الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 334 والملاحظ أن اختيار نافع والجمهور سالم من اعتراض النحاة، إضافة إلى دلالته الدقيقة المناسبة للسياق؛ فإن الله تعالى قد عاقب الذين تحدّوا الرسل، وقتلوا الرجل الذي والاهم، وأعلن مناصرتهم 1 بصيحة واحدة ، تحقير ا لشأنهم، وتصغير ا لأمرهم، أي هم أحقر من أن ينزل الله لإهلاكهم جندا من السماء، فلم ت كن العقوبـة، أو النقمة، أو الأخذة، إلا صيحة واحدة ، صاح بها جبريل فأهلكهم2. فالمعنى المقصود هو سرعة العقوبة المهينة، التي لم تتجاوز صيحة واحدة، وهذا ما تؤدي إليه قراءة نافع، بينما لا ت ـؤدي القراءة الأخ ـرى غير معن ـى الوقوع والحدوث . الموضع الثاني: قال تعالى: [الحشر، 3]. قرأ نافع و الجمهور (دولة ) بالنصب، وقرأ أبو جعفر برف عها3. وقراءة نافع بالنصب على أن (دولة )4 خبر يكون، واسم ها ضمير يعود على (ما)، أي لا يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة، يتداوله الأغنياء، فيعملون فيه ما يحبون5. أما قراءة رفع (دولةٌ )، فعلى اعتبار أن (يكون) تامة، و دولةٌ فاعله، بمعنى: كيلا تقع، أو توجد دولةٌ 6، والدُّولة: اسم الش يء الذي يتداوله القوم بينهم7. 1 - تنظر الآيات: من 18 إلى38، من سورة يس . 2 - ينظر: فتح القدير، 0/031. 3 - النشر، 3/236، و المبسوط، ص022، و شرح طيبة النشر، ابن الجزري ، ص 213. 4 - الدولة: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة . ينظر: فتح القدير، 1/326. 5 - إعراب القرآن ، النحاس، 0/361، و التحرير والتنوير، 33/36، و تفسير البغوي ، 1/13. 6 - تفسير الرازي ، 38/143. 7 - اللباب في علوم الكتاب، 13/138.
عدد الصفحات ٢٢٥الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الرابع - دلالة (كان) التامة والناقصة 331 والملاحظ أن المعنى بين القراءتين متقارب؛ غير أن قراءة نافع بالنصب، تفيد معنى: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء ، ليقسمو ا المال بينهم، بينما قراءة الرفع تؤدي إلى معنى: كيلا يحصل انحصار المال في فئة من الأغنياء، يتداولونه بينهم، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا1 . وفي ختام هذا المبحث يتبين لنا أن نافعا كان يحرص في اختياره (كان) التامة أو الناقصة على السلامة اللغوية، كما كان يحرص أيضا على اجتناب ما يسبب تكلفا أو اضطرابا في التقدير، فحين يحصل ذلك بسبب (كان) الناقصة، كان يعدل عنها إلى (كان) التامة، كما كان يحرص في اختياره على سلامة المعنى . 1 - بحر العلوم، السمرقندي ، 2/041.
عدد الصفحات ٢٢٦الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 222 المبحث الخامس-دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل: لقد اعتنى النحاة القدامى بحـروف المعاني واستعمالاتها في كتبهم؛ بل إنهم قد أفردوا لها مصنفات خاصة1، وقبل الحديث عن حروف المعاني المتصلة بالفعل في قراءة نافع، يحسن بنا أن نبين باختصار حقيقة هذه الحروف. أولا -حروف المعاني ودلالتها: حين يتحدث النحاة عن هذه الحروف، يقسمونها قسمين: عاملة وعاطلة. فالعاملة: ما ت حد ث إعرابا ، أي تغيرا في آخر الكلمات الداخلة عليها، ومنها: حروف الجر، ونواصب المضارع، والأحرف التي تجزم فعلا واحدا، وا ن ، وا ذ ما، والأحرف المشبهة بالفعل، ولا النافية للجنس، وغيرها . والعاطلة (غير العاملة): وهي ما لا تحدث إعرابا في آخر الكلمات الداخلة عليها، مثل: هل، وهلا ، ونع م، ولولا، وغيرها 2. والعامل منها قسمان، قسم يعمل عملا واحدا ، وقسم يعمل عملين: الأول: إما ناصب فقط، كنواصب الفعل، وا لا في الاستثناء، وا ما جار فقط، وهو حروف الجر، وا ما جازم فقط، وهو حروف الجزم . الثاني: قسم واحد ينصب ويرفع ، وهو إن وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها3. وهذه الحروف لها أثر كبير في الدلالة؛ ذلك أننا نجد الكلام يختلف معناه باختلاف الحرف الرابط في الجملة ، و مثال ذلك : خرجت إلى زيد ، وخرجت على زيد ، وخرجت 1 - مثل: حروف المعاني والصفـات، للزج اجي، و الجنـى الداني في حروف المعان ـي، للحسن بن قاسم المرادي ، و رصف المباني في شرح حروف المعاني ، للمالقي، وغيره ا... 2 - جامع الدروس العربية ، 3/253،252. 3 - الجنى الداني في حروف المعاني، أبو محمد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن علي المرادي، تح : د فخر الدين قباوة، محمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1،1111 هـ،1991م، ص22،22.
عدد الصفحات ٢٢٧الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 223 من عند زيد ، ونحو ذلك ، فالفعل (خرج )، واسم (زيد ) في الجمل كلها ، لكن المعنى اختلف، باختلاف الحروف الرابطة في الجملة ، بل نجد أن الحرف الواحد له أكثر من معنـى، كحـرف (م ن)، فهو يأتي للابتداء، والتبعيض، والسببية، ولبيان الجنس...1. ثانيا: دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل في قراءة نافع : لقد اختار نافع في مواضع كثيرة عددا من حروف المعاني ؛ إلا أن قراء آخرين خالف وه، فاختاروا غيرها من الحروف، و سيتبين ذلك من خلال هذه الدراسة . 1- الحرف(أن ): قال تعال ـى: [البقرة، 181]. قرأ نافع والقراء (أ ن ت ض ل )، بفتح الهمزة ، و(ف تذ كِّر )، بالنصب، وقرأ حمزة وحده (إ ن ت ض ل )، بكسر الهمزة (ف تذ كِّر )، بالرفع 2. وقراءة حمزة بكسر الهمزة على أن (إن) شرطية، و(تضل ) فعل مضارع مجزوم بها، وهي فعل الشرط، واللام مفتوح ـة للإدغـام تخفيفا، والأص ـل (إن تض ل ل )، فلما أدغمت اللام في اللام، فتحت لالتقاء الساكنين، والفاء واقعة في جواب الشرط، و(تذكر ) فعل مضارع مرفوع ، وهو خبـر مبتدأ محذوف بعد الفـاء؛ لأن الفاء تؤ ذن بأن ما بعدها غير مجزوم، والتقدير : فهي تذك ر الأخرى ، كقو له تعالى: 3 [المائدة، 99]. 1 - ينظر: شرح ابن عقيل، 1/11، والنحو الوافي،1/111. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 111، والنشر في القراءات العشر، 1/112 . 3 - حجة القراءات، ابن زنجلة، ص 111،والتحرير والتنوير، 1/119.
عدد الصفحات ٢٢٨الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 222 والظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفة، للإخبار بهذا الحكم، وهي جواب لسؤال مقدر؛ كأن قائلا قال: ما بال امرأتين ج علتا بمنزلة رجل؟ فأجيب بهذه الجملة1. والمعنى على هذه الق راءة : واستشهدوا شهيديـن من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين ، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، فإن إحداهما إن ضلت، ذكرتها الأخرى 2. أما قراءة نافع والجمهور ، فإن (أن ) فيها مصدري ـة ناصبة للفعل بعدها، و الفعل منصوب، و(أن ) وما في حيزها في محل جر بحرف الجر المحذوف، والتقدير : لأن تضل3،والمعنى : إن لم يكونا رجلين ، فرجل وامرأتان، كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضل ت4، أواستشهدوا امرأتين مكان الرجل ، كي ت ذ كر الذاكرة الناس ي ة ، إن نسيت5 . وهكذا فإن نافعا اختار (أ ن ت ض ل ) بفتح الهمزة ، لأنها جاءت مصرحة ببيان علة حكم جع ل امرأتين مكان رجل، قصد إقناع المخاطبين ؛ إذ لا نجد في هذه الجملة حكما قد لا تطمئن إليه النفوس، إلا جع ـل عوض الرج ـل الواح ـد امرأتين اثنتين، فص رح بتعليله6. ويبدو أن المعنى متقارب بين القراءتين، غير نافعا اختار فتح همزة (أ ن )، وفتح الراء من (تذ كِّ ـر )، لأن فتحهما أخف من قراءة كس ـر(إن )، ورفع (تذ كِّ ر )، فالفتحة أخف الحركات . 1 - اللباب في علوم الكتاب، 1/111. 2 - تفسير الطبري، 1 /91. 3 - اللبابفي علوم الكتاب، 1/111. 4 - تفسير الطبري ، 1/88. 5 - معاني القرآن وا عرابه، الزجاج ، 1/362. 6 - التحرير والتنوير ، 1/119.
عدد الصفحات ٢٢٩الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 225 2- اللام الساكنة: قال تعالـى: [المائدة،19]. قرأ نافع والقراء (و ل ي ح ك م )، ساكنة اللام والميم1، وقرأها حمزة وحده (و ل ي ح ك م )، بكسر اللام وفتح الميم2. أما حمزة فقد جعل اللام لام (كي) فكسر ها، و نصب الفعل بعدها، فيكون ال معنى: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وكي يحكم أهل ه بما فيه من حكم الله3. وأما نافع والجمهور ، فقد سك نوا (اللام)، وجزموا الفعل بعدها، على أنها لام الأمر، والمعنى : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه، فيكون في الكلام محذوف، ت رك استغناء بما ذكر عما حذف4. وهكذا فإ ن (ول يحكم) معطوف على محذو ف تقديره : وأمرنا أهله أن يحكموا ، أو قلنا ليحكموا5، وحذف القول، لأن(كتبنا وقفينا) تحملان دلالة عليه، وحذ ف القول في القرآن كثير، كقوله تعالى: [الرعد، 11]، أي: يقولون سلام عليكم6. واختيار نافع م الأمر، أخرج الكلام من الخبر إلى الإنشاء، وأعطاه معنى مهما، وهو إفحام النصارى الذين يدعون أنهم أهل كتاب، وهم لا يحكمون بما في كتابهم من أحكام، 1 - الميم مفتوحة في رواية ورش، لأنه حين حذف ت الهمزة للتخفيف، انتقلت حركتها إلى الساكن قبلها . 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص 181، و النشر في القراءات العشر، 1/111. 3 - تفسير الطبري، 8/181. 4 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها. 5 - الكشاف، الزمخشري، 1/219. 6 - مفاتيح الغيب، أبو عبد الله محمد بن عمربن الحسن بن الحسين التيمي الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1،1111هـ، 11/191.
عدد الصفحات ٢٣٠الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 226 وهو تحد واضح لهم، لبيان عجزهم عن الاحتكام إل ى كتابهم1، وهذ ا يناسب تذييل الآية بقوله: ، والفاسقون هم الخارجون عن طريق الحق2. وهذا المعنى لا توص ـل إليه قراءة حم ـزة، التي تحم ـل معنى الإخبار عن أن النصارى ينبغي أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم . 3- إلاّ الاستثنائية، قال تعالى: [التوبة، 111]. قرأ نافع والجمهور (إلا) و(ت قط ع ) بضم التاء، وقرأ يعقوب (إلى أن ت قط ع )3. و(إلا) في قراءة نافع حرف استثناء، و المستثنى منه محذوف، والتقدير : لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت ، إلا وقت تقطيع قلوبهم، أو في كل حال، إلا حال تقطيعها، و(ت قط ع): مضارع مبني للمفعول4، بمعنى: إلا أن يقطع الله قلوبهم5،ومحلُّ المستثنى النصب على على الظرفية ، أي: لا يزال بنيان هم ريبة في كل الأوقات، أو كلِّ الأحوال، إلا وقت تقطُّع قلوبهم، أو حال تقطع قلوب هم، وأما ما دامت سالمة ، فالريبة باقية فيها، و هو تصوير لامتناع زوال الريبة عن قلوبهم، ويجوز أن يكون المراد : حقيقة تقط عها عند قتلهم، أو في القبور، أو في النار6. 1 - تفسير القرآن الحكيم، محمد رشيد رضا، 2/111. 2 - لسان العرب ، 11/118. 3 - المبسوط في القراءات العشر، ص 111، و النشر في القراءات العشر، 1/181. 4 - ينظر: الدر المصون، 2/119، و اللباب في علوم الكتاب، 1/191. 5 - تفسير الطبري ، 11/911. 6 - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دط، دت، 1/111.
عدد الصفحات ٢٣١الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 222 وأما قراءة يعقوب (إلى أن ت قط ع )، فعلى الغاية، أي لا يزالون في شك منه ، إلى أن يموتوا، فيستيقنوا، ويتبينوا1، والمعن ـى أن هذه الريب ـة باقية في قلوبهم أبدا، ويموتون على النِّفاق2. وقد انتقد الطبري هذه القراءة قائ : "وأما قراءة من قرأ ذلك : (إلى أن ت قط ع )، فقراءة لمصاحف المسلمين مخالفة، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزة "3. وقداختار نافع (إلا) الاستثنائية، لمناسبتها السياق؛ فالآية نزلت تعقيبا على ما قام به المنافقون من بنائهم مسجد الضرار ، للصد عن سبيل الله 4، قال تعالى: [التوبة، 111،111]، وهي إدانة قوية لهذا العمل، وفيها وعيد لفاعليه بسوء المصير، وتختتم هذه الإدانة، بما تحمله من وعيد وتهدي ـد بهذا الاستثناء التهكمي: ، وهو من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، كقوله تعالى: [الأعراف، 19]،أي يبقى ريبة أبدا ، إلا أن تقطع قلوبهم منهم5،ويزيد الفعل المبني للمفعول المعنى قوة ، لأنه يحمل معنى الإبهام، فقلوبهم ستتقطع 1 - تفسير القرطبي، 8/122. 2 - اللباب في علوم الكتاب، 1/191، و فتح القدير، 1/121. 3 - تفسير الطبري ، 11/911. 4 - فتح القدير، 1 /121. 5 - التحرير والتنوير ، 11/12.
عدد الصفحات ٢٣٢الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 222 ستتقطع بطريقة لا عهد لهم بها، مما يزيد من قوة التأثير في المتلقي، بينما لا تفيد القراءة الأخرى إلا معنى: أنهم لا يزالون على ريب هم وشكهم، إلى أن يموتوا. 4- اللام المكسورة ، قال تعالى: [إبراهيم، 18]. قرأ نافع والجمهـور (ل ت ز ول )، بكسر اللام الأولى، وفتح اللام الثانية، وقرأ الكسائي وحده ( ل ت ز ول )، بفتح اللام الأولى، وضم الثانية1. وقراءة الكسائي على أن (إن ): مخففـة من الثقيلة، واسمها: الضمير المحذوف، أي: (و ا نه)، والفعـل: مرفوع ، لتجـرده من الناصب والجـازم، و(الجبال): فاعل، وجملة (لتزول منه الجبال): في محل نصب خبر(كان)، والجملة م ن(كان) واسمها وخبرها : في محل رفع خبر(إن) المخففـة من الثقيلة2، و تقديـره: وا نه كان مكرهم لتزول منه الجبال. و هذه القراءة تدل على تعظيم مكرهم ، وما ارتكبوا من فعلهم، وتوجب زوال الجبال لشد ة مكرهم وع ظمه3. قال الزجاج : " والمعنى : وعند الله مكر هم، وا ن كان مكر هم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينص ر دينه، وم ك رهم عنده، لا يخفى عليه"4. وأما قراءة نافع والجمهور ، فقد ذكر السمين الحلبي أن لها ثلاثة أوجه : أحدُها: أن (إن) نافية، واللام لام الجحود، لأنها بعد كون منفي . 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر ، ص119، وحجة القراءات، ابن زنجلة، ص199. 2 - القراءات وأثرها في علوم العربية ، محمد محيسن، 1/122. 3- ينظر: مشكل إعراب القرآ ن، مكي بن أبي طالب، 1/119،و الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص 111. 4 - معاني القرآن وا عرابه، 1/129.
عدد الصفحات ٢٣٣الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 222 الثاني: أنها مخففة من الثقيلة. الثالث: أنها شرطية ، وجوابها محذوف، أي: وا ن كان مكر هم م ع د ا لإزالة أشباه الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازي هم بمكر أعظم منه"1. وقد رجح العلماء الوجهين الأخيرين على الأول، حتى لا تكون (إن) نافية، فتكون القراءة معارضة لقراءة الكسائي، وذلك أن قراء ته تؤذن بالإثبات، بينما تصير بهذا الوجه مؤذنة بالنفي2، فيتناقض المعنى بين القراءتين ؛ فقراءة النفي على معنى : وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، احتقارا له، وقراءة الإثبات : وا ن كان مكرهم لتزول منه الجبال، استعظاما له3. وال حقيقة أن الإثبات الذي يحصل من قراءة الكسائي، أو النفي الذي يمكن أن يحصل من قراءة نافع والجمهور يوصلان إلى معنى واحد ؛ وهو أنه مكر لا يتحقق، لأنه مهما عظم، فهو مكر ب ش ر، لا قيمة له أمام مكر الله القائل: [آل عمران، 11]. غير أن نافعا اختار هذه القراءة ، لأنها أوسع دلالة؛ فهي تستوعب معنى ا لإثبات، كما تستوعب معنى النفي الوارد في قراءة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي بن كعب: ((وا ن كاد مكرهم لتزول منه الجبال))4، أي أنه لم يزلها . 1 - الدر المصون، 9/112. 2 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها. 3 - تفسير الماوردي ، 1/111. 4 - تفسير البغوي ، 1/12، والكشاف، 1/122.
عدد الصفحات ٢٣٤الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 232 5-حرف الشرط(لمّ ا)، قال تعالى: [السجدة،11]. قرأ نافع والجمهور (ل م ا صبروا) بفتح اللام، وتشديـد الميم، وقـرئ (ل م ا صبروا) بكسر اللام، وتخفيف الميم1. و(ل م ا) بالتشديد في قراء ة نافع والجمهور ، بمعنى (حين)، فيكون المعنى حكاية عن المجازاة : لم ا صبروا جعلناهم أئمة، وأصل الجزاء في هذا، كأنه قال: إن صبرتم جعلناكم أئمة، فقد ج علوا أئمة حين و ج د منهم الصبر2، فقدأغنى الفعل المتقدم عن الجواب، وذلك كما يقال: أجيئك إن جئت، تقديره : إن جئت أجئ ك، فاستغني عن الجواب بالفعل المتقدم على الجزاء، فكذلك المعنى هاهنا: لم ا صبروا جعلناهم أئمة3. وأما قراءة التخفيف (ل م ا)، فاللام لام الجر، و(ما) مصدرية، و المعنى: جعلناهم أئمة لصبرهم 4، وقيل : اللام بمعنى الباء ، وتشهد لذلك قراءة ابن مسعود، فقد كان يقرأ: (بما صبروا )5. وهذه القراءة علقت ما فعله الله تعالى لهؤلاء، بجعلهم أئمة ، بسبب صبرهم على طاعة الله6، فهو جزاء لهم ، نتيجة ما قدموا . وأما قراءة نافع ، فهي تشمل هذا المعنى، وتزيد عليه معنى آخر، يفيده الشرط، وهو أنهم ل م ا ص ب ر وا ، جعلهم الله أئمة7، فالإمامة إذن جزاء مشروط، يعطيـه الله للصابر، فهي 1 - ينظر: المبسوط في القراءا ت العشر، ص111، والسبعة في القراءات ، ص112. 2 - ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، 9/1991، وتفسير القرطبي ، 11/119. 3 - الحجة للقراء السبعة ، الفارسي، 1/121. 4 - ينظر: معاني القراءات، 1 /191، و الدر المصون، 9/91. 5 - بحر العلوم، السمرقندي ، 1/19. 6 - ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، 9/1991 . 7 - ينظر: معاني القرآن وا عرابه، الزجاج، 1/111.
عدد الصفحات ٢٣٥الفصل الثالث- دلالة وظائف الفعل النحوية في قراءة نافع المبحث الخامس- دلالة حروف المعاني المتصلة بالفعل 231 ليست حكاية عن حادثة وقعت، وا نما هي بيان قانون إلهي، يرتب جزاء معينا عن عمل معين، يتحقق الجزاء، كلما تحقق العمل، وكأنها ترسم للأمة على مدى الأحقاب طريق الإمامة، التي تنال بالصبر واليقين. وهكذا يتبين في ختام هذا المبحث، أن اختيار نافع حرف المعن ى المتصل بالفعل، كان لأداء معنى معين، لا يوصل إليه حرف المعنى المختار في القراءة المخالفة، أو لأنه أخف في الاستعمال، أو لأن دلالته أشمل من دلالة الحرف المختار في القراءة الأخرى .
عدد الصفحات ٢٣٦خــــــــــــــــــــاتمــــــــــــــــــة
عدد الصفحات ٢٣٧بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية خاتمــــة 322 ها قد وصلت إلى نهاية هذا البحث، الذي تناولت فيه بنية الفعل في قراءة نافع، وذلك بدراسة عدد من الأفعـال التـي خالف فيها نافـع بعض القراء، من الن واحـي الصوتيـة، و الصرفية، و النحوية، وما نتج عن ذلك من أثر دلالي. ولن أغادر قبل أن أجسد ثمرة هذا البحث ، المتمثلة في نتائجه، و التي يمكن بيانها كما يلي: 1-منهج نافع مع العارضين عليه كان يقوم على التيسير ؛ فقد كان يترك القارئ يقرأ بما اعتاد القراءة به، إن كان الوجه الذي يقرأ به صحيحا من حيث النقل، فصيحا من حيث اللغة، لا يخالف رسم المصحف . 2-اختافف الظاهر بين ورش وقالون في بعض أوجه القراءة ، سببه مرونة نافع في تقبل قراءة من يقرأ علي ـه، ما دامت قراءته خاضعـة لشروط القراءة الصحيحة ، حتى لو خالفت اختياره . 3-كان نافع لا يفرض قراءته على أحد، إلا إذا جاءه من يرغب في ها، فقد كان يقرئ الناس بجميع القراءات . 4-اختيار نافع كان وفق أسس علمية متينة، تجعل القارئ يطمئن إلى أنه يقـرأ قـراءة صـحيحة ، بذل صاحبها جهدا كبيرا في اختيارها ، مما جعلها تلقى القبول الحسن، في حياته، وبعد وفاته. 5-تعتبر مخالفة ورش نافعا والقراء في طول بعض المدود ، اختيارا خاصا به، رواه ورش عـن شيوخ آخرين، فأقره نافع عليه. 6-تسهيل الهمز فـي قـراءة نـافع ، وخاصـة فـي روايـة ورش، مـرده إلـى اختيـار الأ خـف والأيسـر من لغة العرب، وموافقة لهجة قريش .
عدد الصفحات ٢٣٨بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية خاتمــــة 322 7-اعتمــد ورش التقليــل ؛ وهــو نــوط وســط بــين اكمالــة الكبــر والفــت ، هروبــا مــن اكفــراط فــي اكمالـة، الــذي عيـب علــى بعـض القــراء، ورغبـة فــي عـدم إهمالهــا فـي الوقــت نفسـه، لــدلالتها علــى أصل الأصوات، ودورها في إحداث الانسجام . 8-الهـــدف مـــن تغلـــيظ الـــافم وترقيـــق الـــراء فـــي قـــراءة نـــافع ، هـــو التقريـــب ، بقصـــد التجـــانس، والانسـجام بــين الأصــوات، حتـى تتناســب، وتصــير فــي نمـط واحــد، وفــي ذلـك اقتصــاد فــي الجهــد، حيـث إن اللسـان يعمـل عمـاف واحــدا؛ ينحـدر عنـد ترقيـق الـراء، ليوافــق سـبب الترقيـق، ويرتفـع عنــد تغليظ الافم، ليوافق سبب التغليظ. 9-ميــل نــافع إلــى اكظهــار، فــاف يــدغم إلا فــي حــالات قليلــة، وهــو بــذلك يوافــق لهجــة الحجــاز، التي يشيع فيها اكظهار. 01-فيما يخص صيغ الأفعال، فإن نافعا يختار: أ-المجرد، إلا إذا كانت صيغة المزيد تحمل دلالة معينة ، لا تحملها صيغة المجرد، أو كانت صيغة المزيد أقو لغة، أو تتاسب أكثر مع السياق. ب-المخفف دائما، ولا يعدل عنه ، إلا إذا كان في المشدد زيادة معنى ، أو كان يتوافق أكثر مع السياق، أو يتجانس مع فعل سابق، أو يوافق لهجة أهل الحجاز، أو مصحفهم. ج-الافزم، إذا كان المتعدي لا يضيف معنى جديدا، و يختار المتعدي إلى مفعول واحد، إذا كان المعنى بينه وبين المتعـدي إلى مفعولين واحدا، ولا يخت ـار المتعدي بدل الافزم ، أو المتعدي إلى مفعولين، بدل المتعدي إلى مفعول واحد ، إلا بقصد دلالة معينة ، لا يفي بها الافزم، أو المتعدي إلى مفعول واحد. د-المبني للفاعل، بدل المبني للمفعول، إذا كانت الصيغتان توصافن إلى دلالتين متقارب تين، ولا يعدل عن ذلك، إلا إذا كانت صيغة البناء للمفعول تحمل دلالة هامة، أو كانت أخف في النطق.
عدد الصفحات ٢٣٩بنية الفعل قي قراءة الإمام نافع، دراسة في الوظائف النحوية والدلالية خاتمــــة 322 هـ- فيما يتعلق ب حرف المضارعة ، فإنه يختار الحرف الذي يدل على الضمير المناسب للسياق، إلا إذا قصد معنى معينا، فإنه يعدل عنه إلى حرف آخر، فيتم بذلك الالتفات، الذي يبرز المعنى المقصود. و- يختار الحركة اكعرابية الأفص ، والأقو وجها في العربية، ولا يعدل عن ذلك، إلا إذا قصد دلالة معينة، لا تتحقق إلا بهذا الاختيار. ز- يحرص نافع في اختياره (كان) التامة أو الناقصة على اجتناب ما فيه مطعن عند النحاة، كما يحرص أيضا على اجتناب ما يسبب تكلفا ، أو اضطرابا في التقدير، فحين يحصل ذلك بسبب(كان) الناقصة، كان يعدل عنها إلى (كان) التامة، كما كان يحرص في اختياره على سافمة المعنى. ح- فيما يخص الذكر أو الحذف، فإن نافعا يختار ما يوافق السياق، وهو يتمسك بأقو القواعد اللغوية، ويميل إلى الأخف لفظا. ط- يختار نافع حرف المعنى المتصل بالفعل، إذا كانت دلالته أوسع و أشمل من دلالة الحرف المختار في قراءة من خالفه، أو لأنه يؤدي دلالة معينة، لا يوصل إليها الحرف المختار في القراءة المخالفة. وهكذا فإنه يمكننا القول: إن منهجا متكاماف لقراءة نافع، وطريقته في الاختيار ، قد اتض بشكل تام، و في ضوء هذا المنهج أصب من السهل معرفة الطريقة التي كان نافع يعتمدها في اختيار كل كلمة خالف فيها قراء آخرين، و يمكن إجمال سمات هذا المنهج في ما يأتي: 1-التخفيف: منهج نافع في اختياره قائم أساسا على التخفيف؛ وقد اتض ذلك من خافل ميله إلى تسهيل الهمزة بشكل عام، وخاصة ف ي الأفعال ، واختياره الصيغة الصرفية الأ خف، وعدم عدوله عنها إلا لداط لغوي أو دلالي، وعدم المبالغة في المد - في غير رواية ورش - حتى يظهر
عدد الصفحات ٢٤٠