المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الزواج بنية الطلاق تحميل PDF

صالح آل منصور

صفحة ٦ من ١٠

أما جوابنا على ما قاله شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى» فهو ما يلي : إن إباحته للزواج بنية الطلاق يتعارض مع قوله: (إن القصود في العقود معتبرة)”' . نعم» إن القصود في العقود معتبرة» ولأجل ذلك قلنا بتحريم الزواج بنية الطلاق» ذلك لأنه لا يريد بالزواج ما أراده الشارع الحكيم من مشروعية النكاح؛ بل يريد الزواج لإرضاء نهمته أو قضاء غرضه فحسبء. وقد قال ككلم «إنما الأعمال بالنيات» وإنما لكل امرئ ما نوى0”") قوله رحمه الله تعالى : «ليس بنكاح متعةق ولا يحرم» وذلك أنه قاصد للنكاح وراغب فيه بخلاف المحللء لكن لا يريد دوام المرأة معه) . قلت: نعم» ولكن كما قال رحمه الله تعالى: «ليس قاصداً له على ‎)١(‏ هذه القاعدة أصل عند المالكية وأقرها شيخ الإسلامء وابن القيم. انظر: «الفتاوى» ‎١‏ و«إعلام الموقعين» ‎.١ ١9/8‏ ‏(؟) رواه البخاري في عدة مواضع أحدهاء باب بدء الوحي رقم ‎.*/١ )١(‏ ومسلم في صحيحهء في كتاب الجهاد بلفظ: «إنما الأعمال بالنية» رقم (1901) ‎١515/7‏ من طريق يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب ويه . ‏الذذا

عدد الصفحات ٨٣

الدوام والاستمرار» وهل مقصود الشارع من شرع النكاح كونه قاصداً للنكاح وراغباً فيه؟ كلاء وإنما المقصود من النكاح هو دوامه واستمراره» لما يترتب على الدوام من فوائد عظيمة يحبها الله تعالى. ولذلك رغُبٍ الشارع في الزواج» وحذر من التبتل» وشرّع الوسائل التي يكون بها دوام النكاح, وحذر من الطلاق وأمر بإمساك المرأة مع كراهتها #فَإن عي فس فعسم أن مكرهوأ سَيعًا وَحَعَلَ أل فِهِ مر كويرا4 [النساء: 19]. أما مجرد قصذده للنكاح دون قصد الدوام. فهذا يشاركه فيه نكاح التحليل والمتعة؛ حيث إن كلا منهم قاصد للنكاح وراغعب فيه » ولكن لا يريد الدوام» فلو كانت الرغبة أو قصد الذاج وحدها مسوغة للنكاح» لكان نكاح التحليل وزواج المتعة جائزأ أيضاً. ولكن مراد الشارع والله أعلم ‏ من النكاح قضاء الوطر على الدوام» وهو الذي يحصل به مقاصد الشريعة من إعفاف كل من الزوجين وإنجاب الأولاد» إلى غير ذلك مما ذكرناه سايق(" . وجود شرط الطلاق في نكاح التحليل. قلنا: هذا إذا وحجد شرط» ولكن ريما يوجد زواج التحليل بدون شرط» وهذأ لا يجوز عند كثير من العلماء» منهم شيخ الإسلام ابن تيمية على أن العلة في تحريم نكاح المتعة ونكاح التحليل ليست اشتراط الطلاق لذاته؛ بل حرم الشرط في هذا النكاح؛ لأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح التي ذكرنا معظمها مراراًء والله أعلم. () تقدم ذكره ص١‏ وما يعدها وص ‎٠١‏ وما بعدها. 5م

عدد الصفحات ٨٤

قوله رحمه الله تعالى: «لكن لا يريد دوام المرأة» وهذا ليس بشرط)9؟. قلت: نعم؛ ليس بشرطء. ولكن وجود هذا المقصد يضر بالمقصد الأصلي الذي من أجله شرع النكاح. ويرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. قال ابن القيم: «وكل شرط أو علة أو ضابط يرجع على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال)”" . كيف لا وهو يخفي هذا المقصد عن المرأة وأوليائها خوفاً من عدم موافقتهم؟ ولو صرح لهم بذلكء» ووافقوه على ذلك» لبرزت فيه صورة نكاح المتعة ظاهرة. وقوله رحمه الله تعالى: «فإن دوام المرأة معه ليس بواجب؛ بل له “أن يطلقها». قلت: فرق بين أن يتزوج إنسان بنية دوام العشرة؛ ثم لا يوفق لما أراده؛ لأن القلوب بيد الله» وبين إنسان دخل على نية عدم الدوام؛ بل ليقضي منها وطراً عاجلاً أو منفعة زمناً ما؛ ثم يطلقها ليذهب إلى أخرى. فالأول لا أحد يقول بعدم صحة نكاحه ومشروعية طلاقه» والثاني كيف نقول بجواز نكاحهء. وعدم الاستمرار والدوام ونية الطلاق موجودة قبل العقد ومع العقد؟! بينما الأول الدوام والاستمرار هو هدفه وأمنيته» ولو علم خلاف ذلك؛ أي: عدم الدوام والاستمرار لم يتزوج بها أصلاء وأما إن حصل طلاقء» فهو خلاف ما قصله أولا عند العقد. وهو فعل مشروع له وحده؛ لأنه تخلص من ضرر عليه أو عليهاء لذا شرعه الله ع8 تعالى لهما: لون مرا يُْن أَلَهُ كلا من سَعَيَدء» [الساء: ‎.]1١‏ (0) انظر: حاشية ابن القيم ‎28١/١‏ ط الثانية» دار الكتب العلمية» بيروت» 89١4١ه.‏ /6

عدد الصفحات ٨٥

قوله رحمه الله تعالى: «فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة» فقد قصد أمراً جائزاً» بخلاف نكاح المتعة» فإنه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء المدة» ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل» وأما هذاء فملكه ثابت مطلق» وقد تتغير نيته فيمسكها دائماً. وذلك جائز لهء كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائماً ثم بدا له طلاقهاء جاز ذلك» ولو تزوج بنية أنه إذا أعجبته وإلا فارقهاء جاز. ..2 إلخ. قوله رحمه الله تعالى: «قصد أمراً جائزاً»: قلت: لم يقصد أمراً جائزاً؛ بل هذا شبيه بنكاح المتعة”'' من حيث قصد كل منهما الطلاق بعد مدة» وغاية ما في الأمر أن المتعة صرح فيها بالمدة في بعض صورها. وعدم التصريح بمدة في عقد الزواج ليس هو الذي يجعل الزواج مشروعاً في الواقع ونفس الأمر؛ بل هناك شروطء وانتفاء موانع لا بد من توفرها حتى يكون الزواج مشروعاًء لذا فإنا نقول: إن الزواج بنية الطلاق وجد فيه مانع يمنع من كونه مشروعاً» ألا وهو النية التي تنافي مقصد الشارع في النكاح» وقد قال ِل فيما رواه عمر بن الخطاب وَفنه: «إنما الأعمال بالنيات. .» الحديث”"'. فالنية كافية في تحريم العمل . ولا يقال: هذه نية ليس معها عمل» فإنا نقول: كم من إنسان يؤاخذ على نيته وهو لم يوجد منه عمل؛ بل قد قال شيخ الإسلام نفسه في مثل هذا: «الإرادة الجازمة إذا فعل معها الإنسان ما يقدر عليها كان في الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام»”". والمتزوج بنية الطلاق جازم على الطلاق وقادر عليه» فهو بمنزلة الفاعل التام. ‎)١(‏ كما قال الإمام أحمدء وقد سبق ذكره. زفق رواه البخاري ومسلم وغيرهما» وسبق تخريجه ص 87م. () «مجموع الفتاوى» ١٠/٠5ل.‏ ‏كم

عدد الصفحات ٨٦

أرأيت لو أن إنساناً ذهب ليسرق متاعاً أو مالاًء ولكن لم يستطع السرقة» وآخر أمسك امرأة ليزني بهاء فأحس بالرقيب» فولى هارباًء ولم يقربهاء فهل نقول: إنهما لا يؤاخذان على نيتهما؛ لأنهما لم يحصل منهما فعل؟! كلا؛ فكلاهما آثم» وإن لم يحصل منهما فعل. يشهد لهذا ما رواه أبو بكرة ذَيْدء أن النبي كَل قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهماء فالقاتل والمقتول في النار»ء» قلت: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل اع , ولا يقول قائل: إن ما ذكرت حصل منهم محاولة للسرقة والزنى والقتل» والزواج بنية الطلاق لم يحصل فيه فعل . فإنا نقول: قد حصل منه فعل. وهو بحثه عن الزوجة» وإقدامه على هذا الزواج» وتملكه المرأة بهذه النية» كل ذلك فعل وإرادة جازمة» والرسول كَكِِِ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وإنما لكل امرئ ما نوى»» قال شيخ الإسلام : امن اجتهد على شرب الخمر وسعى في ذلك بقوله وعمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين» وهو كالشارب» وإن لم يقع فيه شرب» وكذلك من اجتهد على الزنى أو السرقة أو نحو ذلك...)”"©2» وقال ابن القيم: «قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نُرّل صاحبه في الثواب والعقاب ‎)١(‏ رواه البخاري في صحيحه في مواضع عدةء أحدها في كتاب الأيمان» باب «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما» فسماهم المؤمنين رقم (71) ‎21١١/١‏ ‏ورواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة رقم (/588) ‎17١١/5‏ كلاهما من طريق حماد بن زيد عن أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي ‏(0) «مجموع الفتاوى» 5١/117١ء‏ وهذا القول الذي قاله ابن تيمية كلل يُلزمه بالقول بتحريم الزواج بنية الطلاق. ‏/الم

عدد الصفحات ٨٧

بمنزلة الفاعل التام)”"" . فهناك فرق كبير بَيّنْ في حكم الشرع بين النية مع العمل» والنية بعد حدوث العمل: فرجل دخل في صلاة رباعية على أنها صلاة ظهرء وبعد تكبيرة الإحرام نواها عصراًء أو دخل فيها على أنها صلاة عصر ثم بعد ذلك نواها ظهراًء فهل يصح ذلك؟ ورجل نوى عند طلوع الفجر صيام يوم الاثنين وبعد الإمساك نوى أن يكون عن يوم من رمضانء فهل يجزيه صيام هذا اليوم عن يوم واجب عليه من رمضان؟ ورجل تصدق بمال تطوعاء ثم بعد ذلك نواه عن زكاة واجبة عليه» فهل يجزيه ذلك؟ إذاً؛ فعدم تفريق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بين وجود نية الزواج بنيّة الطلاق عند العقد وبين وجود نية الطلاق بعد العقدء غير مستقيم» والله أعلم. وأما قوله رحمه الله تعالى: «وهذا ملكه ثابت مطلق» وقد تتغير نيته فيمسكها دائماً». قلت: إنما حصل ثبوت ملكه على الزوجة مطلقاً بسبب ستره وإخفائه قصده عن الزوجة وأوليائهاء ولو صرح بنيته» ما حصل له ملك أبداء ولو حصلت الموافقة بعد التصريح» لكان نكاح متعة. وأما قوله رحمه الله تعالى: «وقد تتغير نيته فيمسكها». هذا إذا تغيرت النية» ولكن؛ إذا لم تتغير النية» ألا يكون مبرراً لمنعه”؟ ثم هذا منقوض بنكاح التحليل والمتعة فإنه قد تتغير نيته ولا قائل بجوازه لهذاء وأما كون الطلاق جائزاً له. هذا فيمن دخل بنية الاستمرار» ثم وجدت نية الطلاق بعد ذلك» أما من دخل من أول العقد على نية الطلاق» فهذا أمر آخر. .1128/١ ‏و«إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان»‎ .517” /١ ‏«طريق الهجرتين»‎ )١( .78 ‏(؟) قد سبق مناقشة هذا الكلام ص‎ 44

عدد الصفحات ٨٨

وأما قوله رحمه الله تعالى: «كما أنه لو تزوج بنية إمساكها دائماً» ثم بدا له طلاقهاء جاز ذلك». قلت: هذا قياس مع الفارق؛ لأنه إذا تزوجها بنية إمساكها دائماً» فإنه بعمله هذا وافق مقصود الشرعء ووافق الأصل في الزواج» إذ الأصل في كل متزوج أن يتزوج المرأة ليمسكها دائماً لا ليتزوجها من أجل أن يطلقهاء فهو بعمله هذا وافق ما شرع الله تعالى له» بخلاف الزواج بنية الطلاق» فإنه خلاف مقصود الشرع. وقوله رحمه الله تعالى: «ولو تزوجها بنية أنها إذا أعجبتهء أمسكهاء وإلا فارقها. .2 إلخ”'". أقول: نعم؛ إذا تزوجها بنية أنها إذا أعجبته أمسكها وإلا فارقهاء جاز له ذلك؛ لأنه فعل بذلك ما شرع الله له في الزواج؛ لآأنه تزوجها ابتداءً بنية أنه يعيش معها على الدوام» وما كان يفكر بغير هذاء ولو ظن - بل لو خالجه شك - في أن هذا الزواج لا يستمرء وأنه قد توجد أسباب تمنع دوامهء لَمَا أقدم على الزواج بهاء وهذا هو الأصل في كل زواج» ولكن» لو لم توافقهء ولم تحصل العشرة التي يريدهاء له أن يطلقهاء فهذا أمر مشروع له بالإجماع» فكل إنسان يتزوج امرأة» في باله أنه يجوز له إذا أحبها أمسكهاء وإن كرهها طلقهاء ولكن هل إذا جاز له ذلك يجوز له أن يتزوجها بنية الطلاق بعد انتهاء غرضه ولا يريدها بعد ذلك زوجة لهء فإنها لو علمت الزوجة أو وليها بهذه النية لما رضيا بهذا النكاح . وما الفرق إذاً بين هذا النكاح ونكاح المتعة والتحليل في القصدء إذ كل من المتزوج متعة» والمحلل والمتزوج بنية الطلاق» كل منهم لا ‎)١(‏ ارجع إلى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ص48 من هذا الكتاب. وقد كررنا الجواب عن هذه الشبهة ص ‎.8١‏ /

عدد الصفحات ٨٩

يريد الزوجة على الدوام. ولا يحبها محبة الأزواج» ولا يعاشرها معاشرة الأزواج؛ بل همّه قضاء وطره فى بلاد الغربة مثلاً. حتى يذهب إلى زوجته التي يحبها ويريد الأولاد منها وحدهاء أو حتى يتزوج الزواج الحقيقي من المرأة التى يختارها حسب المواصفات المطلوبة عرفاً وشرعاً زواجاً بنية الدوام والاستمرار. لذا؛ نجد الكثير ممن يتزوج بنية الطلاق أو بالمتعة لا يسأل عن حسب المرأة ولا نسبيهاء ولا يسأل عن كونها ولوداً أو قدا : ولا عن دينها؛ بل منهم من لا يسأل عن عفتهاء وربما كانت غير عفيفة» كل ذلك ربما لا يهمهء وربما لا يفكر فيه» وبعد هذاء فلا أشك فى أنه شبيه بنكاح المتعة. غاية ما في الأمر أن نكاح المتعة صرح فيه بقصده. وهذا كتم نيته وقصده وطلقها بعد تمام المدةء والاول قيل له فارقها بعد تمام المدة المشروطة. الطلاق» فلعل غالب من تزوجها كانت في نيته أن يطلقها بعد مدة» ولم يقل أحد إن ذلك متعة)”" . قلت: إذا صح ما نسب إليه من كثرة الطلاق 5ه”"'» فلا يجوز لنا أن نحمل عمله في كثرة زواجه وطلاقه على الزواج بنية الطلاق» فهذا قول عليه بلا علمء إذ لا يعلم ما في قلبه إلا الله يل وحاشاه أن يفعل ذلك» ولو قدر أنه أخبر أحداً أن نيته بذلك» الزواج بنية الطلاق» لقلنا : إن هذا فعل صحابي لا يقبل إذا تجرد عن الدليل» فكيف إذا خالف مقاصد الشريعة في النكاح؟! وكيف وقد خالفه والده علي ويه وأنكر )0( ارجع إلى قوله كله في ص49. (؟) وسيأتي بيان عدم صحة ذلك عن الحسن ذه لا من حيث الإسناد ولا من حيث المعنى في ص7؟7١‏ وما بعدها. أن

عدد الصفحات ٩٠

عليه كما سيأتي... والذي يرجع إلى نصوص الشريعة وعموماتها يعلم أن هذا العمل لا يجوزء لمنافاته مقاصد الشريعة في النكاح». ولكن الحمد لله أنه لم ينقل أحد عن الحسن القول بجواز ذلك بسند صحيح. وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذا أيضاً لا ينوي طلاقها عند أجل مسمى؛ بل عند انقضاء غرضه منها ومن البلد الذي أقام به» ولو قدر أنه نواه في وقت بعينه» فقد تتغير نيته فليس في هذا ما يوجب تأجيل النكاح وجعله كالإجارة المسماة. . .2 إلخ”"'. ْ قلت: لا فرق - والله أعلم ‏ بين أن ينوي طلاقها بعد أجل مسمى عند انقضاء غرضه منها أو من البلد الذي أقام به» فالكل حصل فيه زواج بنية الطلاق» ولم يحصل فيه زواج بنية الدوام. فالزواج بنية الدوام هو مقصد الشارع من النكاح» والزواج بدون نية الدوام لا يريده الشارع» ولا يرضاهء ولذلك حرم الشارع نكاح التحليل ونكاح المتعة» وأمر بحسن معاشرة النساء وحث عليهاء كما أمر النساء بذلك» وعالج الختلاف والنشوزء وحذّرَ من الطلاق» كل ذلك من أجل أن يدوم النكاح . وأما قوله رحمه الله تعالى: «ولو قَدّر أنه نواه فى وقت بعينه» فقد تتغير نيته . . .2 إلخ”" . ْ قلت: إن الأحكام إنما تناط بالنية وقت مباشرة العمل أو نية العمل لو قدر عليه. مثال النية وقت مباشرة العمل : تعيين نية الصلاة عند تكبيرة الإحرام. وأما نية العمل لو قدر عليه: فكنية العادم للمال الصدقة إذا رزقه الله مالاً أو الحج إذا أقدره الله عليه» فإنه يثاب كل منهما على نيته الصالحة. ‎)١(‏ ارجع إلى قوله كَأنهُ في ص49. (؟) ذكرنا هذا عنه كله في ص495. ‎1١

عدد الصفحات ٩١

أرأيتم لو أن أحداً خلا بامرأة» فهل نمكّنه من ذلك لعله أن يتزوجها؟ ولو أن رجلاً نظر إلى محاسن امرأة» فهل نمكنه من هذه المعصية بحجة أنه ربما يتزوجها؟ إذاً؛ فالأصل في هذا الرجل أنه تزوج المرأة بنية التوقيت» لا بنية الدوام. وكون نيته قد تتغير خلاف الأصلء فنعامله بنيته عند البدء بعقد النكاح» وقد قال الرسول كك : «إنما الأعمال بالنيات» وإنما لكل امرئ ما نوى». وتغير النية أمر نادر وقليل؛ بل الرجل الذي تزوج امرأة بنية الطلاق يبذل كل الأسباب والمحاولات المتيسرة التي تجعلها لا تبقى عنده بعد انتهاء غرضه. وقول الشيخ كُأَنْهُ: «فأما حدوث نية الطلاق إذا أراد أن يطلقها بعد شهرء فلم نعلم أن أحداً قال: إن ذلك يبطل النكاح. فإنه قد يطلق وقد لا يطلق عند الأجل» كذلك الناوي عند العقد في النكاح» وكل منهما يتزوج الآخر إلى أن يموتء فلا بد من الفرقة». قلت: بين نية الطلاق بعد الزواج ونية الطلاق عند عقد النكاح فرق عظيمٌ وبون شاسع : فالأول: نوى ما أباحه له الشارعء إِذْ المصلحة والحكمة تقتضي إباحة ذلك» والله عليم حكيم. والثاني: نيته لا توافق مقاصد الشريعة في الزواجء إِذِ الأصل في الزواج الدوام والاستمرارء لما في ذلك من المصالح العظيمة والحكم الجليلة الكثيرة» وقد قدمنا الرد على مثل هذا القول. وكون كل واحد من الزوجين يتزوج الآخر إلى أن يموت». فالفرقة معلومة من الطرفين» هذا أمر لا مناص عنهء وهل تمنع الشريعة مثل هذا الزواج الذي يعلم فيه كل من الطرفين أن الزواج مؤجل إلى فرقة الموت؟ كلا. 01

عدد الصفحات ٩٢

أما الزواج بنية الطلاق» فعمل أقدم عليه الزوج وحده بنيته, لا أقول: الغالب عنده أنه يطلقها عند انتهاء المدة أو انتهاء غرضه؛ بل اليقين في نفسه الذي بيّته أنه يطلقهاء فكيف يقاس هذا على الفرقة بالموت؟ فالنية في الفرقة بالموت حاصلة من الطرفين بخلاف الزواج بنية الطلاق فإنها حاصلة من الزوج وحده. فلو جاز لنا ذلك» لأجزنا النكاح الذي ينوي فيه كل من الزوجين الطلاق بعد مدة أو بعد انتهاء الغرض» فيتزوجان وهما يعلمان أنهما سيفترقان بعد انتهاء غرض الزوج» وهذا هو نكاح المتعة. وقوله رحمه الله تعالى: «والرجل يتزوج الأمة التي يريد سيدها عتقهاء ولو أعتقتء. كان الأمر بيدهاء وهو يعلم أنها لا تختارهء وهو نكاح صحيحء ولو كان عتقها مؤجلاًء أو كانت مدبرة وتزوجهاء وإن كانت لها عند نهاية مدة الأجل اختيار فراقه. .» إلى أن قال: «ثم إذا عرف أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهتهاء ويبقى جائزاً لم يقدح في التكاح»”"' . قلت: ما ذكره رحمه الله تعالى يختلف كثيراً مع الزواج بنية الطلاق» ذلك: أولاً: أن زواج الحر بالأمة لا يجوز إلا بشروط معلومة» وما ذلك والله أعلم إلا لأجل ما ذكره الشيخ كْدَنْهُّء ولما في ذلك من ذلة للحرء وعدم كمال إعفافه» وتعريض ولده للرق» وغير ذلك من الأحكام. ثانياً: أن عتق الأمة المتزوجة حراً لا يعطيها خيار فسخ النكاح بعد حريتها في أصح قولي العلماء. وهو قول جمهور أهل العلم وقول ابن عمرو وابن عباس ومالك والشافعي والإمام أحمد وابن قدامة والنووي دلق ارجع إلى كلامه ص١6‏ من هذا الكتاب. 0

عدد الصفحات ٩٣

أن: إدلق4 وابن حجر ©2. ثالثاً: في حال زواج الرقيق للأمة» فإنا نقول: إن إرادة السيد العتق مجرد إرادة» قد تتحقق وقد لا تتحقق» بينما المتزوج بنية الطلاق قد عزم على الطلاق. وفي حال زواجه للأمة المدبرة أو المؤجل عتقهاء نقول: إن هذه الفرقة توجد من قبل الزوجة وحدهاء بينما تحصل الفرقة في الزواج بنية الطلاق من الزوج وحده ففرق بينهما. وفرق بين أن تحصل الفرقة منها وهو يعلم ذلك منهاء وبين من يدخل في عقد زواج من امرأة يبيّت لها النية السيئة» يبيّت لها قاصمة الظهرء وهو الطلاق وهي لا تعلم ذلك. أليس هذا خيانة منه لهاء ومّن من النساء تقبل مثل هذا الزواج؟ لو علمت منه هذا وقبلت» كان نكاح متعة. رابعاً: كونه يعلم أن الزوجة لا تختاره» هذا لا يلام عليه» إذ هو فعل ما طَلِبَ منه شرعاء وهو زواجهء ليحقق ما يقدر عليه من مقاصد الشريعة في النكاح. فإن قيل: إن تزوجها بنية أن تفارقه هي؛ حيث يعلم من حالها قبل الزواج أنها لا تريدهء فهذا شبيه بالزواج بنية الطلاق. قلت: كلا؛ بل دخل بها بنية أن تفارقه هيء لا بنية أن يفارقها هوء وفرق بين الصورتين. خامساً: ثم هذه الصورة التي فرضها شيخ الإسلام كَأنْهُ صورة نادرة» أعنى: اختيار المرأة الرقيقة بعد عتقها فراق زوجهاء بخلاف الزواج بنية الطلاق» فإن الغالب أن من تزوج امرأة بنية الطلاق ينفذ نيته» كما هو واقع كثيراً. (0) انظر: «المغني» 2105/0 و«شرح النووي على صحيح مسلم» ‎215١/٠١‏ وافتح الباري» 9//ا50. 4

عدد الصفحات ٩٤

وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والنكاح مبناه على أن الزوج يملك الطلاق من حين العقدء فهو بالنسبة إليه ليس بلازم» وهو بالنسبة إلى المرأة لازم» ثم إذا عرف أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهتها ويبقى جائزا”''» لم يقدح في النكاح». قلت: لا يلزم من كون الزوج يملك الطلاق من حين العقد أن يكون ذلك مبرراً للزواج بنية الطلاق» فإن الله ملكه ذلك» ولكن أمره بإمساكهاء وشرع الوسائل التي تديم هذا النكاح» وحذر من الوسائل التي تقطع هذا الدوام. فعض إليه الطلاق وحذره منه» لما في ذلك من مصادمة لمقاصد الشارع في الزواج. وكون الزوج يعلم أنه بعد مدة يزول اللزوم من جهة الزوجة» ويبقى جائزاً من جهتهاء لا يضر الزوج إذا هو فعل ما طلب منه شرعا. وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «ولهذا يصح نكاح المجبوب والعنين وبشروط يشترطها الزوج» مع أن المرأة لها الخيار إذا لم يوف بتلك الشروط. فعلم أن مصيره جائزاً من جهة المرأة لا يقدح» وإن كان هذا يوجب انتفاء كمال الطمأنينة من الزوجين؛ فعزمه على الملك ببعض الطمأنينة» مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق» وهذا من لوازم النكاح» فلم يعزم إلا على ما يملكه بموجب العقد.ء وهو كما لو عزم أن يطلقها إن فعلت ذنباً أو إذا نقص ماله ونحو ذلك». فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله. أو قدمت امرأته الغائبة» أو قضى وطره منهاء من هذا الباب)”". ‎)١(‏ كما في قصة بريرة لما عتقت كان العقد في حقها جائزاً. ‏زفق ارجع إلى كلام الشيخ في ص١‏ ه6. 46

عدد الصفحات ٩٥

يشترطها كل من الزوجين أو أحدهماء وللمرأة الخيار باستمرار النكاح أو عدمه إذا لم يف لها بالشروطء ولكن كل هذا لا يكون مبرراً لمشروعية الزواج بنية الطلاق؛ لأنها حينما تزوجت المجبوب أو العنِيّن تزوجته برضاهاء وكذلك إذا لم يف لها بالشروط» فكل من الزوجين عند العقد يتوقع عدم استمرار التكاح» ولكن هذا التوقع مجرد احتمال» بخلاف من تزوج امرأة وهو يريد طلاقها: إذا سافر إلى أهله» أو إذا حضرت زوجته الغائبة» أو إذا شْفِيت زوجتّه المريضة» أو غير ذلك» فإن الزوج دخل بنية عدم الاستمرار» وهو لا يريد الاستمرار ولا يرغعب فيهغ» والزوجة المسكينة ليس عندها علم بما يبيته الزوج لهاء بخلاف قبولها الزواج من وأما قوله كأَنْهُ: «مثل هذا إذا كانت المرأة مقدمة على أنه إن شاء طلق» وهذا من لوازم النكاح. ...2 إلخ. فجوابنا على ذلك: أن هذا قياس مع الفارق”"". ذلك أن الزواج شرع مراداً به الاستمرار والدوام» فالأصل فيه البقاء» وإن كان الشارع أباح الطلاق لمصلحة كل من الزوجين» فحينما أقدمت المرأة على الزواج ليس في بالها إلا الدوام والاستمرار» وليس في بال أوليائها إلا ذلك؛ بل من علم بالزواج من الناس ليس في بالهم إلا الدوام والاستمرار» ولو علمت أنه سيطلقها بعل سفره أو قدوم زوجته أو شفائها من مرضهاء» لما أقدمت» ومن من النساء أو من الأولياء يرضى بمثل هذا الزواج؟ وليس ذلك كعلمها بأنه سيطلقها إن فعلت ذنباً أو نقص ماله ونحو ذلك؛ لأنها في هذا الحال أقدمت على الزواج منه لظنها أنها لا يحصل منها شيء يسبيب الطلاق؟؛ بل تحسن الظن بالله» وترجوه دوام ‎)١(‏ إباحة الشارع الطلاق دليل على أن الأصل في الزواج الدوام والاستمرار» والطلاق مخالف لذلك. ‎1

عدد الصفحات ٩٦

النكاح» وتطرح الظنون والأوهام» وتفعل الأسباب التي تثبت هذا الزواج» وكون الرجل يجوز له الطلاق ويملكه. ليس معنى هذا أن الطلاق هو الغاية من النكاح؛ بل الغاية الدوام والاستمرار» وشرع الطلاق كما قلنا للتخلص مما قد يحصل لأحد الزوجين من الضررء دفعاً للحرج» ولقد حرص الشارع الحكيم على تثبيت المحبة والألفة بين الزوجين ليحصل الدوام بينهماء بما شرعه من حث على إمساك الزوجة مع الكراهية» وما شرعه من وسائل لحل المشكلات الزوجية» وتحذيره من الطلاقء فإذا كان ذلك معلوماء فإن إقدام المرأة على أن الزوج إن شاءَ الطلاق طلق لا يكون مسوغاً للرجل أن يخدع المرأة فيتزوجها بنية الطلاق20 , وقول الشيخ كُذَنْهُ: «فعزمه على الطلاق إذا سافر إلى أهله أو قدمت امرأته الغائبة أو قضى وطره منهاء من هذا الباب». أقول: في كلام الميخ نقسه ما يشعر الإقسان بالفرق بين النكاحين والفرق بين الزوجتين: فالأولى: لا شك أنها زوجتهء وأنها أهله حقيقة» وهو الحق الذي أظهره الله على لسان الشيخ كدَنْهُ فقد قال كرنهُ: «إذا قدمت امرأته أو أهله» . ع وأما الثانية: فهى فى الحقيقة ليست أهله ولا امرأتهء فهي إذا أجنبية» وعلاقته بها علاقة وق علاقة شهوانية؛ كما قال الشيخ: ‎١‏ ‏قضى وطره منها». ولذلك تركها حينما جاءت امرأته أو سافر إلى أهله أو قضى وطره منها. فلعل القارئ أدرك الفرق الكبير بين الزوجتين والنكاحين من خلال ما سطّره الشيخ نفسه رحمه الله تعالى . .18 ‏سبق أن ناقشنا مثل هذا الكلام ص8لء‎ )١( /ا4

عدد الصفحات ٩٧

وقول الشيخ رحمه الله تعالى: «وزيد كان قد عزم على طلاق امرأته. ولم تخرج بذلك عن زوجتيه؛ بل ما زالت زوجته حتى طلقها...2 إلى أن قال: «وبكل حالء لم يكن عزم زيد على الطلاق قادحاً في النكاح في الاستدامة» وهذا مما لا نعرف فيه نزاعاء وإذاء ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقها في الحال"'. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام كُأَنْهُ من نية زيد طلاق زوجته زينب واستمرار النية معه حتى طلقها ليس دليلاً لما ذهب إليه من جواز النكاح بنية الطلاق. إذ أن زيدا حينما عقد على زينب لم تكن نيته الطلاق» وإنما وجدت النية فيما بعدء وفرق بين أن يتزوج المرأة يريد دوام النكاح ثم بعد ذلك تتغير هذه النية فينوي طلاقهاء وبين إنسان عقد على امرأة لا يريد دوام النكاح معها؛ بل نوى عند عقد النكاح طلاقها بعد ملة. فالأول لا ينبغي أن يكون فيه خلاف» وهذا مما لا يعرف فيه نزاع؛ بل قد ثبت بالنص والإجماع أنه لا يؤثر العزم على طلاقهاء كما قال الشيخ كَدَنْهُ. ولكن أقول: ذلك بشرط أن توجد النية بعد تمام عقد التكاح. وأما الثاني (وهو وجود نية الطلاق بعد مدة» عند عقد النكاح)؛ فهذا هو محل الخلاف» وبينهما فرق كبير. وقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ولا يلزم إذا أبطله شرط التوقيت أن تبطله نية التطليق فيما بعدء فإن النية المبطلة ما كانت مناقضة لمقصود العقدء والطلاق بعد مدة أمر جائز لا يناقض مقصود العقد إلى حين الطلاق)”" . قلت: إن المسألتين حكمهما واحدء فهما كما يقال: وجهان لعملة واحدة» فنية التطليق عند العقد غير جائزة» وذلك لمناقضته مقصود الشرع 000 ارجع إلى كلام الشيخ كَلهُ في ص١‏ 0. فم ارجع إلى كلام شيخ الإسلام ص ١ه‏ من هذا الكتاب. 416

عدد الصفحات ٩٨