المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ١٤ من ١٨

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 224 الموضع الثاني: قال تعالى :                    [الأعراف ، 814]. قرأ نافع والجمهور(م عْذ ر ة ) بالرفع، وقرأ عاصم في رواية حفص (م عْذ ر ةً ) بالنصب1. وقراءة الرفع عند نافع على إضمار (هذه)؛ فكأنهم قالوا : هذه معذرة إلى ربكم 2، وقر اءة حفص عـن عاصـم بالنصـب، على المفعول لأجله، أي: وعظناهم لأجل المعذرة 3. الموضع الثالث: قال تعالـى:           [يونس، 23]. قرأ نافع (متاعُ ) برفع العين، وقرئ بنصبها 4. فمن قرأ بنصب (متاع)، فقد اعت بره مصدر ا مؤكدا لفعل مقدر؛ أي بغيكم وبال على أنفسكم، تتمتعون متاع الحياة الدنيا5، أما قراءة نافع، ف على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو متاعُ الحياة الدنيا6. 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص281. 2 - ينظر: تفسير الماتريدي ، 2/13. 3 - ينظر: التحرير والتنوير ، 9/822. 4 - ينظر: النشر في القراءات العشر، 2/213. 5 - ينظر: فتح البيان في مقاصد القرآن ، 1/42. 6 - ينظر: التحرير والتنوير ، 88/842.

عدد الصفحات ٢٠٩

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 222 الموضع الرابع : قال تعالى:       [يس، 3]. قرأ نافع برفع لام (تنزيلُ )، وقرئ ب نصبها1. فمنقرأ بالنصب، فقد أضمر فعلا، أي: نزله تنزيل العزيز الرحيم، وأما قراءة نافع بالرفع، ف على أنه خبر ابتداء محذوف، أي: هو تنزيل 2. الموضع الخامس: قال تعالى:      [المسد، 4]. قرأ ناف ع والجمهور (حمالةُ ) برفع التاء، وقرئ بنصبها 3. فمن قرأ بالنصب، فنصبه على الذم، والتقدير : أعني حمالة الحطب، وأما قراءة نافع بالرفع ، فعلى معنى: سيصلى هو وامرأت ـه حمالةُ الحطـب، فـ(حمالة) نعت لها4. وكل هذه المواضع تم فيها إضمار الفعل في غير قراءة نافع، ف الجمل عنده اسمية، بينما هي عند من قرأ بالنصب جمل فعلية، فعلها محذوف . أما عند نافع فإن حذف الفعل قليل، ومثاله : قوله تعالى :         [ سبأ، 16]. قرأ نافع والجمهور (الرِّيح ) بنصـب الحاء، و قـرأها عاصـم في رواية أبي بكر برفع ها5. 1 - ينظر: النشر في القراءات العشر، 2/323 2 - ينظر: تفسير القرطبي ، 82/1. 3 - الحجة للقراء السبعة، الفارسي، 1/428. 4 - تفسير القرآن العزيز ، ابن أبي زمنين ، 2/818. 5 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 318، السبعة في القراءات، ص221.

عدد الصفحات ٢١٠

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 221 أما قراءة عاص ـم، فـ (الرِّيـحُ ) مبتدأ، و خبره الجار والمجرور قبله؛ لأن (الريح ) لما سُ خرت له، صارت كأنها في قبضته، فهو مالك أمرها ، لأن سيْ رها به1. وأما قراءة نافع والجمهور ، فالنصب على إضمار فعل، وال معنى: (و سخرنا لسليمان الريح )2. والذي يسوغ هذا الاحتجاج لقراءة نافع أن هذه الآية جاءت في سياق جمل فعليـة ؛ فقد سبقت بقول ـه تعالــى :               ، ووليتها جملة فعلية كذلك، وهي :                         ويقوي هذه ال قراءة إجماع القراء على النصب في قوله تعالى:            [الأنبياء، 11]، والتعليل هنا لا يختلف عن الآية السابقة من سورة سبأ؛ فقد سبقت هذه الآية بعدد من الآيات تحـوي جمـلا فعلية، منها قولـه تعالـى:            [الأنبياء، 42]، وقولــه:             [الأنبياء، 47]،وقوله:                 [الأنبياء، 44]،فكل هذه الجمل هي جمل فعلية، وقد عطفت على هذه الجملة جمل 1 - ينظر: فتح القدير، 4/313، والقراءات وأثرها في علوم العربية، 2/211. 2 - ينظر: الحجة في القرا ءات السبع، ابن خالويه، ص 292، وتفسير القرطبي، 88/328 .

عدد الصفحات ٢١١

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 221 فعليةأخـرى، كما في قول ـه تعالـى:     1 [الأنبياء، 11]،وقوله:             [الأنبياء، 16]. ومجيء    في سياقجمل فعلية، يجعل اعتبارها جملة فعلية فعلها محذوف أمرا وجيها جدا، ولذلك أجمع القراء العشرة على قراءة (الريح ) بالفتح على إضمار فعل، واختار نافع والجمهور ذلك في آية سبأ أيضا، لأنها جاءت في سياق جمل فعلية. 2- حذف الفعل بتحويل البنية: قد يحدث أن تتحول البنية أحيانا من الفعل إلى الاسم؛ فتتحول معها الجملة من الفعلية إلى الاسمية، وفي هذه الحالة ينعدم الفعل في قراءة نافع ، بينما يظهر في قراءة أخرى، لتتحول معه الجملة من الاسمية إلى الفعلية ، وهذه أمثلة على ذلك : أ-استبدال (جعل)بـ(جاعل): قال تعالـى:              [الأنعام، 94]. قرأ نافع والجمهور ( )، وقر ئ ( َ  َ ) بالنصب2. فمن قرأ (  َ )، اعتبر أن الجملة فعلية، فعلها ماض، و هو(جعل)، وذلك لأن الأفعال التي عطفت عليه جاءت بلفظ الماضي، وهي قوله بعدها        [آية، 91]،         1 - على اعتبار أن (من) مفعول به لفعل محذوف تقديره : ( سخرنا )، والتقدير : وسخرنا من الشياطين من يغوصون له. ينظر: إعراب القرآن ، النحاس، 3/24. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص899، و النشر في القراءات العشر، 2/212.

عدد الصفحات ٢١٢

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 221 [آية، 99]،        [آية، 111]. ،فحمل أول الكلام على آخره 1. أما قراءة نافع والجمهور فإن (جاعل) اسم فاعل، وقد سبق باسم فاعل آخر، وهو (فالق) في قولـه تعالـى:        [آية، 92]، و في الآية نفسـها       ، فأجـروْ ا ( )،على لفظ ما تقدمه؛ إذ أتى في سياقه، ونصبوا (ِِ) على تأويل (وجعل الشمس والقمر حسبانا)2، قال سيبويه: "لأن ه حين قال جاعلُ الليل ، فقد علم القارئ أن ه على معنى جعل، فصار كأ نه قال: و ج ع ل الل يل س كنا"3، فنصبتس كنا به، كما تنصب بالفعل (جعل)4. ويقوي هذه القراءة ما ورد في الموطإ، عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن رسول الله كان يدعو فيقول:" اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، واغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك"5. وهكذا يتبين أن الجملة عند نافع هي جملة اسمية، لا فعل فيها، والعامل فيها هو اسم الفاعل (جاعل)، وقد راعى السياق الذي وردت فيه ؛ والذي يحوي عددا من أسماء الفاعل. 1 - ينظر: حجة القراءات ،ابن زنجله، ص 212، وتفسير القرطبي ، 1/42. 2 - الحجة للقراء السبعة، الفارسي، 3/318، وحجة القراءات، ص 212 3 - كتاب سيبويه، 8/321. 4 - ينظر: معاني القرآن وا عرابه، الزجاج ، 2/214. 5 - موطأ الإمام مالك، مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر، دط، دت، 8/282.

عدد الصفحات ٢١٣

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 229 ب-استبدال (ع م ل ) بـ(عمل ): قال تعالـى:             [هود، 22]. قرأ نافع (ع م ل غ يْرُ ص ال ح )، بفتح الميم، وضم اللام، وتنوينه، ورفع (غيرُ )، وقرئ (ع م ل غير ص ال ح )، بكسر الميم وفتح اللام، ونصب (غير )1. فمن قرأ (ع م ل غير ص ال ح )، فقد جعل الجملة فعلية، فعلها ماض، وهو (ع م ل )، و(غير ): مفعول به منصوب، أو صفة لمصدر محذوف، والفاعل: ضمير مستتر تقديره (هو)، يعود على (ابن نوح )، والتقدير : إن ابنك يعمل عملا غير صالح، وجملة (عمل غير صالح) في محل رفع خبر (إن). ومعنى القراءة : إنه عمل عملا غير صالح، وهو كفره، وتركه متابعة أبيه2 . أما قراءة نافع ، فالجملة اسمية، و(عمل ) خبر (إن)، و (غيرُ ) صفة، وال معنى: إنه ذو عمل غير صالح، أو على جعل ذاته ذات العمل، مبالغة في الذم، على حد قولهم: (رجل شر)3. وقيلمعناه: إن سؤالك إياي أن أنجيه من الغرق عمل غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد ما حكم عليه بالهلاك بعيد4. ويبدو أن دلالة الجملة الاسمية هنا أقوى من دلالة الجملة الفعلية وأبلغ 5؛ ذلك أنها أنها بينت أن هذا الابن العاق لأبيه الرسول ، لم يكن قد أخطأ، فعمل عملا غير صالح، يمكن تدارك ه بالتوبة، بل صار هو والعمل غير الصالح سواء، فهو ابن لا 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص239، والسبعة في القراءات ، ص 334. 2 - فتح القدير، 2/212. 3 - ينظر: القراءات وأثرها في علوم العربية ، محيسن، 8/228. 4 - ينظر: تفسير الخازن ، 2/411. 5 - تفسير القرآن الحكيم، محمد رشيد رضا، الهيئة المصر ية العامة للكتاب، القاهرة، دط، 1991م، 82/12.

عدد الصفحات ٢١٤

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 282 خير فيه، ولا صلاح يرجى منه، ولا يستحق أن ينسب إلى هذا النبي ال كريم، ولا أن يكون من أهله. ج- استبدال (فك )بـ(فك )، و(أطعم )بـ(إطعام): قال تعالى:                           [البلد، من 16إلى12]. قرأ نافع والجمهور (ف كُّ ر ق ب ة أ وْ إ طْع ام ف ي ي وْم ذ ي م سْغ ب ة )، وقرئ (ف كَّ ر ق ب ةً أو أ طْع م ف ي ي وْم ذ ي م سْغ ب ة )1. فمن قـرأ (فكَّ ر ق ب ـةً )، فقد جعـل (فكَّ ): فعلا ماضيا، و(ر ق بةً ) مفعول به، و(أطْع م ): فعلا ماضيا كذلك، ف الفعل فيها، بدل من (اقتحم)، من قوله تعالى :     ،فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم، وفي هذه القراءة جملتان فعليتان، الأولى فعلها (فكَّ )، والثانية فعلها (أطْع م ). أما في قراءة نافع ، فالجملتـان اسميتـان؛ فـ(فكُّ ): اسـم مرفوع ، على إضمار مبتدأ، أي: هو فك رقب ـة، و(رق ب ة ): مجرور بالإضافة، و(إطْع ام ) : اسـم مرفوع أيضاً ؛ و(فكُّ رقبة ): هو تفسير قوله تعالى: وما أدراك ما العقبة؟ أي: اقتحام العقبة هو فك رقبة ، أو إطعام2. وقد بين الزجاج أن كلتا القراءتين جائز ة؛ فمن قال (ف كُّ ر ق ب ة )، فالمعنى: اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام، ومن قرأ (ف كَّ ر ق ب ةً )، فهو محمول على المعنى؛ و معناه: فلا فك رقبة ، ولا أطعم في يوم ذي مسغبة، فكيف يجاوز العقبة ؟3. 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص413، والسبعة في القراءات ، ص 111. 2 - ينظر: اللباب في علوم الكتاب، 22/341، وتفسير القرطبي، 22/12. 3 - ينظر: معاني القرآن وا عرابه ، 2/329.

عدد الصفحات ٢١٥

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 288 إلا أن الفراء اختار قراءة الفعل (ف كَّ ر ق ب ةً ) بدل قراءة نافع، محتجا بأن بعده (ثم كان)، أي فلم ا عطف بـ(كان)، وجب أن يكون المعطوف عليه فعلا أيضا، وهو (فكَّ )، ليعطف فعلا ماضيا على فعل ماض1. والحقيقة أن الاسم إذا جاء في معنى الفعل ، جاز العطف ع ليه، كما عطفت (يقبضـن) على (صافات) في قوله تعالـى:          [الملك، 61]. لأن الاسم المعطوف عليه حامل للضمير، فصار بمنزلة الفعل مع الاسم، فإذا عطف الفعل على الاسم المشتق منه، رد الفرع إلى الأصل، لأن الاسم المشتق من الفعل فرع له، و متضمن معناه، فجاز عطف الفعل عليه، على سبيل التوهم أن في الاسم الفعل المحض2. واعتمادا على ما سبق، فإن (فكُّ ) و(إطْع ام ) اسمان مشتقان، فالأول مشتق من الفعل(فكَّ )، والثاني من الفعل (أطْع م )، و كل منهما متضمن معنى الفعل، فيجوز - بهذا الاعتبار- عطفهما على الفعل من غير قبح. وهناك أمر آخر مهم، وهو أن (ثُمَّ ) هنا ليست للتراخي الزمني، فالإيمان مفروض وقوعه قبل فك الرقاب ، وا طعام الطعام، وهو الذي يجعل للعمل الصالح وزنا في ميزان الله، فكأن المقصود هو (فكُّ ) و(إطْع ام ) في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة .. وفوق ذلك كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ؛ فـ(ثم) هنا لإفادة معنى الفضل والعلو 3، أي فضل الإيمان على(فكُّ رقبة ) و (إطْع ام في يوم ذي مسغبة)، فالعطف بـ(ثم) لم يؤد معناه الطبيعي، وهو الترتيب مع التراخي ، وا نما أدى معنى أفضلية ما بعده عما قبله، ومن ثم حسن مجيء (كان) بعد الاسمين (فكُّ ) و(إطْع ام ). 1 - ينظر: معاني القرآن ، 3/212. 2 - ينظر: نتائج الفكر في النَّحو، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط8، 8482هـ، 8992م،ص241. 3 - ينظر: في ظلال القرآن ، سيد قطب، دار الشروق، بيروت، القاهرة، ط 81، 8482هـ، 1/3983.

عدد الصفحات ٢١٦

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الثالث- دلالة ذكر الفعل و حذفه 282 ثم إن الأفعال أثقلُ من الأسماء1، فكيف إذا تكررت ؟ كما في هذه الحالة التي ندرسها ، حيث تتابع ـت عدة أفعال في غير قراءة نافع و الجمهور؛ وهي : ( فكَّ )، (أطعم) ( كان)، بينما مال نافع إلى التخفيف، فلم نجد في السياق إلا جملة فعلية واحدة، وهي :        وهذه الجملة أفادت الثبات الدائم على الإيمان، بالفعل (كان) الذي يفيد الدوام، لأن الإيمان هو أصل كل الأعمال الصالحة. وهكذا يتبين لنا الذكر أو الحذف عند نافع، كان من أجل التوافق مع السياق، والتمسك بأقوى القواعد اللغوية، و الميل إلى الأخف لفظا. 1 - كتاب سيبويه، 8/22.

عدد الصفحات ٢١٧

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 312 المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة : لقد اختار نافع في بعض المواضع (كان) التامـة، بينما اختـار غيره من القراء (كان) الناقصة في المواضع نفسها، كما اختار في مواضع أخـرى (كان) الناقصة، بينما اختار غيره (كان) التامة، وقبل الشروع في دراس ـة الأمثلة، ينبغي الحديث ولو باقتضـاب عن (كان) التامة والناقصة عند النحاة: أولا - كان بين التمام و النقصان عند النحاة: تأتي (كان) تامة وناقص ـة؛ فالتام ـة تـدل على الحـدث، فتستغني عن الخبر المنصوب، نحو: قد كـان زيد ، أي قد حدث وخ لق، أما الناقصة، فتدل على الزمان المجرد عـن الحدث، و تدخـل على المبتدأ والخبر ، فترفع المبتدأ، ويصير اسمها، وتنصب الخبر، ويصير خبرها ، واسمها مشبه بالفاعل، وخبرها مشبه بالمفعول1. وتأتي(كان) التامة بعدة معان: بمعنى ثبت، نحو: كان الله، ولا شـيء معه. وبمعنـى حدث، كقول الشاعر: إذا كان الشِّتاء فأ دْفِئ وني * فإن الش يْخ ي هْدِ م ه الشِّتاء 2 وبمعنىحضر، كقولهم: أكان لبنٌ؟ بمعنى: أحضر شيء من هذا الجنس؟. وبمعنى وقع، نحو: ما شـاء الله كـان. وبمعنى صار، نحو:          [البقرة، 33]، وغيرها من المعاني 3. 1 - اللمع في العربية ، ابن جني، ص23،23 2 - ورد هذا البيت في عدة مصادر غير منسوب إلى شاعر معين، منها : كتاب الجمل في النحو، الخليل بن أحمد الفراهيدي ، تح: فخر الدين قباو ة، مؤسسة الرسالة ، بيروت، ط1، 1041هـ، 1831م، ص132، و تهذيب اللغة، الأزهري، 14/341، و همع الهوامع، السيوطي، 1/030، وغيرها، وقد ورد في مصادر أخرى بلفظ : (ي هرِم ه)، بدل (يهدمه)، ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، 31/03، ولسان العرب ، 12/261، وغيرها . 3 - ينظر: تاج العروس، 26/31، وشرح جمل الزجاجى ، ابن عصفور، 1/311.

عدد الصفحات ٢١٨

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 310 وهكذا فإن الفرق بين هما يتمثل في أن (كان) التامة تشبه الأفعال، فتدل على حدث وزمن ، فحين نقول: كان خيرٌ، فـ(كان): تامة، و خير: فاعل، والمعنى: وجد أو حدث خير في الزمن الماضي ، أما (كان) الناقصة، فتدل على الزمن فقط ، فهي فارغة من الحدث، ومن ثم لا يعقبها فاعل، فحين نقول: كان الخير كثيرا، فـ (كان) هنا وصفت الخير بالكثرة، وليس لها من دور، إلا أنها حددت الزمن بالمضي1 . ثانيا: دلالة (كان) التامة والناقصة في قراءة نافع : لقد وردت (كان) تامة وناقصة في قراءة نافع، وهذه أمثلة توضح ذلك: 1-(كان) التامة: قرأ نافع (كان) في عدد من المواضع تامة، بينما قرأها قراء آخرون ناقصة، ومنها: الموضع الأول: قال تعالـى:               [البقرة، 182] قرأ نافع وكل القراء (تِج ار ةٌ ) بالرفع ، عدا عاصـم وحـده، فقد قرأ (تِج ار ة ) بالنصب2. وحجّة عاصم في النصب ، أنه أضمر في (كان) الاسـم، ونصب (التجارة ) على الخبر3، وقد اختلف في تقدير الاسم، فقيل: إلا أن تكون المعاملة، أو المبايعة، أو التجارة 4. 1 - ينظر: تفسير الرازي ، 3/31 . 2 - ينظر: النشر في القراءات العشر ، 3/323، والسبعة في القراءات ، ص 182. 3 - ينظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ص142، و تفسير القرطبي ، 2/041، و معاني القرآن وا عرابه، الزجاج ، 1/266. 4 - الدر المصون،632 .

عدد الصفحات ٢١٩

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 311 والحقيقة أن الآية كلها تتحدث عن الديْن، ولا تتحدث عن التجارة،ولذلك قدره الزجاج بـ(المداينة)1، ورد عليه أبو علـي الفارسي قائلا: "هذا غير جائـز، لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة "2. ونظرا لهذا الاضطراب في التقدير عند العلماء، والذي لا يخلو من تكلف، فقد عد ابن خالويه وجه النصب هنا ضعيفا، بينما قوّ اه في آية النسـاء، عند من قرأه بالنصب 3، في قوله تعالى:                  [النساء، 19]،لتقدم ذكر الأموال4، فيكون التقدير: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة 5. أمافي قراءة نافع فـ (تكون) تامة، بمعنى: إلا أن تحدث أو تقع تجارة، وهذا الاختيار أبعد عن الاضطراب في التقدير الذي حصل في قر اءة عاصم، وأصح دلالة؛ لأن الحديث يدور في الآية عن الأمر بكتابة الديْن المؤجل، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها ، وميقاتـها، وأضبط للشاهـد فيها6، والا ستثناء في قول ـه:       ،منقطـع، والتقديـر: لكنه إذا كانت تجارة حاضرة فليس عليكم جناح... فيكــــــــــــون كـــــــــــــلاما مستأنفا على سبيــــــــــــل الإضـــــــــراب عن الأول7، لأن السياق 1 - اللباب في علوم الكتاب 3/118. 2 - تفسير الرازي ، 3/83. 3 - المبسوط في القراءات العشر ، ص 133. 4 - الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص142. 5 - تفسير القرطبي، 1/111 6 - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيـل بن عمـر بن كثير، تح: حمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، بيروت، ط1، 1018هـ، 1/118. 7 - غرائب القرآن ورغائب الفرقان، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري ، تح: الشيخ زكريا عميرات ، دار الكتب العلميه، بيروت، ط1، 1016هـ، 3/33.

عدد الصفحات ٢٢٠

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 316 السياق انتقل من الحديث عن الديْن المؤجل إلى التجارة الحاضرة، ومن هنا حدث الاضطراب في تقدير الضمير العائد، عند من قرأ كان ناقصة . وهكذا فإن معنى قراءة النصب أن (تجارة ) مرتبطة بما قبلها من حديث المداينة , وقد ص رِّح بها في بعض التقـديرات ، كما مر بنا، وبهذا يكون المعنى: إذا كانت المداينة عبارة عن تجارة حاضرة، تتوفر فيها أهم شروط التجار ة، من سلعة، وثمن، ومعاطاة، فلا بأس أن لا تكتبوها، ولكن أشهِدوا, أما إذا كانت عبارة عن قرضٍ، وليست على الوجه المفهوم للتجارة فينبغي الكتابة . أما قراءة نافع، فلا يطرح فيها إشكال الاضطراب في تقدير الضمير العائد، لأن (تجارة ) فاعل، ومن ثم انفصلت هذه الجملة عن الجملة السابقة، واستقلت بدلالتها، فيكون المعنى:أن التجارة الحاضرة لا تحتاج إلى كتابة؛ لأن ما بيع نقدا يدا بيد، لا يحتاج إلى ذلك، إذ مشروعية الكتابة إنما هي لضبط الديون، لأنه بتأجيلها يقع الوهم في مقدارها ، وصفتها، وأجلها، وهذا مفقود في مبايعة التاجر يدا بيد1. الموضع الثاني: قال تعالى:                         [النساء، 22]. قرأ نافع و أبو جعفر (و احِد ةٌ ) بالرفع ، وقرأ الجمهور (و احِد ة ) بالنصب2. وقراءة الجمهور بالنصب على أن (واحدة ) خبر كان، واسم ها ضمير عائد إلى ما يفيده قوله: ( في أولادكم )، أي: وا ن كانت الولد بنتا واحدة 3، أو وا ن كانت المتروكة 1 - تفسير البحر المحيط، 3/268. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص136، و السبعة في القراءات ، ص 333. 3 - التحرير والتنوير ، 0/318

عدد الصفحات ٢٢١

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 313 أوالمولودة (واحدة)1، وقد استحسن كثير من المفسرين قراءة النصب، على أساس أنها موافقة لـ (نساء) في قولـه:     2، لعدم إعادة التقدير، اكتفاء بالسابق، أي: كانت المتروكات نساء3. أما قراءة نافع برفع (و احِد ةٌ ) فعلى أن (كان) تامة، على معنى وقعت، وحدثت ، ووجدت 4، لأن المراد حكم وجود بنت واحدة، والقضاء في إرثها، لا ذاتها5، ومن ثم ف حاجة إلى نصب واحدة، بحيث يؤدي ذلك إلى إضمار اسم كان مرة أخرى، وقد تم ذكره ضمن الجملة السابقة :     . الموضع الثالث: قال تعالى:                   [النساء، 04]. قرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر (حسنةٌ ) بالرفع ، وقرأ الجمهور بالنصب6. وقراءة الجمهور بالنصب ، على أن (ت ك ) مضارع كان الناقصة، واسم ها الضمير الم سْتتر، العائـد على مثقال ذرّة، و(حسنـة) خبر منصوب7، والتقدير : إن تك زنة الذرة حسنة8. وأما قراءة الرفع عند نافع، فعلى أن (ت ك ) مضارع كان التامة، بمعنى: توجد حسنة، أو تقع حسنة، كما قال:      ،أي: وقع ذو عسرة 9. 1 - ينظر: تفسير القرطبي ، 1/60 واللباب في علوم الكتاب، 1/364. 2 - ينظر على سبيل المثال: تفسير القرطبي ، 1/60، و التفسير البسيط، النيسابوري، 6/213، و تفسير الرازي ، 8/111، و معاني القراءات ، 1/382. 3 - تفسير القرطبي، 1/60. 4 - ينظر: التحرير والتنوير، 0/318، و اللباب في علوم الكتاب، 1/364. 5 - التفسير البسيط، 6/213. 6 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 138،السبعة في القراءات ، ص 322. 7 - التحرير والتنوير، 1/11. 8 - تفسير البحر المحيط، 2/363. 9 - حجة القراءات ، ابن زنجلة، ص342.

عدد الصفحات ٢٢٢

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 313 فـ(تك) هنا لا تدل على الزمان فقط، فتحتاج إلى خبر، نحو: كان زيد عالما، و ا نما تدل على معنى وزم ـان، أي: حدوث الشيء ووقوع ـه، ولذلك استغني عن الخبر، نحو: كان الأمر، وأنا أعرفه مذ كان، أي: مذ خلق1. الموضع الرابع : قال تعالى :               [الأنبياء، 04]. قرأ نافع و أبو جعفر (مِثْق ال ) بالرفع ، وقرأ الباقون بالنصب2. فمنقرأ بالنصب، فقد جعله خبر كان، والاسم مضمر، و المعنى: وا ن كان العمل، أو ذلك الشيء مثقال ذرة 3. وقد قدرها الفارسي بـ (الظلامة)، فقال: "وا ن كان الظلامة مثقال حبّة، وهذا لتقدم قولـه:       [الأنبيـاء، 03]، فإذا ذكـر (تظلـم)، فكأنّه ذكر الظلامة4. أما نافع ، فقد قرأ بالرفع ، فـ(كان) عنده تامة، لا تحتاج إلى خبر، و مثقال: فاعل، بمعنى: وا ن حصل للعبد مثقال حبة. و قد اختار نافع الرفع ، لأن الفعل (كان) تاما، لا يدل على الزمان فقط، و ا نما يدل على معنى وزمان ، أي: حدوث الشيء ووقوعه ، ولذلك استغني عن الخبر، ويدل على ذلك تكلف من يقدّ ر الاسم، حال اعتبار كان ناقصة، في حين أن اعتبارها تامة يغني عن هذا التأويل كله. 1 - تاج العروس، الزّ بيدي، 26/31. 2 - المبسوط في القراءات العشر ، ص 243، و النشر في القراءات العشر ، 3/230، 3 - التحرير والتنوير، 13/31، و تفسير القرطبي ، 11/380، و فتح القدير، 2/031. 4 - الحجة للقراء السبعة، 1/316.

عدد الصفحات ٢٢٣

الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 318 2-كان الناقصة: قرأ نافع (كان) في عدد من المواضع ناقصة، بينما قرأها قراء آخرون تامة، ومنها: الموضع الأول: قال تعالى:           [يس،33] قرأ نافع والقراء (ص يْح ة ) بالنصب، إلا أبا جعفر فإنه قرأها بالرفع 1 . والرفع في ق ر اءة أبي جعفر يـدل على أن (كان) تامـة، و(صيحةٌ ) فاعـل، و(واحدةٌ )، نعت لصيحة، أي: ما وقع إلا صيحةٌ واحدةٌ 2. وقد أنكر هذه القراءة كثير من النحويين، بسبب التأنيث، فكأنه قال: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة 3، والنحاة يمنعون دخول تاء التأنيث على الفعل في مثل هذا التركيب ، إلا في الشعر4، فلا يقال: ما قامت إلا هند، بل ما قام إلا هند، لأن الكلام على معنى: ما قام أحد إلا هند، والفاعل فيه مذكر5. غير أن الزجاج لم ينكرها، بل قال : " وهي جيدة في العربية "6، وقد علل النحاس لذلك، فقال: "لا يمتنع شي من هذا؛ يقال: ما جاءتني إلا جاريتك، بمعنى ما جاءتني امرأة ، أو جارية إلا جاريتك "7. وقراءة ناف ـع والجمهور بالنصـب، على أن (كان) ناقصـة، واسمها مضمـر، و(صيحة) خبر ها، و(واحدة ) نعت لصيحة، والمعنى : إن كانت عقوبتهم أو بليّ تهم إلا صيحة واحدة 8. 1 - الكنز في القراءات العشر، 3/613، والمبسوط في القراءات العشر، ص234. 2 - تفسير القرطبي ، 11/31، و التحرير والتنوير، 32/6. 3 - تفسير القرطبي ، 11/31. 4 - ينظر: شرح ابن عقيل، 3/38، والمحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات ، ابن جني، 3/346 5 - تفسير الألوسي، 13/0. 6 - معاني القرآن وا عرابه، 0/330. 7 - تفسير القرطبي، 11/31. 8 - ينظر: إعراب القرآن ، النحاس، 2/360.

عدد الصفحات ٢٢٤