المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تنبيه السادة الأعلام على العلاقة بين العولمة والإسلام

مصطفى ولد إدوم أحمد غالي

صفحة ٤ من ٨

تنبيه السادة الأعلام Page 49 والنصارى ومن المجوس وؼٌرها من الأمم، وقد كثر الجدل فً هذه الأٌام فً حكم تناوله [..] والجبن مصنع بالإنفحة التً تإخذ من معدة السخلة [..]، أما دلٌل إباحة الجبن من السنة: فقد أخرج أبو داود والبٌهقً فً سننهما عن ابن عمر رضً الله عنهما: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجبنة في تبوك فدعا بسكين فسمى وقط "[..] وفً سنن البٌهقً كذلك عن ابن عباس رضً الله عنهما أنه صلى الله علٌه وسلم لما فتح مكة رأى جبنة فقال: "ما هذا؟" فقالوا: طعام ٌصنع بؤرض العجم، قال: فقال رسول الله صلى الله علٌه وسلم:"ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله وكلوا" وفً السنن الكبرى من حدٌث كثٌر بن شهاب قال: سؤلت عمر بن الخطاب رضً الله عنه عن الجبن؟ فقال: إن الجبن من اللبن واللبؤ، فكلوا واذكروا اسم الله علٌه ولا ٌؽرنكم أعداء الله" وأخرج البٌهقً فً سننه عن أبً بكر بن المنكدر قال: سؤلت امرأة عابشة رضً الله عنها عن أكل الجبن؟ فقالت: إن لم تؤكلٌه فؤعطٌنٌه آكله"، وعن تملك عن أم سلمة رضً الله عنها قالت فً الجبن: "كلوا واذكروا اسم الله عز وجل" [..]، وجاء فً مجمع الزوابد للحافظ نور الدٌن الهٌثمً من حدٌث ابن عباس رضً الله عنهما أنه صلى الله علٌه وسلم أتً بجبنة فً ؼزوة الطابؾ، فقال: أين صنعت؟ فقالوا: بفارس ـ ونحن نرى أنه ٌجعل فٌها مٌتة ـ فقال:"اطعنوا فيها بالسكين واذكروا اسم الله وكلوا" وقال: رواه أحمد والبزار والطبرانً، ورجال أحمد رجال الصحٌح.وفً مصنؾ عبد الرزاق عن أٌوب عن نافع: سبل ابن عمر رضً الله عنهما عن الجبن الذي ٌصنعه المجوس فقال: "ما وجدته فً أسواق المسلمٌن اشترٌته ولم أسؤل عنه".. وقد علق نافع مولى ابن عمر رضً الله عنهم على جواب ابن عمر فً شؤن جبن المجوس فقال: لو رأى ابن عمر من المجوس ما رأٌنا لظننت أنه سٌكرهه..وفً الموطإ برواٌة علً بن زٌاد قال: سبل مالك رضً الله عنه عن جبن المجوس فقال: ٌكره، لأنهم ٌجعلون فٌه المٌتة، ثم رجع عن ذلك وقال: لا بؤس به إلا أن ٌعلم أنهم ٌجعلون فٌه أنافح المٌتة فلب ٌإكل" [..] ثم قال الشٌخ بٌه: "وذكر ابن قٌم الجوزٌة رحمه الله فً "زاد المعاد فً هدي خٌر العباد" حدٌث

عدد الصفحات ٤٩

تنبيه السادة الأعلام Page 50 الجبنة التً أتً بها رسول الله صلى الله علٌه وسلم فً ؼزوة تبوك، وهو حدٌث ابن عمر رضً الله عنهما وقال بعد إخراجه: "وهو ـ أي الجبن المجوسً ـ أكله الصحابة رضً الله عنهم بالشام والعراق" [3/161]، ثم نقل عن الجصاص فً أحكام القرآن قوله: "إن اللبن طاهر ولو كان لبن مٌتة لعموم قوله تعالى:{وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائؽا للشاربين} [النحل: 66] واستدل بذلك على طهارة الجبن الذي لا ٌصنع إلا بإنفحة المٌتة قابلب: ٌدل لذلك ما رواه شرٌك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجبنة في ؼزوة الطائؾ فجعلوا يقرعونها بالعصا، فقال عليه الصلاة والسلام: أين صن هذا؟ فقالوا: بأرض فارس، فقال: "اذكروا اسم الله عليه وكلوا" قال: ومعلوم أن ذبابح المجوس مٌتة، وقد أباح ـ علٌه الصلبة والسلبم ـ أكلها ـ ٌعنً الجبنة المعقودة بإنفحة المٌتة ـ مع العلم بؤنها من صنعة أهل فارس، وأنهم كانوا إذ ذاك مجوسا، ولا ٌنعقد الجبن إلا بإنفحة، فثبت بذلك أن إنفحة المٌتة طاهرة، قال: وقد روى ابن الحكم عن ؼالب بن عبد الله عن عطاء بن أبً رباح عن مٌمونة زوج النبً صلى الله علٌه وسلم قالت: سؤلت النبً صلى الله علٌه وسلم عن الجبن؟ فقال: "ضعي السكين واذكر اسم الله وكلي" قال الجصاص: فؤباح النبً صلى الله علٌه وسلم فً هذا الحدٌث أكل الجمٌع منه، ولم ٌفصل بٌن ما صنع بإنفحة مٌتة أو ؼٌرها، وقد روي عن علً وعمر وسلمان وعابشة وابن عمر وطلحة بن عبٌد الله وأم سلمة والحسن بن علً إباحة أكل الجبن الذي فٌه إنفحة المٌتة، فدل ذلك على أن الإنفحة طاهرة وإن كانت من المٌتة"..وجاء فً التفسٌر الجامع لأحكام القرآن للقرطبً المالكً رحمه الله عند هذه الآٌة: المسؤلة الثالثة عشرة (... فؤما إنفحة المٌتة ولبن المٌتة، فقال الشافعً: ذلك نجس لعموم قوله تعالى:{حرمت عليكم الميتة والدم..} وقال أبو حنٌفة بطهارتها، ولم ٌجعل لموضع الخلقة أثرا لتنجٌس ما جاوره مما حدث فٌه خلقة، قال: ولذلك ٌإكل اللحم بما فٌه من العروق وعلى القطع بمجاورة الدم لدواخلها من ؼٌر تطهٌر ولا ؼسل إجماعا، وقال مالك نحو

عدد الصفحات ٥٠

تنبيه السادة الأعلام Page 51 قول أبً حنٌفة: إن ذلك لا ٌنجس بالموت ولكنه ٌنجس بمجاورة الوعاء النجس..وهو مما لا ٌتؤتى فٌه الؽسل، وكذلك الدجاجة تخرج منها البٌضة بعد موتها لٌنة فً حكم المابع قبل خروجها وإنما تجمد وتصلب بالهواء، قال ابن خوٌزمنداد: فإن قٌل فقولكم ٌإدي إلى خلبؾ الإجماع، وذلك لأن النبً صلى الله علٌه وسلم والمسلمٌن كانوا ٌؤكلون الجبن وكان مجلوبا إلٌهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبابح العجم ـ وهم مجوس ـ مٌتة ولم ٌعتدوا بؤن ٌكون مجمدا بإنفحة مٌتة أو ؼٌر مذكاة، قٌل له: قدر ما ٌقع من الإنفحة فً اللبن المجبن ٌسٌر، والٌسٌر من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثٌر من المابع، هذا من إحدى الرواٌتٌن، والرواٌة الأخرى: إنما كان ذلك فً أول الإسلبم (وفً سنن ابن ماجه بسنده عن سلمان الفارسً رضً الله عنه قال: سبل رسول الله صلى الله علٌه وسلم عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" وهو فً سنن ابن ماجه: كتاب الإنفحة مثله، وفً "البٌان والتحصٌل" للقاضً ابن رشد الكبٌر: مسؤلة: قال ابن القاسم: "وكان مالك رحمه الله ٌقول: أكره جبن المجوس لما ٌجعلون فٌه من أنافح المٌتة" قال ابن رشد معلقا على ذلك: "أما جبن المجوس فبٌن أنه لا خٌر فٌه، لأنهم ٌجعلون فٌه من أنافح ذبابحهم التً لا تحل لنا، فقوله: "أكره ذلك"، لفظ فٌه تجاوز، وقد روي أن أبا موسى الأشعري رضً الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضً الله عنه ٌذكر أن المجوس لما رأوا المسلمٌن لا ٌشترون جبنهم وإنما ٌشترون جبن أهل الكتاب، عمدوا فصلبوا على الجبن كما ٌصلب أهل الكتاب لٌشترى من جبنهم، فكتب إلٌه عمر رضً الله عنهما: "ما تبٌن لكم أنه من جبن المجوس فلب تؤكلوه، وما لم ٌتبٌن لكم فكلوا ولا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله" فقال الشٌخ القاضً بٌه بن السالك رحمه الله وإٌانا معلقا على ما تقدم: "وهذا الكلبم نص واضح فً أن الأصل هو الإباحة إلا إذا تبٌن بوضوح أن هذا الجبن مصنوع بؤنافح خنزٌر أو مٌتة، وإذا كان هناك احتمال أو شك فالأصل الطهارة، والذي ٌتعٌن المصٌر إلٌه والقول به هو: أن جمٌع الأجبان الٌوم على وجه الدنٌا الأصل فٌها الطهارة

عدد الصفحات ٥١

تنبيه السادة الأعلام Page 52 والإباحة، إلا إذا تٌقنا أنها معقودة بؤنافح الخنزٌر فقط، لما علمت أن أبا حنٌفة ٌقول: إن أنافح المٌتة طاهرة، وله على ذلك أدلة قوٌة من عموم الكتاب وصرٌح السنة بٌنها علماء مذهبه، وقد قدمنا عن الجصاص الاستدلال على ذلك وترجٌحه [..] ثم نقل كلبم شٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة فً فتاوٌه حٌث قال: "وأما لبن المٌتة وإنفحتها ففٌه قولان مشهوران للعلماء، أحدهما: إن ذلك طاهر، كقول أبً حنٌفة وؼٌره..وهو إحدى الرواٌتٌن عن أحمد، وعلى هذا النزاع ابتنى نزاعهم فً جبن المجوس، فإن ذبابح المجوس حرام عند جماهٌر السلؾ والخلؾ، وقد قٌل: إن ذلك مجمع علٌه بٌن الصحابة، فإذا صنعوا جبنا ـ والجبن ٌصنع بالإنفحة ـ كان فٌه القولان، قال: والأظهر أن جبنهم حلبل، وأن إنفحة المٌتة ولبنها طاهران، وذلك لأن الصحابة رضً الله عنهم لما فتحوا بلبد العراق: أكلوا جبن المجوس وكان هذا ظاهرا شابعا بٌنهم، وما ٌنقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففٌه نظر، فإنه من نقل أهل الحجاز وفٌه نظر، وأهل العراق كانوا أعلم بهذا، فإن المجوس كانوا ببلبدهم ولم ٌكونوا بؤرض الحجاز، قال: وٌدل على ذلك أن سلمان الفارسً كان هو نابب عمر بن الخطاب على المدابن وكان ٌدعو الفرس إلى الإسلبم، وقد ثبت عنه: أنه سبل عن شًء من السمن والجبن والفراء، فقال: (الحلبل ما أحل الله والحرام ما حرم الله فً كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) وقد رواه أبو داود مرفوعا إلى النبً صلى الله علٌه وسلم ومعلوم أنه لم ٌكن السإال عن جبن المسلمٌن وأهل الكتاب ـ فإن هذا أمر بٌن ـ وإنما كان السإال عن جبن المجوس، فدل ذلك على أن سلمان كان ٌفتً بحله، ثم قال ابن تٌمٌة: وإذا كان ذلك روي عن النبً صلى الله علٌه وسلم انقطع النزاع لقول النبً صلى الله علٌه وسلم، وأٌضا فاللبن والإنفحة لم ٌموتا وإنما نجسهما من نجسهما بكونهما فً وعاء نجس فٌكون مابعا فً وعاء نجس، فالتنجٌس مبنً على مقدمتٌن: على أن المابع لاقى وعاء نجسا، وعلى أنه إذا كان كذلك كان نجسا، فٌقال أولا: لا نسلم أن المابع ٌنجس بملبقاة النجاسة، وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته، وٌقال ثانٌا: إن الملبقاة فً الباطن لا حكم لها كما قال تعالى:{من

عدد الصفحات ٥٢

تنبيه السادة الأعلام Page 53 بين فرث ودم لبنا خالصا سائؽا للشاربين} [النحل: 66]، ولهذا ٌجوز حمل الصبً الصؽٌر فً الصلبة مع ما فً بطنه والله أعلم، انتهى" وهو جٌد حاسم فً محل النزاع" إلى أن قال رحمه الله وإٌانا: "وبعد، فقد رأٌت النقل الصحٌح على جواز أكل الجبن المصنع فً بلبد المسلمٌن وفً بلبد أهل الكتاب ـ الٌهود والنصارى ـ إجماعا، دل على ذلك عموم قوله تعالى:{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم}[المابدة: 5]، وبالسنة الثابتة: حدٌث تبوك الذي رواه عبد الله بن عمر، وحدٌث الجبنة عند فتح مكة الذي رواه عبد الله بن عباس رضً الله عنهما مرفوعا إلى النبً صلى الله علٌه وسلم ورأٌت أن الأكثر من الصحابة على إباحة الأجبان كلها لا ٌسؤلون عن أصلها..وبعض الصحابة ٌسؤل احتٌاطا ٌجتنب ما شك فٌه فً خاصة نفسه، ورأٌت أن بعضهم كان لا ٌؤكل جبن ؼٌر أهل الكتاب والمسلمٌن ولا ٌحرم ولا ٌمنع المسلمٌن من الأكل. روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس رضً الله عنهم، ورأٌت أن عمر وعلٌا وسلمان وابن عمر وطلحة والحسن بن علً وعابشة وأم سلمة كانوا ٌرون إباحة الجبن الذي فٌه إنفحة المٌتة، وهو مذهب الإمام أبً حنٌفة رحمه الله وقد رجحه الجصاص وابن تٌمٌة عملب بحدٌث الجبنة فً مكة المستوردة من المجوس، وقد أمر النبً صلى الله علٌه وسلم بالتسمٌة والقطع والأكل." ثم تطرق رحمه الله إلى الاستحالة من المطهرات، فقال: "الاستحالة استفعالة من حال ٌحول إذا تؽٌر وانقلب أو زال، أصلها: استحوال بوزن استفعال أعلت بحذؾ حرؾ العلة وهو الواو، وهو عٌن الفعل وعوضت عنه بتاء التؤنٌث فصارت استحالة، قال فً اللبمٌة: ما عينه اعتلت الإفعال منه والاستفعال بالتا وتعويض بها حصلا من المزال وشرعا: تؽٌر ٌحصل فً العٌن النجسة ٌإدي إلى زوال أعراضها وتبدل أوصافها، ٌزول بسببه الاسم الأول لزوال الصفات التً اشتقت منها التسمٌة، وٌؤخذ اسما جدٌدا ٌناسب الصفات الجدٌدة، وهً فً المطهرات لأنها أزالت العلة التً لأجلها وقع التحرٌم اتفاقا عند الأحناؾ والزٌدٌة

عدد الصفحات ٥٣

تنبيه السادة الأعلام Page 54 والظاهرٌة، وأبً محمد بن حزم، وعلى المشهور عند المالكٌة، وعلى إحدى الرواٌتٌن عند الإمام أحمد، وقد قطع شٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة من الحنابلة على أنها: مطهرة لا فرق فً ذلك بٌن الاستحالة الواقعة من الله ابتداء، وبٌن الواقعة بكسب إنسان": أـ إذا أحرق إنسان نجاسة حتى صارت رمادا فإن هذا الرماد ٌصبح طاهرا على المعتمد عند العلماء فً المذهب المالكً. ب ـ الخمرة إذا خللت أو حجرت أو تحجرت أو تخللت، وذلك لأن صفة الإسكار التً هً علة التحرٌم ذهبت، وإذا كان هناك من ٌقول بؤن تعمد تخلٌلها لا ٌبٌحها فإنه قول ضعٌؾ ومبناه واه، وتحول الإسم من اسم الخمر إلى اسم الخل ٌؽٌر الحكم، لأن الخمور محرمة إجماعا، والخل حلبل إجماعا لقوله صلى الله علٌه وسلم: "نعم الإدام الخل" رواه البخاري ومسلم وؼٌرهما، فهذه شهادة من المعصوم بؤنه حلبل. ج ـ وجلد المٌتة ٌنطبق علٌه اسم الاستحالة لوجهٌن ثم ذكر الوجهٌن، ثم قال: "وأنوه هنا بالعلماء الأجلة ـ وعلى رأسهم القرافً فً ذخٌرته ـ عللوا الطهارة فً هذه المسابل بالاستحالة على أساس أن الاستقذار علة للتحرٌم وأن عدمه سبب للطهارة، وبنى القرافً ذلك على أصول ثلبثة هً: المناسبة والدوران والاستقراء وقام بتقدٌمها حٌث قال: 1/ أما الأصل الأول: فهو المناسبة، وهً أن ٌكون فً محل الحكم وصؾ ٌناسب ذلك الحكم، وتترتب علٌه مصلحة، وهً تنقسم إلى مناسب مإثر أو ملببم أو مرسل أو ملؽى، ومعناها هنا أن الاستقذار والخبث وصؾ مناسب لتحرٌم النجاسات والمتنجسات لأنه خبث تقزز منه النفوس وتنفر منه الطباع، وهو ضار بالصحة فً نفس الوقت، ولأن النفً فً كتاب الله تعالى ألمح إلى هذا المعنى فً سورة الأعراؾ فً قوله تعالى:{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروؾ وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث..} [الأعراؾ: 157]، فالتقابل فً هذه الآٌة بٌن ٌؤمرهم وٌنهاهم، وبٌن

عدد الصفحات ٥٤

تنبيه السادة الأعلام Page 55 بالمعروؾ وعن المنكر، وبٌن لهم وعلٌهم، وبٌن ٌحل وٌحرم، وبٌن الطٌبات والخبابث، تقابل بٌن المتضادات المسمى بالطباق، وهو أسلوب جامع بدٌع ؼاٌة الإبداع .. 2/ وأما الأصل الثاني فهو الدوران: الذي بنى علٌه الإمام القرافً تعلٌله، وهو اقتران الحكم بالوصؾ وجودا وعدما مما ٌدل على أنه علته، ومعناه: إن المحرم لعلة ٌدور تحرٌمه مع العلة وجودا وعدما، فحرمة الخبٌث دابرة مع الخبث، وتحرٌم الخمر معلل بالإسكار.. وهو دابر معه وجودا وعدما، فإذا زال الإسكار زال الحكم بالحرمة والتنجٌس.. 3/ وأما الأصل الثالث: وهو الاستقراء: وهو عبارة عن تتبع الجزبٌات لمعرفة مدى اتساقها وانضباطها، فإذا كانت على وتٌرة واحدة وضبطها معنى واحد وحكم واحد صارت قاعدة كلٌة، وهذا هو أصل القواعد التً قعدها الفقهاء، ولا ٌكون ذلك إلا بعد سبر وإتقان لمعرفة الفروع وتتبعها جزبٌة جزبٌة، والوصول إلى المعنى الذي ٌربط بٌنها، وأعتقد أن أول من سبق إلى هذا المعنى هو علماء الحنفٌة مثل: أبً زٌد الدبوسً فً كتابه "تؤسٌس النظر" والكرخً فً قواعده..وؼٌرهما، وتبعهما علماء القواعد بعد ذلك ـ ٌعنً القرافً بهذه الضابطة: أن من تتبع الاستحالة فً النجاسات والمتنجسات وجد أن علة التحرٌم هً الخبث الحسً المدرك بالحواس، فإذا زال بالكلٌة بتبدل الأوصاؾ وانتقال اسمها إلى اسم آخر ووصؾ آخر زال الحكم معه وأصبح طاهرا حلبلا. ثم قال: " قال الشٌخ عبد الباقً الزرقانً فً شرحه على المختصر عند قوله: ("و ٌنتفع بمتنجس لا نجس فً ؼٌر مسجد وآدمً")، ما نصه: "(وقدرنا الأكل لأنه لا ٌصح نفً كل منافع الآدمً لجواز استصباحه بالزٌت المتنجس، وعمله صابونا، وعلؾ طعام متنجس لبهابم ونحل، وهو من منافعه، ولا ٌلزم أن النحل ونحوه متؽذ بمتنجس، لما مر أنه استحال إلى صلبح")]..[ وقال الزرقانً: "المذكور فً الدباغ أنه هو ما أزال الرٌح والرطوبة وحفظ الجلد من الاستحالة كما تحفظه الحٌاة" وقال البنانً فً الخمر: "فإذا انقلبت خلب انقلبت سابر

عدد الصفحات ٥٥

تنبيه السادة الأعلام Page 56 الأجزاء التً دخلته فزال حكم النجاسة" وفٌه أٌضا قال إسماعٌل القاضً: فؤرة المسك مٌتة طاهرة، قال الباجً: إجماعا لانتقالها من الدم إلى المسك كالخمر إلى الخل" ومن هنا ٌتضح أن الصابون إذا أدخل فً مركباته نجاسة عٌنٌة كشحم مٌتة أو أي نجاسة أخرى وزالت أعراضها بالكلٌة ـ لاستهلبكها واندماجها فً التركٌبة الجدٌدة من مواد متفرقة، ولم ٌبق للنجاسة لون ولا رٌح ولا طعم ـ فإنها والحالة هذه تصبح طاهرة ٌجوز استعمالها وتداولها، والدلٌل على ذلك ما قدمنا وما سٌؤتً عن الفقهاء المالكٌٌن وبعض الحنابلة وبعض الشافعٌة، وداود بن علً الظاهري، وأبً محمد بن حزم، والقرافً، وما ٌؤتً عن الحنفٌة والزٌدٌة، وقد حكى القرافً الإجماع على ذلك، وقال الزرقانً على المختصر: "(إذا كانت النجاسة ذاتٌة وتؽٌرت أعراضها جرى فٌها قولان، والمشهور الفرق بٌن ما استحال إلى صلبح كالبٌض واللبن، وما استحال إلى فساد فلب ٌطهر)"، وٌإٌد هذا ما ذكره ابن حزم فً الدقٌق، إذا طرح فٌه شًء قلٌل من النجاسة ولم ٌبق للنجاسة رٌح ولا طعم فهو حلبل، لأن اسم النجاسة قد بطل وتحول إلى اسم آخر، قال: "من حرم هذا لزمه تحرٌم اللبن لأن أصله دم استحال إلى لبن، والزرع المسقى بالنجاسة، ولزمه أن ٌبٌح البول والعذرة لأن أصلهما طعام" واستدل بحدٌث ابن أبً شٌبة بسنده إلى أبً الدرداء رضً الله عنه فً المري ٌجعل فٌه الخمر، قال: لا بؤس به ذبحته النار والملح ثم استدل بما قاله القرافً، قال فً الذخٌرة: "كل حكم شرعً لا بد له من سبب شرعً، وسبب الطهارة سبب عدم النجاسة لأن عدم العلة علة لعدم المعلول، ولما كانت علة النجاسة الاستقذار عملب بالمناسبة والاستقراء والدوران وكان حكم النجاسة تحرٌما، كان عدم الاستقذار علة لعدم ذلك التحرٌم، وإذا عدم التحرٌم ثبتت الإباحة وهً الطهارة كما تقدم، وهذه قاعدة مطردة فً الشرع وؼٌره، فكل علة للتحرٌم ٌكون عدمها علة للئباحة، كالإسكار لما كان علة لتحرٌم الخمر كان عدمه علة لإباحتها") وجاء فً حاشٌة ابن عابدٌن الموسومة "رد المحتار إلى الدر المختار"، وهو المعتمد عند الأحناؾ، معلقا على ما جاء فً رد المحتار من قول

عدد الصفحات ٥٦

تنبيه السادة الأعلام Page 57 صاحبه: "والمسك طاهر حلبل وكذا نافحته مطلقا على الأصح" فقال: "لاستحالته إلى الطٌبة، لأنه وإن كان دما فقد تؽٌر فٌصٌر طاهرا كرماد العذرة، وقال: والمراد بالتؽٌٌر الاستحالة إلى الطٌبة وهً من المطهرات عندنا)[ "الدر المختار1/209]، وجاء فً البحر الزخار لأحمد بن ٌحً المرتضى الزٌدي، قال: "وٌطهر النجس بالاستحالة التامة كالعذرة رمادا لتؽٌر صفاتها كالخمر خلب) وقال: "وما استحال من نجس إلى طاهر، كالكلب ملحا طهر فحل لزوال الصفات الموجبة لتنجسه، وكالخمر خلب، والدم لبنا، وقال: فإن قٌل الاستحالة تزٌل الصفات دون البلة ـ وهً سبب النجاسة ـ فلب تحل، قلنا: بل تذهب البلة وما نبت على العذرة حل لاستحالته"[البحر الزخار2/23] قال ابن قدامة فً"المؽنً" حول دبػ جلد المٌتة هل ٌطهر بعد أن ذكر القول الأول عندهم أنه لا ٌطهر: "والقول الثانً: ٌطهر لقوله صلى الله علٌه وسلم: "أيما إهاب دبػ فقد طهر"، ولأنه طهر بانقلببه فلم ٌفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت خلب"، ثم ذكر المصدر المذكور الخلبؾ فً الاستحالة عندهم هل تطهر؟ ورجح عدم الطهارة، ثم قال: "وٌتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة قٌاسا على الخمرة إذا انقلبت، وجلود المٌتة إذا دبؽت" ثم ختم هذا الفصل بكلبم شٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة قابلب: وأٌد ابن تٌمٌة المسلك الذي سلكناه والأصل الذي أصلناه، فقال: "وإذا تؽٌر الماء بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق، ففً استعماله استعمالها بخلبؾ ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور ولٌس هناك نجاسة قابمة. ومما ٌبٌن ذلك أنه لو وقع خمر فً ماء واستحالت ثم شربها شارب لم ٌكن شاربا للخمر ولم ٌجب علٌه حد الخمر إذا لم ٌبق شًء من طعمها أو لونها أو رٌحها، ولو صب لبن امرأة فً ماء واستحال حتى لم ٌبق له أثر وشرب طفل ذلك لم ٌصر ابنها من الرضاعة بذلك" ثم قال ابن تٌمٌة: "وأما دخان النجاسة فهذا مبنً على أصل وهو: أن العٌن النجسة الخبٌثة إذا استحالت حتى صارت طٌبة كؽٌرها من الأعٌان الطٌبة، مثل: أن ٌصٌر ما بلع فً الملبحة من دم ومٌتة وخنزٌر ملحا طٌبا كؽٌرها من الملح، أو ٌصٌر الوقود

عدد الصفحات ٥٧

تنبيه السادة الأعلام Page 58 رمادا ونحو ذلك..ففٌه للعلماء قولان: أحدهما لا ٌضر كقول الشافعً، وهو أحد القولٌن فً مذهب مالك وهو المشهور عن أصحاب أحمد، وإحدى الرواٌتٌن عنه. والرواٌة الأخرى: أنه طاهر، وهذا مذهب أبً حنٌقة ومالك فً أحد القولٌن وإحدى الرواٌتٌن عن أحمد ومذهب أهل الظاهر وؼٌرهم. وهذا هو الصواب المقطوع به، فإن هذه الأعٌان لم تتناولها نصوص التحرٌم لا قطعا ولا معنى، فلٌست محرمة ولا فً معنى المحرم فلب وجه لتحرٌمها، بل تتناولها نصوص الحل..فهً من الطٌبات، وهً أٌضا فً معنى ما اتفق على حله..فالنص والقٌاس ٌقتضً تحلٌلها"، ثم قال: وأٌضا فإن الله تعالى حرم الخبابث لما قام بها من وصؾ الخبث، كما أنه أباح الطٌبات لما قام بها من وصؾ الطٌب، وهذه الأشٌاء المتنازع فٌها لٌس فٌها شًء من وصؾ الخبث وإنما فٌها وصؾ الطٌب" ثم قال الشٌخ بٌه رحمه الله وإٌانا: وهذا التعلٌل الذي علل به واضح لا ؼبار علٌه.. وعلٌه تواطؤ العلماء كالقرافً وؼٌره، وزاد شٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة ما ٌإٌده فقال:"(إن الاستقراء دلنا على أن كل ما بدأ الله بتحوٌله وتبدٌله من جنس إلى جنس، مثل: جعل الخمر خلب والدم منٌا والعلقة مضؽة، ولحم الجلبلة الخبٌثة طٌبا، فإنه ٌزول حكم التنجٌس وتزول حقٌقة النجس، لا تمكن المنازعة فً هذا، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى ٌصٌر رمادا، أو وضع الخنزٌر بالملبحة حتى ٌصٌر ملحا، ففٌه خلبؾ مشهور وللقول بالطهر اتجاه وظهور" [مجمع الفتاوي لشٌخ الإسلبم ابن تٌمٌة21/70] . وبعد: فهذا ما أردنا أن نبٌنه من حكم الاستحالة، وبه ٌتبٌن للناظر المنصؾ أنه لا وجه لإخراج الناس وتشكٌكهم فً حرمة أو نجاسة الأدوات التً ٌتعاطونها لحاجاتهم الٌومٌة، مثل: الصابون بؤنواعه، والشامبو، وأدوات تجمٌل النساء، والأدوٌة والعطور..وما أشبه ذلك" قلت و ٌإٌد بحث الشٌخ ما ذهب إلٌه المجمع الفقهً التابع لرابطة العالم الإسلبمً فً دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة فً الفترة ما بٌن 19ـ23/10/1424هـ الموافق 13 ـ

عدد الصفحات ٥٨

تنبيه السادة الأعلام Page 59 17/12/2002م حول شؤن استعمال الدواء المشتمل على شًء من نجس العٌن كالخنزٌر وله بدٌل أقل منه فابدة كالهٌبارٌن الجدٌد حٌث قال: "قد نظر [المجلس] فً موضوع"حكم استعمال الدواء المشتمل على شًء من نجس العٌن كالخنزٌر وله بدٌل أقل منه فابدة كالهٌبارٌن الجدٌد الوزن الجزبً المنخفض" وقدمت فٌه بحوث قٌمة، وكان مما اشتملت علٌه هذه البحوث: 1 /ٌراد بالهٌبارٌن مادة تنتجها خلبٌا معٌنة فً الجسم، وتستخلص عادة من أكباد وربات وأمعاء الحٌوانات، ومنها البقر والخنزٌر، أما الهٌبارٌن ذو الوزن الجزبً المنخفض فٌهٌؤ من الهٌبارٌن العادي بالطرق الكٌمٌابٌة المختلفة، وهما ٌستعملبن فً علبج أمراض مختلفة كؤمراض القلب والذبحة الصدرٌة وإزالة التخثرات الدموٌة، وؼٌرها. 2/أن عملٌة استخلبص الهٌبارٌن ذي الوزن الجزبً المنخفض من الهٌبارٌن العادي ٌتم بطرق كٌمٌابٌة ٌنتج عنها مركبات جدٌدة مختلفة فً خواصها وصفاتها الفٌزٌابٌة والكٌمٌابٌة عن الهٌبرٌنات العادٌة، وهو ما ٌعبر عنه الفقهاء بالاستحالة. 3 /أن استحالة النجاسة إلى مادة أخرى مختلفة عنها فً صفاتها وخواصها كتحول الزٌت إلى صابون ونحو ذلك، أو استهلبك المادة بالتصنٌع وتؽٌر الصفات والذات تعد وسٌلة مقبولة فً الفقه الإسلبمً للحكم بالطهارة وإباحة الانتفاع بها شرعا. وبعد المناقشات المستفٌضة من المجلس للموضوع وما تقرر عند أهل العلم وما تقتضٌه القواعد الشرعٌة من رفع الحرج ودفع المشقة، ودفع الضرر بقدره، وأن الضرورات تبٌح المحظورات، وارتكاب أخؾ الضررٌن لدرء أعلبهما مشروع، قرر المجلس ما ٌلً: 1 /ٌباح التداوي بالهٌبارٌن الجدٌد ذي الوزن الجزبً المنخفض عند عدم وجود البدٌل المباح الذي ٌؽنً عنه فً العلبج، أو إذا كان البدٌل ٌطٌل أمد العلبج.

عدد الصفحات ٥٩

تنبيه السادة الأعلام Page 60 2 /عدم التوسع فً استعماله إلا بالقدر الذي ٌحتاج إلٌه، فإذا وجد البدٌل الطاهر ٌقٌنا ٌصار إلٌه عملب بالأصل، ومراعاة للخلبؾ. 3 /ٌوصً المجلس وزراء الصحة فً الدول الإسلبمٌة بالتنسٌق مع شركات الأدوٌة المصنعة للهٌبارٌن، والهٌبارٌن الجدٌد ذي الوزن الجزبً المنخفض على تصنٌعه من مصدر بقري سلٌم." كان هذا مما ٌدعم بحث الشٌخ القٌم رحمه الله وإٌانا. ثم قال الشٌخ رحمه الله وإٌانا: فصل فً الأطعمة: ومداره على السإال عن حكم تناول البسكوٌت والشوكولاتة والآٌسكرٌم.. وؼٌرها من الأطعمة والأشربة المستوردة؟ والجواب: إن هذه المذكورات أطعمة مستلذة مشتهاة تلببم الطبع ولا تنافره ومعروضة فً أسواق المسلمٌن، فهً من أصول الحلبل" ثم استدل بقوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذ يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروؾ وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث..} [الأعراؾ: 157..]فهذه الآٌة دلٌل على أن كل مستلذ مستطاب ملببم للطبع والذوق فهو من الطٌبات، ما لم ٌدل دلٌل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله علٌه وسلم بخلبؾ ذلك، كما فً الخمر فإنه مستلذ مستطاب عند من ٌعتاده وٌهواه، وقد جاء فً كتاب الله تعالى أنه من شراب أهل الجنة دل على ذلك قوله تعالى:{مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء ؼير آسن وأنهار من لبن لم يتؽير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى } [محمد15] ومع ذلك حرمها بسبب تؤثٌرها على العقل الذي هو أشرؾ ما فً الإنسان، ولما تإدي إلٌه من إٌقاع العداوة والبؽضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلبة، فهً تفسد الدٌن وتجعل العاقل ٌتصرؾ تصرؾ المجانٌن والمعتوهٌن" ثم قال: "وقد ذهب الإمام الشافعً رحمه الله فً تفسٌر الطٌبات إلى أن الطٌب هو ما استطابه العرب وألفوه، وأن الخبٌث ما استقذروه لأنهم هم المخاطبون، قال الشافعً: "(وأهل التفسٌر أو من سمعت منهم ٌقول فً قول الله عز وجل:{قل لا أجد فيما أوحي إلي

عدد الصفحات ٦٠

تنبيه السادة الأعلام Page 61 محرما على طاعم يطعمه..} [الأنعام145] ٌعنً مما كنتم تؤكلون، فإن العرب قد كانت تحرم أشٌاء على أنها من الخبابث وتحلل أشٌاء على أنها من الطٌبات، فؤحلت لهم الطٌبات عندهم إلا ما استثنً منها وحرمت علٌهم الخبابث عندهم، قال الله تعالى:{ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأنعام:145]، وقد قدم الشٌخ أدلة على إباحة هذه المؤكولات، منها: 1/الطٌب المستلذ، فقال: وذلك ضد الطٌب هو الخبٌث، والخبٌث حرام، فإذا الطٌب حلبل والأصل فٌه الاستلذاذ، فشبه الحلبل به فً انتفاء المضرة منهما جمٌعا، وقال تعالى:{يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} [المإمنون51]، ٌعنً الحلبل، وقال تعالى:{..ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث..} [الأعراؾ: 157]، فجعل الطٌبات فً مقابلة الخبابث، والخبابث هً المحرمات، قال تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء..} [النساء:3]، وهو ٌحتمل ما حل لكم وٌحتمل ما استطبتموه، فقوله جل وعلب{..قل أحل لكم الطيبات} جابز أن ٌرٌد به ما استطبتموه واستلذذتموه مما لا ضرر علٌكم فً تناوله من طرٌق الدٌن..والدلٌل الثانً عنده على الإباحة: قال مالك رحمه الله تعالى جوابا لمن سؤله عما نسجه أهل الذمة، وقٌل له فً السإال إنهم ٌبلون الؽزل بؤٌدٌهم وهم نجاسة، فقال: "(لا بؤس به لم ٌزل الناس على ذلك)"وقد وردت هذه الرواٌة فً العتبٌة والمدونة..وقد استدل بهذه الرواٌة الونشرٌسً فً نوازله، فً أول نازلة على طهارة الجلببٌة المعروفة فً المؽرب بالملؾ، وهً من الصوؾ ٌصنعها الكفار، وقد قٌل فً السإال إنهم ٌجعلون فٌها شحم الخنزٌر، فؤجاب بقوله: "(لا ٌخفى علٌكم ما اشتهر من قول مالك رضً الله عنه من جواز لبس ما نسجه أهل الذمة والصلبة فٌه دون ما لبسوه، وذلك لأن عمل الناس مضى على ذلك..والناس الذٌن أدرك مالك هم التابعون: نافع مولى ابن عمر، والزهري..وؼٌرهم)"..وقد قدم القرافً مصنوع الكافر فً المسابل التً ٌؽلب فٌها حكم النادر على الؽالب..لأن الؽالب النجاسة فً مصنوعه والنادر طهارته، ولكن الشرٌعة المطهرة السمحة قدمت النادر على الؽالب رحمة بالعباد ورفعا للحرج، ثم قال: الدلٌل الثالث: أن الأصل فً كل منتفع

عدد الصفحات ٦١

تنبيه السادة الأعلام Page 62 به الحمل على الطهارة الأصلٌة حتى ٌثبت بالدلٌل خلبؾ الأصل، وذلك لأن الله تعالى امتن على عباده بؤنه خلق لهم ما فً الأرض جمٌعا نعمة منه وفضلب، دل على ذلك ظواهر الكتاب والسنة وقواعد الأصول، ثم قال: الدلٌل الرابع: هو أن الأصل ألا ٌطرح الطعام بالشك استصحابا لحرمته وإباحته الأصلٌة، لأن فً إلغابه بالشك استهزاء بالنعمة وإهانة لها وإلؽاء للٌقٌن بمجرد الشك، وهو خلبؾ القاعدة القطعٌة التً تقول: "إن الٌقٌن لا ٌرفع بالشك"، وهً من القواعد التً أسس علٌها الفقه كله، وقد جاء فً المدونة الكبرى من رواٌة سحنون عن ابن القاسم عن مالك أنه استعظم أن ٌراق طعام من أجل إدخال حٌوان آكل للنجاسة فمه فٌه وقال:"(لا أرى أن ٌراق نعمة الله بمثل هذا)" ثم قال: الدلٌل الخامس: أن الطعام الكثٌر إذا خالطته نجاسة قلٌلة ولم ٌظهر لها لون ولا طعم ولا رٌح فإن هذا الطعام ٌبقى على أصله على الطهارة والاحترام..على خلبؾ فً المذهب عند المالكٌة، وهذا الخلبؾ محله إذا كانت الإصابة محققة، أما لو كان مشكوكا فٌها فالحكم قدمناه فً الدلٌل قبل هذا. وذكر الأبً فً "إكمال الإكمال على صحٌح مسلم" فً بحث طهارة جلد المٌتة إذا دبػ، واختلبفهم فً حقٌقة هذه الطهارة هل هً طهارة لؽوٌة؟ أي أنها جاءت على وجه الرخصة فً استعمال جلد المٌتة المدبوغ فً الماء والٌابس عند مالك فً أشهر الرواٌتٌن عنه، حٌث ٌجوز استعماله قربة ماء أو وعاء للٌابسات، كالحبوب..ونحوها، ثم قال: (وأجاز ابن حبٌب أن ٌجعل قربة للزٌت أو اللبن، قال: وهذا بناء على أنه ٌطهر بالدبػ طهارة شرعٌة تامة) وقال الباجً: (بل هو بناء على أن قلٌل النجاسة لا ٌنجس كثٌر الطعام المابع إن لم ٌؽٌره)[ إكمال الإكمال للؤبً]وقال الإمام أبو محمد بن حزم فً "المحلى": (مسؤلة: ولا ٌحل أكل ما عجن بالخمر أو بما لا ٌحل أكله ولا قدر طبخت بشًء من ذلك، إلا أن ٌكون ما عجن به الدقٌق أو طبخ به الطعام شٌبا حلبلا، وكان ما رمً فٌه من الحرام قلٌلب لا رٌح فٌه ولا لون ولا طعم، ولا ٌظهر للحرام فً ذلك أثر أصلب فهو حلبل حٌنبذ، وقد عصى الله من رمى فٌه شٌبا منه، لأن الحرام إذا بطلت صفاته التً بها سمً بذلك

عدد الصفحات ٦٢

تنبيه السادة الأعلام Page 63 الذي به نص على تحرٌمه فقد بطل ذلك الاسم عنه، وإذا بطل ذلك الاسم: كالخمر، والمٌتة، والدم، فقد سقط التحرٌم، وبالله تعالى التوفٌق)..وقد استدل الإمام ابن حزم على الفرع السابق [الاستحالة] بحدٌث ابن أبً شٌبة، عن محمد بن زٌد، عن داود بن عمرو، عن مكحول عن أبً الدرداء رضً الله عنه فً المري ٌجعل فٌه الخمر، قال: لا بؤس به، ذبحته النار والملح" والمري إدام ٌإتدم به كؤنه منسوب إلى المرارة ـ وهو بضم المٌم والراء المكسورة المشددة، والعامة تخففه" ثم قال: الدلٌل السادس: القاعدة الشرعٌة والمجمع علٌها، وهً التً تقول: "(إذا تعارضت المفسدة المرجوحة والمصلحة الراجحة اؼتفرت المفسدة المرجوحة فً جنب المصلحة، كقطع الٌد المتآكلة لبقاء النفس، ونظابر ذلك كثٌرة فً الشرع، وقد بنى القرافً فً "الذخٌرة" على هذه القاعدة مسؤلة: مابع كثٌر خالطته نجاسة قلٌلة، فقال: والنقطة النجسة مشتملة على المفسدة، وكل نقطة من المابع مشتملة على مصلحة، فنقطة معارضة بنقطة وبقٌة المابع سالم من المعارضة، فٌكون المابع طاهرا، قال القرافً: "(فإن قٌل ٌشكل ذلك بالقلٌل من المابع قلنا: الجواب من وجهٌن: الأول: إن هذه المفسدة فً إراقة المابع الكثٌر أتم، والثانً: إن هذه المفسدة ٌندر وجودها فؽلبت فً القلٌل طلبا للبحتٌاط "[الذخٌرة: 1/ 190ـ191] .ثم قال: الفصل الراب : العطور وأحكامها: ومن السلع المستخدمة التً ثار الجدل حولها وأدخلها بعض المتؤخرٌن فً المحرمات، أنواع العطور التً أصبحت جزءا من حٌاة الإنسان، لا سٌما المتحضرٌن الذٌن ٌعتنون بالتطٌب بعد الخروج من الحمام وعند التعرق وعند الأحوال التً تتؽٌر فٌها روابح البدن..وإذا كانت العلة عند هإلاء المحرمٌن أنها خمر أو أنها مقٌسة على الخمر فإننً بعد التؤمل فً هذا الرأي تبٌن لً أنه ؼٌر صحٌح لوجوه: أولها: إن العطور لا تسمى خمرا، ولم تتخذ للبستعمال فً داخل البدن وإنما تتخذ للبستعمال فً ظاهره، فهً تشبه الأدوٌة ولو فرضنا جدلا أنها نجسة فإن ملبمسة النجاسة لا تعدو أن تكون مكروهة فقط. والثانً: أنها طٌبة

عدد الصفحات ٦٣

تنبيه السادة الأعلام Page 64 الرابحة، فهً بعٌدة عن الاستقذار الذي هو علة تحرٌم النجاسة، كما قدمنا فً الفصل الذي كتبناه عن الأطعمة المستوردة نقلب عن القرافً فً الذخٌرة، والجصاص فً أحكامه..وؼٌرهما. والثالث: أن الأصل المقٌس علٌه ـ وهو الخمر ـ لم ٌتفق العلماء على نجاسة عٌنه كما سٌؤتً بٌانه، والشرط فً الأصل المقٌس علٌه عند علماء الأصول أن ٌكون متفقا على حكمه، فإن كان مختلفا فٌه بطلت حجٌة القٌاس علٌه..ثم ركز على كلمة الرجس..مشتركة محتملة لعدة معان..فهً مجملة، والمجمل لا دلالة فٌه على واحد من المعانً التي ٌتناولها، والله تعالى لم ٌكلفنا بالمجملبت ولا بالمحتملبت" ثم قدم على ذلك أدلة من مراقً السعود وشرحه "نشر البنود شرح مراقً السعود"..إلى أن قال: "وذكر العلبمة القرطبً القولٌن مرجحا التنجٌس لأنه مذهب الجمهور، فقال:"(فهم الجمهور من تحرٌم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلبق الرجس علٌها، والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها، وخالفهم فً ذلك ربٌعة بن عبد الرحمن، واللٌث بن سعد والمزنً ـ صاحب الشافعً ـ وبعض المتؤخرٌن من البؽدادٌٌن والقروٌٌن فرأوا: أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها، وقد استدل سعٌد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها فً طرق المدٌنة، قال: لو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله علٌهم، ولنهى رسول الله صلى الله علٌه وسلم عنه كما نهى عن التخلً فً الطرٌق..إلى أن قال: التنجٌس حكم شرعً ولا نص فٌه ولا ٌلزم من كون الشًء محرما أن ٌكون نجسا، قلنا قوله تعالى: {رجس} ٌدل على نجاستها، فإن الرجس فً اللسان النجاسة، ولو التزمنا أن لا ٌحكم بحكم إلا حٌن نجد نصا لتعطلت الشرٌعة، فإن النصوص قلٌلة. فؤي نص ٌوجد على تنجٌس البول والعذرة والدم والمٌتة..وؼٌر ذلك؟ وإنما هً الظواهر والعمومات والأقٌسة)"/ هـ كلبم القرطبً، وهو معترض بؤن هذه المذكورات من العذرة والبول والمٌتة والدم تنجٌسها ثابت بالإجماع..والإجماع كالنص أو أقوى، لأنه لا بد أن ٌستند إلى النص لاستلزامه له..وإن لم نطلع علٌه. وعلٌه فالإشكال ؼٌر وارد، ومما ٌإٌد القول بطهارة الخمر جواز تملكها عند قوم..كما ذكره

عدد الصفحات ٦٤