المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ١ من ١٨

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة الحاج لخضر باتنة كلية الآداب واللغات قسم اللغة العربية وآدابها أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه العلوم في علوم اللغة إعداد الطالب: إشراف الأستاذ: نور الدين مهري د.لخضـر بلخير لجنة المناقشة: أ.د. الشريف ميهوبـي أستاذ التعليم العالي جامعة الحاج لخضر – باتنـة رئيـــــــــــــــــــــــــــــــــــسا ا.د. لخضر بلخيـــــــــــــر أستاذ التعليم العالي جامعة الحاج لخضر – باتنـة مشرفــا ومقــــــــــــرر ا ا.د. بوبكر حسينــــــــــي أستاذ التعليم العالي جامعة قاصدي مرباح – ورقلة عضـــــــــــــوا مناقشا ا.د. صالح خديــــــــــش أستـاذ التعليم العالي جامعة عباس لغرو – خنشلـة عضـــــــــــــوا مناقشا ا.د. زغـــــــــــدودة ذياب أستـاذ محـاضـــــــــــــــر جامعة الحاج لخضر – باتنـة عــضـــــــــــوا مناقشا ا.د. عمـــــــــــــــــار ربيح أستــاذ محاضــــــــــــــر جامعة محمد خيضر – بسكـرة عضـــــــــــــوا مناقشا السنة الجامعية: 4102م- 4102م/0242هـ- 0241هـ بنيـة الفعـــــــــــــل في قـــراءة الإمام نافــــــــــــــــع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

عدد الصفحات ١

عدد الصفحات ٢

                                        [البقرة: 582].

عدد الصفحات ٣

شكر وتقدير أ تقدم بشكري الجزيل ا لى كل من قدّم لي مساعدة ل نجاز هذا البحث : ا لى أ س تاذي المشرف الدكتور : لخضر بلخير الذي لم يدخر جهدا في سبيل ا نجاح هذا العمل، حرصا، ونصحا، وتوجيها، وتسديدا، وا فادة ، فقد عايش معي هذا البحث، منذ أ ن كان فكرة ومشروعا، ا لى أ ن صار عملا كاملا... وا لى كل ش يوخي وأ ساتذتي، الذين اس تفدت منهم أ ثناء الدراسة فوائد جمة ل تقدر بثمن ... ا لى كل من حمل معي هّّ هذا البحث، وضحى بالكثير.... ا لى كل من أ فادني برأ ي، أ و نصيحة، أ و تقويم، أ و تسديد ... ا لى كل هؤلء جميعا... أ سأ ل الله تعالى لهم حسن المثوبة، و دوام التوفيق، ا نه ولـيّّ ذلك والقادر عليه .

عدد الصفحات ٤

مقـــــــــــــــدمــــــــــــــة

عدد الصفحات ٥

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مقدمــــة ‌أ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا؛ أنزله في أوجز لفظ وأعظم بيان، وأوجد من أفنوا أعمارهم في خدمته ، ليبقى محفوظا على مر الزمان،          [الحجر، 9] . وممن خدم كتاب الله بإخلاص و تفـان وا تقـان، عل ـم قراء مدينة الرسول  ,الإمام نافع بن أبي نعيم، الذي انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المنورة، وسارت بذكره الركبان، فرحل إليه أهل الحج ـاز والمشـرق والمغرب ، لتعل ـم قراء ته، والحظوة بشرف العرض عليه . ولا تزال هذه القراءة قبلة طلبة القراءات ، فلم يكد يخلو زمان بعد نافع من قلوب وعت ها، وألسنة لق نتها، و كتب أشاعتها بين الناس... ولأهمية هذه القراءة، فقد اخترت في مرحلة الماجستير دارسة رواية ورش ، في مذكرة عنوانها: (الخصائص الصرفية والنحوية لرواية ورش ، سورتا البقرة وآل عمران أنموذجا)، وحين أنهيت عملي في ذلك الموضوع، تبين لي أن قراءة نافع مازلت بحاجة إلى مزيد من ال دراسة ، فقررت أن أواصل البحث في هذه القراءة، في رسالة الدكتوراه، مركزا على الفعل ، باعتباره عاملا قويا؛ فهو مادة مهمة في بناء الجملـة، وهو الذي يص ـور النشـاط والحركة، بل هو مصدر التعبير عن الأفكار. وقد كان العنوان المختار لهذه الدراسة هو : (بنية الفعل في قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية). و من أسباب هذا الاختيار:- 1-الوفاء بالوع ـد الذي قطعتـه على نفسـي في خاتمـة مذكرة الماجستير، بمواصلة البحث في قراءة نافع .

عدد الصفحات ٦

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مقدمــــة ‌ب 2- قلة البحـوث التي درس ت هذه القـراءة دراسة لغوية شاملة 1،بينما هنـاك قراءات د رست بشكـل أشمل وأعمق 2. 3- شيوع قراءة ناف ـع في بلاد المغرب العربي ، ومنها الجـزائر ، التي تعتبر رواية ورش عن نافع قراءتها الرسمية . أما إشكالية هذا البحث، فيمكن تجليتها من خلال الأسئلة التالية: هل القرآن الكريم والقراءات القرآنية بمعنى واح ـد، أم هما حقيقتان مختلفتان؟ ولماذا آثر نافع تسهيل الهمز، وخاصة في رواية ورش ؟ ولماذا مالت هذه الرواية إلى الإمالة (التقليل)، بينما لم يظهر ذلك في رواية قالون؟ ولماذا ظهـر تفخيم اللام، وترقي ـق الراء عنـد ورش في بعض المواضع؟ وما سب ب امتيـاز رواي ته بطـول بعض المدود؟ ولماذا كان نافع يميل إلى الإظهار، ولا يدغم إلا في حالات قليلة؟ ويختـار المجرد أحيا نا، والمزي ـد أحيانا أخرى ؟ والم خفف في مواضع ، والمش ـدد في مواضع أخرى؟ والمبن ـي للفاعـل تارة، و المبنــي للمفعـول تـارة أخرى ؟ ولمـاذا كان يختـار حرف المضارع ة، بدل حرف آخر؟ وزمن الفعل ، بدل زمن آخر؟ وما دلال ـة اختياره حركة إعرابي ـة، بدل حرك ـة أخ ـرى؟ و اختياره اللازم أحيانا، و المتعدي أحيانا أخرى ؟ و(كان) التامـة في مواضع ، و(كان) الناقصة في مواضع أخرى ؟ و لماذا كان يذ كر الفعل طورا ، ويحذفه طورا آخر ؟ و يختار حرفا من حروف المعاني الداخلة ع لى الفعل، بدل غيره؟ 1 - هناك بعض الدراسات التي عالجت رواية قالون وورش ، و لكنها تركز على الناحيتين، الصرفية والنحوية، منها: الظواهر اللغوية النحوية في رواية قالون عن نافع، لعبد الستار مشحن الدليمي، ورواية قالون عن نافع، دراسة نحوية صرفية، لمحمد علي مفتاح، إضافة إلى مذكرتي في الماجستير : الخصائص الصرفية والنحوية لرواية ورش، سورتا البقرة وآل عمران أنموذجا . 2 - من الأمثلة على ذلك : الخصائـص اللغوية لقراءة حفـص ، دراسة في البني ـة والتركيب ، لعلاء إسماعيل الحمزاوي ، والملامح اللغوية والصوتية في قراءة الإمام الكسائي، لمحسن هاشم درويش، و قراءة يع قوب بن أبي اسحق الحضرمي، وأثرها في الدراسات الصوتية والصرفية والنحوية، لخليل عبد العال خليل، وغيرها .

عدد الصفحات ٧

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مقدمــــة ‌ج وباختصار، هل كان نافع ينو ع في اختياراته السابقة، قصد مخالفة بعض القراء، أم أنه قد رسم لنفسه منهجا ، يتبعه في كل ما يختار؟ وا ذا كان كذلك، فما هي سمات هذا المنهج، وأسسه التي يقوم عليها؟ ولقد اقتضت طبيعة هذا الموضوع أن تكون خطته متكونة من: مدخل، وثلاثة فصول، وخاتمة. ففي المدخل، عر فت القراءات القر آنيـة، وبينت نشأتـها، ومراحل تطورها، ثم تحدثت عن حيـاة نافـع، ومكانته العلمية، وختمته بالحديث عن موقف النحاة من القراءات القرآنية . وقد خصصت الفصل الأول لدراسة الفعل من الناحية الصوتية، و هو متكون من خمسة مباحث؛ درست في المبحث الأول : الهمز بين التحقيق والتخفيف ، و في الثاني: الفتح والإمالة، و في الثالث: المد والقصـر، و في الرابع : التفخيم والترقيق في اللام والراء ، و في الخامس: الإظهار والإدغام. و جعلت الفصل الثاني لدراس ـة الفعل من الناحية الصرفي ـة، و قد حـوى ستة مباحث؛ خصصت المبحـث الأول منه: لحرك ـة (فاء وعين ) الفعـل، و الثاني: للتجرد والزيادة في الأفعـال، و الثالث: للتشديـد والتخفيف في بنية الفعل الم زيد ، والرابع : لحروف المضارع ـة، ودلالتها على الفاعل المضم ـر، والخامس: للمبني للفاع ل والمبني للمفعول، والسادس: للفعل ودلالة الزمن . وثالث الفص ول هو الفص ـل النحـوي الدلالي ، و هو متكون من خمسة مباحث؛ عالجـت في المبحث الأول: الحـركة الإع ـرابية ودورها في المعن ـى، و في الثاني: دلالـة كـل من اللازم والمتع ـدي، وفي الثالـث: دلالة ذكر الفعل و حـذفه، و في الراب ـع: دلالـة (كان) التامة والناقصة، و في الخامـس: دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل. و قد ختمت بحثي بخاتمة، جمعت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها. أما المنهج الذي سارت عليه هذ ه الدراسة ، فهو المنهـج الوصفي التحليلـي، و في ظلال هذا المنهج، قمت بنقل قراء ة نافع، والقراءة المخالفة لها من مصادرها ، ثم بينت موضع الخلاف في بنية الفعـل بين القراءتين، ثم شرع ت في التفسيـر والتحليـل

عدد الصفحات ٨

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مقدمــــة ‌د والتعليـل، معتمدا كتب التفسير، و النحـو، واللغـة، وعلل القراءات ؛ مفيدا – أحيانـا- من معطيـات الدرس الحديث ، حيـن يضف ـي على الظ ـاهرة تعليلا جديدا ، يضاف إل ى تعليلات المتقدمين. وقد التزمت في هذا البحث بما يلي: 1- تدوين الآيات القرآنية برواية ورش عن نافع . 2- عدم ذكر أسماء القراء الذي ـن وافقت قراءتهم قراءة نافع ، أو خالفتـها، والاكتفاء بذكر قراءتهم فقط ، إلا إذا كـان قارئا واح دا أو اثنين؛ ذلك أن المقصود هو بيان القراءة المخالفة قراءة نافع، وليس معرفة القارئ . 3- القراء المعتمدة قراءتهم في هذه الدراس ـة هم القراء العش ـر ة، أصحاب القر اءات العشر المتواترة ؛ لأن الاقتصار على قراءتهم كاف لبيان مميزات قراءة نافع من جهة، وحتى لا يطول البحث كثيرا ، بذكر عدد كبير من القراءات من جهة أخرى . 4- حين توافق قراءة نافع أكثر من خمسة قراء ، أقـول: قرأ نافع والجمهور ، وأشير إلى قراءة الجمهور أيضا ، إذا خالفت قراءة نافع بمثل هذا العدد. أما المصادر المعتمدة في هذه الدراسة فهي متنوعة؛ منها كتب القراءات : كالمبسوط في القراءات العشر، للنيسابوري، والنشر في القراءات العشر ، لابن الجزري، و الحجة في القراءات السبع لابن خالويه، و حجة القراءات لابن زنجلة ، و الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، وغيرها ، وكتب التفسير: كالجامع لأحكـام القـرآن، ل لقرطب ـي، و تفسيـر البحر المحيـط، لأبي حيان الأندلسي، والتحري ـر والتنويـر، للطاهـر بن عاشور وغيرها ، وكتب اللغـة والنحو والصـرف: ككتـاب العين، للخليل بن أحمـد، و الكتاب، لسيبويه، والخصائص، لابن جني، ولسان العرب ، لابن منظ ـور، و شـرح شافية ابن الحاجب، للرض ـي الإستراباذي، وغيرها ، وكتـب علوم اللغـة الحديثة: كعلـم اللغة، لمحمود السعران ، و الأصوات اللغويـة، لإبراهي ـم أنيس، و علـم الأصوات ، لكمال بشر، وغيرها ... ولا يفوتني في نهاية هذه المقدم ـة أن أتقدم بشكـري الجزيل إلى أستاذي الدكتور لخضر بلخير، المشرف على هذه الرسال ـة، فلولا توجيهات ـه المثمـرة، ما كانت لتخـرج

عدد الصفحات ٩

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مقدمــــة ‌ه بهذه الصورة، ابتـداء من عنوانه ا، إلى آخ ـر سطر فيه ا، فقد كان لي نعم العون والمشجع والمفيد، فأسأل الله سبحانه وتعالى له، ولكل أساتذتي الكرام دو ام الصحة والعافية، وحسن التوفيق. وأعتذر عن كل ما قد يصاحـب هذا البحـث من نقص أو خطإ؛ فالكمال لله، و العصمة لمن عصمهم الله  من المرسلين ، وأسأل ه عز وجل - إن لم يكتب لي أجري المجتهد المصيب - ألا يحرمني أجر المجتهد المخطئ، كما أسأله سبحانه أن يجازي كل من ناقشه ، بقصد تسديدِ وا صلاحِ ما يمكن أن يكون فيه من نقص، فعمل البشـر لا يعيبه أن يكون ناقصا، ما دام صاحبه قد استفرغ وسعه، وبذل جهده، وأدى بعض ما عليه. والله ولي التّوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيــل.

عدد الصفحات ١٠

مدخـــــــــــــل أولا - تعريف القرآن الكريم والقراءات القرآنية ثانيـا- نشأة القراءات القرآنية ومراحل تطورها ثالثـا- حياة نافع ومكانته وركائز الاختيار لديه رابعا - موقف النحاة من القراءات القرآنية

عدد الصفحات ١١

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 7 قبل الحديث عن حياة الإمام نافع، وموقـف بعض النحاة من قـراءته، ينبغي التعريف بالقرآن الكري ـم، وقراءات ـه، ونشأتـها، ومراح ـل تطـورها، ليكون ذلك تمهيدا طبيعيا للحديـث عن نافـع، و البيئة التي نشأ فيها، و مكانته العلمية، وشيوخه وتلامذته... أولا - تعريف القرآن الكريم والقراءات القرآنية : 1-تعريف القرآن الكريم : لقد اختلف العلماء حول لفظ (القرآن ) من حيث كونه مهموز ا، أو غير مهموز، ومن حيث كونه مشتقا، أو غير مشتق، ولهم في ذلك أقوال مشهورة، ذكرتها كتب علوم القرآن، وبعض كتب التفسير 1. أمامن الناحيـة الاصطلاحي ـة، فيعرفونه بأنه : "الكـلام المعجز ، المنـزل على النبي، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته"2. 2 - تعريف القراءات القرآنية والفرق بينها وبين القرآن الكريم : أ-تعريفها لغة: القراءات : جمع قراءة ، وهي في اللغة مشتقة من مادة (قرأ )؛ يقال: قرأ ، يقرأ ، قرآنا ، وقراءة 3. ب-تعريفها اصطلاحا والفرق بينها وبين القرآن : أشهـر تعري ـف للقراءات، ه ـو تعريف ابن الجزري : "علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها ، بعزو الناقلة"4. 1 - ينظر: البرهان في علوم القرآن ، محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعرفة، بيروت، دط، 1931هـ، 1/777، 772،و الجواهر الحسان في تفسير القرآن ، عبد الرحمن الثعالبي ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، دط، دت، 1/12. 2 - مناهل العرفان في علوم القرآن ، محمد عبد العظيم الزرقاني ، تح: مكتب البحوث والدراسات ، دار الفكر، بيروت، ط1،1331م، 1/11. 3 - لسان العرب ، محمد بن مكرم بن على جمال الدين بن منظور، دار صادر، بيروت، ط1، دت،19/701. 4 - منجد المقرئين ومرشد الطالبين، أبو الخير محمد بن محمد بن الجزري، تح : عبد الحليم بن محمد الهادي قابة، دار البلاغ، الجزائر ، ط1،1171هـ،7009م، ص17.

عدد الصفحات ١٢

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 2 وأحسن منه صياغة تعري ـف عبد الفتاح القاض ـي: "علم ي عرف ب ه كيفية النطق بالكلمات القرآنية ، وطريق أدائها ، اتفاقا واختلافا، مع عزو كل وجه إلى ناقله1. ذلك أن الله أباح قراءة القرآن الكريم بوجوه لغوية و صوتية، تيسيرا وتخفيفا على العباد، وقد قام كل إمام من الأئمة باختيار بعضها ، وفق أسس معينة ، مكوّنا قراءة خاصة تنسب إليه، مثل: قراءة نافع ، أو عاصم، أو ابن كثير ... وهنا يطرح إشكال، وهو : هل القرآن الكريم والقراءات القرآنية بمعنى واحد ، أم هما حقيقتان مختلفتان؟ لقد ذهب محمد محيسن إلى أنهما بمعنى واحد، معتمدا على تعريف كل منهما؛ حيث إن القرآن مصدر مرادف للقراءة، والقراءات جمع قراءة ، كما اعتمد أيضا على الأحاديث النبوية الواردة في نزول القراءات ، والتي تدل على أنه لا فرق بين القرآن والقراءات ، إذ كل منهما وحي منزل 2. وقد قرر الزركشي قبل ذلك أنهما حقيقتان متغاي رتان ؛ فالقرآن : هو الوحي المنزل على محمد  للبيان والإعجاز، والقراءات : هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتابة الحروف، أو كيفيتها، من تخفيف وتثقيل وغيرهما 3 . أماشعبان محمد إسماعيل، فقد قال - وهو يعلق على كلام البنا الديمياطي الذي وافق فيه الزركشي - : " فإذا كان الزركشي ومن معه يؤ يدون التغاير التام من كل الوجوه، فهذا غير مسلّ م به ، إذ ليس بين القرآن والقراءات تغا ير تام ، فالقراءات 1 - البدور الزاهـرة في القراءات العشر المتواتـرة، من طريقي الشاطبية والدرة، عبد الفتاح القاضي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دط، دت، ص 7 . 2 - في رحاب القرآن الكريم، محمد سالم محيسـن، دار محيسـن للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1،1103هـ، 1323م، ص703،710 . 3 - البرهان في علوم القرآن ، 1/912 .

عدد الصفحات ١٣

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 3 الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبولجزء من القرآن الكريم ، وبعض حروفه، فبينهما ارتباط وثيق ؛ ارتباط الجزء بالكل "1. والحقيقة أن رأي محمد محيسن غير دقيق؛ لأن ما يجري على القراءات من أحكام ، لا يجري بالضرورة على القرآن ، وا لا فإن عددا من النحاة قد ردوا بع ض الأحرف من القراءات ، وبينوا خطأها، يحدوهم في ذلك حرص على القرآن الكريم ، حتى لا يتسرب التحريف إلى قراءته ، فلو كانا بمعنى واحد ، فكيف يسوغ رد بعض القراءات بنيّة الحفاظ على القرآن ؟ وأما الزركشي الذي اعتبر القرآن والقراءات حقيقتين متغايرت ين، فهو وا ن سلمنا برأيه من حيث الشكل، إلا أنه لا يمكننا التسليم به من حيث المضمون؛ لأنهما ليسا بهذه الحدة من التغاير، فالقرآن وحي، واختلاف كيفياته نازل معه ، كل من عند الله2، ولهذا، فإن حديثة عن التغاير بين القرآن والقراءات بحاجة إلى توضيح . وأما رأي شعبان محمد إسماعيل الذي اعتبر القراءات جزء ا من القرآ ن الكريم ، فهو الأقرب إلى الصواب؛ ذلك أن الله تعالى أباح لقارئ كتابه أن يختار حرفا من سبعة أحرف نزل بها القرآن ، بحسب ما يتيسر على لسانه، أو يوافق لهجته، تخفيفا على الأمة، وتوسعة عليها، لأنه قد تستعصي على القارئ بعض النواحي الصوتية التي لا تتوفر في ل هجته، فالقبائل العربية كثيرة، وبيئاتها مختلفة ، وطرائق النطق عندهم متفاوتة3 . 1 - إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر، أحمد بن محمد البنا ، تح: شعبان محمد إسماعيل، عالـم الكتب، بيروت، ط1،1107هـ،1327م، ص13 . 2 - ينظر: القرآن والقراءات والأحرف السبعة، عبد الغفور محمود مصطفى جعفر، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1،1173هـ،7002م، 1/112. 3 - ينظر: القراءات والله جات من منظور علم الأصوات الحديث، عبد الغفار حامد هلال، دار الفكر العربي، القاهرة، ط 7،1171هـ، 7001م، ص77 .

عدد الصفحات ١٤

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 10 وقد استمر الناس في عصر الصحابة وبعده، يروون القرآن ، كل بما تعلم، إلى أن حل عصر الأئمة، وظهرت قراءاتهم التي تلقتها الأمة بالقبول، ومنها قراءة نافع، وهي من القراءات المتواترة؛ ولكن لا يمكن اعتبارها أبدا هي القرآن ؛ لأن ذلك يعدّ طعنا في بقية القراءات . وهكذا يصح القول: إن القراءات هي طرق أداء بشرية للقرآن الذي هو كلام الله القديم1،ومن هنا يظهر التمايز بين القرآن باعتباره كلام الله، وبين القراءات باعتبارها أداء بشريا لكلام الله، وما دامـت القراءات كذلك، فإنها تقبل عددا من الأوصاف، لا يقبلها القرآن منها: 1- القراءات يمكن أن يقع التفاضل بينها؛ فقد قال  :"استقرئوا القرآن من أربع ة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفـة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل"2،وقد علق الباقلاني على هذا الحديث قائلا: " فهؤلاء الأربعة قد باينوا غيرهم من الصحابة في جودة القراءة ، وصحتها، والعلم بها، لأن الغلط واللحن والتحريف والتصحيف إنما يقع في القراءة التي هي صف ـة القارئ، أما المقروء فهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "3. 1 - علماء الكلام وخاصة الأشاعرة ومن وافقهم، حين يتحدثون عن (كلام الله) يقصدون الكلام النفسي، لأن كلام الله قديم، غير مخلوق، وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى، ليس بحرف ولا صوت ، لكن الحروف التي كتبت بها كلمات القرآن، والأصوات التي تنطق به أمور حادثة ، وجدت بعد أن لم تكن، وهي بمثابة الدليل على كلام الله القديم، و الدليل غير المدلول، ولا يتصف بصف ته، فالكلام الحقيقي: هو المعنى المو جود في النفس، فهو كلمات أزلية مجردة عن الحروف اللفظية ... ينظر: مناهل العرفان، الزرقاني، 1/19، والاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1109هـ، 1329 م، ص72 و29، ورسائل في التوحيد ، عز الدين بن عبد السلام، تح: إياد خالد الطباع، دار الفكر، دمشق، ط1،1111 هـ، 1331 م، ص17،13،70. 2- الجامع الصحيح المختصـر، محمد بن إسماعيـل أبو عبد الله الجعفي البخاري، تح: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط9،1107هـ، 1327م،9/1977 . 3 - الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به، أبو بكر بن الطيب الباقلاني، تح : محمد زاهد بن الحسن الكوثري، دار التوفيق النموذجية ، القاهرة، ط7،1171هـ،7000 م، ص20.

عدد الصفحات ١٥

بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية مدخـــــــــــــــــــــــــل 11 2- الاختلاف في القراءات مباح ، فكل قارئ يقرأ بأي حرف من القراءات المتواترة ، فهو مصيب، أما القرآن فهو واحد لا يتغير، ولا يجوز فيه الاختلاف ؛ يدل على ذلك حديث عمر بن الخطاب ، حين أنكر على هشام بن حكيم، وقد سمعه يقرأ سورة الفرقا ن على غير ما تعلمه من رسول الله ، فلما سمع الرسول قراءتهم ا، لم ينكر على أي منهما، بل قال: "كذلك أنزلت ، إِنَّ هَذَا الْقر آن أ نْزل عَلى سَبْعة أَحْرف، فَاقرَء وا مَا تيَ سَّ رَ مِ نْ ه "1،فالنبي  قدأقر اختلاف القراءتين ، لأن كلا منهما أداء صحيح للقرآن الكريم ، الذي لا يتبدل ولا يتغير . 3- القراءة يمكن أن تنسب إلى شخص ، ف يقال: هذه قراءة نافع ، أو حمزة ، أو غيرهما ، كما نسب النبي  قراءة ابن مسعود إليه ، فقال: "مَ ن أحَ بّ أنْ يقرأَ الق رآنَ غَ ض ا كَ مَ ا أ نزِ لَ ، فَ لْ يقْ رَ أْ ه علَ ى قِ راءَ ةِ ابنِ أم عَ بْ د"2، ولكن القرآن لا ينسب إلا لم نزله سبحانه وتعالى، فلا يجـوز أن يقال: إن المقروء الذي يقر ؤ ه ابن مسعـود، غير المقروء الذي يقر ؤ ه أ بيّ، لأن القراءة تكون غير القراءة ، والقرآن الذي يقرؤ ه هذا بقراءته ، هو القرآن الذي يقرؤه هذا، لا يختلف، ولا يتغير ، وا ن تغيرت القراءة له واختلفت 3. ويمكن التفريق بي ن القراءات والقرآن بأكثر من هذا 4 . ثانيا - نشأة القراءات القرآنية ومراحل تطورها : لقد مرت القراءات منذ نشأتها إلى أن صارت علما قائما بذاته ب عدة مراحل : 1-القراءات في ال عهد النبوي : لقد تميزت هذه المرحلة بميزات متعددة أهمها : أ - نزول القرآن على سبعة أحرف؛ فقد قرأ الصحابة بعدة أوجه1، بسبب اختلاف لهجاتهم. 1 - ينظر الحديث في: صحيح البخاري، 1/1379 . 2 - المستدرك على الصحيحين ، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري ، تح: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1،1111هـ، 1330م،9/913، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه . 3 - ينظر: الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به ، الباقلاني، ص 72،73. 4 - ينظرالمرجع نفسه ، ففيه عدد آخر من أوجه التفريق بينهما، وذلك ابتداء من ص71.

عدد الصفحات ١٦