المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الزواج بنية الطلاق تحميل PDF

صالح آل منصور

صفحة ٧ من ١٠

وما خالف مقصود الشرع فهو باطل» ونية الدوام والاستمرار عند العقد من مقاصد الشريعة» وبدوام النكاح واستمراره تحصل الحِكمٌ العظيمة من شرعية النكاح» وقد سبق أن ذكرنا نماذج من هذه الأسرار والجكم العظيمة في مشروعية النكاح”"'. وأما قول الشيخ رحمه الله تعالى: «بخلاف المحلّلء فإنه لا رغبة له في نكاحها ألبتة؛ بل في كونها زوجة الأول» ولو أمكنه ذلك بغير تحليل» لم يحلها هذاء وإن كان مقصوده العوضء» فلو حصل له بدون اهيا : لم يتروج»”” . فجوابنا عليه: نقول: نعمء ربما لا يكون عند بعضهم رغبة في نكاحها. ولكن توجد عنده شهوة عند الوطءء. والكثير منهم تكون عنده رغبة في زواج التحليل» ولكن هو زواج لا يريد به الدوام أو الاستمرار؛ بل يطلقها بعد انتهاء الغرضء» كذلك الزواج بنية الطلاق» فالزواج في كليهما يتعارض مع مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح. وأما قول الشيخ رحمه الله تعالى: «فهذا من جنس البغي التي يقصد وطأها يوماً أو يومين» بخلاف المتزوج الذي يقصد المقام» والأمر بيده» ولم يشترط عليه أحد أن يطلقها كما شرط على المحلل)”" . فجوابنا عليه قولنا: لا فرق بين الزواج بنية الطلاق والزواج الذي شرط فيه مدة معينة» فكل منهما لا يريد الدوام في الزواج» ولا يرغب فيه وتحديد المدة لا أثر لها في نظري - والله أعلم ‏ إذ كل من التكاحين مناف لمقاصد الشريعة في مشروعية النكاح. أرأيتم لو أن رجلاً تزوج امرأة بنية تحليلها لزوجهاء ولم يشترط للق انظر ص١7‏ و5١٠١‏ من هذا الكتاب. 49

عدد الصفحات ٩٩

عليه أحد أن يطلقها؛ بل لم يعلم بنيته أحد إلا الله»ء فهل يجوز له هذا التكاح؟هذا ما لا يجيزه شيخ الإسلام نفسه رحمه اللّه تعالى . تعال معي لنقرأ ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك» يقول: «وإن حصل بذلك تحليلها للأول» فهو لا يكون محللاً إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطاً لفظياً أو عرفياً» سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده. وأما إذا لم يكن فيه قصد تحليل ولا شرط أصلاًء فهذا نكاح من الأنكحة)”''. انتهى قلت: إن قوله كدَنْهُ: «أو عرفياً»» دليل على تحريم النكاح بنية الطلاق» إذا عرف بين الناس أن مثل هذا الرجل يتزوج بنية الطلاق» وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بكراهة مثل هذا النكاح. وخلاصة القول: ولعلنا من خلال جوابنا على ما أورده الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ‏ رحمه الله تعالى ‏ من أدلة. نخلص إلى القول بأن شيخ الإسلام كأَنْهُ له في حكم الزواج بنية الطلاق وأيان * أحدهما: القول بجوازه كما مر بنا. والقول الآخر: كراهتهء إذ قال كُدَنْهُ فى الفتاوى الكبرى: «وإن نوى طلاقها حتماً عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك وفي صحة النكاح راع .لا قال كدَنْهُ في نكاح التحليل: «ولا يكون محللاً إلا إذا قصده أو شرط عليه شرطاً لفظياً أو عرفياً سواء كان الشرط قبل العقد أو بعده. وأما إذا ‎)١(‏ ذكرنا ذلك عنه فى ص55 من هذا الكتاب. (؟) «الفتاوى الكبرى» 5/ ”لا وثالا. ‎١٠

عدد الصفحات ١٠٠

لم يكن فيه قصد تحليل ولا شّرط أصلاً فهذا نكاح من الأنكحةاء فقوله كانُه إذا قصده؛ أي: إذا نوى بنكاحه التحليل دون شَرْطِ عليه ولا عِلمّ لأحد بقصده ‏ فهذا اعتراف من شيخ الإسلام كذَنْهُ بأن النية لها أثر في الحكم الشرعي. إذاً فما الفرق بين نية المحلل الذي حرم عليه هذا التكاح بمجرد نيته» وبين الزواج بنية الطلاق؟ لا فرق بينهما فيلزم شيخ الإسلام ككَنْهُ القول بتحريم هذا النكاح وبطلانه قياساً على بطلان نكاح من نوى التحليل7" . ْ بل قال رحمه الله تعالى - في موضع آخر: «والإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليه كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام له . ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام»”” . وقال كله في موضع آخر: «والنكاح المبيح هو النكاح المعروف عند المسلمين وهو النكاح الذي جعل الله فيه بين الزوجين مودة ورحمة»”". انتهى. والناس قديماً وحديثاًء عجماً وعرباًء إنساً وجناً لا يعرفون إلا هذا التكاح الذي يوافق مقاصد الشريعة في مشروعية الزواج. ولو أن شيخ الإسلام كُدَنْهُ رأى ما عليه الناس اليوم من التلاعب بأعراض النساء وما يبيته كل واحد يتزوج بهذا الزواج» من غش وخداع للمرأة وأوليائها. وما جره ذلك من مفاسد عظيمة» أخلاقية» واجتماعية» واقتصادية وصحية وغير ذلك» أقول لو رأى ذلك لما قال بجواز مثل هذا النكاح؛ لأن من القواعد العامة المسلّم بها عند شيخ الإسلام كله أن الأمور بمقاصدهاء وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومن أصول شبخ الإسلام كُدَنُْ القول بسد الذرائع المفضية إلى مفاسد. دق المجموع الفتاوى» شف :64 زفق (مجموع الفتاوى» 70/6 (6) «مجموع الفتاوى» 9/07. 45. ٠١

عدد الصفحات ١٠١

لالخ كت ا فصل أدلة المجوزين لهذا النكاح من المتأخرين وقد انتصر بعض المتأخرين لرأي المجوزين» فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: إن الزواج ضرورة تدعو إليه الحاجة» ومن القواعد الشرعية أن الضرورات تبيح المحظورات. الجواب: أقول: ما ضابط الضرورات التي تبيح المحظورات؟ أهي الحاجة إلى الشيء خوفا من الوقوع بضده؟ كلا ليس ذلك ضابط الضرورة» فالحاجة إلى الشيء منها ما يصل إلى درجة الضروريء» ومنها ما يصل إلى درجة الحاجي, أو بعبارة أخرى منها ما هو ضروريء» ومنها ما ليس بضروري. فضابط الضرورة التي تبيح المحظور هي ما يترتب على تركها ضياع الدين» أو النفسء أو العقلء. أو المالء أو النسبء أو العرض» كالجوع الشديد الذي لا يمكن دفعه بأي وسيلة من الوسائل إلا بالأكل من الميتة» أو دفع غصة بالإنسان لا يمكن دفعها بأي وسيلة إلا بشربة مقدار ما يدفع الغصة من الخمرء أو إكراه على النطق بكلمة الكفر لا يمكن دفعه إلا بالنطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان. فهل يا ترى الزواج بنية الطلاق من هذا النوع؟ كلاء فإذا كان هو في حاجة إلى الزواج ومضطراً إليه لماذا لا يتزوج بنية الدوام والاستمرار لا بنية الطلاق» ثم هو بعد ذلك بالخيار؛ لأن تكاليف الزواجين واحدة والمؤنة واحدة. ٠6١

عدد الصفحات ١٠٢

الدليل الثاني : إن الزواج بنية الطلاق قد تدعو إليه ضرورة وحاجة بعض الناس كمن ابتعث لدراسة أو مهمة» أو تمثيل لبلاده أو تجارة في بعض البلدان التي قد يتعرض فيها الإنسان للفتنة. فهو بين أمرين» إما أن يقع في الزنا وإما أن يتزوج بنية الطلاق. فتعين عليه ارتكاب أدنى المفسدتين دفعاً ع لأعلاهما. الجواب : نقول: متى غلب على ظنه الفتنة والوقوع في الزنى فإنه لا يجوز له السفر إلى بلاد الكفرء وقد ذكر العلماء لجواز السفر إلى بلاد الكفر شروطأً منها : ‎-١‏ لا يجوز السفر إلى بلاد الكفر إلا فى الضرورات القصوى بعد التأكد من أن الإيجابيات أكثر من السلبيات» أو بعبارة أخرى أن المصلحة في السفر أعظم من المفسدة» فإن ترجحت المفسدة حرم السفر. ‏؟- أن يكون عنده حصانة علمية وعقيدة راسخة وفكر نّر. ‏ا أن يكون صالحاً تقياً محافظاً على شرائع الإسلام مبتعداً عن محارم الله . ‏؛ - إذا سافر يجب عليه أن يبتعد عن مواطن الفتنة» وأسباب مهاوي الرذيلة من اختلاط. وخلوة محرمة» ومسلك مشين» وأصدقاء السوء» ويغض بصره» ويحفظ لسانه. ‏5 - ربط الشباب بمراكز إسلامية والحرص على الرفقة الطيبة والجلساء الصالحين. ‏أ يأخيل معه زوبجته | كان متزوجاًء إن تيسر له ذلك» وإلا تزوج بنية ‏الدوام سواء كان ذلك في بلاده أو في بلاد الغربة إذا كان مستطيعاً ‏يدل

عدد الصفحات ١٠٣

زواجاً بنية الدوام والاستمرار؛ أي: ينوي عند عقد النكاح أن تكون زوجته دائما في بلاد الغربة» وفي بلده يريد بزواجه تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في الزواج من غض البصرء وإحصان فرجه وفرجهاء وأن تكون سكنا له ويكون سكنا لهاء وتكون لباسا له ويكون لباساً لها على الدوام» حريصاً على تحقيق المودة بينهماء وحصول الولدء مستجيباً لقول رسول الله يكل في مكاثرة الأمم يوم القيامة» حيث قال رسول الله كَهِ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم3(0" . فإن لم يستطع فليلجأ إلى الاستعفاف استجابة لقول الله تعالى: وَلستَعفف لين . دون ككلم ًٍ يم أنَّدُ من فَضْليئٌ# [النور: 9#]ء ويستعين على ذلك بعد اللجوء إلى الله والتضرع إليهء وسؤاله العون على العفة» وإحصان الفرج بالصيام» قال رسول الله يَكِْةِ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج؛ ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»”'. ومع ذلك فإنه لا يكفي زواجه الأمن من الفتنة مع وجود أسبابهاء حتى ولو كان زواجاً بنية الدوام والاستمرار فضلاً عن ؛ الزواج بنية الطلاق. وإلا فما فائدة أمر الشارع للرجل والمرأة بغض البصرء وإحصان الفرج» وأمر المرأة بالحجاب ونهيها عن إبداء الزينة» وعن الخلوة بالمرأة والسفر بلا محرم»ء والخضوع بالقول» وهل الأمر خاص بمن لم يتزوج وبعد الزواج يباح له ذلك كله. وقول المجيزين إن الزواج بنية الطلاق قد تدعو إليه ضرورة وحاجة بعض الناس» اعتراف من المخالف بأن الزواج بنية الطلاق لا يجوزء .١ ‏سبق تخريجه ص7١ حاشية‎ )١( ‏رواه الجماعة.‎ 28١ ‏سبق تخريجه ص‎ (00 ١

عدد الصفحات ١٠٤

وإنما جاز للضرورة إن سلمنا له ذلك» فإنا نقول إن الزواج المذكور يحقق الغرض الذي يريده الشارع من إشباع رغبته الجنسية» وإحصان فرجهء كلاء بل سيصيبه السعار الجنسي مما يراه من تلك المغريات من أجسام عارية واختلاط وخلوة» ونظرات مسعورة تلاحقه ويلاحقها لا يخلو منها مكانء قائلة له هيت لك,. أترون زواجه هذا حتى ولو كان زواجاً دائماً وسعمراً أترونة يعصمه ويحصنه؟ الجواب معروف عند المنصفين العقلاء» فارتكاب الزواج هذا ليس هو أدنى المفسدتين. لأنه متى شاع مثل هذا الزواج حصل من المفاسد ما سبق أن ذكرناه» مؤيدا بالآدلة الشرعية التي تؤيدها الفطرة السليمة والعقل السليم. . والله أعلم. الدليل الثالث : إن الزواج بنية الطلاق لم يرد في حكمه نص شرعي يدل على الجواب عن هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: قولهم إنه لم يرد في حكم الزواج بنية الطلاق نص شرعي يدل على تحريمه أو إباحته» أقول هذا قول على الله بلا علم» فإن الشارع لم يفرط في شيء مما يحتاجه الناس» يقول تعالى: ما فَرَطنَا في الْكتب من س4 [الأنعام: 8"]» ود عَيّلكَ الْكتبٌ بَِسَدنَا ْمل 5 شي # [النحل: 0184 فإما أن يدل على تلك الأحكام بنص صريحء أو عن طريق سنة رسوله كله أو عن طريق الصحابة» أو عن طريق القياس والنظر في مقاصد الشريعة» أو غير ذلك من الأدلة. وإننا حينما رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله كةِ لنعرف مقاصد الشريعة في النكاح» وجدنا أن ما جاء عن الشارع من مقاصد الشريعة في النكاح تدل على تحريم النكاح بنية الطلاق» ذ فمن المعلوم أن المقصود من خلق الجن والإنس عبادة الله: #ومَا لقت حَلَفَتُ ' دن وَآَلِانَى لَّ ليعبدون 569 [الذاريات: 05]» إذاً لا بد من ٠١.6

عدد الصفحات ١٠٥

وجود عابد يعبد الله» وهذا لا يحصل إلا بالنكاح. ومن هنا نفهم أن الوطء ليس غاية؛ بل هو وسيلة إلى الإنجابء لذا أوجد الله غريزة الشهوة حتى تحصل الذرية. ومن ثم فإن الشارع الحكيم جعل أسبابا ووسائل تنظم هذه الغريزة وتحفظها حتى لا تحصل الفوضى في المجتمع بوجود النسل» واختلاطه بين الرجال» فلا يعرف للولد أب يقوم برعايته وتربيته على الأخلاق والفضيلة والعفة''2. وتعاليم الإسلام حتى يتحمل مسؤولية الخلافة في الأرض» وبضياع الأولاد تحصل الفوضى العظيمة» وربما يتعرض النسل للانقراض» لذا شرع الله الزواج لمقاصد سامية» والمراد بالزواج الزواج الذي ينوي به صاحبه الدوام» فتعالوا معي لنعرف هل هناك دليل من الشارع على عدم مشروعية الزواج بنية الطلاق أو لا؟ أقول: إننا إذا رجعنا إلى كتاب الله وسّنّةَ رسوله يَكةِ لنعرف مقاصد الشريعة في النكاح وجدناه شرع لغايات عظيمة ومقاصد سامية شريفة ولا تحصل أو لا توجد على وجه أكمل إلا إذا كان ذلك الزواج يراد به الدوام والاستمرار» ولا شك أن الأؤلى أن يحمل مراد الله على ما هو أكمل وأفضل . فمن مقاصد الشارع في مشروعية النكاح: ‎-١‏ السكن: كما فى قوله تعالى: لوَمِنَ َيِه أَنْ حَلَقَ لكر مِنْ أنفسِكُمٌ ويا لِتَمَكواً الها ا يدرحكم و وَيَحْمَذ) [الروم: ١؟]»‏ والمراد به السكن الكامل بين الزوجين» بما تحمله هذه الكلمة من معنى» سكن القلب وسكن الجوارح» وسكن الحواس» وسكن الفكر لكل من الزوجين» وهو الاستقرار الكامل ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصحوباً بالمودة والرحمة من الطرفين. فسكن المسافر في فندق ونحوه ‎)١(‏ وبهذا يعرف ضلال دعاة تجرد المرأة من أحكام الشرع. ‎١ك‎

عدد الصفحات ١٠٦

لا يكون سكناً مستقراً ولذلك لا يتخذ الساكن فيه وسائل الدوام وهل الزواج بنية الطلاق أو نكاح المتعة أو التحليل يكون سكناً لكل من الزوجين؟ وهل يبذل الزوج وسائل الدوام والاستقرار لهذا الزواج؟ وهل توجد فيه المودة والرحمة وقد أضمر في قلبه عند بدء عقد النكاح الطلاق» ثم هو ينفذه بعد انتهاء غرضه؟ فأين الرحمة والمودة في هذا النكاح؟ وماذا نفهم من قوله تعالى #اوَأنكحُرأ الأ مك4 [النور: ؟م]؟ هل نفهم أن المراد أنكحوهم ليفرغوا شهوتهم ثم يطلقونهن؟ وإذا كانت نيته في الزواج الطلاق بعد إفراغ الشهوة» فهل يزول بعده تأيمهم؟ وهل هذا مقصود الشارع من مشروعية النكاح؟ وقد قال تعالى: #هنّ لِيَاسٌ ل سم لِيَاسٌ 4 [البقرة: /141]» ألا يدل ذلك على أن الزواج بنية الطلاق غير مراد للشارع فكيف يكون لباسا لها أو تكون لباسأ له إذا تزوجها بنية الطلاق» يتزوجها اليوم وغدا يطلقها ويتزوج الأخرى بعدها ثم يطلقهاء فكيف يحصل بذلك الستر والعفة. فلباس لا يدوم مع صاحبه لا يستره» وفي المثل تقول العرب (ثوب العارية لا يستر)؛ لأنه لا يملكه المستعير فهو غير دائم عليه فسيأخذه صاحبهء فكذلك الزواج بنية الطلاق لا يستر كلاً من الزوجين لأنه لا يحصل به إعفاف؛ بل ربما يعرض الزوجة للسقوطء. متى بقيت بدون زوج. وأيهما أكمل حالاً وأحب إلى الله الزواج الذي يراد به الدوام أو الزواج بنية الطلاق؟ لا شك أن الأول أكمل حالاً وأحب إلى الله لذا يحمل مراد الله على الأكمل والأحسن إذ به تتحقق مقاصده من شرعية الزواج. وما الذي يدل عليه قوله تعالى: ظوَمِنَ ليو أن حَلَقَ لكر من ا

عدد الصفحات ١٠٧

ع شيك ريا ِتَدَهُوا لها وَحعَلَ يَنَحكُم تَوْدَهُ وَيََمَذَه [الروم: ١5]ء‏ فما المراد بالسكن؟ أليس هو ما يسكن الإنسان ويستره ويلجأ إليه للراحة» فهل مراد الشارع السكن الذي يسكنه الإنسان يوماً أو يومين أو زمتاً محدوداً يتركه إلى سكين آكير وآخخر .وآخخر. ولذا يجدر نا أن نحمل مراد الله في الزواج على أكمل حالة وأفضلهاء في قوله تعالى: ظوَمِنَ َي أن حَلَقَ لكر ين أَنفْسِكُمٌ أَرويمًا 6 عي همددىم دده م2 كوا الها وَحَمَلَ يَدحكُم وده وَيَحْمَة)4. : " - ومنها الدوام والاستمرار: يقول الله تعالى: ##وَعَاشْرُوهُنَ بالْمَعْروفٍ [النساء: 86 ]. وفى ذلك دلالة على أن المراد بالمعاشرة بالمعروف حصول المودة والرحمة على وجه الدوام والاستمرارء بدليل ترغيبه تعالى الأزواج بإمساك زوجاتهم. المعروف بين الناس جميعا عربهم وعجمهم. مسلمهم وكافرهم» أن من يتزوج إنما يريد بزواجه الدوام؛ بل هذا أمر فطر الله عليه الإنس والجن» لو لم يكن ذلك مما فطر الله عليه الناس لما تحقق ما أراد الله من عمارة الكون كما أراد الله تعالى» ولو عرف بين الناس غير الدوام لكان نكاح متعة» فمعاشرة من يتزوج بنية الطلاق ليست معاشرة بالمعروف. ومما يدل على أن الأصل في النكاح هو الدوام والاستمرار قول الله تعالى: طاتَبْمَتُا حَكَمَا يِنْ أَهلِو وَسَكَمَا يَنْ هلها إن بريد إصلحًا يوت َلّهُ َنَمآ [النساء: 5*0. أمر الله بالحكمين لإزالة الشقاق الذي وقع بينهما فعكر صفو حياتهما الذي ربما أزال استمرار الحياة الزوجية ورغبهما في إصلاح النية بينهما حتى يوفق الله بينهما. ومعلوم ما سر 6

عدد الصفحات ١٠٨

توفيق الله بينهما. فلا شك أن أعظم شيء هو استمرار الحياة الزوجية التي يترتب عليها سعادة الطرفين؛ بل ربما سعادة الأسر والمجتمع. وفي قوله تعالى: #يْوَوْقَ الله بَتهُمَ 4 [النساء: 0*] دليل على الفرق بين الزواج بنية الطلاق والزواج بنية الدوام. فالزواج بنية الدوام توجد فيه النية الصالحة إذ بدأ الزواج بهذه النية الصالحة بنية الدوام» وعند وجود الحكمين يرغب كل منهما بدوام العشرة ة وزوال أسباب الخلاف التي تمنع من استمرار التكاح» لذا قال الله تعالى لهما ما دامت هذه نيتهما : #يُوَدْقٍ أللَهُ أَمَّدُ ينتلما 4 . أما الزواج بنية الطلاق» فقد بدأ الزوج النكاح بنية غير صالحة. بدأها بالخداع والخيانة والمكر والخبث» حيث بيّت هذه النية الماكرة لهذه المرأة المسكينة. فإن وجد شقاق بينهماء ووجد حكمان للإصلاح بينهما فإنه لا يريد في الغالب إصلاحاًء وإن أراد إصلاحاً فإنه لا يريد دواماً زائداً على المدة التي حدد نهاية النكاح بها في قلبه. الرسول كَلِةِ للمغيرة بن شعبة لما خطب امرأة: «اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)”'' قال الترمذي يؤدم بينكما: «أي تدوم المودة»"") ‎)١(‏ أخرجه الإمام أحمد في مسنده رقم ‎)1١8151(‏ 555/5» ورواه النسائي في «السنن الكبرى»» باب النظر إلى المرأة قبل تزويجها رقم (55:*ه) 8/١7لا(”ء‏ ورواه الترمني» باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة رقم ‎)1١81(‏ 2791/8 قال أبو عيسى: هذا حديث حسن وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا: لا بأس أن ينظر إليها ما لم ير منها محرماً وهو قول أحمد وإسحاقء ومعنى قوله: «أن يؤدم بينكما قال: أن تدوم المودة بينكما» قال أبو عيسى: وفي الباب عن محمد بن مسلمة وجابر وأبي حميد وأبي هريرة ورواه الحاكم في مستدركه» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه رقم (5590)» ورواه ابن ماجهء باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها رقم ‎.519/١)1١8575(‏ صححه ابن حبان ‎)15٠57(‏ 2381/4 وأيضاً الضياء المقدسي في المختارة وقال إسناده صحيح ‎)١984(‏ 159/0. ‏(؟) انظر: «تلخيص الحبير» /57١ء‏ و«نصب الراية» ‎.51١/54‏ ‏ل

عدد الصفحات ١٠٩

فهل معنى قوله وَكْةْ للمغيرة بن شعبة: «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» أي أحرى أن توجد المودة بينكما إلى نهاية المدة التي نواها المتزوج بنية الطلاق؟؟» كلاء ثم كلا؛ بل المراد بذلك أحرى أن توجد بينكما المودة والمحبة التي يكون من أثرها حسن العشرة على الدوام» فهذا الحديث دليل على أن الزواج الذي شرعه الله هو ما كان يراد به الدوام والاستمرار» فإن كان غير ذلك فهو ليس مشروعاً. شبهة وجو ابها: قد يقول قائل: إن المودة والرحمة قد توجد بينهما وهي لا تكون غالباً موجودة قبل الزواج ثم توجد بعد ذلك» فكذلك الزواج بنية الطلاق قد لا تكون المودة والرحمة موجودة عند عقد النكاح ولكن قد توجد بعد الزواج» فيحصل الاستمرار في النكاح. قلت: إن احتمال وجود الرحمة والمودة في الزواج الذي لا ينوي فيه المتزوج الطلاق أقوى وأغلبء والشريعة كثيراً ما تبني أحكامها على الظن الغالب» كالجمع والقصر خوف المشقة» والاجتهاد في القبلة وقول المفتي» وحكم الحاكم بشهادة الشاهدين أو بشاهد مع اليمين إلى غير ذلك؛ ولا يعلّق الحكم على الشيء النادر. ‎ ""‏ ومن مقاصد الشريعة أيضاً: حول الأولاد وإكثار النسل: يقول الله تعالى : «ثْلّ لَكُم بد ألضِيَاوِ ألرَّمَكُ ِل نابي هنَّ لَاسُ ل َل بَِاتُ هن عَم لَه أَتَحُمْ كُدثز متاو شت عَنَابَ عَلِدَيْ وَعَمَا 72 أن يروش وتوا ما كنب أَنَّهُ لم4 [البقرة: 01147 وقول الرسول 5ةِ: التزوجوا ‎١‏ الودوه الولود فإني مكاثر بكم" فهل من يتزوج بنية الطلاق بعد انتهاء مهمته من هذا البلد أو بعد قدوم زوجته الغائبة هل ‏إبلق4 رواه أبو داود والنسائي وابن ن حبان وصححه الحاكم» كلهم رووه عن معقل بن يسار وهو جزء من حديث سبق تخريجه ص7١‏ 2 حاشية ‎.١‏ ‎١٠

عدد الصفحات ١١٠

يريد المتزوج بهذه النية أولاداً؟ في الغالب أنه لا يريد بزواجه هذا أولاداء لذا فإن الكثيرين يستعملون المانع للحمل . ؛ - ومنها: حفظ الأنساب: ومن ثمرات حفظ الأنساب حصول التعارف والتآلف والتعاون والتناصر والتكافل والعقل في الديات. ولولا عقد النكاح لضاعت الفروج والأنساب ولأصبحت الحياة فوضى. وكيف يحصل التعارف على نطاق واسع ثابت مستقر؟ وكيف يحصل التآلف والتعاون والتناصر والتكافل إذا لم يحصل دوام النكاح؟ وكيف يحصل العقل في الديات؟ وكيف تحفظ الأنساب إذا لم يحصل دوام النكاح؟ ه ‏ ومنها: غض البصر وإحصان الفرج عما حرم الله: ولذلك جعل الله كلاً من الزوجين لباساً للآخر فقال تعالى: #هنَّ لِيَاسَُ لَك وَأسم ِيَامنُ لَهُنَّ4» فهي اللباس الذي يلبسه الرجل فيلصقه بجسمه فيجد فيه الظل والدفء والسترء فيستر به جسمه وعورته. كما هو الآخر لباس لها تجد فيه الظل والدفء والسترء فتستر به جسمها وعورتها. الله أكبر» ما أبلغ قوله تعالى: لمُنَّ يَاسٌ لَك وَأتْمْ يَانُ لَهُنّْ4 فإذا كانت لباسا له يستر بها عورته» فهي إذا تغض بصره وتحصن فرجهء فلا يطمح إلى ما حرم الله عليه» فيكشف عورتهء فهي إذاً الساتر لعورته. وإذا كان الزوج لباسا لها تستر به جسمها وعورتهاء فهو إذا يغض بصرها ويحصن فرجهاء فلا تطمح إلى ما حرم الله عليهاء فتكشف عورتها له فهو إذا الساتر لعورتها. ‎١‏ وقوله تعالى: ظمُنَّ لَاسُ لَك وَأسّْ ناض لَّهُنّ4» فيه إشارة إلى الدوام والاستمرارء لأن ستر العورة يراد به الستر دائما. إذ لو كان الزواج مؤقتاً كنكاح المتعة أو التحليل أو الزواج بنية الطلاق لما حصل به دوام الستر. وقد جاء في المثل السائر: «ثوب العارية لا يستر»'. فهل بعد هذا نقول: إن الزواج بنية الطلاق يوجد فيه معنى اللباس الذي ١١

عدد الصفحات ١١١

أراده الله بقوله: ظمُنَّ لَِاُ لَك وَأَتُّّ لَاسُ لَّهُنّ4؛ ثم بعد ذلك ألا يكون ذلك دليلاً على أن الزواج بنية الطلاق مناف لمقاصد الشريعة في النكاح؟ 5 ومنها: تكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع الصالح: وهل الزواج بنية الطلاق يحصل به تكوين الأسرة وترابطها؟ كلا؛ بل المتزوج بنية الطلاق قصده وفعله قائم على محاربة هذا المقصدء فلا يريد من هذه الزوجة تكوين الأسرة» وإنما يريد ذلك من زوجته الحقيقية» أما هذه فمجرد إناء يفرِغ فيه شهوته ليتخلص منها فحسبء. تلك بعض مقاصد الشريعة الإسلامية في مشروعية الزواج - والله أعلم ‏ فأي مقصد بعد هذا نجده في الزواج بنية الطلاق؟ اللّهم إلا إشباع تلك الغريزة. فإن قيل: إن فيه إحصاناً للفروج من الوقوع في الزنا. قلت: إن إحصان الفرج يكون بغير الزواج» وهو أن ينوي بزواجه الدوام والاستمرار حتى يصيب مقاصد الشريعة في النكاح. أما مثل ذلك الزواج فالذي رأيناه وغيرنا أن كثيراً من الشباب وغيرهم يذهب إلى أمريكا وأوروبا وإلى بعض البلاد العربية والإسلامية فيتزوجون ويطلقون في فترة قصيرة عدة زوجاتء فهل يعتبر هذا إحصاناً للفرج؟ وهل هذه المرأة المسكينة المخدوعة التي طلقت». أحصن فرجها؟ كلا. .بل أذاقها العسيلة فعرفتها وتعلق قلبها بها وبقيت محرومة منهاء فحدّث ولا حرج عن خطورة هذا الحرمان. كيف وقد زال الحجاب الذي قد يمنع كثيراً من الفتيات من الوقوع في الفاحشة خشية الفضيحة والعا 9 . فإن قيل: إن ما ذكرت حاصل فيما إذا تزوجها بنية الدوام والاستمرارء فإذا لم تعجبه وكرهها طلقها(»؟ .8١ص ‏وقد فصلنا الجواب في ذلك‎ )١( ‏(؟) وقد ذكر مثل ذلك شيخ الإسلام وأجبنا عنه مفصلا ص19.‎ ١1١١

عدد الصفحات ١١٢

فالجواب: أقول إن هناك فرقاً بين النكاحين» فالأول تزوجهاء وقد عقد النية الجازمة على طلاقها فخدع المرأة وغشها فقبلته زوجاً غير عالمة بمقصده السيئ فطلقها بعد انتهاء غرضه. أما الثاني فقد تزوج المرأة وفي نيته الاستمرار والدوام. فإذا لم يحصل بينهما وفاق ولم توجد المودة بينهما وشق عليه إمساكها فطلقهاء فإنه والحالة هذه هو معذور ولا يلام بعد أن يستعمل جميع الوسائل التي شرع الله في كتابه وعلى لسان رسوله كَل لإبقائها واستمرار النكاح» فالأمر بعد ذلك لله: ##وإن يِكْمَرََا يمن أله كلا ين سَعيه.»4 [النساء: ‎011١‏ فلعل الفرق بين النكاحين واضح. والخلاصة أن نقول: أن ثمة أموراً ثلاثة ينبغى أن يتنبه لها الإنسان: ْ أحدها:. خواطر وهواجس ترد على الإنسان عند عقد النكاح. وثانيها: أن ينوي أنها إن صلحت أبقاها وإن لم تعجبه طلقها . ثالثها: أن ينوي أنه متنى مضى شهر أو انتهى غرضه من البلد أو متى شفى الله زوجته يطلقها. أما الأول: فلا يضر العقد ولا يؤثر فيهء لحديث أبي هريرة ذه يرفعه: إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم)""' . والثانى: أيضاً لا يضر العقدء حيث إن هذا مما يقتضيه العقد بل جميع العقود أن الإنسان إذا لم تعجبه السلعة يبيعها أو لم يرد الله بينهما توافق يطلقها . ‎)١(‏ رواه البخاري في صحيحه في مواضع عدة أحدها باب إذا حنث ناسياً في الأيمان رقم 05741 7/ 2740154 ومسلم في صحيحه رقم ‎١١5/١ )1١71(‏ كلاهما من طريق قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة. ‎١1

عدد الصفحات ١١٣

أما الثالث: فلم يضمر نية صحيحة سليمة؛ بل أضمر وعقد العزم على طلاقهاء ولو سألته هل ترغب فيها زوجة لك وأماً لأولادك وشريكة لك في حياتك؟ لأجابك على الفور: لاء لا أريدها زوجة لي على الدوام ولا أرغب منها أولاداً ؛ بل أريد أن استمتع بها وأقضي معها فترة زمنية ثم أطلقها لأرجع إلى زوجتي الحقيقية» أو أتزوج المرأة التي تعجبني على الدوام. فإن قيل: إنه قد يريد بزواجه عند العقد توقيت مدة الزواج بعدم إنجابها الأولاد؛ أي: إنه إذا لم تنجب له يطلقها . فالجواب: إن هذه النية لا بأس بها؛ لأنه دخل بها على أساس الرغبة في الولد والاستمرار بعد الإنجاب ولم يحدد بقاء الزواج بفترة معلومة» بخلاف من تزوج بنية الطلاق» فإنه دخل على أساس أنه لا يستمر معها ولا يرغب في الاستمرار؛ بل يريد الزوجة لفترة معينة ثم يفارقها بعد ذلك» فالفرق بين النكاحين كبير وواضح. الوجه الثاني”'': قولهم أنه يبقى على الأصل وهو الإباحة. فَإنَ هذا غير مسلّمء فإن (الأصل في الأبضاع التحريم) فلا تستباح إلا بما دل الشرع على إباحته. وهذا النكاح لم يدل دليل من الشرع على إباحته فتبقى حرمة الأبضاع على الأصلء. ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل. الدليل الرابع : أن هذا النكاح قد توفرت فيه أركان النكاح وشروطه» وخلا من الشروط الفاسدة» وهو يحقق مصالح قد تضيع لو قيل بعدم جوازه للمغتربين» ومنها طلب الحصانة» ووجوب العفة» والخوف من إشباع ‎)١(‏ هذا الوجه الثاني في الجواب عن الدليل الثالث. >15

عدد الصفحات ١١٤