23 كالنمط الثاني: يككف بذكر المدرستيف الكبيرتيف ػ البصرة كالككفة ػ ثـ يعترض عمى أحدىما، كفيما يمي سنعرض نمكذجان ليذا. يقكؿ العكبرم في اشتقاؽ "الاسـ": "كقاؿ الككفيكف: أصمو كسـ، أم مف الكسـ، كىك العلامة، كىذا صحيح في المعنى فاسد اشتقاقان "(1) . لقد اعترض عمى الككفييف في ما ذىبكا إليو مف اعتبار الاسـ مشتؽ مف الكسـ، ككقؼ إلى جانب رأم البصرييف الذيف يقكلكف بأف الاسـ مأخكذ مف السمك، كعمؽ عمى رأم الككفييف بأنو صحيح في المعنى، أم : في دلالتو كمعناه العاـ، غير أنو فاسد في الاشتقاؽ، أم لا يصح في اشتقاقو مف الكسـ، كمعنى أنو لا يصح اشتقاقان أف ما تصرؼ مف كممة ( اسـ ) في الجمع كالتثنية كالتصغير كغيرىا يدؿ عمى أف المحذكؼ منيا لاميا لا فاؤىا ، كلذلؾ حكـ بأف رأم الككفييف فاسد في الاشتقاؽ . كمف اعتراضات العكبرم عمى نحاة الككفة أيضان ما نجده في تفسيره لقكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ (2) . كلقد كاف مكضع الاعتراض متمثلان في قكلو: "صيِّب"، فقاؿ العكبرم : "كصيٌب أصمو "صيٍكًب" عمى فىيٍعًؿ، فأبدلت الكاك ياءن، كأدغمت الأكلى فييا، كمثمو ميِّت، كىيِّف، كقاؿ الككفيكف: أصمو "صىكًيب" عمى فعيؿ، كىك خطأ؛ لأنو لك كاف كذلؾ لصحت الكاك كما صحت في طكيؿ كعكيؿ"(3) . لقد تبيف لنا مف خلاؿ المكضع السابؽ أيضان أف العكبرم لا يقكؿ بقكؿ الككفييف، كا نما يقكؿ بقكؿ البصرييف بأف "صيِّب" مأخكذ مف "فيٍعًؿ" لا مف "فعيؿ"، غير أف العكبرم كعادتو لـ يطؿ كثيران في بياف صحة ىذا الكجو كانتفاء الصحة عف الكجو الذم قاؿ بو الككفيكف، كاكتفى بإيراد الأمثمة كالنظائر مثؿ : طكيؿ كعكيؿ، كقاس "صيٌب" عمييا، كذلؾ إبطالان لكلاـ الككفييف. 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 3 . 2 -سكرة البقرة، آية : 19 . 3 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 35 .
عدد الصفحات ٣٣24 كيعترض العكبرم أيضان عمى الككفييف في تفسيره لقكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ (1) . يقكؿ العكبرم مكضحان ىذه الآية الكريمة: "كقاؿ الككفيكف: إف بمعنى ما، كاللاـ بمعنى إلا، كىك ضعيؼ جدان مف جية أف كقكع اللاـ بمعنى "إلا" لا يشيد لو سماع كلا قياس"(2) . لـ يعتمد العكبرم في نفيو كلاـ الككفييف ىينا عمى شيء مف أصكؿ النحك، كا نما اكتفى بذكر أف ىذا الكجو الذم جاء بو الككفيكف لا يشيد لو سماع كلا قياس في العربية، فإذا كاف الأمر كذلؾ فإف ىذا الكجو دكف شؾ لا يصح، كأف الصكاب ألا تيعد اللاـ بمعنى "إلا"، لعدـ كركدىا في السماع، كلعدـ انطباقيا عمى القياس. كمف بيف المسائؿ التي اعترض فييا العكبرم عمى الككفييف أيضان ما ذكره في كتابة ألؼ "الربا " إذ تيكتب بالألؼ القائمة، كذلؾ لأف فعمو: ربا يربك، كتثنيتو عمى ربكاف، كمف ىنا كانت كتابتو بالألؼ القائمة، ثـ عمٌؽ بعد ذلؾ بقكلو: "كأجاز الككفيكف كتابتو كتثنيتو بالياء، قالكا لأجؿ الكسرة التي في أكلو، كىك خطأ عندنا "(3) . كفي ىذا المكضع أيضان كما نرل فإف العكبرم لـ يفصؿ الحديث في أدلة ترجيحو قكؿ البصرييف كنفيو قكؿ الككفييف، كا نما اكتفى بكصؼ كلاـ الككفييف عمى أنو خطأ في مذىبو، كىك ما ييرجح لمباحث أف العكبرم يعتمد المنيج البصرم في آرائو النحكية، كيبتعد عف خطى المنيج الككفي. كنجد العكبرم أيضان ييضعؼ كلاـ الككفييف كيرده بتضعيؼ الشكاىد التي ذيكرت في كتب النحك في حديثيـ عف قراءة حمزة بجر الأرحاـ (4) مف قكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ (5) . 1 -سكرة البقرة، آية : 143 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 124 . 3 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 223 . 4 -الفارسي ، الحجة لمقراء السبعة ،ج :3 ، ص:121 5 -سكرة النساء، آية : 1 .
عدد الصفحات ٣٤25 إذ يقكؿ العكبرم عف مذىب الككفييف في ذلؾ : "كا نما جاء في الشعر عمى قبحو، كأجازه الككفيكف عمى ضعؼ (1)"، كىك في ىذا المكضع يتحدث عف عطؼ الاسـ الظاىر بالجر عمى الضمير المخفكض دكف إعادة الجار. فكما ظير لنا مف خلاؿ كلاـ العكبرم السابؽ فإنو يرفض قكؿ الككفييف بجكاز عطؼ الاسـ الظاىر بالجر عمى الضمير المجركر دكف إعادة الجار، ثـ إنو أشار إلى ما سيمع عف العرب مف الشعر في ذلؾ دكف أف يذكر شيئان مف ىذه الأبيات التي قيمت، كاكتفى برد كلاـ الككفييف، كا ف كاف في ىذا المكضع لا يظير بصكرة المعترض اعتراضان كبيران عمى الككفييف، كذلؾ لأف رأم الككفييف نفسو كاف مجيزان ليذه الحالة التركيبية كلكف بشيء مف الضعؼ . كلك حاكؿ الباحث أف يتتبع المكاضع التي اعترض فييا العكبرم عمى كلاـ الككفييف لطاؿ بو المقاـ ىاىنا في ىذا الفصؿ، كلصار الفصؿ الثاني كالفصؿ الثالث دكف فائدة، غير أف الباحث يكتفي ىاىنا بإيراد ىذه النماذج التي عارض فييا العكبرم نحاة الككفة، ككافؽ نحاة البصرة في ما ذىبكا إليو مف تأكيؿ نحكم أك صرفي، كسيككف الحديث عف ىذه المكاضع أكثر تفصيلان في الفصكؿ القادمة. كبعد أف عرض الباحث ىذه المكاطف التي اعترض فييا العكبرم عمى النحاة في مسائمو النحكية، فإنو يتككف لدل الباحث عدد مف التصكرات حكؿ ىذه الاعتراضات كفؽ ما استيقرئ ن، كىذه التصكرات ىي : أكلان : يمثؿ المنيج الككفي نقطة الاعتراض عند العكبرم في مسائمو النحكية التي أكردىا ضمف كتابو "التبياف"، كذلؾ أف أكثر الاعتراضات كانت عمى نحاة الككفة، سكاء إذا نظرنا إلييـ مف ناحية فردية، كالكسائي كالفراء كغيرىما، أـ نظرنا إلييـ مف ناحية جماعية كما أكضحنا سابقان مف ذكر الاعتراض عمى رأم الككفييف. ثانيان : كعمى النقيض تمامان كبصكرة مقابمة لممذىب الككفي فإف العكبرم قد كقؼ كثيران إلى جانب المذىب البصرم، كأثبت أقكاليـ في ذلؾ، كماؿ مع آرائيـ في مكاجية آراء الككفييف عمكمان .(2 ) 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 327 . 2 -رغـ ذلؾ فقد اعترض عمى المبرد ،انظر : العكبرم ، التبياف ، ج :1، ص:373
عدد الصفحات ٣٥26 ثالثان: لقد ارتكز العكبرم في إيراد آراء النحاة عمى المسائؿ النحكية أكثر مف إيراده لممسائؿ الصرفية أك الصكتية، كيمكننا أف نرد ذلؾ إلى طبيعة الكتاب الذم كردت فيو ىذه المسائؿ، فقد كصفو العكبرم بأنو تبياف لإعراب القرآف، كمف ىنا فإنو يركز عمى الجكانب النحكية أكثر مف سكاىا مف المستكيات المغكية الأخرل . رابعان : يكثر في كتاب التبياف إيراد الكجو النحكم، أك القكؿ، دكف عزكه لناقؿ معيف، كدكف نسبتو إلى نحكم بعينو، كا نما يكتفي العكبرم بالقكؿ: قيؿ، كقيؿ، كىكذا، ثـ ينفي كيبقي ما يريد كما يخدـ فكره النحكم الذم يتبناه . 2.1 منيج العكبري في الاعتراض والترجيح : أكضح لنا العكبرم مف الصفحات الأكلى مف كتابو أنو ينتيج منيجان محددان في التعامؿ مع المادة العممية التي يريد أف يطرحيا عمى المتمقي، كذلؾ أنو ىدؼ مف ىذا الكتاب إلى إيراد الاختصار في إعراب القرآف الكريـ كقراءاتو (1)، كمف ىنا فإف منيج العكبرم في الحديث عف المسائؿ النحكية ميما كاف مكقفو منيا يرتبط ارتباطان كثيقان بالقراءات القرآنية، كيختص اختصاصان كاضحان بقضايا إعراب القرآف الكريـ، كىذه ىي السمة الأكلى كالعامة لمنيج العكبرم في كتابو "التبياف"، كلما كانت الاعتراضات المغكية كترجيحاتيا داخمة ضمف ىذا الكتاب، فإنيا لا شؾ ستخضع لممنيج نفسو الذم انتيجو العكبرم في كتابو التبياف، لا تخرج عنو، كا ف خرجت فإنيا لا تبتعد عف سمات ىذا المنيج الذم حدده العكبرم لنفسو . كسيحاكؿ الباحث في الصفحات القميمة الآتية أف يحدد بعض ملامح منيج العكبرم في اعتراضاتو عمى النحاة كترجيحاتو، كذلؾ كفؽ النماذج الآتية : أكلان : يكرد العكبرم نص الآية الكريمة كما ىي في المصحؼ الشريؼ، ثـ يجزئيا إلى جمؿ كأجزاء كي يسيؿ بياف إعرابيا كتكضيح ما كرد فييا مف قراءات، كذلؾ مثؿ حديثو عف قكلو تعالى: ﭽ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ (2)، ثـ يأخذ أجزاء الآية جزءان جزءان . 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 2 . 2 -سكرة البقرة، آية : 11 .
عدد الصفحات ٣٦27 ثانيان: يأتي بجزء الآية الكريمة الذم يراد الحديث عنو، مثؿ قكلو : "كىا ًذىا قًيٍؿى لىييـٍ "، ثـ يأتي العكبرم بالقضية النحكية التي يريد مناقشتيا في الآية الكريمة، كيبيف المسألة، كقكلو: إذا في مكضع نصب عمى الظرؼ، كالعامؿ فييا جكابيا، كىك قكلو : قالكا(1) . ثالثان: يكرد العكبرم ما جاء في المسألة مف أقكاؿ نحكية كأحكاـ لغكية لمعمماء كالنحاة باختلاؼ مذاىبيـ، مثؿ قكلو في المسألة السابقة: " إذا في مكضع نصب عمى الظرؼ، كالعامؿ فييا جكابيا، كىك قكلو : قالكا، كقاؿ قكـ: العامؿ فييا "قيؿ"(2) . رابعان: بعد أف يكرد العكبرم القكليف أك أكثر في المسألة فإنو يرجح أحدىما عمى الآخر، كيبيف كجو فساد الآخر، مثؿ قكلو في المسألة السابقة أيضان : "كقاؿ قكـ: العامؿ فييا "قيؿ"، كىك خطأ؛ لأنو في مكضع جر بإضافة "إذا" إليو، كالمضاؼ إليو لا يعمؿ في المضاؼ"(3) . فكما سبؽ لقد ظير لنا كيؼ أف العكبرم قد رجح القكؿ بأف العامؿ فييا "قالكا" كليس "قيؿ"، كذلؾ لأف قيؿ مضافة إلى الظرؼ "إذا"، كالمضاؼ إليو لا يعمؿ في المضاؼ، كمف ىنا كاف كجو ترجيح العكبرم لمقكؿ الأكؿ . خامسان : يعتمد العكبرم كثيران عمى القراءات القرآنية في الحديث عف المسائؿ النحكية، كيفصؿ القكؿ فييا، كيذكر جميع ما يرد في الآية الكريمة مف قراءات، كذلؾ مثؿ حديثو عف تفسير قكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ (4) . إذ يقكؿ العكبرم مبينان قراءة الرفع في قكلو"كملائكتيوي ": "عمى قراءة مف رفع "ملائكتيوي "، فخبر "إف" محذكؼ تقديره : إف الله يصمي، كأغنى عنو خبر الثاني، ككذلؾ لك قمت: إف عمران كزيده قائـه، فرفعت زيدان، جاز عمى أف يككف مبتدأن، كقائـ خبره، أك خبر "إف""(5) . 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 27 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 27 . 3 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 27 . 4 -سكرة الأحزاب، آية : 56 . 5 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 451 .
عدد الصفحات ٣٧28 فكما نرل فإف العكبرم قد انطمؽ في اعتراضو النحكم مف قراءة قرآنية تمثؿ عنصران ميمان مف عناصر المسألة النحكية التي يناقشيا العكبرم، بؿ قد تككف تمؾ المسألة النحكية ىي أساس الاعتراض، فلا يككف لمعكبرم غنى عنيا في مناقشة اعتراضو كترجيحو . سادسان : في غالب الأمر لا يعزك العكبرم الأقكاؿ إلى أصحابيا، كا نما يكتفي بقكلو: قيؿ، دكف عزك ليذا القكؿ، كمف الأمثمة عمى ذلؾ قكلو: ﭽ ﭶ ﭷ ﭼ (1)، أم: كىدينا نكحان، كالياء في ذريتو تعكد عمى نكح، كالمذككركف بعده مف الأنبياء ذرية نكح، كالتقدير: كىدينا مف ذريتو ىؤلاء . كقيؿ: تعكد عمى إبراىيـ، كىذا ضعيؼ؛ لأف مف جممتيـ لكطان كىك ليس مف ذرية إبراىيـ"(2) . يظير لنا مف خلاؿ كلاـ العكبرم السابؽ كيؼ أنو لـ ينسب القكؿ بأف الياء تعكد عمى إبراىيـ، كا نما اكتفى بإيراد فعؿ القكؿ مبنيان لممجيكؿ، الأمر الذم يقكدنا إلى السؤاؿ الآتي: ألـ يكف العكبرم عمى عمـ بأصحاب الأقكاؿ غير المنسكبة الأمر الذم يجعمو لا ينسب ىذه الأقكاؿ إلى أصحابيا؟ كلكي نجيب بمكضكعية عف ىذا السؤاؿ عمينا أف نتذكر اليدؼ الأساسي الذم كضعو العكبرم لنفسو حيف أراد أف يضع ىذا الكتاب، كالمتمثؿ في إيراد إعراب القرآف الكريـ كاختصار ذلؾ بكتاب مختصر يسيؿ عمى الطمبة تناكلو، فمف ىنا ربما رأل العكبرم أف مف جممة الاختصار ألا ينسب ىذه الأقكاؿ إلى أصحابيا، كأف يكتفي بذكر الميـ منيا كالضركرم في العمـ، ثـ فإف ما بقي لا ضركرة في إيراده، كالله أعمـ . كقد يكرد أقكالان كينسبيا إلى أصحابيا، غير أف ذلؾ منو قميؿ مقارنة مع عدـ نسبة الأقكاؿ إلى قائمييا، كذلؾ مثؿ قكلو في تفسير قكلو تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ (3) . يقكؿ العكبرم : "عمميا، مبتدأ كفي خبره عدة أكجو، أحدىا : عند ربي، ك "في كتاب" عمى ىذا معمكؿ الخبر، أك خبر ثافو، اك حاؿ مف الضمير في "عند"، كالثاني: أف 1 -سكرة الأنعاـ، آية : 84 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 515 . 3 -سكرة طو، آية : 52 .
عدد الصفحات ٣٨29 يككف الخبر"في كتاب"، ك"عند ربي " حاؿ، كالعامؿ فييا الظرؼ الذم بعدىا عمى قكؿ الأخفش.."(1)، ككما ىك ظاىر لنا فإف العكبرم قد ذكر قكؿ الأخفش صراحة، كلـ يقؿ: "قيؿ". سابعان : لا يعتمد العكبرم كثيران عمى السماع في مناقشتو لممسائؿ النحكية أك في اعتراضاتو، بؿ يعتمد كثيران عمى منطؽ المغة، كالقكاعد الثابتة التي أكجدىا النحاة، كالقياس العقمي الذم يقكـ عمى المقيس كالمقيس عميو، كىكذا، كا ف ما اعتمد عميو مف السماع ينحصر في الأغمب بالقراءات القرآنية، كقميؿ مف الشعر كالنثر، كمجمكعة مف الأمثمة المصطنعة التي كاف يصطنعيا العكبرم نفسو . ثامنان : قد لا يرجح العكبرم شيئان مف الأقكاؿ النحكية في المسألة، فيذكر الأقكاؿ، كيعترض عمى بعضيا، ثـ لا يرجح شيئان مف الباقي، كمف ىنا فقد اعتبر الباحث كؿ ما سكت عنو العكبرم راجحان في نظره، لأف سككت العكبرم عنو كعدـ اعتراضو عميو يقكدنا إلى القكؿ بأنو راجح عنده . تاسعان : لا يكتفي العكبرم بإيراد أقكاؿ النحكييف كآرائيـ، كا نما يكرد العكبرم آراء المفسريف كمعربي القرآف الكريـ، مع العمـ بأف أكثر المشتغميف بالتفسير كا عراب القرآف الكريـ ىـ مف النحاة، أمثاؿ البغكم، كالزمخشرم، كالبيضاكم، كأبي حياف الأندلسي، كابف عادؿ الحنبمي كغيرىـ . كىكذا فإف ما سبؽ ذكره مف الأسس كالمبادئ التي قاـ عمييا منيج العكبرم في اعتراضاتو كترجيحاتو المغكية عمى النحاة، كلا تكاد تخرج قضية عف أسس ىذا المنيج. 3.1 الأصول التي اعتمدىا في الاعتراض والترجيح : حيف نتحدث عف عالـ مثؿ العكبرم فلا بد لنا أف نفيـ تمامان أف ىذا العالـ النحكم قد امتمؾ أدكات الباحث الحقيقي، كما أف زمانو الذم عاش فيو - القرف السابع اليجرم - يمثؿ مرحمة متقدمة مف مراحؿ الدراسات النحكية العربية، فيناؾ الكتب 1 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 892 .
عدد الصفحات ٣٩30 التأصيمية، كالكتب التي تعالج الخلافات النحكية، كالكتب التي تقعد لمغة، ككثيران كثيران مف الكتب كالمؤلفات التي كانت في حكزة الباحثيف في ذلؾ العصر، كلما كاف العكبرم كاحدان مف العمماء الذيف يعيشكف في ىذا العصر فقد استفاد استفادة كبيرة مف ىذه المصنفات كالمؤلفات، كاستطاع أف يرسـ لنفسو خطان سميمان ضمف دائرة الاعتراض كالترجيح بناء عمى أسس عممية كثيقة، كمبادئ بحثية دقيقة . كلا شؾ أف أكؿ ىذه الأصكؿ التي اعتمد عمييا العكبرم، كيعتمد عمييا كؿ باحث مف الباحثيف في المغة السماع، إذ يمثؿ السماع ذلؾ المكركث الكلامي عف العرب، كيمثؿ ىذا المكركث بدكره الأنماط الاستعمالية التي درجت عمييا ألسنة العرب في الحديث كالكلاـ، كالتي استطاع النحاة مف خلاليا الكصكؿ إلى قكاعدىـ النحكية التأصيمية، فكلاـ العرب يمثؿ البيئة التي تيستخرج منيا القكاعد المغكية التي تنظـ العممية الكلامية عندىـ، كىذه المسمكعات مف كلاـ العرب ىي : القرآف الكريـ، فيك صحيح دكف خلاؼ أك شؾ، كىذا عائد إلى طبيعة النقؿ المتكاتر الذم نيقؿ بو القرآف الكريـ، ثـ يأتي في الدرجة الثانية القراءات القرآنية، كىذه أيضان لا تقؿ رتبة عف القرآف الكريـ، خاصة إذا كانت القراءة سبعية، أما المصدر الثالث فيك الحديث النبكم الشريؼ، ثـ يأتي بعد ذلؾ الشعر العربي حتى العصر الأمكم، كيميو الكلاـ النثرم مف خطب كأمثاؿ كأقكاؿ سيمعت عف العرب، فكؿ ىذه المسمكعات مف كلاـ العرب تمثؿ عنصران تقعيديان احتجاجيان في المغة(1) . كالعكبرم شأنو شأف سائر النحاة كالمغكييف الذيف يعتمدكف اعتمادان كبيران عمى ىذه الأصكؿ السماعية ، إذ يستعمميا في كتابو "التبياف في إعراب القرآف " كثيران مف أجؿ بياف مكاطف الاحتجاج السميـ، كيؤيد بيا ما ذىب إليو مف اعتراض كترجيح . كمف بيف ىذه المكاضع السماعية نجد أف العكبرم يتحدث لنا عف سبب جر "المسجد" في قكلو تعالى: ﭽ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﭼ (2) . 1 -السيكطي، جلاؿ الديف( 1999ـ). الاقتراح في عمـ أصكؿ النحك كجدلو، تحقيؽ : طو عبد الرءكؼ سعد، مكتبة الصفا، القاىرة ػ مصر ص : 74 . 2 -سكرة البقرة، آية : 217 .
عدد الصفحات ٤٠31 إذ لا يصح أف يعد"المسجدً " معطكفان عمى الضمير دكف إعادة الجار، كمف ىنا فقد قاؿ العكبرم : "كالجيد أف يككف متعمقان بفعؿ محذكؼ دؿ عميو الصد تقديره: كيصدكف عف المسجد، كما قاؿ: ﭽ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭼ (1)، فالآية أصؿ سماعي يدؿ عمى صحة ما رجحو العكبرم (2) . كمف مكاضع السماع القرآني التي أيد بيا العكبرم ما ذىب إليو مف رأم ما كاف في حديثو عف جكاز العطؼ عمى جكاب الشرط بالجزـ، كذلؾ بكاسطة أداة العطؼ "ثـ"، إذ إف ناسان لـ يجيزكا ذلؾ، كذلؾ في قكلو تعالى: ﭽ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﭼ (3) . فرد العكبرم عمييـ بأف ىذا خطأ، كأنو كرد في قكلو تعالى : ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭼ (4)، ثـ عقٌب العكبرم عمى ذلؾ بقكلو: كا نما استيئنؼ ىاىنا ليدؿ عمى أف الله لا ينصرىـ قاتمكا أـ لـ يقاتمكا "(5) . كمف خلاؿ اطلاع الباحث عمى اعتراضات العكبرم كترجيحاتو في القضايا المغكية المختمفة كالمتعددة فإنو يشير إلى أف الاعتماد عمى القرآف الكريـ كأصؿ سماعي عند العكبرم كاف أظير مف غيره مف الأصكؿ السماعية الأخرل، مع الأخذ بعيف الاعتبار أف العكبرم لـ يعتدَّ كثيران بالسماع في اعتراضاتو كترجيحاتو. كيستشيد العكبرم أيضان بالشعر، غير أف استشياده بالشعر قميؿ، كمف بيف المكاضع التي يستشيد بيا بالشعر ما جاء في حديثو عف أم النكنيف حيذفت تخفيفان، نكف الرفع، أـ نكف الضمير، كلقد استشيد حذؼ نكف الرفع قكؿ الشاعر (6) : كيؿٌّ لىوي نًيَّةه فًي بيغٍضً صىاحًبًوً بًنًعٍمىةً المَّوً نىقٍمًيكيـٍ كىتىقٍميكنىا 1 -سكرة الفتح، آية : 25 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 175 . 3 -سكرة آؿ عمراف، آية : 111 . 4 -سكرة محمد، آية : 38 . 5 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 285، 6 -البيت لمفضؿ الياشمي، انظر: التبريزم، أبا زكريا يحيى بف عمي بف محمد (د.ت). شرح ديكاف الحماسة، دار القمـ، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ص: 75،
عدد الصفحات ٤١32 أم: تقمكننا، كالنكف ىنا ليست كقاية، بؿ ىي لمضمير، إذ لا يجكز حذؼ بعض الضمير، ككذلؾ فإف ىذا التأكيؿ ضعيؼ، لأنو لا يجكز حذؼ نكف الرفع إلا بعامؿ(1) . كمف السماع أيضان ما جاء مف قكؿ العرب"ىذا حمكه حامضه "، عمى اعتبار أف المتكمـ لا يريد أف ينفي عف الشيء الحلاكة، كلا يريد أف ينفي عنو الحمكضة، فيك يزعـ أنو قد جمع الطعميف معان (2) . كلقد أكرد العكبرم ىذا القكؿ عف العرب عند حديثو عف قكلو سبحانو كتعالى : ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ (3)، فبيٌف العكبرم أف: عند ربي، كفي كتاب، يصمح أف يككنا خبريف، فيككف الكلاـ مف قبيؿ قكليـ : ىذا حمكه حامضه (4) . كمف كلاـ العرب الذم جاء بو العكبرم في حديثو عف القضايا المغكية ما كاف مف نفيو لمجيء الاسـ عمى زنة "فىعٍلاؿ"، كذلؾ عند حديثو عف "سيناء" بفتح السيف، إذ نفى قكؿ الفراء عف العرب أنيـ قالكا : ناقة فييا خىزٍعاؿ(5)، فبيف العكبرم أف ىذا لـ يصح نقمو عف العرب، كا ف صح فيك شاذ لا يقاس عميو، كبيانو لذلؾ أف ليس في الكلاـ "فىعٍلاؿ" بفتح الفاء إلا مؤنثان، كاليمزة فيو زائدة لمتأنيث(6) . ىذه ىي أبرز المكاضع التي اعتمد فييا العكبرم عمى السماع كأصؿ لغكم في اعتراضاتو عمى النحاة كترجيحاتو، كىي كما نرل : 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 513 . 2 -انظر: سيبكيو، أبك بشر عمرك بف عثماف بف قنبر (1988ـ). الكتاب، تحقيؽ: عبد السلاـ محمد ىاركف، مكتبة الخانجي، القاىرة ػ مصر، الطبعة الثالثة، ج : 2، ص: 83 . 3 -سكرة طو، آية : 52 . 4 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 892 . 5 -انظر: رأم الفراء عند ابف جني، أبك الفتح عثماف (د.ت). الخصائص، الييئة المصرية العامة لمكتاب، القاىرة ػ مصر، الطبعة الرابعة، ج : 3، ص: 216، كىك غير مكجكد عند الفراء في معاني القرآف . 6 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 952 .
عدد الصفحات ٤٢33 1 . ليست كثيرة بالشكؿ الذم يمكف أف نقكؿ معو إف العكبرم قد اعتمد كثيران عمى السماع. 2 . لـ تكف شاممة لأشكاؿ السماع كافة ، مف قرآف كقراءات، كحديث نبكم، كنثر، كشعر، بؿ ما كجدناه شعران كنثران كقرآف ان فقط. 3 . أكرد العكبرم كثيران مف القراءات القرآنية في أثناء تطرقو لقضايا الاعتراض كالترجيح، غير أف ىذه القراءات لـ تكف داخمة ضمف الاعتراض أك ضمف الترجيح، كا نما كانت بمثابة كجو يقرأ بو في الآية الكريمة. كمف بيف الأصكؿ التي اعتمد عمييا العكبرم اعتمادان كبيران في اعتراضاتو كترجيحاتو القياس، سكاء أكاف ذلؾ مصرحان بو أـ غير مصرح، فإف العكبرم كاف يستخدـ القياس ضمنيان في حديثو عف الاعتراضات كالترجيحات. كيشير مفيكـ القياس إلى عممية منطقية تقكـ عمى أساس الجمع بيف شيئيف، يككف في حكـ الأكؿ حكـ الثاني، فإذا ثبت الحكـ في الأكؿ ثبت في الثاني، كا ذا انتفى الحكـ عف الثاني، فيك بالضركرة منتؼو عف الأكؿ، فالطرفاف إذف متشاركاف في ىذه العممية المنطقية، كليما الحكـ نفسو بناء عمى عناصر مشتركة بينيما (1) . كىذاف الشيئاف المذاف يقكـ القياس بالحكـ عمييما يطمؽ عمييما الأصؿ كالفرع، فالقياس إلحاؽ ليذا الفرع بذلؾ الأصؿ بناء عمى عمة جامعة بينيما، حيث يأخذ الفرع حكـ الأصؿ بناء عمى تمؾ العمة التي تجمعيما معان (2) . كلا يقؿ القياس أىمية عف السماع كأصؿ مف أصكؿ التقعيد المغكم عمكمان كالنحكم خصكصان، إذ إف عمماء العربية لـ يستطيعكا سماع الأنماط التركيبية كالبنائية كالصكتية كافة عف العرب، بؿ إف ما سمعكه مف كلاـ العرب لا يمثؿ إلا القميؿ مف كلاميـ، فاضطركا إلى استخداـ القياس الذم مساىـ في الكصكؿ إلى القاعدة النحكية، كىذا ما 1 -الرماني، أبك الحسف عمي بف عيسى (1984ـ). رسالتاف في المغة، تحقيؽ : إبراىيـ السامرائي، عماف ػ الأردف، ص : 66 . 2 -الأنبارم، أبك البركات كماؿ الديف عبد الرحمف بف محمد (1971ـ). الإغراب في جدؿ الإعراب كلمع الأدلة، تحقيؽ: سعيد الأفغاني، بيركت ػ لبناف، الطبعة الثانية، ص: 93 .
عدد الصفحات ٤٣34 يؤديو القياس، فيناؾ كثير مف ملامح القياس في التقعيد المغكم، إذ قاس العمماء العرب ما لـ يسمعكه مف كلاـ العرب عمى ما سمعكه (1) . كلا يختص القياس بعمـ المغة فحسب، بؿ إف كثيران مف مظاىر العمكـ الشرعية تعتمد أيضان عمى القياس، ىذا ما يكضحو لنا الجرجاني في تعريفو لمقياس، إذ يقكؿ: " القياس: في المغة عبارة عف التقدير، يقاؿ : قست النعؿ بالنعؿ، إذا قدرتو كسكيتو، كىك عبارة عف رد الشيء إلى نظيره . كفي الشريعة عبارة عف المعنى المستنبط مف النص؛ لتعديو الحكـ مف المنصكص عميو إلى غيره، كىك الجمع بيف الأصؿ كالفرع في الحكـ . القياس: قكؿ مؤلَّؼ مف قضايا إذا سممت لزـ عنيا لذاتيا قكؿ آخر، كقكلنا: العالـ متغير، ككؿ متغير حادث؛ فإنو قكؿ مركب مف قضيتيف إذا سممتا لزـ عنيما لذاتيما : العالـ حادث؛ ىذا عند المنطقييف، كعند أىؿ الأصكؿ: القياس: إبانة مثؿ حكـ المذككريف بمثؿ عمتو في الآخر، كاختيار لفظ الإبانة دكف الإثبات؛ لأف القياس مظير لمحكـ لا مثبت، كذكر مثؿ الحكـ، كمثؿ العمة، احتراز عف لزكـ القكؿ بانتقاؿ الأكصاؼ، كاختيار لفظ المذككريف ليشمؿ القياس بيف المكجكديف كبيف المعدكميف . اعمـ أف القياس إما جمي، كىك ما تسبؽ إليو الأفياـ، كا ما خفي، كىك ما يككف بخلافو، كيسمى: الاستحساف؛ لكنو أعـ مف القياس الخفي؛ فإف كؿ قياس خفي استحساف، كليس كؿ استحساف قياسنا خفينا؛ لأف الاستحساف قد يطمؽ عمى ما ثبت بالنص كبالإجماع كالضركرة، لكف في الأغمب إذا ذكر الاستحساف يراد بو القياس الخفي "(2) . ىذا ىك مفيكـ القياس كطبيعتو، ككما نرل فإف ىذا الأصؿ يعتمد عمى ذكاء العالـ، كفطنتو، إذ ليس مف السيكلة بمكاف أف يتكصؿ المرء إلى قياس صحيح سميـ، كلا نشؾ أبدان في مقدرة العكبرم في التكصؿ إلى ىذه النماذج القياسية مف كلاـ العرب، كفيما يمي سنضرب أمثمة عمى القياس عند العكبرم في اعتراضاتو كترجيحاتو . مف المكاضع التي اعتمد فييا العكبرم عمى القياس في الاعتراض ن عمى قضية لغكية معينة، كمف ثـ الكصكؿ إلى الراجح مف الأقكاؿ ما ذكره في أصؿ كممة : "صيِّب" في 1 -السيكطي. الاقتراح، ص : 89 . 2 -الجرجاني . التعريفات، ص : 181 .
عدد الصفحات ٤٤35 قكلو تعالى: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭼ (1) . إذ يقكؿ العكبرم في ذلؾ : "كأصؿ "صيِّب" صىيٍكًب عمى "فىيٍعًؿ" فأبدلت الكاك ياءن كأيدغمت الأكلى فييا، كمثمو : ميِّت كىيِّف، كقاؿ الككفيكف: أصمو "صىكًيٍب" عمى فىعًيٍؿ كىك خطأ؛ لأنو لك كاف كذلؾ لصحت الكاك كما صحت في: طىكًيؿ كعكيؿ"(2) . لقد استعمؿ العكبرم القياس مرتيف في ىذه المسألة، أما المرة الأكلى فقد استعممو تأييدان لما رجحو مف أف "صيِّب" عمى "فىيٍعًؿ"، إذ جعؿ مف "صيب" فرعان، ككممتي: ميِّت، كىيِّف، أصلان، فكما أف ىاتيف الكممتيف كقع فييما قمب الكاك ياءن كأدغمت الأكلى في الثانية، فكذلؾ الحاؿ في "صيِّب" ، فالأصؿ: ميت كىيف، كالفرع : صيٌب، كالعمة التشابو بيف الأصؿ كالفرع في التركيب الصكتي، كالحكـ : إلحاؽ "صيِّب" بميٌت كىيٌف مف حيث اعتبار أصميا "فىيٍعًؿ، لمعمة الجامعة بينيما. أما المرة الثانية التي استعمؿ فييا العكبرم القياس فتتمثؿ في الاعتراض عمى ما قالو الككفيكف، فقد اعتبركا أف "صيب" عمى زنة "فىعًيؿ"، فأصميا: صىكيب، ثـ أبدلت الكاك ياءن، كأدغمت في الياء التي بعدىا، غير أف العكبرم استعمؿ القياس في اعتراضو عمى ذلؾ، كقاؿ : لك كاف الأمر كذلؾ فمماذا لـ تيبدؿ الكاك ياءن كدغمت في الياء الأخرل في كممة : طكيؿ، كعكيؿ" ما داـ الأمر عمى ذلؾ، فاعتراض العكبرم يتمثؿ في عدـ اطراد القاعدة، كالأصؿ أف تطرد، فالأصؿ : طكيؿ كعكيؿ، كالفرع : صيٌب كالعمة، التشابو المفظي التصكيتي في قكؿ الككفييف أف (صيب) عمى صكيب، كالحكـ: عدـ إلحاؽ صيٌب: بعكيؿ كطكيؿ لعدـ اكتماؿ الشبو بينيما، كعدـ اطراد القاعدة. كفي مكضع آخر يقكؿ العكبرم في بياف أصؿ كممة "آيىة": "كقيؿ: أصميا "آيية" عمى فاعمة، ككاف القياس أف تيدغـ فيقاؿ: آيٌة، مثؿ: دابٌة، كلكنيا خيففت كما خففت في 1 -سكرة البقرة، آية : 19 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 35 .
عدد الصفحات ٤٥36 "كيٍنكنة"، كأصميا "كيٌنكنة"، كىذا ضعيؼ لأف التخفيؼ في ذلؾ البناء كاف لطكؿ الكممة"(1) . إف العكبرم كا ف تحدث عف بعض ملامح القياس في الكممة السابقة إلا أنو أنيى كلامو باعتبار أف ىذا القياس خاطئ، كنفاه بعمة متمثمة بأف ما جرل لػ "كينكنة" يختمؼ عما جرل في "آية"، كعمكمان فإنو قد بيٌف احتجاج ىذا القكؿ بطريقة القياس. فالأصؿ: كيٍنكنة"، كالفرع : آيىة، كالعمة التشابو في طبيعة المفظ صكتيا، كما أف العمة تتمثؿ في إيقاع الحكـ عمى صكت الياء، كالحكـ: تخفيؼ ياء "آية" بعد أف كانت مثقٌمة كما خيففت في "كيٍنكنة" بعد أف كانت مثقمة عمى "كيٌنكنة". غير أننا أشرنا مف قبؿ أف العكبرم لـ يأخذ بيذا القياس، كبيف أنو خاطئ، لأف ما جرل في "كينكنة" يختمؼ عما جرل في "آية"، إذ إف الكممة الأكلى خيففت ياؤىا لطكليا، في حيف أف ىذه العمة ليست مكجكدة في كممة "آية". كفي مكضع آخر يستعمؿ فيو العكبرم القياس في بياف اعتراضو كترجيحو، كذلؾ في قكلو تعالى: ﭽ ﮫ ﮬ ﮭﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﭼ (2) . يقكؿ العكبرم في ذلؾ : " فأمة مبتدأ، كقائمة خبر لو، كالجار قبمو خبره، كيجكز أف تككف أمة فاعؿ الجار، كقد كيضع الظاىر ىنا مكضع المضمر، كالأصؿ: منيـ أمة، كقيؿ: أمة ريفع بسكاء، كىذا ضعيؼ في المعنى كالإعراب لأنو منقطع مما قبمو، كلا يصح أف تككف الجممة خبر ليس، كقيؿ: أمة اسـ ليس، كالكاك فييا حرؼ يدؿ عمى الجمع، كما قالكا: أكمكني البراغيث، كسكاء الخبر، كىذا ضعيؼ، إذ ليس الغرض بياف تفاكت الأمة التالية لآيات الله، بؿ الغرض أف مف أىؿ الكتاب مؤمنان ككافران "(3) . كلا يختمؼ ىذا المكضع مف حيث المعالجة عف المكضع الذم سبقو، فقد رفض العكبرم الاحتجاج بيذه الحجة القياسية التي اتخذىا الفريؽ القائؿ بأف "ليسكا سكاءه أمة" 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 56 . 2 -سكرة آؿ عمراف، آية : 113، لـ يجد الباحث ىذا الرأم في كتب إعراب كمعاني القرآف كالقراءات القرآنية . 3 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 286 .
عدد الصفحات ٤٦37 مف قبيؿ استعماؿ: "أكمكني البراغيث "، فالأصؿ: أكمكني البراغيث، كالفرع : ليسكا سكاء أمة، كالعمة: الشبو التركيبي بينيما، كالحكـ : إلحاؽ ليسكا سكاءن أمة، تركيبان كا عرابان بجممة: أكمكني البراغيث، مف حيث إف الكاك حرؼ داؿ عمى الجمع، كاسـ "ليس" ىك أمة، كخبرىا سكاء، كلقد رفض العكبرم ىذا القياس لاختلافو مع قصد الآية الكريمة . كفي مكضع آخر يتعرض فيو العكبرم لمقياس في حديثو عف قكلو سبحانو كتعالى : ﭼ (1) . يقكؿ العكبرم : "ىي العميا، مبتدأ كخبر، أك تككف ىي فصلان، كقرئ بالنصب، أم: كجعؿ كممةى الله، كىك ضعيؼ لثلاثة أكجو: أحدىا: أف فيو كضع الظاىر مكضع المضمر، إذ الأصؿ أف يقاؿ: كممتو، كالثاني: أف فيو دلالة عمى أف كممة الله كانت سفمى فصارت عميا، كليس كذلؾ، كالثالث : أف تككيد مثؿ ذلؾ بػ "ىي" بعيد إذ القياس إياىا(2) . لقد قاس العكبرم قكلو تعالى : ىي العميا، عمى ما استقاـ عنده مف كلاـ العرب، فجعؿ مف الأصؿ المنقكؿ عف العرب بتككيد المنصكب بضمير منصكب، كىك أصؿ مفترض، أم أنو لك كاف ىذا ىك مكضع الآية لكاف قياس العربية أف يقاؿ : ككممةى الله إياىا العميا، غير أف القرآف الكريـ ذكر ىذه الآية بمفظ "ىي العميا" مما يبعدىا عف قراءة النصب . كمف خلاؿ الأمثمة كالنماذج السابقة عمى اعتماد العكبرم عمى القياس كأصؿ مف أصكؿ النحك في الاعتراض كالترجيح فإننا يمكننا أف نلاحظ ما يأتي : 1 . إف العكبرم لا يقصر الحديث عف القياس فقط في المسائؿ التي يريد أف يرجحيا، كا نما يكرد القياس في بعض الأحياف كحجة لفريؽ مف الفرقاء المختمفيف، ثـ يرفض قياسيـ كما رأينا في النماذج السابقة . 2 . إف العكبرم مكلع بالقياس، حتى إف كثيران مف اعتراضاتو كترجيحاتو اعتمدت اعتمادان كبيران عمى القياس. 1 -سكرة التكبة، آية : 40 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 645 .
عدد الصفحات ٤٧38 3 . لا يكتفي العكبرم بإيراد القياس المنطقي القائـ عمى المقيس كالمقيس عميو، كالعمة، كالحكـ، بؿ يعتمد أيضان عمى القياس المغكم المعتمد عمى الاطراد في لغة العرب. كلك حاكؿ الباحث أف يستقصي مكاضع القياس كافة عند العكبرم لطاؿ بو المقاـ، خاصة أف الباحث سيناقش كؿ ىذه المسائؿ في الفصميف المقبميف، لذا فإنو يكتفي بإيراد ىذه النماذج القياسية التي اعتمدىا العكبرم كأصؿ مف أصكؿ الاعتراض كالترجيح في كتابو التبياف . كقد اعتمد العكبرم في اعتراضاتو كترجيحاتو فيك التعميؿ، كيشير الباحث ىنا قبؿ الخكض في عرض النماذج التي تؤيد أف العكبرم اعتمد عمى التعميؿ إلى أف التعميؿ كاف أكثرالمباحث الأصكلية اعتمادان مف قبؿ العكبرم، فأكثر المسائؿ النحكية المشتممة عمى الاعتراض كالترجيح يعتمد فييا العكبرم عمى التعميؿ اعتمادان كاضحان بيٌنان . يقكؿ الجرجاني في بياف معنى العمة : "العمة: لغةن : عبارة عف معنى يحؿ بالمحؿ فيتغير بو حاؿ المحؿ بلا اختيار، كمنو يسمى المرض عمة؛ لأنو بحمكلو يتغير حاؿ الشخص مف القكة إلى الضعؼ، كشريعةن : عبارة عما يجب الحكـ بو معو، كالعمة في العركض: التغيير في الأجزاء الثمانية، إذا كاف في العركض كالضرب . العمة: ىي ما يتكقؼ عميو كجكد الشيء كيككف خارجنا مؤثرنا فيو. عمة الشيء: ما يتكقؼ عميو ذلؾ الشيء، كىي قسماف: الأكؿ: ما تقكـ بو الماىية مف أجزائيا، كتسمى : عمة الماىية، كالثاني: ما يتكقؼ عميو اتصاؼ الماىية المتقكمة بأجزائيا بالكجكد الخارجي، كتسمى عمة الكجكد، كعمة الماىية؛ إما لأنو لا يجب بيا كجكد المعمكؿ بالفعؿ بؿ بالقكة، كىي العمة المادية، كا ما لأنو يجب بيا كجكده، كىي العمة الصكرية؛ كعمة الكجكد إما أف يكجد منيا المعمكؿ، أم يككف مؤثرنا في المعمكؿ مكجكدنا لو، كىي العمة الفاعمية، أك لا، كحينئذ إما أف يككف المعمكؿ لأجميا، كىي العمة الغائية، أك لا، كىي الشرط إف كاف كجكدينا، كارتفاع المكانع إف كاف عدمينا"1 . فالتعميؿ إذف خاص بذكر ىذه العمؿ التي تحكؿ دكف كقكع شيء ما، أك تككف سببان في كقكعو، فكما أف العمة تمنع كاقعان معينان، فإنيا في الكقت نفسو تككف سببان في أمر معيف. 1 -الجرجاني . التعريفات،ص : 154 .
عدد الصفحات ٤٨