المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العفة في ضوء القرآن الكريم دراسة موضوعية 12

رهام محمد شعبان عبد الله

صفحة ٢ من ٣

)863( ىذا‌ى و‌جزاء‌المتّبعيف‌لمسّادة‌والكبراء‌طاعة‌عمياء‌لا‌إعماؿ‌لمفكر‌فييا,‌وا نّما‌يكوف‌ىذا‌ الإنساف‌إمّعة‌لأفكار‌غيره,‌فكؿّ‌إنساف‌لو‌عقؿ‌يميّز‌بو‌ الصّحيح‌مف‌السّقيـ,‌فعند‌إبطاؿ‌عمؿ‌ىذا‌ العقؿ‌و‌ اتّباع‌مف‌يعتقد‌أفّ‌رأييـ‌الصّواب‌وا ف‌خالؼ‌الصّواب‌فقد‌استحؽّ‌العذاب‌الشّد يد.‌ انًطهةٌانثّايٍ:ٌششاءٌانضّلانحٌونهىٌانحذَث.ٌ ىناؾ‌صنؼ‌مف‌النّاس‌يريد‌إضلبؿ‌غيره‌عف‌سبيؿ‌ا﵀‌المستقيـ,‌ولكنّو‌يتّجو‌اتّجاىً‌ا‌آخر,‌ وىو‌أف‌يتكمـ‌بالنّاس‌بكلبـ‌كمّو‌ضلبؿ‌وغواية,‌فكأنّو‌شيطاف‌في‌صورة‌إنساف,‌فجزاء‌ىذا‌الضّاؿ‌ المضؿ‌أف‌يضمّو‌تعالى‌عف‌صراطو‌المستقيـ‌حيث‌قاؿ‌تعالى:‌ ؤٌََُْ رَشَبلى اٌزّّٓ ؤًُرٌُاْ َٔصِْجًب َِِّٓ اٌْىِزَبةِ َّؾْزَشًَُْ اٌعٌَََّٚخَ ًَُّشِّذًَُْ ؤَْ رَعٌٍُِّاْ اٌغّجًْ‌(النساء44.)‌ في‌ىذه‌الآية‌يخاطب‌سبحانو‌النبي--‌ويقوؿ‌لو:‌ألـ‌ينتو‌عممؾإلى‌حاؿ‌ىؤلاء‌الأحبار‌ مف‌الييود‌الذّيف‌أُع طوا‌حظً‌ا‌ومقدارً‌ا‌مف‌عمـ‌التوراة,‌وا ف‌كنت‌لـ‌تعمـ‌أحواليـ‌ولـ‌تنظر‌إلييـ‌فياؾ‌ خبرىـ‌وتمؾ‌ىي‌حقيقتيـ,‌فيـ‌ الذّيف‌أُعطوا‌جزءً‌ا‌مف‌التوراة‌وىي‌الكتاب‌الإليي,‌ثـ‌استبدلوا‌الضلبلة‌ باليدى‌ويؤثروف‌الكفر‌عمى‌الإيماف,‌ويعرضوف‌عمّا‌أنزؿ‌ا﵀‌عمى‌رسولو,‌ويتركوف‌ما‌بأيدييـ‌مف‌ الأحكاـ‌كالكذب‌وا يذاء‌الناس‌وأكؿ‌الرّبا‌ومف‌العمـ‌عف‌الأنبياء‌السابقيف‌في‌صفة‌محمد‌ --‌ ليشتروا‌بما‌اصطنعوه مف‌الطقوس‌والرسوـ‌ثمنً‌ا‌قميلبً‌‌مف‌حطاـ‌الدّنيا‌ويريدوف‌أف‌تضمّوا‌معيـ‌الطّريؽ‌ المستقيـ‌فتكفروف‌بما‌أنزؿ‌عميكـ‌ أيّيا‌المؤمنوف‌وتتركوف‌ما‌أنتـ ‌عميو‌مف‌اليدى‌والعمـ‌النافع. ‌ فيـ‌يشتروف‌الضّلبلة‌وىو‌البقاء‌عمى‌الييودية‌بعد‌وضوح‌الآيات‌الدالّة‌ليـ‌عمى‌صحّة‌ديف‌ الإسلبـ‌وىـ‌لا‌يكتفوف‌بتمبّسيـ‌بالضلبؿ‌الذي‌أشربتو‌نفوسيـ,‌بؿ‌يريدوف‌لكـ‌يا‌معشر‌المسمميف‌أف‌ تتركوا‌ديف‌ الإسلبـ‌الذي‌ىو‌سبيؿ‌الحؽّ‌‌وأف‌تتّبعو‌ىـ‌في‌ضلبليـ‌وكفرىـ ‌(1).‌ "فالمقصود‌مف‌الآية‌الكريمة‌تعجيب‌المؤمنيف‌مف‌سوء‌أحواؿ‌أولئؾ‌الأحبار‌وتحذير‌ليـ‌مف موالا تيـ‌أو‌مف‌الاستماع‌إلى‌أكاذيبيـ‌وشبياتيـ‌"‌(2).‌ (1)انظر:‌"معالـ‌التنزيؿ‌في‌تفسير‌القرآف -‌لمبغوي‌( 1/640),‌"الفواتح‌الإليية‌والمفاتح‌الغيبية-‌لمشيخ‌عمواف‌ (1/154),‌"ارشاد‌العقؿ‌السميـ‌إلى‌مزايا‌الكتاب‌الكريـ -‌لأبي‌السعود‌(2/181.) (2)"التفسير‌الوسيط-‌لطنطاوي‌( 3/169.)

عدد الصفحات ١٧

)864( وقد‌وصؼ‌سبحانو‌أىؿ‌الكتاب‌بأنيـ‌أوتوا‌نصيبًا‌مف‌الكتاب‌ولـ‌يؤتوا‌الكتاب‌كمّو‌لأنّيـ‌نسوا‌ حظً‌ا‌كبيرً‌ا‌ممًا‌ذُك روا‌بو‌ولـ‌يبؽ‌عندىـ‌مف‌عمـ‌الكتاب‌إلا‌القميؿ,‌وىذا‌القميؿ‌لـ‌يعمموا‌بو‌بؿ‌حرفوه‌ وبدلوه‌وأخضعوا‌تفسيره‌لأىوائيـ‌وشيواتيـ. ‌ وفي‌الآية‌تعجب‌مف‌شأنيـ‌لأنيـ‌لا‌يطمبوف‌الضّلبلة‌بفتور‌أو‌تريّث,‌وا نّما‌يطمبونيا‌بشراىة‌ ونيـ,‌ويدفعوف‌فييا‌أغمى‌الأثما ف‌وىو‌اليدى‌ولا‌يكتفوف‌بذلؾ‌بؿ‌يبتغوف‌مف‌المؤمنيف‌أف‌يكونوا‌ مثميـ‌في‌الضّلبؿ‌(1).‌ ومف‌الآياتالتّي‌تبيّف‌جزاء‌ىؤلاء‌الكافريف‌الضّاليف‌عف‌سبيؿ‌ا﵀‌قولو‌تعالى:‌ًََِِٓ اٌنَّبطِ َِٓ َّؾْزَشُِ ٌَيٌَْ اٌْذَذِّشِ ٌُِْعًَِّ ػَٓ عَجًِِْ اٌٍَّوِ ثِغَْْشِ ػٍٍُِْ ًََّزَّخِزَىَب ىُضًًُا ؤًٌَُئِهَ ٌَيُُْ ػَزَاةٌ ُِّيِينٌ‌(لقماف6.)‌ في‌ىذه‌الآية‌بيف‌سبحانو‌صنفًا‌مف‌أولئؾ‌الذّيف‌يُضِمﱡوف‌الناس‌عف‌طرؽ‌ الحؽّ‌‌ويقوؿُ‌أفّ‌مف‌ الناس‌فريقً‌ا‌يشتري‌ليو‌الحديث‌ليُضِؿَّ‌عف‌سبيؿ‌ا﵀‌بغير‌عمـ‌ويتخذىا‌ىزوً‌ ا‌أولئؾ‌ليـ‌عذاب‌مييف,‌ فيذا‌الفريؽ‌يستبدؿ‌بالنّافع‌الضّار,‌وبالقرآف‌الشّافي‌ما‌يُتَميَّى‌بو‌مف‌الحكايات‌والأساطير‌وفضوؿ‌ الكلبـ‌والمضاحؾ‌والاستماع‌ إلى‌غناء‌الجواري,‌كالنّضر‌بف‌الحارث‌الذي‌كاف‌يشتري‌كتب‌الفرس‌ ويُحد ث‌بيا‌الناس‌ويقتني‌المغنّيات‌لاجتذاب‌الشبّاف‌وا غراء‌مف‌أسمـ‌حديثً‌ ا‌لحممو‌عمى‌تركو‌ الإسلبـ‌ وا ضلبلو‌عف‌ديف‌ا﵀‌وىو‌ديف‌ الإسلبـ‌والصّد‌عنو‌واتّخاذه‌ىزوً‌ا‌وسخرية‌جيلبً‌‌بخطورة‌ما‌يفعؿ‌مف‌ استبداؿ‌لو‌بقراءة‌ القرآف ‌وأولئؾ‌ىـ‌الموغموف‌في‌الكفر‌والضلبؿ,‌يحيؽ‌بيـ‌عذاب‌بالغ‌الإىانة ‌(2).‌ "وقولو‌تعالى ٌُِْعًَِّ ػَٓ عَجًِِْ اٌٍَّوِ‌‌معناه‌لمخالفة‌الإسلبـ‌وأىمو‌ومعاداتيـ...‌أي‌ارتكب‌ىذا‌ الفعؿ‌مف‌الإضلبؿ‌والصّد‌عف‌سبيؿ‌ا﵀...‌وقولو‌ ػَزَاةٌ ُِّيِينٌ‌ لمتفرقة‌بيف‌عذاب‌الكافر‌وعذاب (1)انظر:‌"روح‌البياف -‌للئستانبولي‌(2/214),‌"الصّحيح‌المصبور‌مف‌التفسير‌بالمأثور-‌لحكمت‌بف‌بشير‌بف‌ ياسيف‌(2/60‌.) (2)انظر:‌"جامع‌البياف -‌لمطبري‌( 2/126),‌"تفسير‌التستري -‌لمتستري‌( 1/123),‌"معاني‌القرآف -‌لمزجاج‌ (4/194),‌"بحر‌العموـ-‌لمسمرقندي‌( 3/20.)

عدد الصفحات ١٨

)865( المؤمف,‌فإف‌عذاب‌المؤمف‌لمتطيير‌فيو‌غير‌مييف,‌أمّا‌عذاب‌الكافر‌فيو‌في‌غاية‌الإىانة‌فكما استياف‌بآيات‌ا﵀‌وسبيمو,‌أُىيف‌يوـ‌القيامة‌بالعذاب‌الدائـ‌المستمر" ‌(1).‌ بعد‌ىذا‌نرى‌أفّ‌ىذا‌المشتري‌لمضّلبلة‌بثمف‌بخس‌لا‌ثمرة‌سيجنييا‌مف‌وراء‌ذلؾ‌كمّو‌إ العقاب‌والذلّة‌في‌الدّنيا‌والآخرة. ‌ انًطهةٌانتّاصغ:ٌاتّثاعٌغُشٌصثُمٌانًؤيٍُُ.ٌ إفّ‌ سبيؿ‌المؤمنيف‌ىو‌اتّباع‌لسبيؿ‌ا﵀‌ور‌ سولو,‌فيو‌سبيؿ‌قويـ‌نيايتو‌جناف‌وأنيار‌وخيرات,‌ فعندما‌يحيد‌ الإنساف‌عف‌سبيؿ‌المؤمنيف‌ويتّبع‌سبيؿ‌غيره‌مف‌الشّياطيف‌والكافريف‌فقد‌ضؿّ‌طريؽ‌ الحؽّ‌‌واليداية,‌وأوغؿ‌في‌طريؽ‌الضّلبؿ‌والغواية,‌وقد‌حذّر‌تعالى‌مف‌اتّباع‌غير‌سبيؿ‌المؤمنيف‌في‌ قولو:‌ًََِٓ ُّؾَبلِكِاٌشّعٌي ِِٓ ثَؼْذِ َِب رَجَََّْٓ ٌَوُ اٌْيُذٍَ ًََّزَّجِغْ غَْْشَ عَجًِِْ اٌُّْاِِْنِينَ ٌٌَُِّٔوِ َِب رٌٌََََّ ًَُٔصٍِْوِ جَيَنََُّ ًَعَبءدْ َِصِيرًا‌ (النساء115.)‌ في‌ىذه‌الآية‌يبيف--‌سوء‌عاقبة الذّيف‌يسيروف‌في‌طريؽ‌الباطؿ‌ويتركوف‌طريؽ‌ الحؽّ‌‌ فيحذّرىـ‌مف‌مخالفة‌الرّسوؿ‌--‌ومعاداتو‌مف‌بعد‌ما‌اتضح‌لوالحؽّ‌‌وقاـ‌لديو‌الدّليؿ‌عمى‌صحة‌ ديف‌الإسلبـ.‌ وبعد‌ىذا‌يتّبع‌طريقً‌ا‌غير‌طريؽ‌ الإسلبـ‌التّي‌سار‌بيا‌المؤمنوف‌واعتقدوا‌صحتيا‌وسلبمتيا‌ مف‌كؿ‌سوء,‌فمف‌يفعؿ‌ذلؾ‌نجعمو‌واليً‌ا‌لما‌تولاّه‌مف‌الضّلبؿ‌ونُخؿِ‌بينو‌وبيف‌ما‌ اختار‌لنفسو‌مف‌ الضلبؿ‌في‌الدّنيا‌ونكِمُو‌في‌الآخرة‌إلى‌ما‌اتّكؿ‌عميو‌في‌الدّنيا‌وانتصر‌بو‌مف‌الأوثاف‌وغيرىا ‌(2).‌ ويقوؿ‌محمد‌رشيد‌رضا:‌"والذي‌أُريدُ‌توجيو‌الأذىافإلى‌فيمو‌ىو‌أفّ‌ىذه‌الجممة‌مُبيّنة‌لسنّة‌ ا﵀‌تعالى‌في‌عمؿ‌الإنساف‌ومقدار‌ما‌أُعطيو‌مف‌الإرادة ‌والاستقلبؿ‌والعمؿ‌بالاختيار,‌فالوجية‌ التّي‌ يتولاّىا‌في‌حياتو‌والغاية‌ التّي‌يقصدىا‌مف‌عممو‌يولّيو‌ا﵀‌إيّاىا‌ويوجّيو‌إلييا"‌(3).‌ (1)"التفسير‌المنير-‌لمزحيمي‌( 21/132.) (2)انظر:‌"الدر‌المصوف‌في‌عموـ‌الكتابب‌المكنوف-‌لمسميف‌الحمبي‌(4/91),‌"تفسير‌القرآف‌العظيـ -‌لابف‌كثير‌ (2/412.) (3)"تفسير‌المنار-‌(5/339.)

عدد الصفحات ١٩

)866( ولو‌شاء‌ا﵀‌ليدى‌الناس‌أجمعيف‌بخمقيـ‌عمى‌حالة‌واحدة‌في‌الطاعة‌كالملبئكة,‌ولكف‌شاء أف‌يخمقيـ‌عمى‌ما‌نراىـ‌عميو‌الآف‌مف‌تفاوت‌ف ي‌الاستعداد‌والإدراؾ‌وعمؿ‌كؿ‌فرد‌لحسب‌ما‌يرى‌ أنّو‌خير‌لو‌وأنفع‌في‌عاجمو‌وآجمو‌أو‌فيي ما‌جميعً‌ا.‌ وبعد‌ذلؾ‌يتوعّد‌سبحانو‌أولئؾ‌المخالفيف‌لطريؽ‌ الحؽّ‌‌ممف‌يخالؼ‌ىذا‌الطّريؽ‌فيولّو‌ما‌تولّى‌ ويدخمو‌في‌الآخرة‌جينـ‌ليُشوى‌فييا‌كما‌تُشوى‌الشّاة‌وساءت‌جينّـ‌مكانً‌ا‌لمف‌صار‌إلييا‌وحؿَّ‌فييا.‌ وتدؿﱡ‌الآية‌عمى‌أف‌معاداة‌الرّسوؿ‌--‌ومخالفتو‌وترؾ الإسلبـ‌أو‌الردّة‌عنو‌ومخالفة‌طريؽ‌ المسمميف‌تحجب‌عف‌مرتكبيا‌عناية‌ا﵀‌ورعايتو‌وتجعمو‌يتخبّط‌في‌دياجير‌الظّلبـ‌والضّلبؿ‌وتجعمو‌ مقودً‌ا‌بنفسو‌وىواه‌وتوجب‌لو‌الدّخوؿ‌في‌نار‌جينّـ‌وساءت‌مصيرً‌ا‌يصير‌إليو‌ىذا‌المنحرؼ,‌فيصير‌ في‌حدّ‌غير‌حدّ‌الرّسوؿ‌--‌وىو‌مباينتو‌في‌الإعتقاد‌والديانة ‌(1).‌ ىذا‌ىو‌جزاء‌المتّبعيف‌لسبيؿ‌غير‌سبيؿ‌المؤمنيف‌الياديف‌لسواءالسّبيؿ,‌جزاؤىـ‌جينّـ‌وساءت‌ مصيرً‌ا‌ليـ‌ولأمثاليـ. ‌ انًطهةٌانؼاشش:ٌانزَّاٌويمذّياته.ٌ يعدﱡ‌‌ارت كاب‌فاحشة‌الزّنى‌مف‌الآثار‌الواضحة‌والدّالة‌عمى‌غواية‌ىذا‌الإنساف‌وضلبلو‌و‌ اتّباعو‌ لطريؽ‌الشّيطاف‌وابتعاده‌عف‌طريؽ‌الحؽّ‌‌والصّلبح,‌فالشّيطاف‌يدعو‌الإنساف‌إلى‌ارتكاب‌الفواحش‌ما‌ ظير‌منيا‌وما‌بطف,‌وا﵀‌يدعو‌ إلى‌الطّيارة‌والتّقوى,‌فأمر‌بالابتعاد‌عف‌كؿ‌ما‌يؤدّي‌إلى‌الزّنى‌وذلؾ‌ في‌قولو‌:‌ًََٙ رَمْشَثٌُاْ اٌضََِّٔؤّٔو وَبَْ فَبدِؾَخً ًَعَبء عَجًٍِْب‌(الإسراء 32‌.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌ينيى --‌عف‌قرب‌الزّنى‌لممبالغة‌في‌الزّجر‌عنيا,‌لأفّ‌قربانيا‌يؤدّي إلى‌الوقوع‌فييا,‌فمف‌حاـ‌حوؿ‌الحمى‌يوشؾ‌أف‌يقع‌فيو,‌وىذا‌لوف ‌حكيـ‌مف‌ألواف‌إصلبح‌النفوس‌ لأنّو‌إذا‌حصؿ‌النيي‌عف‌القرب‌مف‌الشيء‌فلب‌بدّ‌‌أف‌ينيى‌عف‌فعمو‌مف‌باب‌أولى.‌ (1)انظر:‌"المباب‌في‌عموـ‌الكتاب-‌لابي‌حفص‌النعماني‌(7/17),‌"روح‌البياف -‌للئستانبولي‌(2/284),‌"التفسير الوسيط"‌-‌لطنطاوي‌( 3/311.)

عدد الصفحات ٢٠

)867( والمعنى :‌كونوا‌ أيّيا‌المسمموف‌بعيديف‌عف‌كؿ‌المقدمات‌ التّي‌تُفضي‌ إلى‌فاحشة‌الزّنى‌ كمخالطة‌النساء‌والخموة‌بيف‌والنظر‌إلييف‌وغيرىا,‌فإف‌ذلؾ‌يفتح‌ الطّريؽ‌إلى‌الوقوع‌فييا ‌(1).‌ ويقوؿ‌طنطاوي:‌"إفّ‌كؿ‌منيي‌عنو‌مف‌شأنو‌أف‌تميؿ‌النفوس إليو‌وتدفع‌إليو‌الأىواء,‌جاء‌ النيي‌فيو‌عف‌القرباف‌ويكوف‌القصد‌التحذير‌مف‌أف‌يأخذ‌ذلؾ‌الميؿ‌في‌النفس‌مكانً‌ا‌تصؿ‌بيا‌إلى‌ اقتراؼ‌المحرّـ,‌ومف‌ذلؾ‌قولو‌تعالى:‌ ًََٙ رَمْشَثٌُاْ َِبيَ اٌَْْزُِِْ بَِّٙ ثِبٌَّزِِ ىَِِ ؤَدْغَُٓ...‌(الإسراء 34),‌أما المحرّمات‌التّي‌لـ‌يؤلؼ‌ميؿ‌النفوس‌إلييا‌ولا‌اقتضاء‌الشّيوات‌ليا‌فإف‌الغالب‌فييا‌أف‌يتعمؽ‌النيي‌ عنيا‌بنفس‌الفعؿ‌لا‌بالقرباف‌منو,‌ومف‌ذلؾ‌قولو‌تعالى:‌ ًََٙ رَمْزٌٍُُاْ ؤًَْٙدَوُُْ خَؾَْْخَ بِِْٚقٍ‌(الإسراء 31),‌ فيذه‌وا ف‌كانت‌فواحش‌إلا‌أنّيا‌ليست‌ذات‌دوافع‌نفسية‌يميؿ‌إلييا الإنساف‌بشيوتو,‌بؿ‌ىي‌في‌نظر‌ العاقؿ‌عمى‌المقابؿ‌مف‌ذلؾ‌يجد‌الإنساف‌في‌نفسو‌مرارة‌ارتكابيا‌ولا‌يقدـ‌عمييا‌إلا‌وىو‌كاره‌ليا‌أو‌ في‌حكـ‌الكاره" ‌(2).‌ فا﵀--‌ينيى‌عف‌الاقتراب‌مف‌م قدمات‌الزنى‌فضلبً‌‌عف‌الوقوع‌فيو‌ذاتو‌لأنّو‌كاف‌وما‌زاؿ‌ في‌شرع‌ا﵀‌وفي‌نظر‌كؿ‌عقؿ‌سميـ‌فعمو‌فاحشة‌ظاىرة‌القبح‌وبئس‌ الطّريؽ‌طريقو‌فإنيا‌طريؽٌ‌تؤدي‌ إلى‌غضب‌ا﵀‌وسخطو.‌ ومما‌لا‌شؾّ‌فيو‌أف‌فاحشة‌الزّنى‌مف‌أقبح‌الفواحش‌ التّي‌تؤدي‌إلى‌شيوع‌الفساد‌والأمراض‌ الخبيثة‌في‌الأفراد‌والمجتمعات‌وما‌وجدت‌في‌أمة‌إلا‌وكانت‌عاقبتيا‌خسرً‌ا‌(3).‌ ولقد‌سدّالإسلبـ‌جميع‌المنافذ‌التّي‌تؤدّي‌إلى‌إرتكاب‌ىذه‌الفاحشة‌وسمؾ‌لذل ؾ‌و‌ سائؿ‌مف‌أىميا:‌ 1. تحريـ‌الخموة‌بالمرأة‌الأجنبية‌ومنع‌الاختلبط‌بيف‌الرّجاؿ‌والنّساء‌إلا‌في‌حدود ‌‌الضّرورة‌ الشّرعيّة,‌‌فعف‌ابف‌عبّاس‌--‌أفّ‌رسوؿ‌ا﵀ --‌قاؿلا يخمُوفّ أحدكـ بامرأة إلا مع ذي محرـ"(4)‌,وعف‌عقبة‌بف‌عامر‌أف‌رسوؿ‌ا﵀ --‌قاؿ‌:"‌إياكـ والدخوؿ عمى النساء‌"‌ (1)انظر:‌"تأويلبت‌أىؿ‌السنة"‌لمماتريدي‌( 7/39,)"لباب‌التأويؿ‌في‌معاني‌التنزيؿ‌"‌لمخازف 3/129.) (2)"التفسير‌الوسيط-‌(8/340.) (3)انظر:"الجامع‌لأحكاـ‌القرآف‌"‌لمقرطبي 10/253,)"التفسير‌المنير‌"‌لمزحيمي 15/70) (4)أخرجو‌البخاري‌في‌صحيحو‌كتاب‌النكاح‌باب‌لا‌يخموف‌رجؿ‌بإمرأة‌إلا‌مع‌ذي‌محرـ‌(رقـ‌ 5232(‌,)7/37.)

عدد الصفحات ٢١

)868( فقاؿ‌رجؿ‌مف‌الأنصار‌:‌أفرأيت‌الحمو ,‌قاؿ‌:‌"الحمو الموت"(1)‌(وىو‌قريب‌الزوج‌كأخيو وابف‌عمو) . 2. تحريـ‌ال نّظر‌ إلى‌المرأة‌الأجنبيّة‌ووجوب‌غضّ‌البصر,‌لقولو‌تعالى:‌ لًُ ٌٍُِّّْاِِْنِينَ َّغُعٌُّا ِِْٓ ؤَثْصَبسِىُِْ ًََّذْفَظٌُا فُشًُجَيُُْ رٌَِهَ ؤَصْوََ ٌَيُُْ بَِّْ اٌٍَّوَ خَجِيرٌ ثَِّب َّصْنَؼٌَُْ‌(النور30),‌وقاؿًَلًُ ٌٍُِّّْاِِْنَبدِ َّغْعُعَْٓ ِِْٓ ؤَثْصَبسِىَِّٓ ًََّذْفَظَْٓ فُشًُجَيَُّٓ...‌‌(النور31),‌وعف‌أبي‌ىريرة‌أفَّ‌رسوؿ‌ا﵀ --‌ قاؿكُتب عمى ابف آدـ نصيبو مف الزّنى مدرؾ ذلؾ لا محالة:العيناف زناىما النّظر والأذناف زناىما الاستماع والمساف زناه الكلاـ والقمب ييوى ويتمنّى ويصدّؽ ذلؾ الفرج أو يكذّ بو"(2). 3. وجوب‌التّستّر‌والاحتشاـ‌لممرأة‌فإف‌التّبرج‌والسّفور‌يغرى‌الرجاؿ‌بالنساء,‌ويحرؾ‌الغريزة الجنسية‌بينيما,‌قاؿ‌تعالى:‌ّبؤّّيب اٌنَّجُِِّ لًُْ ٌِإَصًْاجِهَ ًَثَنبرِهَ ًَِٔغبءِ اٌُّْاِِْنِينَ ُّذِْٔينَ ػٍََْْيَِّٓ ِِْٓ جٍََبثِْجِيَِّٓ رٌِهَ ؤَدَْٔ ؤَْْ ُّؼْشَفَْٓ فَٚ ُّاْرََّْٓ..‌(الأحزاب 59)‌(3).‌‌ 4. ‌الحضّ‌عمى‌الزواج,‌وتيسير‌وسائمو,‌والبعد‌عف‌التّغالى‌في‌نفقاتو,‌وتخفيؼ‌مؤنو‌وتكاليفو فقد‌قاؿ‌تعالى:  ًَؤَٔىِذٌُا اٌْإََّبََِ ِِنىُُْ ًَاٌصَّبٌِذِينَ ِِْٓ ػِجَبدِوُُْ ًَبَِِبئِىُُْ بِْ َّىٌٌُُٔا فُمَشَاءُّغْنِيُُِ اٌٍَّوُ ِِٓ فَعٍِْوِ ًَاٌٍَّوُ ًَاعِغٌ ػٌٍَُِْ( 12) ًٌََْْغْزَؼْفِفِاٌزّّٓ ٌَب َّجِذًَُْ ِٔىَبدً ب دزَّ ُّغْنَِْيُُْ اٌٍَّوُ ِِٓ فَعٍِْوِ ...‌ (‌النور:‌ 33,32,)‌فإفّ‌الزواج‌مف‌شأنو‌أف‌يحصّف الإنساف,‌ويجعمو‌يقضى‌شيوتو‌في‌الحلبؿ,‌فإذا‌ لـ‌يستطع‌الشاب‌الزواج,‌فعميو‌بالصوـ‌فإنو‌لو‌وقاية ,‌فعف‌عبدا﵀‌بف‌مسعود‌قاؿ:‌قاؿ‌رسوؿ‌ ا﵀‌--‌:"يا معشر الشّباب مف استطاع منكـ الباءة فميتزوّج, فإنَّو أغضّ لمبصر, وأحصف لمفرج, ومف لـ يستطع فعميو بالصوـ فإنّو لو وجاء"(4).‌ (1)التخريج‌السابؽ ‌ص167. (2)أخرجو‌البخاري‌في‌صحيحو‌كتاب‌الإستئذاف‌باب‌زنا‌الجوارح‌دوف‌الفرج‌(رقـ 6243(‌,)8/54),‌وأخرجو‌مسمـ‌في صحيحو‌كتاب‌القدر‌باب‌قدر‌عمى‌ابف‌آدـ‌حظو‌مف‌الزنى‌وغيره‌(رقـ‌ 2657(‌,)4/2046.) (3)انظر:"التحرير‌والتّنوير-‌لابف‌عاشور‌(15/89) (4)أخرجو‌البخاري‌في‌النكاح‌باب‌قوؿ‌النّبي--‌:"مف‌استطاع‌الباءة‌فميتزوج 6/106),‌ومسمـ‌في‌النّكاح,‌باب استحباب‌النكاح‌لمف‌راقت‌نفسو‌رقـ‌ 1400.

عدد الصفحات ٢٢

)869( 5. ‌إقامة‌حدود‌ا﵀‌بحزـ‌وشدة‌عمى‌الزناة‌سواء‌أكان وا‌مف‌الرجاؿ‌أـ‌مف‌النساء,‌كما‌قاؿ‌تعالى:‌ اٌضَّأَِْخُ ًَاٌضَّأِِ فَبجٍِْذًُا وًَُّ ًادِذٍ ِِنْيُّب ِِبئَخَ جٍَْذَحٍ. ًَٙ رَإْخُزْوُُْ ثِيِّب سَؤْفَخٌ فِِ دِِّٓ اٌٍوِ بِْْ وُنْزُُْ رُاِِْنٌَُْ ثِبٌٍَّوِ ًَاٌٌََِْْْ اٌْأخِشِ، ًٌََْْؾْيَذْ ػَزاثَيُّب ؼبئِفَخٌ َِِّٓ اٌُّْاِِْنِينَ‌(النور2),‌ومما‌لا‌شؾّأنّو‌لو‌تـ‌تنفيذ‌حدود‌ا﵀‌تعالى‌ عمى‌الزّناة,‌لمحقت‌ىذه‌الفاحشة‌محقً‌ ا,‌لأفّ‌الشخص‌إف‌لـ‌يتركيا‌خوفا‌مف‌ ربّو-‌-‌ لتركيا‌خوفًا‌مف‌تمؾ‌العقوبة‌الرّادعة,‌ومف‌فضيحتو‌عمى‌ر‌ؤ‌وس‌الأشياد,‌فقد‌ور‌ د‌أفّ‌رسوؿ‌ ا﵀‌--‌قضى‌في‌زافٍ‌‌لـ‌يتزوّج‌وزانية‌متزوّجة‌بقولو‌لوالد‌الرّجؿ عمى ابنؾ مائة جمدة وتغريب عاـ"‌ثـّ‌قاؿ‌ --‌لأحد‌أصحابو‌واسمو‌أنيس أغد يا أنيس إلى امرأة ىذا فإذا اعترفت فارجميا"‌فاعترفت‌فرجميا ‌(1).‌ ىذه‌بعض‌وسائؿ‌الوقاية‌مف‌تمؾ‌الفاحشة‌القبيحة,‌ولو‌اتبعيا‌المسمموف,‌لطيرت‌أمّتيـ‌مف‌ رجسيا,‌ولحفظت‌في‌دينيا‌ودنياىا ‌(2). بعد‌ىذا‌نرى‌كيؼ ‌حرص‌ الإسلبـ‌عمى‌شرؼ‌ الإنساف‌وطيارتو,‌فأمر‌ا﵀‌عباده‌المؤمنيف‌ بتقواه‌لأ فّ‌مف‌يتّؽ‌ا﵀‌يقيو‌مف‌مكائد‌ا لشّيطاف,‌ولكفّ‌ اتّباع‌طريؽ‌الشّيطاف‌ىو‌سبب‌لغضب‌ا﵀‌ وبالتالي‌وقوعو‌في‌ا لمعاصي‌التّي‌سيحاسبو‌عمييا‌ربنا‌سبحانو‌أشد‌الحساب . انًطهةٌانحادٌٌػشش:ٌكشاهُحٌانجهادٌتانًالٌوانُفش.ٌ إفّ‌الماؿ‌غاؿٍ‌وثميف,‌النّفس‌غالية,‌و‌ الإنساف‌يحرص‌عمى‌نفسو‌ومالو‌أشدّ‌الحرص‌ويحافظ‌ عمييما‌أشدّ‌الحفاظ,‌ولكف‌كؿّ‌شيء‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌يرخص,‌فالماؿ‌والنّفس‌ترخصاف‌في‌سبيؿ‌ا ﵀‌ تعالى‌لكي‌يناؿ‌ الإنساف‌رضى‌ ربّو‌وجنّاتو,‌ولكفّ‌مف‌النّاس‌مف‌يبخؿ‌بنفسو‌ومالو‌في‌الجياد‌في‌ سبيؿ‌ا﵀‌ولا‌يحرص‌عميو‌وعمى‌مساندة‌المجاىديف‌كما‌يحرص‌عمى‌نفسو‌ومالو,‌فيؤلاء‌النّاس‌ يكونوف‌قد‌ضمّوا‌طريؽ‌الصّواب‌وحادوا‌عنو,‌وقد‌توعّد‌تعالى‌ىؤلاء‌الكارىيف‌لمجياد‌بأمواليـ‌وأنفسيـ‌ في‌قولو:‌ لًُْ بِْ وَبَْ آثَبئُوُُْ ًَؤَثْنَأئُوُُْ ًَبِخٌَْأُىُُْ ًَؤَصًَْاجُىُُْ ًَػَؾِيرَرُىُُْ ًَؤٌََِْايٌ الْزَشَفْزٌُُّىَب ًَرِجَ بسَحٌ رَخْؾٌََْْ وَغَبدَىَب (1)أخرجو‌مسمـ‌في‌صحيحو‌كتاب‌ال حدود‌باب‌مف‌اعترؼ‌عمى‌نفسو‌بالزنى‌(رقـ‌ 1697(‌)3/1325.) (2)انظر:‌"التفسير‌الوسيط-‌لطنطاوي‌( 8/342.)

عدد الصفحات ٢٣

)870( ًََِغَبوُِٓ رَشْظٌََْٔيَب ؤَدَتَّ بٌَِْْىُُ َِِّٓ اٌٍّوِ ًَسَعٌٌُِوِ ًَجِيَبدٍ فِِ عَجٍِِْوِ فَزَشَثَّصٌُاْ دزَّ َّإْرَِِ اٌٍّوُ ثِإَِْشِهِ ًَاٌٍّوُ َٙ َّيْذُِ اٌْمٌَََْ اٌْفَبعِمِينَ‌‌ (التوبة24.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يأمر‌ا﵀‌تعالى‌رسولو‌محمدً ا‌--‌أف‌يتوعد‌مف‌آثر‌أىمو‌وقرابتو وعشيرتو‌عمى‌ا﵀‌ورسولو ‌--‌والجياد‌في‌سبيمو فقاؿ‌لو:‌قؿ‌إف‌كنتـ‌تؤثروف‌ىذه‌الأشياء‌الثمانية‌ وتفضّموف‌الآباء‌والأبناء‌والإخواف‌والأزواج‌والعشيرة‌والأمواؿ‌والتجارة‌والمساكف‌عمى‌حب ‌ا﵀‌ورسولو‌ --وطاعتيما‌والجياد‌في‌سبيمو‌الذي‌يحقّؽُ‌السّعادة‌الابدّ‌يّة‌في‌الآخرة‌فانتظروا‌حتّى‌يأتي‌ا﵀‌بعقابو‌ العاجؿ‌أو‌الآجؿ.‌ وفي‌ىذه‌الآية‌رتّب‌سبحانو‌بدءً‌ا‌بالأشدّ‌تعمقً‌ا‌والأدعى‌ إلى‌المخالطة‌وىو‌القرابة,‌ثـّ‌الحرص‌ عمى‌الماؿ,‌ثـ‌طريؽ‌اكتسابو‌بالتّجارة,‌ثـ‌الرّغبة‌بالبناء‌في‌الأوطاف‌والدور‌المخصّصة‌لمسﱡكنى,‌ ولكفّ‌ا﵀‌تعالى‌أباف‌أفّ‌رعاية‌ الدّيف‌خيرٌ‌مف‌رعاية‌جممة‌‌ىذ ه‌الأمور‌(1).‌ "وحبّ‌الماؿ‌المكتسب‌قويٌّ‌عند الإنساف‌لأنو‌ثمرة‌عنائو‌وجيده‌وكذلؾ‌حبﱡ‌التّجارة‌أصيؿٌ‌في‌ النّفس‌البشرية‌لأنّو‌مصدر‌التّمويؿ,‌لذا‌يحرص‌الشخص‌عمى‌تنمية‌تجارتو‌لتنموَ‌موارده‌وتكثر‌أرباحو‌ فيستفيد‌منيا.....‌وبالرﱡغـ‌مف‌مظاىر‌الحبّ‌وحقائقو‌ليذه‌الأ نواع‌الثمانية‌أمر‌ا﵀‌تعالى‌بإيثار‌حب ‌ ا﵀‌والرّسوؿ‌--‌وطاعتيما‌والجياد‌في‌سبيمو‌عمى‌ىذه‌الأشياء؛‌لأفّ‌ا﵀‌تعالى‌مصدر‌جميع‌النّعـ وممجأ‌لدفع‌كؿ‌الكروب‌والمحف,‌لذا‌وصؼ‌ا﵀‌تعالى‌المؤمنيف‌بقولو:‌ ًَاٌَّزَِّٓ آَِنٌُاْ ؤَؽَذُّ دُج ب ٌٍِّّوِ‌ (البقرة 165")‌(2).‌ وكذلؾ‌حبﱡالرّسوؿ‌--‌واجبٌ‌بعد‌محبّة‌ا﵀؛‌لأنّو‌صاحب‌الفضؿ‌في‌إنقاذنا‌مف‌الضّلبلة إلى‌النور‌ومف‌الكفر‌ إلى‌الإيماف؛‌ولأنّو‌القدوة‌الحسنة‌والمثؿ‌الأعمى‌لممؤمنيف‌في‌تطبيؽ‌الشّريعة‌ والأخلبؽ,‌وأما‌الجياد‌وا ف‌كاف‌مكروىً‌ ا‌لدى‌بعض‌النّاس‌ولكنّو‌ييد ي‌السّبيؿ‌لمحفاظ‌عمى‌كرامة‌ الأمة‌ومنعة‌البلبد‌واستقلبليا‌ومصالح‌الأفراد‌والسّبب‌لمذّود‌عف‌الحرمات‌والأمواؿ‌والأعراض,‌وطريؽٌ‌ لدفع‌العدواف‌وقمع‌الأطماع,‌وأساسٌ‌لتوفير‌عزّة‌الأمّة‌ومجدىا,‌وبدونو‌تكوف‌المصالح‌العامّة‌ والخاصّة‌ميدّدة‌بالزّواؿ,‌لذا‌فرضو‌تعالى‌لمضّرو‌ رة‌مف‌أجؿ‌الحفاظ‌عمى‌ىذه‌المقاصد,‌ولمنع‌الفتنة‌ (1)انظر:‌"الجامع‌لأحكاـ‌القرآف -‌لمقرطبي‌ -‌(8/95.) (2)"التفسير‌المنير-‌لمزحيمي‌( 10/153.)

عدد الصفحات ٢٤

)878( فيالدّيف‌ولحماية‌المستضعفيف‌والتمكيف‌لحرية‌انتشار‌ الإسلبـ‌بالطرؽ‌السّميمة,‌وكانت‌محبتو‌أمرً‌ا‌ مطموبً‌ا‌لحياة‌المسمميف,‌ثـ‌ختـ‌ا﵀‌تعالى‌الآية‌بوعيد‌المخالفيف‌وتيديد‌المعرضيف‌بعقوبة‌عاجمة‌أو‌ آجمة‌فقاؿ:‌فَزَشَثصٌُاْ‌:‌أي‌انتظروا‌العقاب‌الآتي‌عاجلبً‌أـ‌آجلبً‌‌(1).‌ وقاؿ‌الزمخشري:‌"‌وىذه‌آية‌شديدة‌لا‌ترى‌أشدّ‌منيا‌كأنّيا‌تنعى‌عمى‌الناس‌ما‌ىـ‌عميو‌مف‌رخاوة عقد‌الدّيف‌واضطراب‌حبؿ‌اليقيف" ‌(2).‌ وثـ‌قاؿ‌تعالى ًَاٌٍّوُ َٙ َّيْذُِ اٌْمٌَََْ اٌْفَبعِمِينَ‌‌:أي‌لا‌يرشد‌العصاة‌الخارجيف‌عف‌حدود‌ الدّيف‌ ومقتضى‌العقؿ‌والحكمة‌والخارجيف‌عف‌طاعة‌ا﵀‌ إلى‌معصيتو.‌ ومف‌الآيات‌التّي‌تبيّف‌أف‌مصير‌الكارىيف‌لمجياد‌بالماؿ‌والنّفس‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌ىو‌نار‌جينّـ‌ قولو‌تعالى:‌فَشِحَ اٌُّْخٍََّفٌَُْ ثَِّمْؼَذِىُِْ خَِٚفَ سَعٌُيِ اٌٍّوِ ًَوَشِىٌُاْ ؤَْ ُّجَبىِذًُاْ ثِإٌََِْاٌِيُِْ ًَؤَٔفُغِيُِْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ ًَلَبٌٌُاْ َٙ رَنفِشًُاْ فِِ اٌْذَشِّ لًُْ َٔبسُ جَيَنََُّ ؤَؽَذُّ دَشًّا ٌٌَّْ وَبٌُٔا َّفْمَيٌَُْ‌(التوبة81.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يذـﱡ--‌المنافقيف‌المتخمّفيف‌عف‌القتاؿ‌في‌غزوة‌تبوؾ‌وا خبارىـ‌عف‌ مصيرىـ‌السيّء‌في‌الآخرة,‌فيؤلاء‌المنافقوف‌فرحوا‌في‌المدينة‌بقعودىـ‌في‌بيوتيـ‌بعد‌أف‌تركوا‌رسوؿ‌ ا﵀‌‌‌--‌عند‌خروجو إلى‌غزوة‌تبوؾ,‌وسبب‌فرحيـ‌عدـ‌إيمانيـ‌بأف‌في‌الجياد‌خيرً‌ا‌وكراىيت يـ‌ الجياد‌مع‌النبي‌--‌بأمواليـ‌وأنفسيـ‌في‌سبيؿ‌ا﵀,‌و الفرح‌بالإقامة‌يدؿﱡ‌عمى‌كراىة‌الذّىاب,‌إلاّ‌ أنّو‌ تعالى‌أعاده‌لمتأكيد,‌فيـ‌فرحوا‌بسبب‌التخمّؼ‌وكرىوا‌الذّىاب‌لمجياد,‌ولـ‌يقتصر‌الأمر‌عمى‌فرحيـ‌ بأنفسيـ‌بؿ‌أغروا‌غيرىـ‌بعدـ‌الخروج‌وقاؿ‌بعضيـ‌لبعض:‌لا‌تخرجوا‌لمجياد‌لأفّ‌غزوة‌تبوؾ‌في‌شدّة‌ الحرّ‌وقد‌طابت‌الثّما ر‌والظّلبؿ,‌فرد‌ا﵀‌عمييـ‌بقولو:‌  لًُْ َٔبسُ جَيَنََُّ  التّي‌أُعدّت‌لمعصاة‌والتي‌ تصيروف‌إلييا‌بمخالفتكـ‌ ؤَؽَذُّ دَشا ‌ممّا‌فررتـ‌منو‌مف‌الحرّ,‌فمو‌كانوا‌يعقموف‌ذلؾ‌ويعتبروف‌بو‌لما خالفوا‌وقعدوا‌ولما‌فرحوا‌بؿ‌حزنوا ‌(3).‌ (1)انظر:‌"الدر‌المصوف‌في‌عموـ‌الكتاب‌المكنوف -‌لمسميف‌الحمبي‌( 6/33),‌"روح‌البياف -‌للئسستانبولي‌ (3/403.) (2)"الكشاؼ-‌(2/33.) (3)انظر:‌"بحر‌العموـ-‌لمسمرقندي‌( 2/78),‌"محاسف‌التأويؿ-‌لمقاسمي‌(5/466),‌"تفسير‌المراغي -‌لممراغي‌ (10/173.)

عدد الصفحات ٢٥

)872( "فيؤلاء الذّيف‌أدركتيـ‌ثقمة‌ الأرض ,‌ثقمة‌الحرص‌عمى‌الراحة‌والشحّ‌بالنفقة‌وقعد‌بيـ‌ضعؼ‌ اليمّة‌وىزاؿ‌النّخوة‌وخواء‌القمب‌مف‌الإيماف,‌ىؤلاء‌المتخمفوف ...‌فرحوا‌بالسّلبمة‌والرّاحة‌وتركوا‌ المجاىديف‌يلبقوف‌الحرّ‌والجيد‌وحسبوا‌أفّ‌السلبمة‌غاية‌يحرص‌عمييا‌الرّجاؿ ...‌إفّ‌ىؤلاء‌ليـ‌نموذج‌ لضعؼ‌الي مة‌وطراوة‌الإرادة‌وكثيروف‌ىـ‌ الذّيف‌يشفقوف‌مف‌المتاعب‌وينفروف‌مف‌الجي اد‌ويؤثروف‌ الراحة‌الرخيصة‌عمى‌الكدح‌الكريـ‌ويفضموف‌السّلبمة‌الذّليمة‌عمى‌الخطر‌العزيز"‌(1).‌ حقا‌إفّ‌الكارىيف‌لمجياد‌بأمواليـ‌وأنفسيـ‌ليـ‌شرﱡ‌النّاس‌ويستحقّوف‌العقاب‌الشّديد‌عمى‌ىذا‌ الفعؿ‌الشّنيع,‌فبالجياد‌عزّة‌الأمّة‌وكرامتيا‌وقوّتيا,‌ولا‌تكوف‌الأمّة‌كذلؾ‌إلا‌عندما‌يكوف‌النّاس‌عمى‌ قمب‌رجؿ‌واحد‌في‌الجياد‌وذود‌العدوّ‌عف‌الأوطاف,‌وقد‌ذكر‌تعالى‌ىؤلاء‌النّاس‌لوجودىـ‌في‌كؿّ‌ الأزماف,‌فيـ‌منتشروف‌في‌كؿّ‌مكاف,‌وتكوف‌بيـ‌الذّلّة‌والخذلاف,‌فذكرىـ‌ لمتّحذير‌مف‌السّير‌عمى‌ خطاىـ‌فنستحؽّ‌عقابً‌ا‌كعقابيـ.‌ انًطهةٌانثّاٌٍَػشش:ٌظهىٌانٌُّاس.ٌ يعدﱡ‌‌ظمـ‌النّاس‌مف‌الأمور‌التّي‌حذّر‌الإسلبـ‌منيا‌وأكثر‌مف‌ذكرىا,‌فبا لظّمـ‌ينتشر‌الفساد,‌ وتضيع‌ الحقّ‌وؽ‌ويكثر‌القتؿ‌بغير‌ الحؽّ‌,‌وقد‌توعّد‌تعالى‌الظالميف‌بأشدّ‌العذاب‌في‌ الدّنيا‌والآخرة,‌ وذلؾ‌في‌قولو : بّّٔب اٌغّجًْ ػٍَََ اٌزّّٓ َّظٌٍَُِّْْ اٌنَّبطَ ًََّجْغٌَُْ فِِ إسض ثِغَْْشِ الحكّ ؤًٌَُْئِهَ ٌَيُُ ػَزَاةٌ ؤٌٌَُِْ ‌ (الشورى 42.)‌ في‌ىذه‌الآية‌يبيّف --‌أفّ‌العقاب‌يقع‌عمى الذّيف‌يظمموف‌غيرىـ‌مف‌النّاس‌ويتكبّروف‌ ويتجاوزوف‌حدودىـ‌في‌الأرض ‌بغير‌الحؽّ‌,‌وقيّد‌سبحانو‌البغي‌في‌الأرض ‌بكونو‌بغير‌حؽ‌لبياف‌أنّو‌ لا‌يكوف‌إلا‌كذلؾ,‌فيؤلاء‌ الذّيف‌مف‌صفاتيـ‌الظّمـ‌والبغي‌ليـ‌عذاب‌أليـ‌بسبب‌ما‌اجترحوه‌مف‌ظمـ‌ وبغي.‌ وىؤلاء‌ الذّيف‌يظمموف‌الناس‌ويبغوف‌فييا‌بغير‌الحؽّ‌‌ىـ‌الذّيف‌يجب‌الوقوؼ‌في‌طريق يـ,‌فإفّ‌ الأرض ‌لا‌تصمح‌وفييا‌ظالـ‌لا‌يقؼ‌لو‌الناس‌ليكفّوه‌ويمنعوه‌مف‌ظممو,‌وفييا‌باغِ‌لا‌يجدُ‌مف‌يقاومو‌ (1)"في‌ظلبؿ‌القرآف -‌لسيد‌قطب‌(3/1682.)

عدد الصفحات ٢٦

)873( ويقتصّ‌منو,‌فا﵀‌سبحانو‌يتوعّد‌الظالـ‌الباغي‌بالعذاب‌الأليـ‌ولكف‌عمى‌النّاس‌كذلؾ‌أف‌يقفوا‌لو ويأخذوا‌عميو‌ الطّريؽ‌(1).‌ وكذلؾ‌ورد‌التّحذير‌الشّديد‌مف‌النّبي‌--‌في‌النّيي‌عف‌الظّمـ,‌فقد‌روى‌جابر‌بف‌عبدا﵀ عف‌النّبي‌‌‌--‌أنّو‌قاؿاتّقوا الظّمـ فإفّ الظّمـ ظممات يوـ القيامة"‌(2). بعد‌ىذا‌نرى‌أفّ‌الظالـ‌جزاؤه‌عذاب‌شديد‌يوـ‌القيامة,‌وقد‌استحؽّ‌ىذا‌العقاب‌والعذاب‌جزاء‌أعمالو الفاسدة‌الضّالّة,‌فيكوف‌بظممو‌قد‌ظمـ‌نفسو‌في‌جعؿ‌مصيرىا‌ إلى‌النّار,‌ويكوف‌قد‌ظمـ‌النّاس‌بأفعالو‌ المذمومة‌فاستحؽ‌عمى‌ىذا‌كمو‌عقابً‌ا‌شديدً‌ا‌أليمً‌ا‌مخمّدً‌ا‌فيو.‌ (1)انظر:‌"روح‌المعاني -‌للؤلوسي‌(13/48,)‌"البحر‌المديد-‌لابف‌عجيبة‌(5/224),‌"التفسير‌القرآني‌لمقرآف -‌ لعبد‌الكريـ‌يونس‌الخطيب‌( 13/79.) (2)أخرجو‌مسمـ‌في‌صحيحو‌كتاب‌البر‌والصمة‌والآداب,‌باب‌تحريـ‌الظمـ‌(رقـ 2578),‌(ص1000.)

عدد الصفحات ٢٧

)874( انًثحثٌانثّاٍَ:ٌأصثابٌانهذاَحٌإنًٌانضّثُمٌانحكٌٌّ ‌ ‌ وفيو ثلاثة مطالب: المطمب الأوّؿ: اتّباع الرّسؿ . المطمب الثّاني: حسف التو كؿ عمى الله. المطمب الثّالث: الجياد في سبيؿ الله.

عدد الصفحات ٢٨

)875( المبحث الثّاني: أسباب اليداية إلى السّبيؿ الحؽّ تتعدَّدُ‌أسباب‌اليداية‌إلى‌السّبيؿ‌الحؽّ‌ ‌لتشمؿ‌اتّباع‌الرّسؿ‌وحسف‌التّوكّؿ‌عمى‌ا﵀‌وحسف‌ الجياد‌في‌سبيمو,‌والتّي‌ستتناوليا‌الباحثة‌بالتّفصيؿ‌خلبؿ‌المطالب‌الآتية:‌ انًطهةٌالأوّل:ٌاتّثاعٌانشّصم.ٌ يعدﱡ‌‌اتّباع‌الرّسؿ‌وما‌جاؤوا‌بو‌مف‌عند‌ا﵀‌ --‌مف‌أىـّ‌الأمور التّي‌يجب‌عمى‌العبد‌ المؤمف‌أف‌يتّبعيا,‌ف اتّباع‌الرّسؿ‌ىو‌ اتّباع‌لمطريؽ‌ الحؽّ‌,‌الطّريؽ‌المستقيـ‌اليادي‌ إلى‌صراط‌ا﵀‌ المقيـ,‌ومف‌الآيات‌التّي‌تحثّ‌عمى‌ اتّباع‌الرّسؿ‌قولو‌تعالى:‌ًٌََمَذْ ؤَخَزَ اٌٍّوُ ِِْضَبقَ ثَنِِ بِعْشَائًَِْ ًَثَؼَضْنَب ِِنيُُُ اصْنَِْ ػَؾَشَ َٔمِْجًب ًَلَبيَ اٌٍّوُ بِِِّٔ َِؼَىُُْ ٌَئِْٓ ؤَلَّْزُُُ اٌصََّٚحَ ًَآرَْْزُُُ اٌضَّوَبحَ ًَآَِنزُُ ثِشُعٍُِِ ًَػَضَّسْرٌُُّىُُْ ًَؤَلْشَظْزُُُ اٌٍّوَ لَشْظًب دَغَنًب ٌَّإُوَفِّشََّْ ػَنىُُْ عَِّْئَبرِىُُْ ًَُٕدْخٍَِنَّىُُْ جَنَّبدٍ رَجْشُِ ِِٓ رَذْزِيَب إَْٔيَبسُ فََّٓ وَفَشَ ثَؼْذَ رٌَِ هَ ِِنىُُْ فَمَذْ ظًََّ عٌََاء اٌغّجًْ‌ (المائدة12.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يبيّف‌تعالى‌نصّ‌الميثاؽ‌الذي‌أخذه عمى‌بني‌إسرائيؿ,‌والنص‌القرآني‌ يثبت‌نص‌الميثاؽ‌وشرطو‌وجزاءه,‌فقد‌كاف‌عقدً‌ ا‌مع‌نقباء‌بني‌إسرائيؿ‌الإثني‌عشر‌الذي‌يمثّموف‌ فروع‌بيت‌يعقوب‌ -وىو‌إسرائيؿ -‌--,‌فيذكر‌تعالىأنّو‌معيـ,‌فمف‌كاف‌ا﵀‌معو‌فلب‌شيء‌إذً‌ا‌ ضدّه‌وميما‌يكف‌ضده‌مف‌شيء‌فيو‌ىباء‌لا‌وجود‌لو‌ولا‌أثر,‌ومف‌كاف‌ا﵀‌معو‌فمف‌يضؿَّ‌طريقو,‌ فإفّ‌معيّة‌ا﵀‌سبحانو‌تيديو‌كما‌أنّيا‌تكفيو,‌ولكفّ‌معية‌ا﵀‌ىي‌عقد‌فيو‌شرط‌وجزاء,‌وشرطو‌إقامة‌ الصّلبة‌عمى‌أصوليا‌التّي‌تجعؿ‌منيا‌صمة‌حقيقية‌بيف‌العبد‌وربّو‌وا يتاء‌الزكاة‌اعترافً‌ ا‌بنعمة‌ا﵀‌في‌ الرّزؽ‌وممكيتو‌ابتداءً‌ ‌بالماؿ‌وطاعة‌لو‌في‌التّصرؼ‌في‌ىذا‌الماؿ,‌والإيماف‌برسؿ‌ا﵀‌كمّيـ‌دوف‌تفرقة‌ بينيـ,‌فكميـ‌جاء‌مف‌عند‌ا﵀‌وكمّيـ‌جاء‌بديف‌ا﵀,‌وعدـ‌الإيماف‌بواحد‌منيـ‌كفرٌ‌ بيـ‌جميعً‌ا‌وكفرٌ‌ با﵀‌الذي‌بعث‌بيـ‌جميعً‌ا,‌وليس‌ىو‌مجرّد‌الإيماف‌إنّما‌ىو‌العمؿ‌في‌نصرة‌ىؤلاء‌ الرّ‌سؿ‌وشدّ‌أزرىـ‌ فيما‌بعثوا‌مف‌أجمو,‌فا﵀‌ --‌أخذ‌عمييـ‌الميثاؽ‌بالثّبات‌عمى‌ديف الحؽّ‌‌والقياـ‌بالواجبات‌ المفروضة‌عمييـ‌وتصديؽ‌الرّسؿ‌الذّيف‌يأتونيـ‌باليدى‌مف‌قبؿ‌ا﵀‌وتأييدىـ‌(1).‌ (1)انظر:‌"بحر‌العموـ-‌لمسمرقندي‌( 1/375),‌"تفسير‌القرآف‌العزيز -‌لابف‌أبي‌زمنيف‌( 2/105),‌"‌المحرر الزجيز‌في‌تفسير‌الكتاب‌العزيز"‌ -‌لابف‌عطية‌(2/167.)

عدد الصفحات ٢٩

)876( "فالإيماف‌بديف‌ا﵀‌مف‌مقتضاه‌أف‌ينيض‌المؤمف‌لينصر‌ما‌آمف‌بو‌وليقيمو‌فيالأرض‌وليحقّقو‌في‌ حياة‌الناس,‌فديف‌ا﵀‌ليس‌مجرّد‌تصور‌اعتقادي,‌ولا‌مجرّد‌شعائر‌تعبد‌﵀,‌إنّما‌ىو‌منيج‌واقعي‌ لمحياة‌ونظاـ‌محدد‌ليصرؼ‌شئوف‌ىذه‌الحياة,‌والمنيج‌والنظاـ‌في‌حاجة‌ إلى‌نصرة‌وتعزيز‌وا لى‌جيد‌ وجياد‌لتحقيقو‌ولحمايتو‌بعد‌تحقيقو" ‌(1).‌ فالواجب‌تعظيـ الرّسوؿ‌--‌ونصرتو‌في‌أمّتو‌ودينو‌واتّباع‌ما‌جاء‌بو‌مف‌عند‌ا﵀,‌فمف‌ فعؿ‌ىذا‌فجزاؤه‌أف‌يغفر‌ا﵀‌لو‌ذنوبو‌ويدخمو‌في‌الآخرة‌جنّاتٍ‌تجري‌مف‌تحت‌أشجارىا‌وبساتينيا‌ الأنيار.‌ ويقوؿ‌الإماـ‌الرازي:‌"وأخّر‌سبحانو‌الإيماف‌بالرّسؿ‌عف‌إقامة‌الصلبة‌وا يتاء‌الزكاة‌مع‌ أنّو‌ مقدـ‌عمييما,‌لأف‌الييود‌كانوا‌مُقرّيف‌بأنّو‌لا‌بدّ‌‌في‌حصوؿ‌النّجاة‌مف‌الصّلبة‌وا يتاء‌الزكاة؛‌لأنيـ‌ كانوا‌مصرّيف‌عمى‌تكذيب‌بعض‌الرّسؿ,‌فذكر‌بعد‌إقامة‌الصلبة‌وا يتاء‌الزكاة‌ أنّو‌لا‌بدّ‌‌مف‌الإيماف‌ بجميع‌الرّسؿ‌حتّى‌يحصؿ‌المقصود,‌وا لا‌لـ‌يكف‌لإقامة‌الصّلبة‌وا يتاء‌ الزكاة‌تأثير‌في‌حصوؿ‌النّجاة‌ بدوف‌الإيماف‌بجميع‌الرّسؿ"‌(2).‌ وأما‌مف‌جحد‌شيئًا‌ممّا‌أمره‌ا﵀‌بو‌فتركو‌وأعرض‌عف‌التكاليؼ‌التّي‌كمّفو‌بيا‌بعد‌أف‌عرفيا‌ فقد‌بعد‌عف‌السّبيؿ‌المستوية‌وأخطأ‌ الطّريؽ‌الواحد‌المستقيـ,‌ففي‌الآية‌تيديد‌لمف‌خالؼ‌ الرّسؿ‌ولـ‌ يتّبعيـ‌ويتّ‌بع‌ما‌جاؤوا‌بو‌مف‌عند‌ا﵀. ‌ بعد‌ىذا‌يتبيّف‌أنّو‌عند‌اتّباع‌العبد‌لطريؽ‌ الرّسؿ‌والسير‌عمى‌منيجـ‌و‌ اتّباع‌طريقيـ‌يكوف‌بذلؾ‌ قد‌ناؿ‌السّعادة‌في‌ الدّنيا‌والآخرة,‌فالسعادة‌الدنيوية‌لا‌تناؿ‌إلا‌عندما‌يناؿ‌ الإنساف‌الراحة‌النفسية‌ والجسدية,‌ولا‌يكوف‌ذلؾ‌إلا‌ب اتّباع‌طريؽ‌ الرّسؿ‌عمييـ‌السّلبـ‌‌الطّريؽ‌الصّحيح,‌والسّعادة‌الأخروية,‌ وىي‌ما‌يترتّب‌عمى‌اتّباع‌الرّسؿ‌ونصرتيـ‌مف‌الجناف‌والرضواف. ‌ انًطهةٌانثّاٍَ:ٌحضٌٍانتّىكمٌػهًٌالله.ٌ يعدﱡ‌‌التّوكّؿ‌عمى‌ا﵀‌في‌كؿّ‌الأمور‌مف‌ص فات‌المؤمنيف‌الموحّديف‌﵀‌والمتّ‌بعيف‌لأمره,‌فقد‌ أمر‌ا﵀‌المؤمنيف‌بالتّوكّؿ‌عميو‌لأنو‌مف‌الأسباب‌المؤدّية‌إلى‌اليداية‌إلى‌السّبيؿ‌المستقيـ,‌وقد‌ذكر‌ (1)"في‌ظلبؿ‌القرآف -‌لسيد‌قطب‌(2/858.) (2)"مفاتح‌الغيب-‌(11/185.)

عدد الصفحات ٣٠

)877( تعالى‌المتوكّميف‌عميو‌ومدحيـ‌في‌كتابو‌العزيز‌حيث‌قاؿ ًََِب ٌَنَب ؤََّٙ َٔزٌََوًََّ ػٍَََ اٌٍّوِ ًَلَذْ ىَذَأَب عُجٍَُنَب ًٌََنَصْجِشََّْ ػٍَََ َِب آرَّْزٌَُُّٔب ًَػٍَََ اٌٍّوِ فٍََْْزٌََوًَِّ اٌُّْزٌََوٌٍَُِّْ‌(إبراىيـ 12.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يذكر‌تعالى‌قوؿ‌الأنبياء‌لأقواميـ‌‌وتأكيدىـ‌عمى‌إعتمادىـ‌عمى‌ا﵀ فقالوا:‌وكيؼ‌لا‌نتوكؿ‌عمى‌ا﵀‌الذي‌ىدانا‌ إلى‌سبيؿ‌المعرفة‌وأرشدنا‌ إلى‌طريؽ‌النّجاة,‌وما‌يمنعنا‌ مف‌التوكؿ‌عميو‌وقد‌ىدانا‌لأقوـ‌الطّرؽ‌وأوضحيا‌وأبينيا,‌ولنصبرفّ‌عمى‌إيذائكـ‌لنا‌بالكلبـ‌السيّء‌ والأفعاؿ‌السخيفة. ‌ ثـ‌بعد‌ذلؾ‌مدحوا‌المتوكميف‌وقالوا‌فميستمرّ‌وليثبت‌المتوكّموف‌مف‌المؤمنيف‌عمى‌توكّميـ‌عمى‌ ا﵀‌وليثقوا‌بو‌وليتحمّموا‌كؿ‌أذىً‌في‌سبيمو‌ولا‌يبالوا‌بشيء‌صعب‌ميما‌كاف‌(1).‌ فقد‌دلّت‌الآيةأنّو‌لا‌سبيؿ‌أماـ‌الأنبياء‌إلا‌الصّبر‌عمى‌الأذى‌والاعتصاـ‌با﵀‌وتفويض‌الأمر‌ إليو‌والتوكّؿ‌التّاـّ‌عميو,‌فإفّ‌الصّبر‌مفتاح‌الفرج‌ومطمع‌الخيرات,‌والتوكؿ‌عمى‌ا﵀‌والاعتماد‌عمى‌ فضمو‌محقّؽ‌لمنصر‌والفتوح,‌فالأنبياء‌-عمييـ‌السّ‌لبـ-‌بعد‌أف‌أمروا‌أنفسيـ‌بالتّوكّؿ‌عمى‌ا﵀‌أمروا‌ اتّباعيـ‌بذلؾ‌وقالوا:‌ ًَػٍَََ اٌٍّوِ فٍََْْزٌََوًَِّ اٌُّْزٌََوٌٍَُِّْ‌وىو‌يدؿّ‌عمى‌أفّ‌الآمر‌بالخير‌يجب‌أف‌يكوف‌قدوة‌في فعؿ‌الخير‌ليُصد ؽَ‌قولو‌عممو‌فيكوف‌قدوة‌لغيره‌(2).‌ "وعمى‌ا﵀‌وحده‌دوف‌أحد‌سواه‌ف ميتوكّؿ‌المؤمنوف‌الصادقوف‌دوف‌أف‌يعبؤوا‌بعنادكـ‌ ولجاجكـ...‌فالآية‌أمرٌ‌مف‌ الرّسوؿ‌لمف‌آمف‌مف‌قوميـ‌لمتوكّؿ‌عمى‌ا﵀‌وحده...‌وتدؿّ‌عمى‌اطمئنانيـ‌ إلى‌سلبمة‌مواقفيـ‌في‌تفويض‌أمورىـ‌ إلى‌ا﵀‌وا لى‌رعاية‌ا﵀‌تعالى‌حيث‌ىداىـ‌ إلى‌طريؽ‌النّجاة‌ والسّعادة"‌(3).‌ فا﵀‌سبحانو‌قد‌ىدانا‌لأقوـ‌الطّرؽ‌وأوضحيا‌وأبينيا‌وىي‌طريؽ‌إخلبص‌العبادة‌لو‌والاعتماد‌ عميو‌وحده‌في‌كؿ‌شئوننا,‌فعميو‌وحده‌دوف‌أحد‌سواه‌فميثبّت‌المتوكموف‌عمى‌توكميـ‌ليفوضوا‌أمورىـ‌ إلى‌خالقيـ‌فيو‌القاىر‌فوؽ‌عباده‌وىو‌الذي‌لا‌يعجزه‌شيء. ‌ (1)انظر:‌"بياف‌المعاني-‌لعبد‌القادر‌العاني‌(4/276.) (2)انظر:‌"أوضح‌التفاسير-‌لمحمد‌الخطيب‌(1/306‌,)"الموسوعة‌القرآنية -‌لإبراىيـ‌الأبياري‌( 10/164.) (3)"التفسير‌الوسيط-‌لطنطاوي‌( 7/532.)

عدد الصفحات ٣١

)878( حقا‌إف‌المتوكّؿ‌عمى‌ا﵀‌يستحؽّ‌أف‌يناؿ‌رضاه‌وجنانو‌وكؿّ‌ما‌فييا‌مف‌نعيـ‌مقيـ,‌فالتّوكّؿ‌ ثماره‌يانعة‌سواء‌في‌ الدّنيا‌أو‌في‌الآخرة,‌فب الدّنيا‌يناؿ‌راحة‌النّفس‌والرّزؽ‌الحسف,‌وفي‌الآخرة‌ جنّة‌ا﵀‌ ورضوانو,‌ويا‌لو‌مف‌جزاء‌يستحقّو‌المؤمف‌عمى‌إيمانو‌وتوكّمو.‌ انًطهةٌانثّانث:ٌانجهادٌفٌٍصثُمٌالله.ٌ لقد‌ربّى‌الإسلبـ‌أبنائو‌عمى‌منيج‌القرآف ‌العظيـ‌فكرً‌ا‌وأسموبً‌ا‌وعمى‌سيرة‌النّبي‌--‌تضحية وجيادً‌ا‌وحب ‌ا‌لمشّيادة,‌فخرج‌مف‌أبنائنا‌مجاىدوف‌أبطاؿ‌يحبّوف‌الموت‌ويعشقوف‌الشّيادة‌ويستشعروف‌ معنى‌ولذّة‌الموت‌في‌سبيؿ‌ا﵀,‌قاؿ‌تعالى:‌َّبؤّّيب اٌزّّٓ آَِنٌُاْ ارَّمٌُاْ اٌٍّوَ ًَاثْزَغٌُاْ بٌْو اٌٌَْعٍَِْخَ ًَجَبىِذًُاْ فِِ عَجٍِِْوِ ٌَؼٍََّىُُْ رُفٍِْذٌَُْ‌(المائدة35‌.)‌ في‌ىذه‌الآية‌الكريمة‌يأمر‌تعالى‌عب اده‌المؤمنيف‌بأف‌يتّقوا‌سخطو‌وعقابو‌وذلؾ‌بامتثاؿ‌أمره‌ واجتناب‌نييو,‌وأف‌يطمبوا‌ إليو‌القربى ‌التّي‌ينبغي‌أف‌يُطمب‌بيا,‌فيي‌ التّي‌توصميـ‌ إلى‌مرضاتو‌ والقرب‌منو‌والظّفر‌بمثوبتو‌في‌الجنّة.‌ ولمّا‌أمر‌تعالى‌المؤمنيف‌بترؾ‌المحارـ‌وفعؿ‌الطّاعات‌أمرىـ‌بقتاؿ‌الأعداء‌مف‌الكفار‌ والمشركيف‌الخارجيف‌عف‌ الطّريؽ‌المستقيـ‌والتّاركيف‌لمديف‌القويـ,‌فالجياد‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌يشمؿ‌جياد‌ النّفس‌لكفّيا‌عف‌أىوائيا‌وحمميا‌عمى‌العدؿ‌في‌جميع‌أحواليا,‌وجياد‌الأعداء‌الذّيف‌يقاوموف‌دعوة‌ الإسلبـ,‌ورغبّيـ‌ا﵀‌تعالى‌بما‌أعده‌لممجاىديف‌في‌سبيمو‌يوـ‌القيامة‌مف‌الفلبح‌بالسّعادة‌العظيمة‌ الخالدة‌فقاؿ:‌‌ٌَؼٍََّىُُْ رُفٍِْذٌَُْ ‌إف‌جاىدتـ‌وتقربتـ إلى‌ا﵀‌بطاعتو‌حققتـ‌الفوز‌والفلبح‌وسعادة‌ الدّنيا‌ والآخرة ‌(1).‌ ومف‌الآيات التّي‌تبيف‌أفّ‌الجياد‌في‌سبيؿ‌ا﵀‌يسبب‌المغفرة‌والرّزؽ‌الكريـ‌قولو‌تعالى:‌ ًَاٌَّزَِّٓ آَِنٌُاْ ًَىَبجَشًُاْ ًَجَبىَذًُاْ فِِ عَجًِِْ اٌٍّوِ ًَاٌَّزَِّٓ آًًَاْ ًََّٔصَشًُاْ ؤًٌَُـئِهَ ىُُُ اٌُّْاِِْنٌَُْ دَمًّب ٌَّيُُ َِّغْفِشَحٌ ًَسِصْقٌ وَشٌُِّ‌ (الأنفاؿ74.)‌ (1)انظر:‌"البحر‌المحيط‌في‌التفسير-‌لأبي‌الحياف‌الأندلسي‌(4/224),‌"الدر‌المصوف‌في‌عموـ‌الكتاب‌المكنوف -‌لمسميف‌الحمبي‌(4/252),‌"المباب‌في‌عموـ‌الكتاب-‌لمنعماني‌(7/312.)

عدد الصفحات ٣٢