الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- التشديد والتخفيف في بنية الفعل المزيد 561 ويبدو أن اختيار نافعالفعل (أَوْصَى) المخفف، كان بسبب كتابته في مصحف المدينة كذلك، بينما كتب في مصحف العراق (وَصَّى)1، مما جعل قراء العراق جميعا يختارونه، لموافقة مصحفهم . ب-الفعل (أكذب)، قال تعالى: [الأنعام، 33]. قرأ نافع والكسائي (ي كْذب ونَكَ ) خفيفة، وقرأ الباقون (ي كَ ذِّب ونَكَ ) مشددة2. والفعل في قراءة ناف ـع مضارع (أكذب)، على وزن (أفعل)، و في القـراءة الأخرى ، مضارع (كذّب)، مضعف الثلاثي. وفي تحليل القراءتين ، قيل: هما بمعنى واحد ، نحو: (كثّر، وأكثر )، و(وفّى الرجل حَقه ، وأوفى )3، وقيـل: إن بينهما فرقا؛ فقد حك ـى الكسائي عن العرب : أكذبت الرجل ، أي أخبرت أنه جاء بالكذب، وكذّ بته: أخبرت أنه كاذب4. فالفعل(أكذب) عند الكسائي، يفيد نسبة الكذب إلى ما جاء به النبـي ،لا إلى شخصه، أما (كذّب) المشدد، فيفيد نسبة الكذب إليه. وعند ملاحظ ـة الموقف الحقيقي للكفـار من النب ـي،يتبين أنهم لم يكو نوا يكذبون شخصه، وا نما يكذبـون الحق الذي جاء به؛ بدليل قوله تعالى بعـدها مباشـرة: ، وقولـه في موضـع آخر: [النمل،61]. وبهذاالمعنى فإن قراءة نافع أنسب للسياق، لدلالة الفعل على نسبة الكذب إلى ما جاء به النبي،لا إلى ذاته. 1 - تفسير البحر المحيط، 6/569 . 2 - المبسوط في القراءات العشر، ص683، وحجة القراءات ، ص218، والتحرير والتنوير، 6/688. 3 - تفسير البحر المحيط،1/667، وحجة القراءات ، ابن زنجلة، ص 218. 4 - فتح القدير، الشوكاني، 2/626.
عدد الصفحات ١٤٥الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- التشديد والتخفيف في بنية الفعل المزيد 565 2-صيغة(فاعَل): قرأ نافع عددا من الأفعال على صيغة (فاعَ ل)، وقرأها آخرون على صيغة (فعّل)، وكانت الصيغتان بمعنى واحد: أ-الفعل (ضاعـف)، قال تعال ـى: [البقرة، 215]. قرأ نافع (ي ضاع فه) بالتخفيف، وقرئ (ي ضَعِّفه) بالتشديد1،وقد ذكرت كتب التفسير والقراءات أن الصيغتين بمعنى واحد 2. ب-الفعل (صَاعر)، قال تعالى: [لقمان،68]. قرأ نافع (ت صَاع ر)، وقرئ (ت صَعِّر)3،وكتب التفسير والقراءات تذكر أنهما بمعنى واحد، وهو (الميل)4؛ يقال: صَاعَر، وصَعَّر، إذا أمال عنقه إلى جانب، ليعرض عن جانب آخر، وهو مشتق من (الصَعَر)؛ وهو داء يصيب البعير، فيلوي منه عنقه5، وهما لهجتان؛ لهجة الحجاز التخفيف، ولهجة تميم التثقيل6. ج- الفعل (بَاعِد)، قال تعالى: [سبأ،39]. قرأ نافع (بَاع دْ ) بالتخفيـف، وقرئ (بعِّد) بالتشديـد7،وكتب التفسير والقراءات تذكر أن هاتين القراءتين بمعنى واحد 8. وبعد هذا العرض يتبين أن نافعا ي ميل إلى التخفيف؛ أي اختيار الفعل المخفف، إذا تساوت دلالته مع المشدد، لكونه أيسر على اللسان، وأقل كلفة، فإذا اختار الفعل 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص337، والسبعة في القراءات ، ابن زنجلة، ص265 . 2 - ينظر: التحرير والتنوير، 68/690، ومعاني القراءات، 3/73، وحجة القراءات، ص 339 . 3 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص356،و تفسير القرطبي، 33/29. 4 - ينظر: تفسير القرطبي ، 33/29، و معاني القرآن، الفراء، 3/326، وحجة القراءات، ص525 . 5 - التحرير والتنوير، 63/322. 6 - ينظر: اللباب في علوم الكتاب، 3/372، و الحجة للقراء السبعة، الفارسي، 5/355. 7 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص326، والنشر في القراءات العشر، 6/350. 8 - تفسير القرطبي ، 56/291، و معاني القراءات، 6/693، و حجة القراءات ، ص 588.
عدد الصفحات ١٤٦الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الثالث- التشديد والتخفيف في بنية الفعل المزيد 562 المشـدد، فإنه يقصد دلالة معينة، لا يعطيهـا الفعل المخفـف، أو لكـون الفعل المشـدد يتوافق مع السياق، أو لمو افقة لهجة أهل الحجاز.
عدد الصفحات ١٤٧الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 341 المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر: في القر اءات القرآنية عدد من الأفعال ، يحتمل رسمها أكثر من حرف من أحرف المضارعة؛ و قد اختار كل قارئ من القراء حرفا ، على حسب ما استقر عنده من القراءة الصحيحة، المنقولة بالمتواتر. وتنوع أحرف المضـارعة يؤدي إلى تنوع الفاعل؛ فالهمزة والنون للفاعل المتكلم، والتاء للفاعل المخاطب، أما الياء فللغائب. وستتم في هذا المبحث دراسة الأفعال التي وردت في قراءة نافع بحرف من حروف المضارعة، بينما وردت في قراءات أخرى بحرف مختلف : أولا -النون الدالة على المتكلم: هناك أفعال قرأها نافع بالنون، بينما قراها قراء آخرون بالياء ، ومنها : 1-الأفعـال (نشـأ)، (نخسـف)، (نسقـط)، قـال تعالـى: [سبأ، 9]. قرأ نافع والجمهور الأفعال الثلاثة بالنون، وقرئ (يَشأ)، (يَخسف)، (ي سقط) بالياء1. والملاحظ أن الفاعل في قراءة نافع هو ضمير المتكلم (نحن)، الدال على الله تعالى، فكان حرف المضارعة في الأفعال هو النون، والفاعل في القراءة الأخرى هو ضمير الغائب (هو)، فكان حرف المضارعة هو الياء . قال ابن خالويه : " من قرأ بالنون، فقد جعله من إخبار الله تعالى عن ذاته، ومن قرأ بالياء، فقد جعله من إخبار النبي عن ربه عز وجل"2،وقال الأزهري : "الياء والنون في المعنى سي ـان؛ لأن المشيئة لله عز وجل في القراءتين "3. والمتأمل في سياق الآيات يجد أن القراءة بالياء تنسجم مع ما سبق؛ لأن اسم الله مذكور في الآية السابقة؛ قال تعالى: [سبأ،8]، 1 - المبسوط في القراءات العشر، ص063، وتفسير البغوي، 0/676، 2 - الحجة في القرا ءات السبع، ص 292. 3 - معاني القراءات، 2/288.
عدد الصفحات ١٤٨الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 344 فهذه القراءة تحيل الأفعال على الله تعالى، فيكون الكلام منسجما تماما. و هذا يدعو إلى التساؤل عن سبب اختيار نافع القراءة بالنون، مما يفقدها الانسجام الذي تحققه الياء؟ الحقيقة أن القراءة بالنون التي اختارها نافع تدل على إخبار الله تعالى عن ذاته، وبذلك يحصل التفات في غاية الأهمية؛ ينتقل به الخطاب من الغائب إلى المتكلم، وهذا أوقع في النفس؛ ذلك أن حضوره سبحانه وتعالى (بنون العظمة) في مشهد التهديد بخسف الأرض ، أو إسقاط كسف من السماء، يعطي المشهد قوة ورهبة، بخلاف الحديث عنه بياء الغيبة، فالالتفات الذي أوجده حرف المضارعة (النون)، الدال على المتكلم، في مشهد التهديد، أكثر تأثيرا من الانسجام الذي أحدثه حرف المضارعة (الياء)، الدال على الغائب، ولهذا اختار ه نافع. 2-الفعـل (نحشر)، قال تعالى: [فصلت،68]. قرأ نافع ويعقوب (نحشر) بالنون، وقرأ الباقون (ي حشر) بياء مضمومة1. والفاعل في قراءة نافع هو ضمير المتكلم (نحن) العائد على الله تعالى، ولذلك اتصل الفعل بالنون، وأما في القراءة الأخرى ، فالفاعل غير مسمى؛ لأن الفعل مبني للمفعول، ولذلك ص د ر بالياء. وقد بين ابن زنجل ـة أن قـراءة ناف ـع بالنـون جاءت عطفا علـى قوله تعالى قبلها: ، وأما قراءة الجمهور بالياء على ما لم يسم فاعله، فمراعاة لما بعده، وهو قوله تعالى: 2. 1 - المبسوط في القراءات العشر، ص 090، والسبعة في القراءات ، 676. 2 - حجةالقراءات، ص 606.
عدد الصفحات ١٤٩الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 341 ويبدو أن نافعا اختار هذا الضمير، لأن الفعل ورد في سياق أفعال مضارعة ، تدل على المتكلم، وذلك ابتداء من قولـه تعالـى: [فصلت، 60]، ثم تأت ـي الأفع ـال (فأرسلنا ، لنذيقهـم، فهدينـاهم، ونجينا )، كلها بحرف المضارعة (النون)، الذي يدل على المتكلم. و مراعاة لذلك، اختار نافع هذا الضمير، ليكون منسجما مع بقية الضمائر، إضافة إلى أن هذا الاختيار يزيد الموقف هيبة وجلالا، بحضوره سبحانه وتعالى في المشهد، وتوليه بنفسه حشر أعداء الله إلى النار. ثانيا-التاء الدالة على المخاطب: هناك أفعال قرأها نافع بتاء المخاطب ، بينما قراها ق ـراء آخ ـرون بالياء الدالة على الغائب، ومنها: 1-الفعـل (تعبد)، قال تعالى: [البقرة، 80]. قرأ نافع والجمهور (تعبدون) بالتاء، وقرئ (يعبدون) بالياء1. أما قراءة نافع والجمهور بالتاء ، فقد بين الزجاج أنها على معنى الخطاب والحكاية ، كأن ه قيل: قلنا لهم لا تعبدون إِلا الله، وأم ا القراءة بالياء ، فعلى أساس أنهم غ ي ب، وعلامة الغائب الياء2. ويبدو أن نافعا آثر تاء الخطـاب بدل الغيبة، لاستحضـار المتكل م عنهـم، وهم بنو إسرائيل، ونقلهم من الماضي الغابر ، إلى الحاضر المشاهد، ودمجهم في المشهد، وكأنهم يتلقون 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص602،والحجة للقراء السبعة ، الفارسي، 2/626. 2 - ينظر: معاني القرآن وا عرابه، 6/662.
عدد الصفحات ١٥٠الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 341 الخطابحال نزول القرآن ، أو كأن الخطاب موجه إلى أحفـادهم من بني إسرائيل الذين كانوا يعاصرون النبي على أس ـاس أن التعليمات التي و ج ـهت إلى آبائهم ، هم مخاطبون بها أيضا، كما خوطب بها آباؤهم من قبل، فاستعمال المخاطب، من باب دمج الحاضرين في المشهد، وتحميلهم المسؤولية، كما ح م لها آباؤ هم، وفي هذا ما لا يخفى من قوة التأثير على المعنيين بالخطاب. 2-الفعل(توقد)، قال تعالى: [الرعد ،69]. قرأ نافع والجمهور (توقدون) بالتاء ، وقرئ (يوقدون) بالياء1. أما قراءة من قرأ بالياء، فلأن الخطاب غير ظاهر في الآية، وا نما يظهر ضمير الغائب (هو) في قوله تعالى بعدها: ، فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في (يوقدون)2، ولأن هذا الفعل ورد في سياق مَثَل؛ وذلك ابتداء من قوله تعالى: ،إلى أن ق ـال في آخر الآي ـة: ، والأمث ـال تضرب للناس، والناس يناسبهم ضمير الغائب، كما قال تعالى : [العنكبوت،6]. أما نافع فاختار (توقدون)، من باب الالتف ـات من الغيب ـة إلى الخط ـاب، فكأنه أراد استحضار المخاطبين، ودمجهـــــــــــم في المشهــــــــــد، فعـــــــــــوض أن يكونوا مجرد مستمعي ــــــن لمَ ثَ ل ي ضرب، صاروا جزء ا من بنية المثل، وفي ذلك ما لا يخفى من قوة التأثير وعمقه في السامعين. 1 - المبسوط في القراءات العشر، ص266، والسبعة في القراءات ، ص068. 2 - تفسير القرطبي،9/036، وتفسير البحر المحيط،6/072.
عدد الصفحات ١٥١الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 341 3-الفعل(تشرك)، قـال تعالـى: [النمل،61]. قرأ نافع والجمهور (تشركون ) بالتاء، وقرئ (يشركون ) بالياء1. قال ابنزنجلة محتجا لقراءة نافع والجمهور : "حجة نافع في القراءة بالتاء، أن الكلام أتى عقب المخاطبة، فأجر اه على لفظ ما تقدمه، وذلك في قوله: ، ثم قال: 2"، وأما القراءة بالي ـاء، فالكـلام خبر عن أهل الشرك، وهم غ ي ب، فجرى الكلام على لفظ الخبر عنهم لغيبتهم3. والقول بأن (تشركون ) بالتاء جاءت عقب المخاطبة؛ يعني أنها جاءت بعد (قل) في أول الآية، وهو قول ـه تعالى : ،والضمير في (قل) يعود على النبي ، والضمير في (تشركون ) يعود على الكفار، فكيف يتم إجرا ء الكلام على لفظ ما تقدمه، إذا كان الضميران لا يعودان على شخص واحد؟ يمكن القول إن حرص نافع على اختيار ضمير المخاطب كان بغرض الالتفات إليه من الغائب؛ فقد كان الكلام يجري على أهل الشرك، بلفـظ الغائب، في قوله تعالـى : ، ثم يجد القارئ نفسه فجأة أمام الفعل (تشركون )، بصيغة المخاطب: ،فلم يعد المتلقي مجرد شخص يسمع ، أو يقرأ خبر هلاك الكفرة 1 - النشر في القراءات العشر، 2/113،ومعاني القراءات، 2/43. 2 - حجة القراءات، ص 111. 3 - المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
عدد الصفحات ١٥٢الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 343 والمجرمين، الذي يعرض علي ـه في هذا المشهد، بل صار هو ذاته جزءا من المشهد، والسؤال يطرح ع ليه مباشرة، ، وهذا أوقع في النفس، وأشد تأثيرا في قلو ب المشركين ، من الحديث بضمير الغائب، الذي لا يعطي تلك الإيحاءات الهامة التي يعطيها ضمير المخاطب. ثالثا-الياء الدالة على الغائب: 1-الفعل(يعمل)، قال تعالى: [البقرة، 88]. قرأ نافع وبعض القراء (يعملون) بالياء، وقرئ (تعملون) بالتاء1 . قال الأزهري : "مَن قَرَأَ بالياء، فعلى الإخبار عنهم، وَمَن قَرَأَ بالتاء، فهو مخاطبة لهم"2. وقد كان الطبري أكثر بيانا حين قا ل: " اختلف القرأَة في قراءة ذلك ؛ فقرأه بعضهم : (يعملون) بـ(الياء)، على وجه الإخبار عنهم، فكأنهم نحو ا بقراءتهم معنى : [البقرة، 88]، أي: عما يعمله الذين أخبر الله عنهم، أنه ليس لهم جزاء على ف علهم، إلا الخزي في الحياة الدنيا ، ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب، وقرأه آخـرون ( تعملون) بـ (التاء) على وجه المخاطبـة؛ فكأنهم نحو ا بقراءتهم نحو: [البقرة، 88]، وفي آخر الآية: ، أي: أنتم معشر اليهود"3 . 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 606، والسبعة في القراءات، ص 666. 2 - معاني القراءات، 6/667. 3 - تفسير الطبري، 2/267.
عدد الصفحات ١٥٣الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 341 والتأمل في كلام الطبري ، وهو يعلل لقراءة نافع بياء الغائب، على وجه الإخبـار عن اليهود، يعود بنا إلى أول المقطع، عند الآية الثانية والثمانين؛ حيث بدأه الله تعالى بقولـه: ، فالسياق هنا يحكي حدثا تاريخيا عن بني إسرائيل ، يقتضي الحديث عنه بضمي ـر الغائ ـب؛ غير أنه سرع ـان ما تغير الكـلام إلى ضمير المخاطب، على سبيـل الالتفات من الغائب إلى المخاطـب، حتى يكون الأحفاد أيضا معنيين بما خوطب به آباؤهم من قبل، ومن ثم أدمجوا في المشهد، وخوطبوا مباشرة، بضمير المخاطب، وذلك في قولـه تعالى: ،و في الآية نفسها: ، واستمر الأمر كذلك إلى قوله تعالى: [البقرة، 88، 86]،ليعود الم شهد من جديد إلى ضمير الغائب، الذي افتتح به المقطع، حتى يكون الكلام منسجما مع أوله: [البقرة، 82]. 2-الفعـل (يعصـر)، قال تعالـى: [يوسف، 89]. قرأ نافع والجمهور (يعصرون) بالياء، وقرأ حمزة والكسائي (تعصرون) بالتاء1. قال البغوي معللا للقراءتين : " قرأ حمزة والكسائي تعصرون بالتاء، لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس"2. 1 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 286، والحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ص 696. 2 - تفسير البغوي، 2 /896.
عدد الصفحات ١٥٤الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 311 والحقيقة أن هذا الفعل ورد في سياق رد يوسف على سؤال مبعوث الملك، حين طلب منه تأويل الرؤيا قائلا: [يوسف،86]، فكان الجواب بالمخاطب: [يوسف،87]، ثم استمر جواب يوسف، موجها الخطاب للسائل، ولمن أرسله، إلى أن قال : [يوسف،89]، فتحول الضمير إلى الغائب، فلم يقل : (فيه تغاثون وفيه تعصرون)، لأن الخير شامل لهم ولغيرهم، وليس مقتصرا عليهم، ومن ثم فإن الاستفادة من هذا الغيث عامة، تشملهم وتشمل غيرهم، ولذا جاء الفعل بضمير الغائب، ليدل على أن الخير يعم الجميع، ولا يخص المخاطبين فقط . فمن أجل هذه الدلالة الهامة اختار نافع هذا الضمير، بدل ضمير المخاطب. 3-الفعل(يرى )، قال تعالى: [النحل،88]. قرأ نافع والجمهور (يَرَو ا ) بالياء، وقرئ ( تَ رَ و ا) بالتاء1. وقد علل ال قرطبي للقراءتين بقوله : " قرأ حمـزة والكسائ ـي وخلف ويحيـى والأعمش (تروا ) بالتاء، على أن الخطـاب لجميـع الناس، و الباقون بالياء، خبرا عن الذين يمكرون السيئات، وهو الاختيار"2. وقولالقرطبي وهو يعلل للقراءتين : إن القراءة بالياء خبر عن الذين يمكرون السيئات، إشارة منه إلى قوله تعالى في الآية الخامسة والأربعين : 1 - النشر في القراءات العشر ، 2/080، والحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ص279. 2 - تفسير القرطبي،63/666.
عدد الصفحات ١٥٥الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الرابع - حروف المضارعة ودلالتها على الفاعل المضمر 313 ، فالحديث هنا عن غائبِين، وهم الذين يمكرون السيئات، ولذلك أعقب بعدها أفعالا تدل على الغائب : ( يخسف، يأتيهم، يشعرون، يأخذهم)، حتى وصل إلى الفعل (يروا)، فدل به على الغائب، ليوافق الضمير في هذا الفعل بقية الضمائر التي تحيل إلى الذين مكروا السيئات. وهكذا تتبين أسس اختيار نافع حرف المضارعة ، والضمير المناسب له، والتي يمكن تلخيصها في ما يلي : - يختار نافع حرف المضارعة المناسب للسياق، إلا إذا قصد معنى هاما، فإنه يعدل عنه إلى حرف آخر، فيتم بذلك الالتفات، الذي يبرز المعنى المقصود . - كثيرا ما يختار حرف المضارعة الذي يؤث ر في المشهد، كاختياره تاء ا لخطاب بدل الغيبة، أحيانـا، بقصـد تجديد المشهد التاريخي وا حيائه، و تحسيس المخاطب أن الخطاب موجه إليه مباشرة، وفي ذلك دلالة هامة، وهي التأثير فيه ، وتحميله المسؤولية، وأحيانا يعدل عن حرف المضارعة المخاطب، إلى حرف المضارعة الغائب، لأنه يش تمل على دلالة أوسع، وأعمق.
عدد الصفحات ١٥٦الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 251 المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول: الفعل المبني للفاعـل: هو ما ذُكر معه فاعله، نحو: نصر الله عبده، أما المبني للمفعول: فهو ما حُذف فاعله، وأنيب عنه غيره، نحو: نُ صر العبدُ ، و هو بناء جديد، يُحوّل إليه ما يمكن أن يحول من أبنية الأفعال1؛ ونتيجة لهذا التحويل تحدث جملة من التغيرات الصوتية، و الصرفية ، والنحوية ، في الأفعال، وتختلف هذه التغيرات حسب المكونات الصوتية للفعل، وحسب الصفـات الصرفي ـة التي يتصف بها من صحة واعتلال، وتجرد وزيادة، ومضي ومضارعة 2. أو- حول مصطلحي المبني للفاعل والمبني للمفعول: لقد استعمل النحاة عددا من المصطلحات الدالة على ذلك؛ فسيبويه يستعمل مصطلح (الفعل الذي شغل بالمفعول)3، و الفراء يستعمل مصطلح (الفعل الذي لم يُ سمّ فاعله)4،أما ابن جني فإنه يجمع بين مصطلحي (البناء للمفعول) و(ما لم يسم فاعله)؛ فيقول: "ولذلك بُني هذا الفعل للمفعول، وأُلغي معه حديث الفاعل؛ فقام في ذلك مقامه، ورُفع رفعه، فهذه طريق ما لم يُسم فاعله"5. أما مصطلح ا (المبني للمجهول) مقابل (المبني للمعلوم)، فقد استعملهما كثير من المتأخرين، حتى صار هو المصطلح المختار في مناهج التعليم المختلفة. وقد اخترت مصطلحي (البناء للفاعل) و(البناء للمفعول)، لأن الفاعل في ما لم يسم فاعله لا يكون دائما مجهولا ؛ فقد يحـذف وهو معلوم، نحو: أُنزِل المطرُ ، لأنـه عُلِم أن 1 - اختلف النحاة في هذا البناء، أهو أصلي تبنى عليه الأفعال ابتداء، على نحو بنائها للفاعل، أم هو بناء محول عن بناء الفعل المبني للفاعل، وأغلب النحاة أنه محول عن البناء للفاعل. ينظر: حاشية الصبان، 2/88. 2 - ينظر: قضايا التعدي واللزوم في الدرس النحوي، أبو أوس إبراهيم الشمسان، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط 1، 1041هـ،1881م، ص 100. 3 - الكتاب،1 /228. 4 - معاني القرآن ، 1 /142،101،141،151 .... 5 - المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، تح: علي النجدي ناصف ، وعبد الحليم النجار، وعبد الفتاح إسماعيل شلبي , وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، دط، 1024هـ، 1888م، 1/140.
عدد الصفحات ١٥٧الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 251 منزله هو الله تعالى، و قد يحذف للتعظيم، نحو: ضُرِب اللصُّ، بمعنى ض ر ب القاضي اللص ، إلا أنّ القاضي لم يُ ذكر إجلالاا له عن أن يذكر مع اللص في كلام واحد، أو للتحقير، نحو: طُعِن عُم رُ، ولا يذكر الطاعن له، إجلالاا لعمر رضي الل هُ عنه عن أن يكون اسمه مع اسم طاعنه في كلام واحد، أو للإبهام، نحو: ضُرِب زيد ، والضارب معلوم، وقص د المتكلم الإبهام على السامع، أو للخوف من الفاعل، نحو: قُتِل الأميرُ، ولا يذكر قاتله، خوفا منه أو عليه1 . ثانيا-الأفعال المبنية للفاعل والمبنية للمفعول في قراءة نافع : 1-الأفعال المبنية للفاعل: لقد اختار نافع الأفعال المبنية للفاعل في بعض المواضع ، مخالفا بعض القراء الذين اختاروا الأفعال المبنية للمفعول في المواضع نفسها، ومن ذلك: أ-الفعل (أحَل)، قال تعالى: [النساء، 20 ]. قرأ نافع والجمهور الفعل (أح ل ) بفتح الهمزة والحاء ، وقرئ (أُحِل ) بضم الهمزة وكسر الحاء2 . والفعل (أح ل ) في قراءة نافع مبني للفاعل، وقد عدّ ه بعض المفسرين معطوفا على الفعل المضمر الذي نصب (كتاب الله)، وذلك من قول ـه تعالى : [النساء، 20]، قال الزمخشري : "فإن قلت: علام عطف قوله: (و أ ح ل ل كُم )؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب (كِتاب الل هِ )، أي : كتب الل ه عليكم تحريم ذلك، وأح لّ لكم ما وراء ذلكم"3،وأما القراءة ب البناء للمفعول، فقد عدّ بعض المفسري ـن الفعل 1 - شرح جمل الزجاجي، ابن عصفور الإشبيلي أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي ، تح: صاحب أبو جناح، جامعة الموصل، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، ط1،1044هـ، 1884م، 1/101. 2 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص118، والنشر في القراءات العشر، 2/208. 3 - الكشاف، 1/081.
عدد الصفحات ١٥٨الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 251 (أُحِـل ) معطوفا علـى (حُرِّم ـت )1، وذلك من قول ـه تعالى : [النساء، 21]. وقد بين ابن القيم أن الطريقة المعهودة في القرآن الكريم ، هي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فيذكر فاعلها منسوبة إليه، ولا يبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف، وبُ ني الفعل معها للمفعول، أدبا في الخطاب مع الله تعالى، وقد مثل لذلك بعدة أمثلة، منها هذه الآية من سورة النساء 2. وا ذا كان ذلك ينطبق على الفعل (حُرِّم) من قوله تعالى : ، على أساس أن التحريم لا يحسُن التصريح فيه بالفاعل، أدبا مع الله تعالى، فإن التحليل يحسن فيه ذلك، ولهذا اختار نافع الفعل (أح ل ) المبني للفاعل، بدل (أُحِل ) المبني للمفعول، إضافة إلى أن المبني للفاعل أخف نطقا، وأكثر إبانة لنعمة الله على عباده أن أحل لهم ذلك. ب-الفعل(قضى)، قال تعالى: [الزمر، 18]. قرأ نافع والجمهور الفعل (ق ض ى) بفتح القاف والضاد، وقرئ (قُضِي ) بضم القاف وكسر الضاد3. والفعل (ق ض ى) في قر اءة نافع مبني للفاعل، و الفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، يعود على الله تعالى، المتقدم ذكره في أول الآية: ، 1 - بحر العلوم، أبو الليث نصـر بن محمد السمرقن ـدي، تح: محمـود مطرج ـي، دار الفكر، بيروت، دط، دت، 1/118. 2 - ينظر: بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تح : مجموعة من المحققين، مكة المكرمة، ط 1، 1011هـ، 1881م، 2/251،251 . 3 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص 181،و الحجة للقراء السبع ة، الفارسي، 6/79.
عدد الصفحات ١٥٩الفصل الثاني- البنية الصرفية للفعل في قراءة نافع المبحث الخامس- المبني للفاعل والمبني للمفعول 255 و(الموت ) بالنصب مفعول به، وه ـو في قراءة من خالفه مبني للمفعول ، و(الموتُ ) بالرفع نائب فاعل . قال أبو علي الفارس ـي: " حجّة بنـاء الفعل للفاعل قوله: [الزمر، 18]، فكما أنّ هـذا الفعل مبني للفاعل، كذلك حكم الذي عطف عليه، ومن بنى الفعل للمفعول، فهو في المعنى مثل بقاء الفعل للفاعل، والأول أبين"1 . وقد رجح كثير من العلماء قراءة نافع والجمهور 2، حيثإن الكلام أتى عقب إخبار الله عن نفسه، في قوله تعالى: ، فجرى الفعل بعد ذلك بلفظ ما تقدمه من ذكر الفاعل، ليأتلف الكلام على نظام واحد. وما دام البناء للمفعول لا يضيف معنى جديدا، فإن نافعا اختار البناء للفاعل، لأنه الأصل، وهو أخف على اللسان، وأكثر توافقا مع أفعال السياق. ج-الفعل (أملى)، قال تعالى: [محمد،21]. قرأ نافع والجمهور الفعل (أ م ل ى) بفتح الهمزة واللام ، وقر أ أبو عمرو ويعقوب (أُم لِي ) بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء3. والفعل (أ م ل ى) في قراءة نافع مبني للفاعل، وفاعله ضمير مستتر تقديره (هو) يعود على الشيطان، أما قراءة البناء للمفعول، فنائب الفاعل يراد به الله ، كما قال تعالى في آيـــــــــــة أخــــــــــــرى: [القلــــم، 05]، ومعنـــــــــــى 1 - الحجة للقراء السبعة ، 1 /81. 2 - ينظر: تفسير القرطبي ، 15/211، وحجة القراءات، ابن زنجلة . 3 - ينظر: المبسوط في القراءات العشر، ص048، وحجة القراءات، ص 111،118.
عدد الصفحات ١٦٠