المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بنية الفعل في قراءة الإمام نافع دراسة في الوظائف النحوية والدلالية

نور الدين مهري

صفحة ١١ من ١٨

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 256 إملاء الله لهم : أنه تعالى لم يعاج لهم بالعقوبة 1، وحينئذ يحسن الوقف على ( )، ويبتدأ بـ: (و أُم لِي ل هُم )؛ ليفرق بين الفعل المنسوب إلى الشيطان، وفعل الله عز وجل2 . ويجوزأن يكون نائب الفاعل ضميرا تقديره (هو) يعود على الشيطان، ومعنى أملى الشيطان لهم : وسوس لهم ، فبعدت آمالهم ، حتى ماتوا على كفرهم، وحينئذ لا يجوز الوقف على ( )، بل يجب وصل الكلام بعضه ببعض3. وقد علل أبو عمرو لقراءته ، بأن الإملاء من الله، والشيطان لا يملي لأحد، وحجته قولـه تعالـى:            [آل عمران، 181]، فقرأ (و أُم لِي )، كيلا يقع في الوهم أن الإملاء مسند إلى الشيطان، لأن ذكره قد تقدم الفعل، ولم يجرِ لله قبل الفعل ذكر، فقراءته ب البناء للمفعول، من أجل إزالة التوهم الذي قد يقع، إذ الإملاء إلى الله، لا إلى الشيطان، كما قال جل وعز :     [الحج،11.]"4. أما كتب التفسير فتذكر أن الإملاء يأتي على وجهين : أحدهما: أن الله تعالى هو الذي أملى لهم في الأمل. 1 - معنىأملى: أمهل، قال ابن منظور: "أملى الله له: أمهله وطول له... وهو مشتق من (الم ل وة) وهي المدة من الزمان "، لسان العرب، 25/172،وفي الصحـاح: "   ، أي طويلا، ومضى (م لِي ) من النهار، أي ساعة طويلة... و(الم ل وان): الليل والنهار، يقال: لا أفعله ما اختلف المل وان، والواحد (م لاا )"، الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري ، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 2129ه ، 2789م، 6/1179. 2 - ينظر: الهادي شرح طيبة النشر، محيسن، 1/211. 3 - القراءات وأثرها في علوم العربية ، محيسن، 1/111. 4 - حجة القراءات، ابن زنجلة، ص668.

عدد الصفحات ١٦١

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 259 الثاني: أن الشيطان هو الذي أملى لهم في مد الأمل بالتسويف1. ويناقش الخازن من قال بأن الإملاء لا يكون إلا من الله بقوله:" فإن قلت: الإملاء والإمهال لا يكونان إلا من الله، لأنه الفاعل المطلق، وليس للشيطان فعل قط على مذهب أهل السنة، فما معنى هذه القراءة؟ قلت : إن المسوِّ ل والمملي هو الله تعالى في الحقيقة، وليس للشيطان فعل، إنما أسند إليه ذلك من حيث إن الله تعالى قدر ذلك على يده ولسانه، فالشيطان يمنّ يهم، ويزين لهم القبيح، ويقول لهم: في آجالكم فسحة، فتمتعوا بدنياكم، ورئاستكم إلى آخر العمر، ذلك إشارة إلى التسويل والإملاء "2. ومما سبق يتضح أن الإملاء يصح أن يكو ن من الله ، كما يصح أن يكون من الشيطان، وقد اختار نافع الفعل المبني للفاعل، الدال على أن الإملاء من الشيطان، لتقدم ذكره قريبا، في قوله تعالى :     ، لأن هذا الفعل أخف نطقا، وهو يتوافق مع الفعل السابق له، لتناسب الضميرين الفاعلين، في (سوّل) و(أملى). 2-افعال المبنية للمفعول: قرأ نافع بعض الأفعال مبنية للمفعول، مخالفا من قرأها مبنية للفاعل، ومنها : أ-الفعل (تُرْجَعُ )، قال تعالى:       [البقرة، 214 ]. قرأ نافع ومن وافقه من القراء (تُر ج عُ ) بضم التاء وفتح العين، وقرئ (ت ر جِعُ ) بفتح التاء وكسر العين3. 1- النكت والعيون، علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، ا لشهير بالماوردي ، تح: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دط، دت، 5/121، و تفسير البغوي ، 1/129. 2 - لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بالخازن، تح : محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1015هـ، 0/108. 3 - النشر في القراءات العشر ، 2/248، و المبسوط في القراءات العشر، ص202،

عدد الصفحات ١٦٢

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 258 أمافي قراءة نافع ، فالفعل مبني للمفعول؛ أي: تُ ر دّ الأمور، وهي مثل قوله تعالى :    [البقرة، 241]، و أما قراءة (ت ر جِعُ ) فالفعل فيها مبني للفاعل، و هي مثل قوله تعالى:        [الشورى، 54]. وقد اختار نافع المبني للمفعول، لأنه أيسر في النطق؛ ذلك أن القراءة بضم التاء تتناسب مع الكلمة التي تليها، وهي (الأمور) مضمومـة الهمزة والمي ـم، فالفم يأخذ حالة الضم عند نطق التاء من الفعل (تُرج ع)، ثم ينتقل إلى الفتح عند نطق الجيم، ثم يعود إلى الضم الممدود مرة أخرى ، عند نطق الهمزة والميم من كلمة (الأمور)، وهذا أيسر بكثير من القراءة الأخرى التي يبدأ الفم فيها بفتح التاء من الفعل (ت رجع )، ثم ينتقل إلى كسر الجيم، ثم يعود إلى ضم العين، ثم ضم الميم الممدودة من كلمة (الأمور)، والانتقال من الكسر إلى الضم أصعب من الانتقال من الفتح إلى الضم، ولذلك قرأ نافع:       [هود،121] بضم الياء للعلة نفسها، مخالفا بعض القراء الذين قرؤوها بفتحها 1، بينما قرأ :     [القصص،18]، بفتح الياء، وكسر الجيم، على البناء للفاعل، مخالفا من قرأها مبنية للمفعول 2، بضم الياء وفتح الجيم، لأن ( )نهاية الآية، وقد سبقت بـ(لا) مفتوحة اللام، مما يجعلها متناسبة مع الفتح لا مع الضم. هذا إضافة إلى أن صيغة البناء للمفعول تفيد الإبهام، والأمور التي ترجع إلى الله كثيرة، تصعب متابعتها ومعرفتها، والإحاطة بها ، بل ومعرفة كيفية رجوعها، ومن ثم فإن اختيار نافع يحمل هذه الدلالة التي لا تحملها صيغة البناء للفاعل. ب- الفعل(يُغَل )، قال تعالى:        [آل عمران، 111 ]. قرأ نافع (يُغ ل ) بضم الياء وفتح الغين، وقرئ (ي غُل ) بفتح الياء وضم الغين3. 1 - الحجة للقراء السبع ، الفارسي، 1/121. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 112، وتفسير القرطبي، 21/187. 3 - ينظر: النشر في القراءات العشر، 1/111،و الحجة للقراء السبعة، الفارسي، 1/71.

عدد الصفحات ١٦٣

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 257 وقداختار نافع الفعل المبني للمفعول، فيكون نائب الفاعل ضميرا يعود على (نبيء)، والفعل على هذه القراءة من (أغلّ ) الرباعي، والمعنى : ما كان لنبيّ أن يُ نسب إليه غلول أبدا، أو بمعنى يخان: أي يؤخذ من غنيمته1. والقراء الذين اختا روا الفعل (ي غُل )، اعتبروا الفاعل ضميرا يعود على (نبيء) أيضا، والمعنى : لا ينبغي أن يقع من (نبيء) غلول أبدا، أي خيانـة2. ويبدو أن دلالة الفعل المبني للمفعول أوسع من دلالة الفعل المبني للفاعل ؛ لأن هناك دلالة يشتـركان فيها، وهي نفـي نسبة الغلول إلى (نبيء)، إضافة إلى دلالة أخرى تختص بالفعل المبني للمفعول، وهي الأخذ من غنيمته، وهذه الدلالة تتناسب مع سياق الآية، فالله تعالى يقول في تمام ها:                  ، و(م ن) تدل على العموم، فهي تتناسب مع عموم من يخون، هذا إضافة إلى أن صيغة البناء للمفعول أنسب لمقام الأنبياء؛ لأنها لا تنسب الغلول إليهم، إجلالا لهم عن أن يذكروا مع الغلول في كلام واحد. ج-الفعل (أُحصِنَ )، قال تعالى :               [النساء،25]. قرأ نافع والجمهور الفعل (أُح صِن ) بضم الهمزة، وكسر الصاد ، وقرئ (أ ح ص ن ) بفتح الهمزة والصاد 3. والفعل في قراءة نافع مبني للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على الإماء، والمعنى : فإذا أحصنهن الأزواج بالتزويج، فالحد لازم لهن إذا زنين ، وهو خمسون 1 - تفسير القرطبي، 1/155. 2 - ينظر: الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص225، وتفسير القرطبي،1/155. 3 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص118، و النشر في القراءات العشر، 2/208.

عدد الصفحات ١٦٤

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 262 جلدة، نصف ما على الحرائر المسلمات غير المتزوج ـات، أي الأبكـار، وهو في القراءة المخالفة له، ضمير مبني للفاعل، يعود على الإماء أيضا، والمعنى: أسلمن1. وهكذا فإن تغير الفعل بين البناء للفاعل والبناء للم فعول، أدى إلى تغير دلالته؛ فالفعل في حالـة بنائـه للمفعول بمعنـى: ت ز و ج ن إماء لم يُعت قن بعد، فأحص ن هُن أزواجهن، وأما في حالة بنائه للفاعل، فإن معناه: أ س ل م ن ، فأحص ن فروجهن بالإسلام، أي: أعففنها2. وقد أدى اختلاف الدلالة إلى اختلاف في الحكـم الفقهي، فالقراءة على البناء للمفعول، تدل على أن وجوب الحد في ظاهر اللفظ على المملوكة ذات الزوج ، دون الأيّ م، وهذا مذهب ابن عباس؛ لا تجلد إذا زنت حتى تتزوج، وكان ابن مسعود يقول إذا أسلمت وزنت جلدت وا ن لم تتزوج 3. وقد نظرالشوكاني في السياق الذي ورد فيه الفعل، ابتداء من أول الآية:            إلى قوله تعالى:              ، فاستدل بذلك على أن المراد بقوله:     :تزوجن، لأن السياق كله في الفتيات المؤمنات4. وا ذا كان المعنى كذلك ، فإن عدول نافع عن المبني للفاع ـل إلى المبني للمفعول ، كان بقصد هذه الدلالة، وبقصد التوافق مع (مُح ص نات ) السابقة، لإحداث الانسجام؛ وقد وضّ ح ذلك الطبري بقوله : "غير أن الذي نختـار لمـن قرأ ()، بفتح الصاد 1 - القراءات وأثرها في علوم العربية ، محيسن، 1/518. 2 - ينظر: فتح القدير، الشوكاني، 1/518، و معاني القراءات ، الأزهري، 1/141. 3 - حجة القراءات، ابن زنجلة، ص188. 4 - فتح القدير، 1/524.

عدد الصفحات ١٦٥

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 262 في هذا الموضع أن يقرأ (أُ حصِ ن )، بضم الألف، ولمن قرأ (مُ ح صِ ن ات ) بكسر الصاد فيه، أن يقرأ : (أ ح ص ن )، بفتح الألف؛ لتأتلف قراءة القارئ علـى معنى واحد، وسياق واحد، لقرب قوله: (محص نات) من قوله: (أُحصِن (، ولو خالف من ذلك لم يكن لحنا، غير أن وجه القراءة ما وصفت"1. د-الفعل (أُسِّسَ )، قال تعالى:                    [التوبة،114]. قرأ نافع وابن عام ـر الفعل (أُسِّس ) بضم الهم ـزة وكسر السي ـن الأولى ، وقرأ الجمهور(أ س س ) بالفتح2. وقراءة نافع وابن عامر على بنـاء (أُ سِّس ) للمفعول، ورفع بنيان في الموضعين، وأما قراءة الجمهور (أ س س ) فعلى بناء الفعل للفاعل، ونصب بنيانه فيهما3. قال الطبري : " وهما قراءتان متفقتا المعنى"4، وما دامتا كذلك، فلم عدل نافع عن المبني للفاعل إلى المبني للمفعول، مع أن الأولى أخف نطقا، لغلبة حركة الفتح فيها، بينما صيغة البناء للمفعول تلجئ القارئ للنطق بحركة ال ضم أكثر من مرة في:     ،والمعلوم أنه كلما تكررت حركة الضم زاد الثقل؟ لقد عدل نافع عن البناء للفاعل لسببين: الأول: أن الله تعالى ذكر قبلها:       [التوبة،148]، على البناء للمفعول ، وقد أجمع القراء على ذلك، فمن الأولى أن يبنى هذا أيضا للمفعول، لموافقة ما قبله5. 1 - تفسير الطبري ، 1/148. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 228، والحجة للقراء السبع ة، الفارسي، 0/224. 3 - تفسير القرطبي ، 8/211، وتفسير البغوي ، 2/184. 4 - تفسير الطبري ، 11/180. 5 - حجة القراءات، ابن زنجلة، ص 121،120 .

عدد الصفحات ١٦٦

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 261 الثاني: أن من مقاصد البناء للمفعول التعظيم والتحقير، فتأسيس المسجد على التقوى أمر عظيم، وتأسيس المسجد على غير التقوى أمر سيء، وفعل دنيء حقير، فاختار نافع البناء للمفعول، للدلالة على ذلك العمل الحقير، والقراءة بالبناء للفاعل لا توصل إلى هذه الدلالة المهمة. هـ- الفعـل(خُسِفَ )، قال تعال ـى:          [القصص،82 ]. قرأ نافع والجمهور الفع ـل (خُسِف ) بضم الخاء، وقرئ (خ س ف ) بفتح الخاء1. والفعل في قراءة نافع مبني للمفعو ل، وهو في قراءة من خالفه مبني للفاعل، الذي يعود على الله تعالى. و ا ذا كانت القراءة بالبناء للفاعل أليق في موضعها؛ لتقدم ذكر الله تعالى في الآية، و أخف نطقا؛ لأن الأصوات الثلاثة للفعل (خ س ف ) مفتوحة، هذا إضافة إلى اتفاق القراء العشرة على قراءة     [القيامة،8] بفتح الخاء والسين2. فما السر في قراءة ناف ـع الفعل (خُسِف ) مبنيـا للمفعول ؟ يبدو أن نافعا اختار هذه الصيغة لسببين: الأول: أن من أغراض البن ـاء للمفع ـول التعظيم3، والقراءة كذلك تفي ـد دهشة المتحدثين من قوة الخسف وعظمته، خصوصا وأنهم رأوا شدة وقعه، ووخامة عاقبته . الثاني: أن الأدب مع الله تعالى يقتضي عدم نسبة الشر إليه، على الرغم من أنه خالق الخير والشر، ولذا فإن الخسـف لا ينسب إليه بشكـل مباشر، تأدبا معه؛ قال ابن تيمية: "والله تعالى وا ن كان خالقا لكل شيء، فإنه خلق الخير والشر، لما له في ذلك 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص101، والسبعة في القراءات ، ابن مجاهد، ص085. 2 - ينظر: شرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع ، عبد الفتاح القاضي، ص 120. 3 - شرح جمل الزجاجي، ابن عصفور، 1/101.

عدد الصفحات ١٦٧

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 261 من الحكمة التي باعتبارها كان فعله حسنا متقنا، كما قال:        [السجدة،1]، وقال:         [النمل،84]، فلهذا لا يضاف إليه الشر مفردا، بل إما أن يدخل في العموم، وا ما أن يضاف إلى السبب، وا ما أن يحذف فاعله"1، ثممثّ ل لما يحذف فاعله بقوله تعالى فيما حكاه عن الجن:                [الجن، 14]2. وهكذا فإن اختيار نافع الفعل (خُسِف ) قائم على هذين السببين الوجيهين . ومما سبق يتبين أن اختيار نافع المبني للفاعل، أو المبني للمفعول، لم يكن تنويعا بين الصيغ، بقدر ما هو اختي ـار لدلالة معينة، أو قصد للصيغة الأ خـف، أو التي تتوافق مع أفعال السياق، لإحداث الانسجام ، فإذا تقارب المعن ـى في صيغتـي البناء للفاعل والبناء للمفعول ، فإن نافعا يختار صيغة البناء للفاعل ، ولا يعدل عنها إلا إذا كانت صيغة البناء للمفعول أخف في النطق. 1 - منهاج السنةالنبوية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تح : محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة ، القاهرة ، ط1،1041هـ، 1/102. 2 - المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

عدد الصفحات ١٦٨

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 461 المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن: يعتبر الزمن أحد المؤثرات الأساسية في بنية الفعل؛ فهو لا يدل على معناه بصفة كاملة، إلا إذا اقترن بأحد الأزمنة الثّلاثة1، التي قال عنها سيبويه: "وأما الفعل فأم ثل ة أُخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ين قطع"2. وهو بذلك يقرر أن الزمن ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ فما بُني لما مضى: هو الزمن الماضي، وما يكون ولم يقع: هو الزمن المستقبل، وما هو كائن لم ينقطع: هو الزمن الحاضر. وهذا التغاير في الزمن يؤدي حتما إلى التغاير في أبنية الأفعال3؛ فنقول في الماضي – مثلا- (ف هِم )، ونقول في المضارع :(ي فهم)، ونقول في الأمر(افهم). و ا ذا نظرنا إلى قراءة نافع، فإننا نجد بعض الأفعال قرأها نافع في صيغة زمنية معينة، بينما قرأها آخرون في صيغ زمنية أخرى، مما أدى إلى اختلاف بنيتها ودلالتها، وفيما يلي بيان ذلك: أولا -الفعل الماضي: هناك أفعال قرأها نافع في صيغة الماضي ، بينما وردت عند قراء آخر ين في صيغة زمنية مختلفة ؛ منها: 1-الفعل(اتخذ)، قال تعالى:        [البقرة، 521]. قرأ نافع وابن عامر (و ات خ ذُوا) بفتح الخاء، وقرأ الباقون (و ات خِذُوا) بكسر الخاء4. 1 - الكافية في علم النحو، ابن الحاجب جمال الدين بن عثمان بن عمر بن أبي بكر المصري ، تح: صالح عبد العظيم الشاعر، مكتبة الآداب، القاهرة، ط 4، 0242م، ص11. 2 - الكتاب،4/40 . 3 - ينظر: النحو الوافي ، عباس حسن، دار المعارف ، القاهرة، ط41،4/16. 4 - ينظر: المبسوط في القراءات ال عشر، ص431، والنشر في القراءات العشر، 0/000.

عدد الصفحات ١٦٩

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 461 وقراءة نافع (بفتح الخاء)، علـى أن الفعـل (ات خ ذُوا) فعل ماض معطـوف على (جعلنا)، أي: جعلنا البيت مثابة، واتخذوه مصلى، وقيل: هو معطوف على تقدير(إذ)؛ كأنه قال: وا ذ جعلنا البيت مثابة، وا ذ اتخذوا 1، فيكون المعنى : " أل ه منا الناس أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، أو أمرناهم بذلك على لسان إبراهيم "2. وأما قراءة (واتخِذوا)، فقد قال فيها أبو حيان : " اختُلف في المواج ه به؛ فقيل: إبراهيم وذريته، أي: وقال الله لإبراهيم وذريته : اتخِذوا، وقيل: النبي  وأمته، أي: وقلنا اتخِذوا، ويؤيده ما قاله عمر : "وافقت ربي في ثلاث"؛ فذكر منها: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟3، وروي عن النبي  أنه أخذ بيد عمر فقال: "هذا مقام إبراهيم "، فقال عمر: "أفلا نتخذه مصلى؟" فقال: "لم أؤمر بذلك"، فلم تغب الشمس حتى نزلت 4،وعلى هذين القولين يكون(اتّ خِ ذوا ) معمولا لقول محذوف"5. وقد أجاب ابن خالويه على ما قد يطرح من إشكال حول نزول القرآن بالأمر والماضي في موضع واحد، وهما متضادان، فقال : " فإن قيل: فإن الأمر ضد الماضي، فكيف جاء القرآن بالشيء وضده؟ فقل: إن الله تعالى أمرهم بذلك مبتدئا، ففعلوا ما أمروا به، فأثنى بذلك عليهم، وأخبر به، وأنزله في العرضة الثانية"6. والحقيقة أن اختيار نافع الفعل الماضي، جاء متوافقا مع الأفعال في الآية؛ فقد سُبق الفعل الماضي (و ات خ ذُوا) بفعـــــل ماض آخــــر، وهو : (ج ع ل ــــن ا) من قو لـــــه تعالــــــى: 1 - تفسير القرطبي، 2/555، وتفسير البحر المحيط، 5/112. 2 - التحرير والتنوير ، 4/042. 3 - صحيح البخـاري، 1/4601 4 - لم أجد هذا الحديث بهذه الصيغة،ولكني و جدته في حلية الأولياء بصيغة مختلفة، وهي : " قال عمر يا رسول الله، هذا مقام خليل ربنا تعالى ، قال نعم، قال أفلا نتخذه مصلى؟ قال: فنزلت :        "ينظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1،4121هـ، 1/411 . 5 - تفسير البحر المحيط، 4/110. 6 - الحجة في القراءات السبع ، ص70.

عدد الصفحات ١٧٠

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 466         [البقرة، 521]، وجاء بعـده ماض آخر وهو : (ع هِد ن ا) في الآية نفسها:      ، كما أن هذا الفعل جاء ضمن سياق قصصي، يتناول قصة إبراهيم ، وذلك ابتداء من قوله تعالى:         [البقرة، 521] .وهذا السياق القصصي يناسبه الفعل الماضي. 2-الفعلتطوع : قال تعالــى:          [البقرة، 511]. قرأ نافع (ت ط و ع ) بالتاء، وقرئ (ي ط و ع ) بالياء1. وقراءة نافع على أن (ت ط و ع ) فعل ماض ، فيحتمل أن تكون (م ن ) بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون شرطية ، والماضي في (ت ط و ع ) يدل على المستقبل، وأما قراءة (ي ط و ع ) فهي فعل مضارع ، و الأصل فيها (يتطوع )، فأدغمت التاء في الطاء2. وقداختار نافـع الفعل الماضي هنا ، لأنه أخ ـف، و هو يؤ دي م عنى المستقبل ، باعتماده على الشرط ، فجمع بذلك بين خفة اللفظ، ومعنى المستقبل3. 3-الفعل(قال)،          [المؤمنون،552]. قرأ نافع (قال) بصيغة الماضي، بينما قرأه قراء آخرون بصيغة الأمر (قل)4. وقد احتج أبو علي الفارسي للقراءتين ؛ فبين أن: من قرأ بالأمر فكأن المعنى: (قل أيها السائل كم لبثتم)، ومن قرأ بالماضي، فهو على سبيل الإخبار عنه، و قد بيّ ن أن حمزة والكسائي نقلا ذلك عن مصاحف أهل الكوفة، لأن فيها (قل)5. 1 - ينظر:المبسوط في القراءات ال عشر، ص531، والحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص09. 2 - إعراب القرآن، أبو جعفر الن ح اس أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي، تح: عبد المنعم خليل إبراهيم ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط5،5125هـ،5/18. 3 - ينظر: تفسير البحر المحيط، 5/832،و معاني القراءات، 5/513. 4 - المبسوط في القراءات العشر، ص351، 315،و النشر في القراءات العشر، 2/339. 5 - الحجة للقراء السبعة، 1/391.

عدد الصفحات ١٧١

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 460 وعند التأمل في سياق هذه الآية نجدها قد وردت في إطار حوار قصصي يحكي حال أهل النار ؛ يبدأ من قوله تعالى :          ثم ينطلـق الحوار بين الله تعالى وأهل النار وهم يعذبون، في صيغة سؤال وجواب، إلى أن يصل السياق الحواري إلى قوله تعالى :                             ، مما يدل على أن (قال) تتماشى مع السياق، لكن (قل) تبدو غريبة في موضعها . ثانيا -الفعل المضارع : هناك أفعال وردت في قراءة نافع في صيغة المضارع ، بينما وردت عند قراء آخرين في صيغ أخرى، ومنها : 1-الفعل(أعلم )، قال تعالى:           [البقرة، 210]. قرأ نافع والجمهور(أ ع ل مُ ) ، وقرئ (اع ل م )1. والفعل على قراءة نافع مضارع، ضميره يعود على المارّ 2، وقد قال هذا الكلام على سبيل الاعتبار، كما أن الإنسان إذا رأى شيئا غريبا قال: لا إله إلا الله! قال أبو علي الفارسي : "أما من قرأه على لفظ الخبر، فإنّه لمّا شاهد ما شاهد من إحياء الله، وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقّنه، مما لم يكن تبيّنه هذا التبيين، الذي لا يجـوز أن يعتـرض عليه فيه، ولا يخطـر على باله شبهة ولا ارتياب ، فقال: (أ ع ل مُ ) أي: أعلمُ هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته من قبل"3. 1 - المبسوط في القراءات العشر، ص414، و النشر في القراءات العشر، 0/034. 2 - وهوالمذكور في أول الآية:       . 3 - الحجة للقراء السبعة، 2/313.

عدد الصفحات ١٧٢

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 467 وأما على القراءة الأخرى ، فهو فعل أمر من (علِ م)، ويناسب هذا الوجه الأوامر السابقة المتكررة في الآية، كقوله تعالى:      ،    ،   ، فقال الرجل : اِ عل م 1. قال الفارسي : " ومن قال: (اِع ل م ) على لفظ الأمر، فالمعنى: يؤول إلى الخبر، وذاك أنّه لما تبيّن له ما تبيّن من الوجه الذي ليس لشبهة عليه منه طريق، نزّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها ، فقال: (اِع ل م )، وهذا مما تفعله العرب، ينزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبيّ ، فيخاطبها كما تخاطبه"2. وقد استشهد لذلك بعدد من الأبيات، منها بيت الأعشى في مطلع معلقته3. ودّع هريرة إنّ الرّك ب مرتحِلُ * وهل تطيقُ وداعا أيّها الر جُل 4 والواقع أن قراءة نافع بصيغة المضارع ، تغني عن هذا التأويل كله؛ وتجعل الفعل يدل على مقصده مباشرة ، دون الحاجة إلى تأويل فعل الأمر للمضارع . 2-الفعل(ننجي)، قال تعالى:      [يوسف،559]. قرأ نافع (نُن جِي) بنونين، وتخفيف الجيـم، وسكون الياء، وقرئ (نُجِّي ) بنون واحدة، وتشديد الجيم، وفتح الياء5. والفعــل (نُن جِــي ) فــي قــراءة نــافع مــن (أنجــى) الربــاعي ، وهــو مضــارع مبنــي للفاعــل بنــونين؛ الأولــى تــدل علــى الاســتقبال، والثانيــة تــدل علــى الأصــل، واليــاء ســاكنة عل مــا 1 - تفسير البحر المحيط،2/391. 2 - الحجة للقراء السبعة، 2/313. 3 - نفسه، 2/311. 4 - ينظر: ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، تح: محمد محمد حسين، مكتبة الآداب بالجماميزت، مصر، دط، دت، ص11. 5 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص211، والحجةفي القراءات السبع ، ابن خالويه، ص500.

عدد الصفحات ١٧٣

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 461 للرفـــع 1، وقـــد جـــاء الكـــلام علـــى نســـق مـــا قبلـــه، وهـــو قولـــه تعـــالى:      ،كما يقول القائل: إذا أتانا ما قبضناه، فنصل بـه مـن نشـاء، ولا يقول: فوصل به من نشاء2 . وأما على قراءة من قـرأ (ف نُجِّـي ) فالفعـل مـاض مبنـي للمفعـول، مـن (نجّـى ) مضـعّف الثلاثي، وقد جاء الفعل ماضيا، ليطابق بين اللفظ والمعنى ، لأن القصة قد مضت3. وقــد ذكــر الــداني أنّ المصــاحف متفقــة علــى كتابتهــا بنــون واحــدة 4، وعلــل ابــن قتي بــة لــذلك بإدغــام الثانيــة فــي الجــيم، فقــال: "إنمــا كتبــت فــي المصــحف بنــون واحــدة ، لأن الثانية خفيت عند الجيم"5. وقد خطّأ الفارسي هذا القول، مبينا أن النون لا تدغم في الجيم، ولا تدغ م كذلك فـي النون؛ لأن الأولى متحركة ، والث انية ساكنة، فحين خفيت للغنّة لفظا، حذفت خطّا6. وهكذا فإن من قرأ (ف نُجِّي ) بالماضي المبني للم فعول، كان قد تابع ظاهر رسم المصحف، أما نافع فيبدو أنه أخ ـذ بق ـول خفاء الن ـون في المصحف خطا، لكنه أظهرها نطقا ، ليجيء الكلام على نسـق ما قبلـه:                [يوسف،559]، فالله تعالى قد ذكر قبلها ضميرا يعود عليه ، وهو (نا) في كلمة (ن ص رُن ا)، فمن 1- ينظر: الحجة في القراءات السبع ، ابن خالويه، ص500. 2 - الكشفعن وجوه القراءات ، 2/51. 3 - التحرير والتنوير ، 53/19. 4 - تفسير البحر المحيط، 1/311. 5 - الكشف عن وجوه القراءات ، 2/51. 6 - الحجة للقراء السبعة ، 1/111.

عدد الصفحات ١٧٤

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 402 المناسبللسياق أن يأتي الفعل بعده بصيغة المضارع المبدوء بالنون التي تعود عليه أيضا، ويبنى للفاعل. ثالثا -فعل الأمر: قرأ نافع فعل الأمر (قل) في عدد من المواضع: - في سـورة الإس ـراء :   [الإسراء، 03]. - في سورة الأنبياء في موضعي ـن:          [الأنبياء،1]، و      [الأنبياء،552]. - في سورة الزخرف :           [الزخرف، 21]. وقد ورد عند بعض القراء بصيغة الماضي 1. وستتم دراسة الآية الأولى فقط، لأنها تغني عن غيرها، للتشابه بينها وبين بقية الآيات. قال أبو علي الفارسي محتجا للقراءتين : "وجهُ من قرأ (قال)، أنّ الرسول  قال عند اقتراحهم هذه الأشياء التي ليس في طاقة البشر أن يفعلها، ويأتـي بها:   [الإسراء، 03]، (وقل) على الأمر له بأن يقو ل ذلك، ويقوّي ذلك قوله:        [الكهف،559]"2، ويتضح ذلك أيضا في قوله تعالى:         1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص212، 395، 393،301، والنشر في القراءات العشر، 2/390، 323،321،380. 2 - الحجة للقراء السبعة ، 1/522.

عدد الصفحات ١٧٥

الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث السادس- الفعل ودلالة الزمن 404                               [الأنعام،511]،فإن الله تعالىحين تحدث عن طلب المشركين كل تلك المعجزات، قال بعدها (قل)، ولم يقل (قال). و زيادة على ذلك فإن نافعا اعتمد في قراءته هذه على مصحف المدينة ، الذي رُ سم فيه (قل) بغير ألف، بينما رسمت في سائر مصاحف الأقاليم بالألف1. وفي نهاية هذا المبحث يمكن الخروج بنتيجة مفادها : إن نافعا يختار زمن الفعل المناسب للسياق ، والمواف ـق مصحف المدينة ، ومع حرص ـه على اتباع رسم المصحف، إلا أنه حين يجد أن اتّباع هذا الرسم قد يُخرج الفعل من زمنه المناسب للسياق، إلى زمن آخر، فإنه يحترم الرس ـم خطا، ويخالفه نطقا، اعتمادا على ما تلقاه عن شيوخه . 1 - ينظر: الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه، وجمل من فنون علومه ، مكي بن أبي طالب ح مّوش بن محمد بن مختار القيسي، مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي ، جامعة الشارقة، إشرا ف: الشاهد البوشيخي، جامعة الشارقة ، ط5،5120هـ، 2991م، 1/3552،3553.

عدد الصفحات ١٧٦