأبو موسى الأشعـري، وأبو الدرداء ؛ وقد قال عنهم الذهبـي: "فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظ ـوا القرآن في حياة النبي ، وأ خذ عنهم عرضا ، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة "4 . 2- القراءات زمن الصحابة : لقد حرص النبي  على التنويهببعض أصحابه، وبيان أقدارهم في القراءة؛ فق ال: "استقرئوا القرآن من أربعة ؛ من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأ بيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل "5، وبعد وفاته  صار هؤلاء أبرز القراء الذين روي عنهم القرآن الكريم . وفي عهد الصحابة حدثت أمور مهمة تتعلق بالقرآن أهمها : 1 - تنظرالأحاديث الواردة في ذلك في : صحيح البخاري ، 9/1177، و صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، دط، دت، 1/111. 2 - ينظر: سنن النسائي الكبرى ، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، تح: عبد الغفار سليمان البنداري ، و سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1111هـ، 1331م،1/119. 3 - ينظر: مناهل العرفان، الزرقاني، 1/171 . 4 - ينظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايْماز الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1111هـ، 1991 م، ص02 . 5 - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، تح: شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط7، 1111هـ، 1339م،1/3.

عدد الصفحات ١٧

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 19 أ-جمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر : ففي موقعة اليمامة استشهد عدد كبير من الصحابة، منهم أكثر من سبعين من القراء 1، وهذا ما جعل أبا بكر  يجمع القرآن في مصحف واحد، خشية ضياعه بموت القراء، ب ناء على اقتراح من عمر بن الخطاب 2. ب- تدوين المصاحف في زمن عثمان : لقد كان حذيفة بن اليمان يغازي أهل الشام، فرأى اختلاف الناس في القرآن ، فعاد إلى عثمان ينبهه إلى الخطر، وينصحه أن يدرك هذه الأمة ، قبل أن تختلـف في الكتـاب اختلاف اليهود والنصـارى 3، فكانهذا دافعا قويا، جعل عثمان  يقوم بجمع القرآن وتدوينه 4 . وقد كون لجنة من خيرة الحفاظ ، للقيام بهذا العمـل العظيـم، وكانوا أربعـة ، وهـم : زيـد بن ثابـت من الأنصار، وعب ـد الله بن الزبي ــر، وسعيـد بن العـاص، وعبد الرحم ـن بن الحارث بن هشام ، و الثلاثة من قريش 5. وقداختلفت المصادر في عدد المصاحف التي استنسخها عثمان 6،والمهم أنه استنسخ عددا من المصاحف ، يجمع بها كلمة الأمة، و يفي بحاج تها، ويحفظ لها كتابها. ج- تعيين قراء الأمصار : كان الاعتماد في نقل القرآن ولا يزال ، على التلقي من صدور الرجال ، ثقة عن ثقة، وا ماما عن إمام، إلى النبي، ولذلك اختار عثمان حفّاظا يثق بهم، وأرسل هم إلى الأمصار، وزود كل واحد منهم بنسخة من المصاحف التي نسخها، وكانت قراءة القارئ موافقة قراءة المصر الذي أ رسل إليه في الأغلب ؛ فقد 1 - ينظر: فضائل القرآن ، أحمد بن شعيب النسائي، تح: فارروق حمادة، دار إحياء العلوم، بيروت، ط7،1337م، ص71 . 2 - ينظر: سنن البيهقي الكبرى ، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، تح: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة ، دط، 1111هـ، 1331م،7/10 . 3 - ينظر الحديث في صحيح البخاري ، 1/1302 . 4 - ينظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي، 1/710 . 5 - نفسه، 1/791. 6 - مناهل العرفان، الزرقاني، 1/772 .

عدد الصفحات ١٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 11 أرسل إلى مكة عبـد الله بن السائب المخزومي، وا لى الكوفة أبا عبد الرحمن السلمي ، وكان فيها قبله عبد الله بن مسعود، كما أرسل عامر بن قيس إلى البصرة، والمغيرة بن أبي شهاب إلى الشام، وأبقى زيد بن ثابت في المدينة1. 3- التابعون يرثون القراءة عن الصحابة : لقد انتشر الصحابة في الأمصار المختلفة بعد وفاة النبي ،وهم مختلفون في قراءته م، حسب الحرف الذي قرأ به كل منهم ، وكانوا ي قرئون الناس بما قرؤوا، إلى أن أرسل عثمان  مصاحفه، بهدف توحيد قراءة ال مسلميـن على ما هو مدون في المصحف، فالت ـزم الناس ما كانوا يحفظون ـه من حروف ، مما لم يخ ـالف رسم المصحف2 . وقد ساعدهم على ذلك خلو المصحف من النقط والشك ـل، فكانت بعض الكلمات ي قرأ رسم ـها بأكثر من وج ـه، نحو: ( ) من قول ـه تعالى :          [الحجرات، 1]،فإنها تصلح أن تقرأ (فتثبتوا)، عند خلوها من النقط والشكل ، وهي قراءة أخرى 3. وفي هذا العصر وجد الناس أنفس هم أمام رصيد هائل من الروايات الواردة في حروف القرآن، ظل يتنامى مع الزمن ، بفعل التلاقح بين قراءات الأمصار ، وتبادل الروا يات، فتجرد بعض العلماء للقراءة، يتتبعون حروفها، ويتقصَّ وْ ن سندها. وهكذا فقد ازدادت الحاجة إلى أهل الثقة ، والأمانة ، والص ـدق، من أهل القرآن ، ليقوموا بتهذيب القراءات، وتنقي ـح الروايات ، فاختـاروا من كل مصر و ج ه إليه مصحف أئمـة مشهوري ـن بالثقة، وحس ـن الدراية ، وكمال العلـم، أفنـوا أعمارهم في القراءة 1- المرجع السابق، والصفحة نفسها . 2 - ينظر: العواصم من القواصم، أبو بكر بن العر بي، تح: عمار طالبي، مكتبة دار التراث، القاهرة، دط، دت ، ص919. 3 - مناهل العرفان ، الزرقاني، 1/120 .

عدد الصفحات ١٩

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 11 والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرؤوا، ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم 1. وهكذا أخذ كل إ مام في بلده يقوم بتنقي ـح روايات ـه، حتى تتخل ـص من الزائف والضعيف، ولم يع د يكتفي برواية كل شيخ من شيوخه على حدة ، كما تلقاها عنه، ثم ينقلها بأمانة إلى أهل زمنه ، بل دخل عنصر الاختيار، فصار كل إمام يدرس مروياته ، ثم يختار منها أقواها سندا ، وأكثرها شهرة واستفاضة، وأفصحها لغة، على أن تكون موافقة رسم المصحف . ومن أمثلة ذلك ما رواه الأصمعي عن شيخه نافع، قال: "قال لي نافع: تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفا "2،وأبو جعفر هو أحد شيوخ نافع، كما سيأتي . ومن الأمثلة أيضا قول نافع: "قرأت على سبعين من التابعين ، فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شك فيه واحد تركته ، حتى ألَّ فت هذه القراءة "3. ومن ذلك أيضا ما ورد أن الكسائي قرأ على حمزة ، وهو يخالفه في نحو ثلاثمائة حرف ، وكذلك أبو عمرو ، قرأ على ابن كثير ، وهو يخالفه في أكثر من ثلاثة آلاف حرف ، لأنه قرأ على غيره ، و اختار من قراءته ، ومن قراءة غيره 4. وهكذا برزت للوجود مدارس في القراءات ، في مختلف الأمصار، على رأسها أئمة مشهود لهم بالثقة، والأمانة في النقل، وحسن الدراية ، وكمال العلم، وخاصة الأئمة القراء ، الذين تنسب إليهم القراءات السبع المتواترة ، وهم المذكورون في هذا الجدول : 1 - لطائف الإشارات لفنون القراءات، شهاب الدين القسطلاني ، تح :عامر السيد عثمان، وعبد الصبور شاهين، القاهرة، دط، 1937 هـ، 1377م، 1/711، ومنجد المقرئين ومرشد الطالبين، ابن الجزري، ص 97. 2 - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، الذهبي، ص11. 3 - المصدرنفسه، والصفحة نفسها. 4 - الإبانة عن معاني القراءات ، مكي بن أبي طالب حموش القيسي، تح: عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، دط، 1327م، ص10.

عدد الصفحات ٢٠

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 11 القراء السبعة وفاتهم رواتـــهم وفاة الرواة 1-عبد الله بن كثير المكي1 170هـ -البزي أبو الحسن أحمد -قنبل محمد بن عبد الرحمن 710 هـ 731 هـ 7-أبو عمرو بن العلاء البصـري 2 111 هـ - حفص بن عمر الدوري -أبو شعيب السوسي 711 هـ 711هـ 9-عبد الله بن عامر الشـامي 3 112 هـ -هشام بن عمار الدمشقي -عبد الله بن ذكوان الدمشقي 711 هـ 717 هـ 1-عاصم بن أبي النجود الكوفي 4 177 هـ -أبو بكر شعبة بن عياش -حفص بن سليمان الكوفي 139 هـ 120 هـ 1-حمزة بن حبيب الزيات الكوفي 5 111 هـ -خلف بن هشام البزار -خلاد بن خالد الصيرفي 773 هـ 770 هـ 1-علي بن حمزة الكسائي الكوفي 6 123 هـ -أبو الحارث الليث بن خالد -حفص بن عمر الدوري (وهو الراوي عن أبي عمرو ) 710 هـ 711هـ 7-نافع المدني له ترجم ـة وافيـة في هـذا البحث 1 - ينظر: كتاب السبعة في القراءات ، أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، تح: شوقي ضيف، دار المعارف ، القاهرة ، ط7،1100هـ، ص 11، وتهذيب الكمال،يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي، تح: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط1،1100 هـ، 1320م، 11/ 112 . 2 - ينظر: كتاب السبعة في القراءات، ابن مجاهد، ص17. 3 - ينظر: الفهرست ، محمد بن إسحاق بن النديم، دار المعرفة ، بيروت، دط، 1932هـ،1372 م، ص 19 . 4 - ينظر: الطبقات الكبرى ، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع المعروف بابن سعد، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط1، 1691م، 9/320، والتاريخ الصغير ، محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ، تح: محمود إبراهيم زايد ، دار الوعي، مكتبة دار التراث ، القاهرة ، ط1، 1361 هـ،1611م،2/6. 5 - ينظر: الثقات، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي، تح: السيد شرف الدين أحمد ، دار الفكر، بيروت، ط1،1931 هـ، 1371م،1/772. 6 - ينظر: تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، دط، دت، 11/109،و تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، ط1،1101هـ، 1321م، 7/771 .

عدد الصفحات ٢١

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 17 وعلى الرغم من اشته ـار هؤلاء الأئمة السبع ة وقراءات ـهم، واعتبارها قراءات متواترة ، إلا أن من محققـي العلماء من اعتبـر القراءات الثلا ث، المتممة للعشر متواترة أيضا ؛ يقول ابن الجزري - وهو يثبت تواتر هذه القراءات ، اعتمادا على أدلة ساقها- : "فثبت من ذلك وتحقق أن القراءات الثلاث متواترة ، تلقاها جماعة من جماعة ، مستحيل تواطؤهم على الكذب "1، وهذه القراءات الثلاث : هي قراءة يعقوب، وأبي جعفر بن القعقاع ، وخلف البزار ، وفي هذا الجدول مختصر لتراجمهم : القراء الثلاثة المتممون للعشرة تاريخ وفاتهم روات ــــهم وفاة الرواة 1-يعقوب بن إسحق بن زيد الحضرمي 2 502هـ -أبو عبد الله اللؤلؤي رويس -روح بن عبد المؤمن 532 هـ 532 هـ 5-أبو جعفر المدني3 121هـ -عيسى بن وردان -سليمان بن مسلم بن جماز 160هـ 170هـ 3-خلف بن هشام البزار البغدادي 4 552 هـ -إسحق الوراق -إدريس بن عبد الكريم الحداد 526 هـ 525 هـ 1 - منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ص 71 . 2 - ينظر: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، ص21، وغاية النهاية في طبقات القراء، محمد بن علي بن الجزري ، تح: برجستراسر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1،7001 م،7/991. 3 - ينظر: معرفة القراء الكبار، ص10،و السبعة في القراءات ، ص 11 . 4 - ينظر: معرفة القراء الكبار، ص 179، وغاية النهاية في طبقات القراء ، 1/711 .

عدد الصفحات ٢٢

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 12 ثالثا- حياة نافع ومكانته وركائز الاختيار لديه: 1- اسمه وكنيته: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم ، و يكنّ ى بعدة كنى منها، أبو ر و يم – وهي الأشهر- و أبو نعيم، و أبو عبد الرحمن ، و أبو الحسن، و أبو عبد الله1. 2- أصله ومولده: أصله من أصبهان كما روى الأصمعي، و هو مولى جعْ وَ نة بن شعوب الليثي، حليف حمزة بن عبد المطلب 2. ولد بالمدينة سنة بضع وسبعين ، في خلافة عبد الملك بن مروان ، وكان جده أبو نعيم قد س بي غداة فتح بلاد فارس 3. 3- صفاته ومناقبه: لقد ورد في المصادر أن نافعا كان أسود اللون حالكا، إلا أنه كان صبيح الوجه، وفيه دعابة وطيب أخلاق4 . وقد شهد له تلميذه الأصمعي بأنه: " كان من القراء الفقهاء العباد "5، كما شهد له قالون، وهو تلميذه الملازم له ، بأنه: "مِ ن أطهر الناس خل قا ، ومن أحسن الناس قراءة ، وكان زاهدا جوادا "6 . 1 - معرفة القراء الكبار، ص11، ووفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان، تح: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، 1937هـ،1377م،1/913. 2 - تهذيب الكمال، المزي، 73 /721 . 3 - سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تح: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط9،1101هـ،1321م،7/991 . 4- ينظر: النشر في القراءات العشر، 1/117، و معرفة القراء الكبار، ص 11، و غاية النهاية، 7/990. 5 - تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، 10/919. 6 - غاية النهاية في طبقات القراء، ابن الجزري، 7/730 .

عدد الصفحات ٢٣

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 13 ويبدو أن اتعالى قد حباه عددا من الصفات الحسنة، مما جعل بعض الرواة يبالغ في ذلك، حتى رووا: أنه "كان إذا تكلم ي شمُّ من فيه رائحة المسك، فقيل له: يا أبا عبد الله، أتتطيب كلما قعدت تقرئ؟ قال : ما أمس طيبا، ولكني رأيت النبي ،و هو يقرأ في فيَّ ، فمن ذلك الوقت أشمّ من فيّ هذه الرائحة"1. وهذه الحكاية على الرغم من شهرتها ، إلا أنها تتسم بالغرا بة؛ ذلك أن النبي  نفسه لم يثبت أن الصحابة كانوا يشمون منه رائحة المسك ، كلما قرأ القرآن ، فكيف برجل قرأ النبي  في فيه، وفي المنام؟ وقد شكك القسطلاني في هذه الحكاية، فقال ناقلا عن الذهبي: "وهذه الحكاية لا تثبت، بسبب جهالة راويها "2، وكيفما ما كان الأمر ، فإن هذا يدل على رفعة نافع، وسموّه في أعين الناس. 4- مكانته العلمية وثَنَ اء العلماء عليه: إن المكانة الرفيعة التي تبوأها نافع في قلوب الناس، جعلت أهل المدينة يتمسكون بقراءته ، وأهل الأمصار يتطلعون للقراءة عليه ، حتى صار كما قال ابن حبان: "علَ ما ي رجع إليه في فنه، ومركزا يدار عليه فيه"3، بل لقد تيسر له أن يبرز في القراءة ، ويصير إمام العامة والخاصة من الناس فيها، بحيث صاروا إلى قراءته ، ورجعوا إلى اختياره ، وذلك في حياة بعض شيوخه4، مع علو مكانتهم، وجليل قدرهم ، ومن أهمهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، وشيبة بن نصاح . ومما يدل على مكانة نافع العلمية في حياة شيخي ـه: أبي جعفر وشيب ـة، قول الأصمعي: "مررت بالمدينة رأس مائة، ونافع رأس في القراءة "5، وما حدّث به الليث بن 1 - معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، ص11، وغاية النهاية في طبقات القراء، 7/730 . 2 - ينظر: لطائف الإشارات لفنون القراءات، 1/39 . 3 - مشاهير علماء الأمصار، محمد بن حبان بن أحمد البستي، تح: م. فلايشهمر، دار الكتب العلمية، بيروت، دط، 1313م، ص111. 4 - ينظر: كتاب السبعة في القراءات ، ابن مجاهد، ص17، ووفيات الأعيـان، ابن خلكـان، 1/912، و سيـر أعلام النبلاء، الذهبي، 7/992 . 5 - الكامل فيالقراءات العشر ، والأربعين الزائدة عليها، أبو القاسم يوسف بن علي بن عقيل، تح : جمال بن السيد بن رفاعة الشايب، مؤسسة سما للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1،1172هـ، 7007م،ص 17.

عدد الصفحات ٢٤

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 70 سعد: من أنه قدم المدينة سنة عشر ومائة، فوجد نافعا إمام الناس في القراءة ، لا ينازع ، وشيبة يومئذ حي1، بل ما ورد عن مالك أنه قال: "ما عرف فضل شيبة وأبي جعفر إلا بنافع، لأن مادة قراءته منهما "2. وقد رجح الذهبي أنه أقرأ في حدود سنة عشرين ومائة، مع وجود أكبر مشايخه3،غير أن هذا يتعار ض مع الرو ايات التي سبق ذكرها، مما يدل على أنه أقرأ قبل سنة عشرين ومائة، وا ذا كان ابن الجزري قد أورد أن مجال الاختلاف في تاريخ وفاته، يبدأ من سنة 10هـ، إلى سنة70هـ،والراجح هو 113هـ4، وقد جلس للإقراء نيفا وسبعين سنة5، فهذا يثبت أنه جلس للإقراء قبل سنة 100 هـ. وقد شهد له عدد من ال علماء بالضبط والعلم والصدق؛ قال مالك لما س ئل عن البسملة: "سلوا عن كل علم أهله، ونافع إمام الناس في القراءة "6، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي: أيّ القراءة أحب إليك؟ قال : "قراءة نافع "7، وقالعنه ابن حجر: "صدوق ثبت في القراءة "8،وقال محمد بن حبان : " من قراء أهل المدينة وأفاضلهم ، ممن عني بالقرآن ، حتى صار عَ لَ ما ي رجع إليه، ومركزا يدار عليه "9،وقال ابن مجاهد: "كان الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله بعد التابعين ، أبو عبد الرحمن ، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم "10 . 1 - ينظر: السبعة في القراءات، ص 17 . 2 - الكامل في القراءات العشر، ص 11 . 3 - سير أعلام النبلاء، 11/111. 4 - تنظر ص91 من هذا البحث. 5 - غاية النهايةفي طبقات القراء ، 7/991. 6 - نفسه،7/999. 7 - معرفة القراء الكبار، ص 11. 8 - تقريب التهذيب ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تح: محمد عوامة ، دار الرشيد ، دمشق، سوريا ، ط1، 1101هـ، 1321م، ص112 . 9 - مشاهير علماء الأمصار، ص111. 10 - السبعة في القراءات ، ص19.

عدد الصفحات ٢٥

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 71 وكل هذه الأقوالوغيرها ، تبين مدى المكانة التي حظي بها نافع، بحيث أهلته لأن يكون إماما من هذا الطراز الرفيع . 5- نافع ورواية الحديث: ليس الغرض من إثارة هذا الموضوع بيان مكانة نافع في رواية الحديث، فالكل يعلم أنه ليس من علماء الحديث، إنما الغرض دفع شبهة قد تنتج عن سوء فهم قول الإمام أحمد في نافع: "كان يؤخذ عنه القرآن ، وليس في الحديث بشيء"1، خصوصا إذا علمنا أن نافعا قد عاصر كبار أهل الحديث، بل وجلس إليهم، وتلقى عنهم ، ومنهم ابن هرمز الأعرج ، صاحب أبي هريرة ، وابن شهاب الزهري ، ونافع مولى ابن عمر ، وغيرهم 2، وكان يقول: "جلست إلى نافع مولى ابن عمر ومالك صبي"3، بل وأدرك بالسن عددا من الصحابة أحياء4، فكيف يكون تلميذا لهؤلاء ، ويقول عنه أحمد ما قال؟! الحق أن هناك أمرا لا بد من إدراكه، وهو أن نافعا لم يكن مشتغلا بالحديث، ولا من فرسانه 5، وا نما كان شغله القرآن ، وضبط قراءته، كما كان مشغولا بالإقراء، ونظرا لكونه إماما في القراءة ، ذائع الصيت، فإن قاصديه لا يسألونه عن الحديث الذي يجدونه عند غيره، وا نما يسألون ـه عن القراءة، ومن ثم لا ت ستغـرب منه قِلّة الحديث، أو عدم التفرغ له، كما فعل بعض معاصريه ممن اشتغلوا به، ولم يبرعوا في القرآن براعته 1 - جلاء الأفهام، في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية ، تح: شعيب الأرناؤوط ، و عبد القادر الأرناؤوط ، دار العروبة، الكويت، ط7،1107 هـ، 1327م، ص 177 . 2 - سير أعلام النبلاء، 7/997. 3 - معرفة القراء الكبار، ص11 . 4 - آخر الصحابة وفاة هو: أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش، توفي سنة 100هـ، وقيل سنة 107 هـ. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تح: علي محمد البجاوي ، دار الجيل، بيروت، ط1،1117 هـ، 7/790. 5 - سير أعلام النبلاء، 7/997 .

عدد الصفحات ٢٦

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 77 فيه، وهذا ما عناه ابن الجزري حين قال : "هو قليل الحديث، مع أنه روى عن ناف ـع، عن ابن عمـر، وعن الأعرج عن أبي هريرة وجماعة، ولكنه تصدى للإقراء "1 . والواقع أن نافعا لم يكن وحيدا في نسبة ضعف رواية الحديث إليه ، بسبب اشتغاله بالقراءة ، وتخصصه فيها، بل قد ن سب ذلك إلى غيـره أيضا ، كالكسائي، وحفص ، وأبي عمرو الدوري ، وقد دافع الذهبي عنهم، و التمس لهم العذر في ذلك؛ فحين ذكر – وهو يترجم للدوري – قول الدارق طني بأنه ضعيف، قال: "يريد في ضبط الآثار، أما في القراءات فثبت إمام، وكذلك جماعة من الق ـراء أ ثبات في القراءة دون الحديث، كنافع ، والكسائي ، وحفص ، فإ نهم نهضوا بأعباء الحروف ، فحرروها ، ولم يصنعوا ذلك في الحديث، كما أن طائفة من الحفاظ أتقنوا الحديث ، ولم يحكموا القراءة ، وكذا شأن كل من برز في فن، ولم يعتنِ بما عداه"2. ومع ذلك فقد وثّقه عدد من أهل الجرح والتعديل ، كيحي بن معين، الذي قال فيه: "نافع بن أبي نعيم القاري ثقة "3،وقال فيه أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث"4. وكل ما سبق بيانهيضع الأمور في نصابها، ويرفع الإشكال الذي يمكن أن يثيره كلام الإمام أحمد السابق، ويحفظ لنافع مكانته . 1 - غاية النهاية في طبقات القراء ، 7/731 2 - سير أعلام النبلاء، 11/119. 3 - تاريخ أسماء الثقات ، عمر بن أحمد أبو حفص الواعظ بن شاهين، تح: صبحي السامرائي ، الدار السلفية، الكويت، ط1،1101هـ، 1321م، ص710. 4 - تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، 10/919 .

عدد الصفحات ٢٧

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 79 6- البيئة العلمية التي نشأ فيها نافع: لقد نشأ نافع بالمدينة المنورة ، وهي التي تلقّ ى فيها الصحابة القرآن عن رسول الله ، وكان من أهممن برز في القراءة منهم، و صار مرجعا للناس صحابيان ، هما: أ بيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وكان لهذين الصحابيين تلاميذ كثيرون ، أشهرهم ثلاث ة، تنتهي أسانيد قراءة نافع إليه ـم، وهم : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، و أبو هريرة ، و عبد الله بن عياش1. وحين كان نافع في عهد الطلب، كان مسجدها النبوي يعج بكثير من حلقات العلم، التي كان يديم الاختلاف إل يها، ويجالس شيوخه ا، ويأخذ عنهم ، ومنهم سبعو ن من التابعين، ذكر نافع أنه قرأ عليهم 2، غير أن المصادر ركزتْ على خمسة منهم ؛ فقد ذكر ابن الجزري عددا من شيوخ نافع ، ثم قال: "وقد تواتر عندنا أنه قرأ على الخمسة الأول"3، وهم : عبد الرحمن بن هرمز، وأبو جعفر بن يزيد بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب، ويزيد ابن رومان 4،وهؤلاء تلقوا القرآن مباشرة من أبي هريرة ، وابن عباس ، وعبد الله بن عياش ، وهم قرؤوا على أبيّ ابن كعب، الذي قرأ على النبي5، وهذا ال جدول يعطي تعريفا موجزا بكل منهم : 1- التيسير في القراءات السبع ، عثمان بن سعيد بن عمرو الداني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط7، 1101هـ، 1321م، ص1. 2 - معرفة القراء الكبار، ص 11، والسبعة في القراءات، ص11 . 3 - غاية النهاية في طبقات القراء ، 7/713 . 4 - السبعة في القراءات ، ص11 . 5 - النشر في القراءات العشر، شمس الدين أبو الخير بن الجزري ، تح: علي محمد الضباع، المطبعة التجارية الكبرى ، القاهرة ، دط، دت،1/117.

عدد الصفحات ٢٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 71 شيوخ نافع التعريف بهم وفاتهم 1- عبد الرحمن بن هرمز الأعرج هو أول من وضع العربية بالمدينة، و كان يكتب المصاحف. سنة 111، وقيل: 116 هـ1. 2- يزيد بن القعقاع أبو جعفر المدني أحد القراء العشر ة، وكان رجلا صالحا، له حلقة في المسجد النبوي ، وكان لا يتقدمه أحد في عصره . سنة 121، وقيل130، وقيل133هـ2. 3- شيبة بن نصاح أهم شيخ لنافع، وكان إمام أهل المدينة في القراءة . سنة 130هـ3. 4- مسلم بن جندب الهذلي أول من قرأ بالهمز بالمدينة، ويعد من فصحاء القراء والنحويين . سنة 109، وقيل 110هـ4. 5- يزيد بن رومان وهو من كبار شيوخ نافع، وكان من فقهاء أهل المدينة. سنة 130 هـ 5 7- مجلس نافع قبلة قراء المدينة والأمصار : إن مكانة نافع العلمية، جعلت طالبي القراءة يتوافدون على مجلسه، سواء أكانوا من أهل المدينة، أم من أهل الأمصار، مما جعل الوصول إليه، والحظوة بمجلسه، أمرا صعب المنال ؛ قال ورش : " خرجت من مصر ، لأقرأ على نافع ، فلما وصلت إلى 1 - ينظر: تهذيب التهذيب، 1/710، والسبعة في القراءات ، ص17، ومعرفة القراء الكبار، ص11. 2 - ينظر: معرفة القراء الكبار، ص10، ووفيات الأعيان،1/771، 771، والسبعة في القراءات ، ص 11 . 3 - ينظر: السبعة في القراءات ، ص 12، ومعرفة القراء الكبار، ص11. 4 - ينظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة، علي بن يوسف القفطي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي ، القاهرة، ط 1،1101هـ،1321م،9/711، والسبعة في القراءات ، ص 13. 5 - ينظر: مشاهير علماء الأمصار، البستي، ص191، وتهذيب الكمال، المزّي، 97/177.

عدد الصفحات ٢٩

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 71 المدينة صرت إلى مسجد نافع، فإذا هو لا تطاق القراءة عليه "1، وهذا ما جعله يتعرف إلى أحد المقربين منه ، بحيث أوصله إليه، وأوصاه به ، فأشار عليه أن يبيت في المسجد، حتى يكون أو ل من يحضر، فيكون ذلك مبررا مقنعا ، لتقديمه على أبناء المهاجرين والأنصار ، فقرأ عليه عدة ختمات، قبل أن يخرج من المدينة 2 . وصعوبة الوصول إلى مجلس نافع، بسبب كثرة العدد ، هي التي جعلت الإمام أبا حنيفة يأتي المدينة ليقرأ عليه، فلم يتيسر له 3،ومن أجل ذلك كان بعض الوافدين عليه يأتي مص حوبا بتوصية من أحد كبار العلماء، ومنهم معلّ ى بن دحية، الذي سافر برسالة من الليث بن سعد ، إلى نافع ليقرأ عليه "4. أما من لم يتيسر له الوصول إلى مجلسه م ن قراء الأمصار ، فإنه سيظل يلوك الحسرة، ويتجرع المرارة ، كما حدث مع أبي عمرو الدور ي، المقرىء البغدادي، الذي كان يقول: "قرأت على إسماعيل بن جعفر بقراءة أهل المدينة ختمة ، وأدركت حياة نافع، ولو كان عندي عشرة دراهم ، لرحلت إليه "5. ونظرا لشهرة نافع ومكانته ، وا قرار الناس له بالإمامة ، وكثرة الوافدين عل يه من الحجاز، أو من بقية الأمصار، فإنه لم يكن يجلس في حلقته لعامة الناس، وا نما كان يجلس لمن مهر في القراءة، وبلغ فيها مستوى عاليا ، بقصد معرفة درجة إتقانه، أو من أجل تزكية قراءته . أما من هم دون هذا المستـوى، فقد كان نافع يحيلـهم على غيره ، كما فعـل مع أشهب بن عبد العزيز ، حين جاءه ليقرأ عليه أبجديات القراءة ، فقال: "إن كنـت تريد تعليم الصبيان، فأت سليمان بن مسلم"6. 1 - معرفة القراء الكبار، ص37. 2 - ينظر: المصدر نفسه، ص39. 3 - غاية النهاية في طبقات القراء ، 1/973 . 4 - معرفة القراء الكبار، ص31. 5 - تاريخ الإسلام ، ووفيات المشاهير والأعلام ، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تح: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1،1107 هـ، 1327م، 12/710. 6 - غاية النهاية في طبقات القراء ، 7/713 .

عدد الصفحات ٣٠

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 71 8- تلاميذ نافع: لقد كان زمن تصدر نافع للإقراء طويلا جدا 1،وقد التف حوله خلال هذا العهد الطو يل من طلاب القراءة عدد ك بير جدا، سواء من بلاد الحجاز، أم من غيرها من الأمصار، غير أن بعض المص ادر تكتفي بالحديث عن اثنين منهم؛ هما: ور ش وقالون2، وقد ذكر الذهبي اثنين وعشرين تلميذا، وقال بعد أن سردهم تباعا : "وخلق كثيـر وكثيـر، منهم قرأ عليه، وبعضهم حمـل عنه الحروف"3، كماذكر ابن الجزري ما يقرب من ضعف هذا العدد ؛ كلما ترجم لأحدهم ، أشار إلى أنه قرأ على نافع 4. والناظر في تراجم تلاميذ نافع ، يجد أنهم يتوزعون على كل الجغرافيا التي تواجد فيها المسلمون في ذلك العهد، فله في كل مصر تلميذ أو أكثر: فمن أشهر تلاميذه من أهل المدينة : عيسى بن مينا، قالون المدني، و مالك بن أنس الأصبحي، و ا سحاق بن محمد المسيبي، و ا سماعيل بن أبي أويس الأصبحي5. ومنالشام: مروان بن محمد الدمشقي الطاطري ، و عتبة بن حماد أبو خليد الحكمي الدمشقي، و عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي6. ومنالعراق وما وراء النهر : خارجة بن مصعب بن خارجة بن مصعب ، و خالد بن مخلد أبو الهيثم القطواني البجلي الكوفي7. ومناليمن : موسى بن طارق أبو ق رة8. ومن مصر: ورش عثمان بن سعيد، و أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم ، و سقلاب بن شنينة، و معلى بن دحية بن قيس 1. 1 - معرفة القراء الكبار، ص11. 2 - ينظر: الإقناع في القراءات السبع، أبو جعفر بن أحمد بن الباذش، تح : عبد المجيد قطامش، دار الفكر، دمشق، ط1،1109هـ،1/17،12،و التيسير في القراءات السبع ، ص9،و النشر في القراءات العشر ، 1/33. 3 - معرفة القراء الكبار، ص11 . 4 - ينظر: غاية النهاية في طبقات القراء، 1/972،1/109،1/111،7/97،7/117،7/997... 5 - ينظر: المصدر نفسه، 1/117، وتقريب التهذيب ، ص 111 . 6 - ينظر: غاية النهاية، 1/719، وتهذيب الكمال، 13/909 . 7 - ينظر: غاية النهاية، 1/719، 113 . 8 - ينظر: معرفة القراء الكبار، ص11، و غاية النهاية، 7/772.

عدد الصفحات ٣١

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 77 ومنالمغرب والأندلس: كردم بن خالد المغربي التونسي ، وغازي بن قيس الأموي 2 . وهذا العدد المختصر جدا ، من تلام يذه الكثيرين ، الموزعين على سائر الأقاليم الإسلامية، يدل بوضوح على مكانة نافع لدى المسلمين جميعا . 9- منهج نافع في الإقراء : لقد كان مجلس نافع ينعقد بعد صلاة الفجر، وتلك سنة درج عليها أهل العلم؛ قال أنس بن مالك: "إنما كانوا إذا صلوا الغداة، قعدوا حلقا حلقا، يقرؤون القرآن، ويتعلم ـون الفرائض والسنن "3. وفي خبر قدوم ورش على نافع، ومبيته في المسجد ، وقراءته عليه بعد صلاة الفجر، دليل واضح على ذلك 4. أما صاحب الأولوية في القراءة في مجلس نافع ، فهو الأسبق حضورا ؛ ولذلك اضطر ورش إلى المب يت في المسجد، ليكون أول الحاضرين، وتكون له الأولوية في القراءة ، فلما أن كان الفجـر، جـاء نافع، فقال: "ما فعـل الغريب ؟ فقال: "ها أنا رحم ـك الله، قال: "أنت أولى بالقراءة "5. أما المقدار اليومي الذي كان نافع يسمح لكل عارض عليه أن يقرأه بين يديه ، فهو ثلاثون آية، ولعله لجأ إلى ذلك، بسبب كثرة العارضين عليه ، أو اقتداء بشيخه مسلم بن جندب، حيث كان يفعل ذلك6. وقد كان نافع يجري على هذه السنة مع كل تلامذته؛ فحين قرأ ورش بين يديه في أول يوم من قدومه عليه ثلاثين آية، أشار إليه بيده أن اسكت7 . 1 - ينظر: غاية النهاية،1/720، و7/713، وسير أعلام النبلاء، 3/731. 2- ينظر: غاية النهاية ، 7/90، وتاريخ الإسلام، الذهبي، 19/991. 3 - جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ، دار المعرفة ، بيروت، ط1، 1102هـ، ص 991. 4 - ينظر هذا الخبر فيمعرفة القراء الكبار ، ص37،39. 5 - نفسه، ص39 . 6 - ينظر: السبعة في القراءات، ص 13 . 7 - معرفة القراء الكبار، ص39.

عدد الصفحات ٣٢