7 كنجد المناكم يفصؿ الحديث في مفيكـ الترجيح، فلا يتعرض لو مف الناحية الاصطلاحية فحسب، بؿ يتعدل ىذه الناحية لمحديث عنو مف الجانب المغكم أيضان، فيبيف أف الترجيح لغة، زيادة المكزكف، تقكؿ : رجحت الميزاف ،ثقمت كفتو بالمكزكف، كرجحت الشيء بالتثقيؿ : فضمتو. كعرفا، تقكية أحد الدليميف بكجو معتبر . كعبر بعضيـ بزيادة كضكح في أحد الدليميف، كبعضيـ بالتقكية لأحد المتعارضيف أك تغميب أحد المتقابميف(2) . ك المقصكد بالترجيح في ىذه الدراسة لا يبتعد كثيران عف المفيكـ الاصطلاحي المذككر لو، فالمقصكد ىاىنا البحث عف ملامح الترجيح عند العكبرم، كالكصكؿ إلييا مف خلاؿ الأدلة، فما رجحو العكبرم مف الكجكه لا بد أف يككف ترجيحو لو قائمان عمى أساس مف التفكير العممي، كنابعان مف ميزة زائدة في ذلؾ الدليؿ عما سكاه مف الأدلة الأخرل، كناتجان عف كضكح في ذلؾ الدليؿ يختمؼ تمامان عف الأدلة الأخرل. كالترجيح بيذا المفيكـ يتفؽ مع الترجيح باعتباره أصلان مف الأصكؿ التي قاـ عمييا التقعيد النحكم عند العرب ، غير أنو يضاؼ إليو في مكضكع الدراسة ترجيح رأم مف آراء النحاة، دكف أف يتكقؼ عند ترجيح دليؿ عمى دليؿ ، فيصبح الترجيح بيذا المفيكـ شاملان لأم ترجيح كاف ، سكاء ما يقصد بو في الأصؿ المغكم ( التعارض كالترجيح ) ، أـ غيره . كتجدر الإشارة في ىذا المقاـ إلى أفٌ مصطمحي التعارض كالترجيح مف المصطمحات المتقابمة تمامان فلا يذكر أحدىما إلا كييستدعى ذكر الآخر؛ كلًذىا، فإنٌو لا بدٌ مف بياف مفيكـ التعارض، كبياف العلاقة بينو كبيف التٌرجيح. أمٌا التعارض لغةن : فيك مصدر الفعؿ( تعارض ) مًف ( المعارضة )، إذ يقاؿ: تعارض الشيئاف، إذا عارض كؿ منيما الآخر كقابمو، كمنو "اعترض فلاف فلانان " أمٍ 1 -السنيكي، أبك يحيى زكريا بف محمد بف أحمد بف زكريا (1411ىػ). الحدكد الأنيقة كالتعريفات الدقيقة، تحقيؽ: مازف المبارؾ، دار الفكر المعاصر، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ص : 83 . 2 -المناكم . التكقيؼ عمى ميمات التعاريؼ، ص : 95 .
عدد الصفحات ١٧8 كقع فيو.. كيقاؿ " لفلاف ابف يعارضو " : أم يقابمو بالدفع كالمنع . كيقاؿ " عارض الكتابى معارضةن كعراضان " : قابمىو بكتاب آخىر(1) . كا ذا عرفنا أف مبحث التعارض كالترجيح منقكؿ مف أصكؿ الفقو إلى أصكؿ النحك مع الفارؽ الذم بيَّنَّاه؛ فإننا نشير إلى أف ابف جني قد أفرد في كتابو (الخصائص) بابنا عنكانو: باب في تعارض السماع كالقياس؛ كما أشار إلى تحكيـ القياس في الترجيح بيف السماعيف إذا تعارضا (2)، كعقد الأنبارم في كتابو (الإغراب في جدؿ الإعراب كلمع الأدلة ) ثلاثة فصكؿ: أكليا: في المعارضة، كثانييا : في معارضة النقؿ بالنقؿ، كثالثيا : في معارضة القياس بالقياس (3) . ثـ جاء السيكطي فجمع ما ذكره ابف جني كما ذكره الأنبارم، كزاد عمييما فصكلان؛ فجعؿ التعارض كالترجيح في ست عشرة مسألة . كبتأمؿ ىذه المسائؿ التي ذكرىا السيكطي في (الاقتراح ) نمحظ أف بعض ىذه المسائؿ يندرج تحت تعارض الأدلة النحكية(4). فيكمف القكؿ: إفٌ التعارض يقع بتقابؿ دليميٍف متساكييٍف عمى كجٍو يقتضي كيؿٌ كاحد منيما خًلاىؼى ما يقتضيو الآخىر . أمٌا العلاقة بيف التعارض كالتٌرجيح فتكمف في أفٌ الترجيح كاحد مًف مراحؿ دفع التعارض، فإذا سمٌمنا بأفٌ التٌرجيح يقكـ عمى أساس تقكية أحد الدليميف بكجو معتبر، كتقكية أك تغميب أحد المتعارضيف أك المتقابميف (5) فإفٌ التعارض أساس لكجكد الترجيح، كأصٍؿ . 1 -ابف منظكر، لساف العرب، مادة ( عرض ) ج 10 :ص100 كما بعدىا، كالكفكم، الكميات ص850 2 -ابف جني، الخصائص، ج1:ص118 كما بعدىا. 3 -ابف الأتبارم، الإغراب في جدؿ الإعراب كلمع الأدلة ص 135 كما بعدىا. 4 -السيكطي، الاقتراح في عمـ أصكؿ التحك ص 396 كما بعدىا. 5 -المناكم . التكقيؼ عمى ميمات التعاريؼ، ص : 95 .
عدد الصفحات ١٨9 فمىمٌا كاف الترجيح لا بيدٌ فيو مًف طرفيٍف متقابميٍف أك متعارضيٍف حتى نرجِّح بىيٍنىييمىا، فإنٌو لا بيدٌ لو مًف كجكد التعارض، في حيف أفٌ التعارض ليس بالضركرة أف يحتاج إلى الترجيح . كلذا، فإف ىذه الدراسة تسعى إلى استقصاء المكاضع الاعتراضية التي ذكرىا العكبرم في كتابو التبياف في إعراب القرآف، كذلؾ مف أجؿ تحميميا تحميلان عمميان نابعان مف ذلؾ فكر العكبرم، كمف ثـ بياف ترجيحاتو في تمؾ المسائؿ المغكية نحكان كصرفان كصكتان كدلالة ، كبياف الأصكؿ كالمبادلء التي اعتمد عمييا العكبرم في ترجيحاتو التي تكصؿ إلييا. كانطلاقان مف ىذا كمو فإف دراسة ىذه المكاضع المغكية لا تقتصر عمى الخلاؼ أك الاختلاؼ بيف آراء العمماء كالمغكييف المختمفة فحسب، بؿ تتعدل ذلؾ إلى الكصكؿ إلى جكانب التفكير الذم امتاز بو العكبرم في النكاحي المغكية المختمفة، فالعكبرم ليس مجرد ناقؿ ليذه الآراء، كا نما ىك لغكم لو باعو الطكيؿ في ميداف المغة، كا ذا رجٌح رأيان فإنما ييرجحو انطلاقان مف فكره الذم يراه سميمان كمنطقو الذم يرتضيو، كا ذا ضعٌؼ شيئان فإنو يضعفو لأنو ضعيؼ، كلأف المنطؽ المغكم السميـ يراه ضعيفان، كىذا ما يقكد الباحث إلى التعمؽ بالنظر الدقيؽ في مسائؿ الاعتراض كالترجيح عند العكبرم في كتابو: التبياف. كلكف قبؿ أف يشرع الباحث في تحميؿ ىذه المكاضع كاستقرائيا استقراءن عمميان يجد مف الضركرم أف يتعرض لبعض الجكانب النظرية كي تكتمؿ الصكرة عمى كجييا التاـ، كفيما يمي تعريؼ بكتاب : "التبياف في إعراب القرآف، كيميو تعريؼ مكجز بالعكبرم كي تتضح لنا معالـ شخصيتو العممية المغكية . التعريف بكتاب: التبيان في إعراب القرآن . مف النظرة الأكلى لعنكاف ىذا الكتاب نجد أنو كتاب يأخذ جانبان مف التفسير المغكم في مسائؿ لغكية قرآنية، كيتخذ المصنؼ مف آيات القرآف الكريـ مادة أكلية لو يستقي منيا المادة العممية المخصصة لمدراسة كما ىك ظاىر لنا مف عنكاف الكتاب . كضع ىذا الكتاب أبك البقاء العكبرم المتكفى سنة ست عشرة كستمائة لميجرة، كىك أحد الكتب المجمدة، إذ يتناكؿ ىذا الكتاب مكضكع إعراب القرآف الكريـ، كافتتحو أبك
عدد الصفحات ١٩10 البقاء بحمد الله تعالى كالثناء عميو عمى ما أنعـ عميو سبحانو كتعالى مف فضؿ كنعمة كبركة بأف كفقو إلى حفظ كتاب الله تعالى، كنظـ ىذا المصنؼ في خدمة ىذا الكتاب المقدس(1) . كلقد حظي ىذا الكتاب منذ أف كضعو العكبرم بمكانة كاسعة عند أىؿ العمـ، فكاف يتناقمو النساخ مف يد إلى أخرل، ككانكا يحتفظكف بيذه النسخ حتى كصؿ عدد منيا إلينا في القركف الحديثة، كقد كتب بعضيـ عمى صفحتو الأكلى بعض المعمكمات المتعمقة بالناسخ، ككتب بعضيـ أبياتان شعرية لابف عربي مثلان أك غيره مف الزىاد كالمتصكفيف(2) . كيذكر بعض العمماء أسماء أخرل ليذا الكتاب، مثؿ : إملاء ما مف بو الرحمف مف كجكه الإعراب كالقراءات في جميع القرآف، كيسمى كذلؾ : الترصيؼ في التص ريؼ(3) . كا ف أكثر ىذه الأسماء شيكعان"إملاء ما مف بو الرحمف "، حتى إف كثيران مف طمبة العمـ، كركاة ىذا الكتاب يرككنو بيذا الاسـ، كالكاقع أف ىذيف الاسميف لكتاب كاحد(4) . كيرل الباحث أف ىذه الأسماء التي أيطمقت عمى ىذا الكتاب ما ىي إلا أكصاؼ قد كيصؼ بيا، غير أنو لما شاعت تمؾ الأكصاؼ بيف أكساط أىؿ العمـ صارت بمثابة الأسماء ليذا الكتاب، كالراجح عندم أنو باسـ التبياف في إعراب القرآف، لأف النسخة المطبكعة تذكر في آخر صفحات الكتاب بأف النسخة مكتكب فييا: كىذا آخر ما تيسر 1 -العكبرم، أبك البقاء عبد الله بف الحسيف بف عبد ا (د.ت). التبياف في إعراب القرآف، تحقيؽ : عمي محمد البجاكم، الناشر عيسى البابي الحمبي كشركاؤه، القاىرة ػ مصر، ج : 2، ص: 1 . 2 -الخيمى، صلاح محمد(1983ـ). فيارس عمكـ القرآف لمخطكطات دار الكتب الظاىرية، مجمع المغة العربية بدمشؽ، دمشؽ ػ سكريا، الطبعة الأكلى، ج : 2 ، ص: 67 ػ69 . 3 -انظر: الزركمي، خير الديف بف محمكد بف محمد (2002ـ). الأعلاـ، دار العمـ لمملاييف، بيركت ػ لبناف، الطبعة الخامسة عشرة، ج : 4، ص: 80 . 4 -كحالة، عمر بف رضا بف محمد راغب (د.ت). معجـ المؤلفيف، دار المثنى، بيركت ػ لبناف، كدار إحياء التراث العربي، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج : 6، ص: 47 .
عدد الصفحات ٢٠11 مف إملاء كتاب التبياف في إعراب القرآف (1)، مما يدلنا عمى أف اسمو الذم اشتيير بو ىك ىذا الاسـ، كأف بقية الأسماء الأخرل ما ىي إلا أكصاؼ ليذا الكتاب، كربما تسرب اسـ "إملاء ما مف بو الرحمف " مف عبارة "إملاء كتاب التبياف.." فمع تعدد النسخ قد يتسرب مثؿ ىذا الاسـ ، كمف ثـ يصبح اسمان آخر لمكتاب. أما اسـ "الترصيؼ في الترصيؼ " فمـ يعثر الباحث عمى ىذا الاسـ عند أحد مف العمماء غير ما ذكره الزركمي فيما سبقت الإشارة إليو، كربما كاف ىذا الاسـ قميؿ التناكؿ كالتداكؿ، كمف ىنا فمـ يجد لو الباحث ذكراى عند أىؿ فيارس الكتب كالمؤلفيف، في حيف أف اسـ "إملاء ما مف بو الرحمف " كاف حاضران عند كثير منيـ كما رأينا(2) . كيبيف العكبرم في بداية كتابو أف الدافع الذم دفعو إلى كتابة ىذا الكتاب ىك ذلؾ الفضؿ الكبير كالمكانة الكاسعة لكتاب الله سبحانو كتعالى بيف أفراد الأمة الإسلامية، فإف عمكـ القرآف الكريـ أجؿ العمكـ كأشرفيا، كمف ىنا فإف عمى أىؿ العمـ أف يجتيدكا ما استطاعكا في تأليؼ المؤلفات كالمصنفات التي تتناكؿ ىذا الكتاب العظيـ، كالتركز عمى بياف معانيو، كتبياف أسراره كا عجازه، كليذا كضع العكبرم كتابو ىذا(3) . كمف ناحية أخرل فإف العكبرم بيٌف أيضان في مطمع كتابو أف الكتب في إعراب القرآف الكريـ كبياف معانيو كثيرة، كلقد طكِّلت بالقدر الذم صار معو الاطلاع عمييا صعبان، كالأخذ منيا بعيدان، فأراد العكبرم أف يضع مصنفان صغير الحجـ، كثير العمـ، يركز فيو عمى القراءات القرآنية ككجكه الإعراب في كتاب الله تعالى، كىك اليدؼ الأساسي مف كضع ىذا المصنؼ(4) . مما سبؽ يمكننا أف نتبيف الأمكر الآتية: 1 -العكبرم، أبك البقاء عبد الله بف الحسيف بف عبد ا (د.ت). التبياف في إعراب القرآف، تحقيؽ : عمي محمد البجاكم، الناشر عيسى البابي الحمبي كشركاؤه، القاىرة ػ مصر، ج : 2، ص: 1312 . 2 -انظر: فانديؾ، ادكارد كرنيميكس (1896ـ). اكتفاء القنكع بما ىك مطبكع، صححو كزاد عميو : محمد عمي الببلاكم، مطبعة التأليؼ، اليلاؿ ػ مصر، الطبعة الأكلى، ص : 121 . 3 -العكبرم . التبياف في إعراب القرآف، ج : 1، ص: 1 . 4 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 2 .
عدد الصفحات ٢١12 أكلان: لقد حظي كتاب التبياف بمكانة فريدة بيف أىؿ العمـ كطلابو، كذلؾ نتيجة لما احتكاه مف العمـ الغزير، فأقبؿ عميو الطلاب كأىؿ العمـ نىسخان كشرحان، كمف ثـ طباعة. ثانيان : تكمف أىمية كتاب التبياف في أنو كتاب صغير الحجـ، غزير المعاني كالأفكار، كأنو يمثؿ مرجعان ميمان مف مراجع إعراب القرآف، كالنظر في القراءات. ثالثان : نتيجة ليذه القيمة الكبيرة لكتاب التبياف فقد كيصؼ بأكصاؼ صارت بمثابة الأسماء لو عند بعض أىؿ العمـ، مف مثؿ: إملاء ما مف بو الرحمف، كالحقيقة أف إملاء ما مف بو الرحمف، كالتبياف في إعراب القرآف اسماف لكتاب كاحد، كالله أعمـ . كقبؿ أف يشرع الباحث في الحديث عف جكانب الاعتراض كالترجيح عند العكبرم في ىذا الكتاب فإف مف الأكلى بو أف يعرؼ بصاحب الكتاب، كفيما يمي تعريؼ بأبي البقاء العكبرم . التعريف بببي البقاء العُكببَرِيّ : ىك أبك البقاء عبد الله بف الحسيف بف عبد الله بف الحسيف العكبرم البغدادم الأزجي الحنبمي النحكم المغكم الفرضي محب الديف (1)، كلقد ليقب بالعكبرم نسبة إلى مدينة "عكبرل " التي كيلد فييا(2) . مولده وحياتو: كيلد الإماـ أبك البقاء العكبرم في سنة ثمافو كثلاثيف كخمسمائة لميجرة، كعاش في بغداد، كقد أيصيب بجدرم في صباه مما أضر بعينيو، فكاف ضريران رحمو الله تعالى، لكنو أقبؿ عمى العمـ في بغداد منذ نعكمة أظفاره، فقرأ المغة، كالنحك، كالأدب، كالفقو، كالفرائض، كالكلاـ، فيك إماـ في كؿ ذلؾ (3) . 1ػ الحمكم، أبك عبد الله ياقكت بف عبد ا (1993ـ). معجـ الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيؽ: إحساف عباس، دار الغرب الإسلامي، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج : 4، ص: 1515. 2 -السيكطي، عبد الرحمف بف أبي بكر جلاؿ الديف (1964ـ). بغية الكعاة، تحقيؽ: محمد أبك الفضؿ إبراىيـ، مطبعة عيسى البابي الحمبي، القاىرة ػ مصر، الطبعة الأكلى، ج : 2، ص: 38 . 3 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 .
عدد الصفحات ٢٢13 كاف العكبرم صاحب مبدأ، كما عيرؼ عنو تمسكو بمذىبو الذم يعتنقو، إذ قاؿ يكمان : إنو قد عيرض عميو مف الشافعييف أف يعتنؽ مذىبيـ فيعطكه تدريس النحك في النظامية، غير أنو رفض تمسكان بمذىبو الحنبمي الذم اعتنقو، كقاؿ: كالله لك أكقفتمكني ثـ صببتـ عميٌ الذىب صبان حتى أتكارل بو ما رجعت عف مذىبي(1) . ككاف رحمو الله كثير الحفظ، قكم الذاكرة، كاسع الاطلاع، يمضي كقتو في العمـ كالتعميـ، فلا تمر عميو ساعة مف ليؿ أك نيار إلا في العمـ، ككانت زكجتو تقرأ لو الكتب التي يريدىا في الميؿ (2). شيوخو: تتممذ العكبرم رحمو الله تعالى عمى عدد مف الشيكخ كالعمماء مف بينيـ : ػ ابف الخشاب(3) . ػ أبك الحسف عمي بف عساكر كأخذ عنو القراءة (4) . ػ عبد الرحيـ بف العصار، كعميو قرأ الأدب (5) . ػ أبك البركات بف نجاح كقد أخذ عنو النحك ( 6) . ػ الشيخ أبك حكيـ إبراىيـ بف دينار النيكندم الذم قرأ الفقو عميو (7 ) . ػ أبك الفتح البطي(8)،كقد سمع عنو في صباه كأخذ عنو الحديث(9) . 1 -الذىبي. تاريخ الإسلاـ، ج : 13، ص: 472 . 2 -السيكطي. بغية الكعاة، ج: 2، ص: 39 . 3 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 4 -الذىبي، شمس الديف أبك عبد الله محمد بف أحمد بف عثماف(2003ـ). تاريخ الإسلاـ ككفيات المشاىير كالأعلاـ، تحقيؽ: بشار عكاد معركؼ، دار الغرب الإسلامي، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج: 13، ص: 471. 5 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 6 -الذىبي. تاريخ الإسلاـ، ج : 13، ص: 472 . 7 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 8 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 9 -السيكطي. بغية الكعاة، ج: 2، ص: 39 .
عدد الصفحات ٢٣14 ػ أبك زرعة طاىر بف محمد بف طاىر المقدسي (1) . ػ أبك بكر عبد الله بف النقكر(2) . ػ أبك العباس أحمد بف المبارؾ المرقعاني (3) . تلاميذه: لا شؾ أف عالمان مثؿ أبي البقاء العكبرم سيككف ىدفان لطمبة العمـ، كغاية كؿ باحث عف المعرفة، لذا نجد عددان كبيران مف التلاميذ الذيف تتممذكا عمى يديو، منيـ: الدبيثي، كابف النجار، كالضياء المقدسي، كجماؿ بف الصيرفي (4)، كالمكفؽ بف صدقة الحاراني، كيحيى بف يحيى الحاراني، كالكماؿ البزاز (5) . عممو: لقد كاف العكبرم إمامان عارفان في عمكـ شتى، لا يقؿ عممو في أحدىا عف الآخر، إذ حفظ القرآف الكريـ كاملان منذ صغره(6)، ككاف نحكيان، لغكيان، فقييا، فرائضيان، كلاميان، ككاف يقرأ كؿ ذلؾ كىك ضرير لا يرل، فقد كاف في العمـ فرد زمانو، كمنحة الدىر في أكانو، كلقد عيرؼ عنو بعض الشعر، غير أنو قاؿ ذات يكـ إف عمكمو قد شغمتو عف قكؿ الشعر، فمـ ينشد إلا أربعة أبيات فقط (7) . كلقد اشتيير ىذا العالـ الجميؿ بمعرفتو العميقة في المغة كالفقو كالفرائض، كذاع صيتو في الأمصار، الأمر الذم دفع بالطمبة إلى المسير إليو مف كافة النكاحي، 1 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 2 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 3 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 . 4 -الذىبي. تاريخ الإسلاـ، ج : 13، ص: 472 . 5 -الداككدم، شمس الديف محمد بف عمي بف أحمد(د.ت). طبقات المفسريف، راجعو كضبط أعلامو: لجنة مف العمماء بإشراؼ الناشر، دار الكتب العممية، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج: 1، ص: 233 . 6 -محيسف، محمد محمد محمد سالـ(1992ـ). معجـ حفاظ القرآف عبر التاريخ، دار الجيؿ، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج: 2، ص: 98 . 7 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1515 ػ1516 .
عدد الصفحات ٢٤15 فأقرأىـ المذىب، كالفقو، كالنحك، كالفرائض كغيرىا، كلقد عيرؼ عنو التكاضع، كليف القمب، كحسف العشرة، علاكة عمى دينو كتمسكو بمذىبو، ككاف ثقة كعالماى جميلاى (1) . ككاف العكبرم إذا أراد أف يضع مصنفان في عمـ مف العمكـ ذكر لتلاميذه أف يجمعكا لو ما كيتًب فيو مف المصنفات، ثـ إذا حصؿ لو في خاطره ما يريد مف ىذا العمـ كالفف أممى مف حفظو ما أراد لتلاميذه، كمف ىنا كصفو بعض المخذٌليف بقكليـ: أبك البقاء تمميذ تلامذتو، أم أنو تبع ليـ بما يقكلكف(2) . يظير لنا مف خلاؿ ما سبؽ مف حديثنا عف حياة أبي البقاء العكبرم أنو أفنى حياتو كعمره في طمب العمـ، كأمضى في سبيؿ ذلؾ السنكات الطكاؿ، فلا ييستغرب إذف أف نجده مصنفان بارعان، كعالمان كبيران، كمؤلفان حاذقان، فإف اطلاعو عمى كؿ ىذه العمكـ يمنحو المقدرة عمى التصنيؼ كالتأليؼ . كتبو ومؤلفاتو: كلمعكبرم التصانيؼ الكثيرة، كالمؤلفات الغزيرة نذكر منيا : تفسير القرآف، كا عراب القرآف، كا عراب الشكاذ مف القراءات، كمتشابو القرآف، كعدد آم القرآف، كا عراب الحديث، كالمراـ في نياية الأحكاـ في المذىب، كالكلاـ عمى دليؿ التلازـ، كتعميؽ في الخلاؼ، كالممقٌح مف الخطؿ في الجدؿ، كشرح اليداية لأبي الخطٌاب،كالناىض في عمـ الفرائض، كالبمغة في الفرائض، كالتمخيص في الفرائض ،كالاستيعاب في أنكاع الحساب،كمقدٌمة في الحساب، كشرح الفصيح، كالمشكؼ المعمـ في ترتيب كتاب إصلاح المنطؽ عمى حركؼ المعجـ ، كشرح الحماسة ، كشرح المقامات الحريريٌة. شرح الخطب النباتيٌة ، كالمصباح في شرح الإيضاح كالتكممة ، كالمتٌبع في شرح المٌمع. لباب الكتاب، كشرح أبيات كتاب سيبكيو ، كا عراب الحماسة، كالإفصاح عف معاني أبيات الإيضاح ، كتمخيص أبيات الشعر لأبي عميٌ، كالمحصٌؿ في إيضاح المفصٌؿ. كنزىة الطرؼ في إيضاح قانكف الصرؼ ، كالترصيؼ في عمـ التصريؼ ،كالمٌباب في 1 -الذىبي. تاريخ الإسلاـ، ج : 13، ص: 472 . 2 -الصفدم، صلاح الديف خميؿ بف أيبؾ(2000ـ). الكافي بالكفيات، تحقيؽ: أحمد الأرناؤكط، كتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج : 17، ص: 74 .
عدد الصفحات ٢٥16 عمؿ البناء كالإعراب ، ك الإشارة في النحك - مختصر ، كمقدمة في النحك، كأجكبة المسائؿ الحمبيٌات، كالتمخيص في النحك، ك التمقيف في النحك، كالتيذيب في النحك. كشرح شعر المتنبٌي ،ك شرح بعض قصائد رؤبة ،كمسائؿ في الخلاؼ في النحك. كتمخيص التنبيو لابف جنٌي، كالعركض- معمٌؿ، كالعركض- مختصر، كمختصر أصكؿ ابف السرٌاج ،كمسائؿ نحك مفردة. مسألة في قكؿ النبيٌ صمٌى الله عميو كسمٌـ: «إنٌما يرحـ الله مف عباده الرحماء»، كالمنتخب مف كتاب المحتسب، كلغة الفقو(1) . وفاتو: تكفي أبك البقاء العكبرم رحمو الله تعالى في ربيع الآخر مف عاـ ستة عشر كستمائة لميجرة (2)، كىذا التاريخ ىك الأكثر ذكران في المصادر التي عاد إلييا الباحث، غير أنو ييذكر أنو تكفي في عاـ أربعة كستمائة لميجرة(3) . 1 -الحمكم . معجـ الأدباء، ج: 4، ص: 1516 ػ1517 . 2 -الذىبي. تاريخ الإسلاـ، ج : 13، ص: 471 . 3 -السكدكني، أبك الفداء زيف الديف قاسـ بف قطمكبغا (2011ـ). الثقات ممف لـ يقع في الكتب الستة، دراسة كتحقيؽ : شادم بف محمد بف سالـ آؿ نعماف، مركز النعماف لمبحكث كالدراسات الإسلامية كتحقيؽ التراث كالترجمة، صنعاء ػ اليمف، الطبعة الأكلى، ج : 5، ص: 510 .
عدد الصفحات ٢٦17 الفصل الأول منيج العكبري في اعتراضاتو وترجيحاتو تشرع ىذه الدراسة في الحديث عف منيج العكبرم في اعتراضاتو عمى النحاة كترجيحاتو ضمف كتابو : التبياف في إعراب القرآف، ذلؾ كي يككف ىذا الفصؿ مميدان لما سيجيء بعده مف الفصكؿ التي ستتناكؿ مكاضع الاعتراض كالترجيح في كتاب العكبرم السابؽ، إذ لا بد لنا قبؿ أف نكضح تمؾ المكاضع كالمسائؿ أف نتمثؿ منيج العكبرم في تناكؿ ىذه القضايا الاعتراضية، كبياف منيجو في ذلؾ ، كي تتضح الصكرة . كمف ىنا فإف ىذا الفصؿ سينقسـ إلى ثلاثة مباحث رئيسة ىي : المبحث الأكؿ: النحاة الذيف اعترض عمييـ العكبرم في كتابو التبياف، المبحث الثاني : منيجو في الاعتراض، المبحث الثالث : الأصكؿ التي اعتمد عمييا في اعتراضاتو كترجيحاتو . 1.1 النحاة الذين اعترض عمييم العكبري في كتابو التبيان : مف خلاؿ دراسة المسائؿ التي اعترض فييا العكبرم عمى النحاة تبيف أنو لـ يكف معترضان عمى نحكم بعينو، كالكسائي، أك الفراء، أك أبي عبيدة، أك المبرد، كىكذا، كا نما كاف اعتراضو في صكرتو الأساسية ينصب عمى المسألة بعينيا، فقد يعترض عمى الكسائي في مسألة، كيكافقو في مسألة أخرل، كىكذا مع سائر النحاة، ىذا بالرغـ مف اعتراضو كثيران عمى بعضيـ دكف الآخر. فقد اعترض العكبرم عمى الكسائي، كذلؾ في قكلو سبحانو كتعالى : ﭽ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ ﭼ (1) . إذ ينقؿ العكبرم حديثان لمكسائي كالفراء معان يبيف فيو سبب جر"قتاؿو " في الآية الكريمة، إذ يقكؿ: "كقاؿ الكسائي: ىك مخفكض عمى التكرير، يريد أف التقدير : عف قتاؿو فيو، 1 -سكرة البقرة، آية : 216 .
عدد الصفحات ٢٧18 كىك معنى قكؿ الفراء؛ لأنو قاؿ : ىك مخفكض بعف مضمرة، كىذا ضعيؼ جدان؛ لأف حرؼ الجر لا يبقى عممو بعد حذفو في الاختيار "(1) . لقد اعتمد الفراء فيما ذىب إليو مف اعتبار أف "قتاؿو " في الآية الكريمة مخفكض بعف مضمرة عمى قراءة عبد الله بف مسعكد، فقد قرأ : عف قتاؿو فيو، كمف ىنا بيٌف الفراء أف السبب في خفض ىذه الكممة ناتج عف حرؼ الجر المضمر (2) . كعمكمان فإف ما ييمنا ضمف ىذا الفصؿ أف نبيف أف العكبرم قد عارض الكسائي في ما ذىب إليو ىك كالفراء، كلا نريد الإسياب في الحديث عف ىذا المكضع لأننا في الفصؿ الثاني سنتناكؿ المكاضع النحكية كافة التي اعترض فييا العكبرم عمى النحاة، كنناقشيا مناقشة مسيبة، لذا فإننا لا نريد أف نعيد ما قمناه ىنا بما سنقكلو ىناؾ . ككما ىك ظاىر لنا فإف العكبرم قد اعتمد عمى قاعدة نحكية قياسية في ذىنو تتمثؿ بأف حرؼ الجر لا يعمؿ محذكفان، كا ذا كرد شيء عف العرب حيذًؼ فيو حرؼ الجر كبقي عممو، فما ذاؾ إلا مف قبيؿ الشذكذ(3) . كفي المسألة نفسيا نجد العكبرم يعترض عمى نحكم ثالث ىك أبك عبيدة، إذ قاؿ أبك عبيدة في سبب خفض "قتاؿو " :إنو مخفكض عمى الجكار، غير أف العكبرم عمؽ عمى كلامو ىذا بقكلو: "كىك أبعد مف قكليما؛ لأف الجكار مف مكاضع الضركرة كالشذكذ، كلا ييحمىؿ عميو ما كيجًدت عنو مندكحة"(4) . كنتكقؼ عند قكؿ العكبرم : ما كجدت عنو مندكحة، كلقد قصد العكبرم مف ىذه العبارة أف الجكار لا ييقاؿ بو إلا إذا لـ يكف ىناؾ أم تأكيؿ آخر لممسألة إلا عمى 1 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 174 . 2 -الفراء، أبك زكريا يحيى بف زياد (د.ت). معاني القرآف، تحقيؽ : أحمد يكسؼ النجاتي، كمحمد عمي النجار، كعبد الفتاح إسماعيؿ الشمبي، دار المصرية لمتأليؼ كالترجمة، القاىرة ػ مصر، الطبعة الأكلى، ج: 1، ص: 141 . 3 -الأزىرم، خالد بف عبد الله بف أبي بكر (2000ـ). شرح التصريح عمى التكضيح أك التصريح بمضمكف التكضيح في النحك، دار الكتب العممية، بيركت ػ لبناف، الطبعة الأكلى، ج: 1، ص: 466 . 4 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 174 .
عدد الصفحات ٢٨19 الجكار، فإذا كيجد تأكيؿ آخر غير الجكار فيك أكلى بالاتباع مف الجكار، كما دامت الآية الكريمة يمكف أف تؤكؿ عمى البدؿ فلا حاجة لعد "قتاؿو " مخفكض عمى الجكار. كقد اعترض العكبرم عمى الفراء في إعرابو لكممة "نفسىو" في قكلو تعالى: ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﭼ (1) . إذ ينقؿ لنا العكبرم قكلان لمفراء يقكؿ فيو إف نفسو منصكبة عمى التمييز، فأجاب العكبرم عف ذلؾ بقكلو : "كىك ضعيؼ لككنو معرفة "(2) . ككما نرل فإف العكبرم أيضان في ىذا المكضع قد احتكـ إلى القاعدة النحكية التي تقكؿ بأف الأكثر كالأكلى في التمييز أف يككف نكرة (3)، ككممة"نفسو" في الآية الكريمة معرفة، كمف ىنا فإف اعتبارىا تمييزان يخرؽ القاعدة النحكية الأصيمة. كيعترض العكبرم عمى الفراء أيضان في حديثو عف الفعؿ "استكانكا" فقد افترض الفراء أف أصؿ ىذا الفعؿ "اسٍتىكىنيكا" ثـ أيشبًعت الفتحة فصارت ألفان، ثـ يعمؽ العكبرم عمى ذلؾ بقكلو: "كىذا خطأ؛ لأف الكممة في جميع تصريفاتيا ثبتت عينيا، نقكؿ : استكاف، يستكيف، استكانة، فيك مستكيف، كميستكافه لو، كالإشباع لا يككف عمى ىذا الحد"(4) . حيف أراد العكبرم أف ينفي كلاـ الفراء قاس الكممة عمى سائر تصاريفيا التي تيسمع عف العرب، فمما كجد الألؼ ثابتة في التصاريؼ جميعان، كليس مف ىذه التصاريؼ ما يخمك مف ىذه الألؼ كحكـ بأنيا عيف الكممة، كحكـ عمى ما قالو الفراء بالخطأ، كبيف مصدر الخطأ فيو. 1 -سكرة البقرة، آية : 130 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 117، أنظر الفراء،معاني القرآف :1، ص:79 ، كذكر أنو مفسر كيقصد بو الككفيكف التمييز 3 -ابف الكراؽ، أبك الحسف محمد بف عبد الله بف العباس (1999ـ). عمؿ النحك، تحقيؽ: محمكد جاسـ محمد الدركيش، مكتبة الرشد، الرياض ػ السعكدية، الطبعة الأكلى، ص : 371 . 4 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 300 .
عدد الصفحات ٢٩20 كييخطٌئ العكبرم الفراءى في مكضع آخر مف كتابو، كذلؾ عند تفسيره لقكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭼ (1) . فقد عد الفراء جممة "تجرم مف تحتيا ... "، خبر لػ "مثؿ"، فقاؿ العكبرم : "كىذا عند البصرييف خطأ؛ لأف المثؿ لا تجرم مف تحتو الأنيار، كا نما ىك مف صفة المضاؼ إليو، كشبيتو أف المثؿ ىاىنا بمعنى الصفة، فيك كقكلؾ: صفة زيد أنو طكيؿ "(2) . كلقد استعمؿ العكبرم كما نرل القياس ىاىنا أيضان، كبيٌف مف خلالو أف ما قالو الفراء لا يصح، كا نما ىك خاطئ مف كجية نظر نحاة البصرة، فالمثؿ لا يجكز أف نخبر عنو بػ "تجرم تحتيا الأنيار "، كا نما ىذا مف صفة المضاؼ إليو. كيستمر العكبرم في معارضة الفراء فيما يذىب إليو مف رأم، فيبيف العكبرم أف كممة "سىيٍناء" تقرأ بكسر السيف كفتحيا (3)، كا ذا فيتحت السيف فإف اليمزة لا تككف أصمية، بؿ ىي لمتأنيث، إذ ليس في الكلاـ "فىعٍلاؿ"، ثـ ينفي قكؿ الفراء فيقكؿ : "كما حكى الفراء مف قكليـ : ناقة فييا خىزٍعاؿ(4)، لا يثبت، كا ف ثبت فيك شاذ لا ييحمىؿ عميو"(5) . نرل أف رد العكبرم عمى الفراء في ىذه القضية ينقسـ إلى شقيف : الأكؿ: أنو نفى ثبكت ىذا الكصؼ لمناقة في الكلاـ العربي، كذلؾ لعدـ كجكد كزف فىعلاؿ في الكلاـ العربي، الثاني : أنو افترض أنو لك ثبت ىذا الكصؼ لمناقة في الكلاـ العربي فيك شاذ لا يقاس عميو فيما سكاه مف الكلاـ. 1 -سكرة الرعد، آية : 35 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 760 . 3 - الفارسي، أبك عمي الحسف بف أحمد بف عبد الغفار (1993ـ). الحجة لمقراء السبعة، تحقيؽ : بدر الديف قيكجي، كبشير جكيجابي، راجعو كدققو : عبد العزيز رباح، كأحمد يكسؼ الدقاؽ، دار المأمكف، دمشؽ ػ سكريا، كبيركت ػ لبناف، الطبعة الثانية ، ج :5 ، ص:289 ، قرأ ابف كثير كنافع كأبكعمرك بكسر السيف ، كقرأ الباقكف بفتح السيف 4 -لقد عاد الباحث إلى معاني الفراء فمـ يجد فييا شيء يخص ىذا الكصؼ لمناقة 5 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 952 .
عدد الصفحات ٣٠21 كمف اعتراضات العكبرم عمى الفراء في ما ذىب إليو مف تأكيلات ما ذكره العكبرم في تركيب "كيكأف" في قكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷﮸ ﮹ ﮺ ﮻ ﮼ ﮽ ﮾ ﮿﯀ ﯁ ﯂ ﭼ (1) . فيقكؿ العكبرم ناقلان قكؿ الفراء في ىذه المفظة: "قاؿ الفراء : الكاؼ مكصكلة بػ "كم"، أم كيؾ اعمـ أف الله يبسط، كىك ضعيؼ لكجييف، أحدىما: أف معنى الخطاب ىنا بعيد، كالثاني: أف تقدير "كم اعمـ " لا نظير لو، كىك غير سائغ في كؿ مكضع"(2) . كالحديث عف ىذا المكضع مفصلان سيأتي في الفصؿ الثاني، إذ إف الباحث حيف عاد إلى معاني الفراء لـ يجد ىذا الرأم عنده، فإذا لـ يكف رأم الفراء في ىذه الكممة مكجكدان في معاني القرآف فأيف يمكف أف يكجد؟! كمف خلاؿ ما سبؽ يتضح لنا أف العكبرم كاف أكثر معارضة لمفراء مف غيره مف النحاة، فكاف يعارضو كثيران في أقكالو، كىذا لا يعني أنو يجرح الفراء، كا نما يذكر ما استقاـ لو مف الكجكه. كنجد العكبرم أيضان يعترض عمى كلاـ المبرد في بياف الطمب في قكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮲ ﮳ ﮴ ﮵ ﮶ ﮷ ﮸ ﮹ ﭼ " (3) . فيقكؿ العكبرم : "كالقكؿ الثاني يحكى عف المبرد، كىك أف التقدير : قؿ ليـ أقيمكا، يقيمكا، فيقيمكا، المصرح جكاب "أقيمكا" المحذكؼ، كحكاه جماعة كلـ يتعرضكا لإفساده، كىك فاسد لكجييف: أحدىما: أف جكاب الشرط يخالؼ الشرط، إما في الفعؿ أك في الفاعؿ أك فييما، فأما إذا كاف مثمو في الفعؿ كالفاعؿ فيك خطأ، كقكلؾ: قـٍ 1 -سكرة القصص، آية : 82 . 2 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 1027 . 3 -سكرة إبراىيـ، آية : 31 .
عدد الصفحات ٣١22 تقـٍ، كالتقدير عمى ما ذيكر في ىذا الكجو: إفٍ ييقيمكا يقيمكا . كالكجو الثاني: أف الأمر المقدر لممكاجية، كيقيمكا عمى لفظ الغيبة، كىك خطأ إذا كاف الفاعؿ كاحدان "(1) . لقد كاف اعتماد العكبرم في ىذه المسألة كما رأينا عمى الجانب التقعيدم في الرد عمى النحاة، كىك جانب قد ييمحظ فيو بعض ملامح القياس المغكم، كا ف كاف ليس قياسان منطقيان تامان، إلا أنو يحمؿ بعض ملامح ذلؾ القياس. كقد يرتبط الاعتراض بقراءة قرآنية قرأ بيا أحد النحاة، فيككف اعتراض العكبرم عمى ىذا النحكم ناشئان مف قراءتو، إذ إف قراءة النحاة تشير إلى آرائيـ النحكية ػ افتراضيان عمى الأقؿ ػ كمف بيف ىؤلاء النحاة الذيف اعترض العكبرم عمى قراءتو أبك عمرك بف العلاء في قكلو سبحانو كتعالى: ﭽ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ (2) . يقكؿ العكبرم : "الجميكر عمى إظيار الغينيف، كريكم عف أبي عمرك الإدغاـ، كىك ضعيؼ؛ لأف كسرة الغيف الأكلى تدؿ عمى الياء المحذكفة "(3) . لقد اعتمد العكبرم في معارضتو لقراءة أبي عمرك بف العلاء عمى جانب تركيبي إعرابي بحت، فإنو لك أدغمت الغيف الأكلى بالغيف الثانية لذىبت الكسرة التي ىي باقية مف الياء المحذكفة، التي ىي عند العكبرم كسائر النحاة القدماء علامة إعرابية تدؿ عمى جزـ ىذا الفعؿ بحذؼ حرؼ العمة، لذا فمف ىذا المنطمؽ لا يجكز إدغاـ الغيف بالغيف؛ بسبب ضياع العلامة الإعرابية المرتبطة بالكسرة التي تمي الغيف الأكلى . إف ما سبؽ مف كلاـ عف النحاة الذيف اعترض عمييـ العكبرم في مسائمو النحكية يرتبط عمكمان بأسماء نحاة بأعيانيـ، غير أف الأكثر الأعـ في اعتراضات العكبرم يككف دكف تسمية لأحد، كذلؾ عمى نمطيف: الأكؿ: أف يقكؿ: قيؿ...، كقيؿ...،(4) ثـ يعمؽ بقكلو: ىذا ضعيؼ أك خطأ، أك ما شاكؿ ذلؾ. 1 -العكبرم . التبياف، ج: 2، ص: 770 . 2 -سكرة آؿ عمراف، آية : 85 . 3 -العكبرم . التبياف، ج: 1، ص: 278 . 4 -سيتضح ذلؾ مف خلاؿ الشكاىد التي تمت دراستيا في الفصميف الثاني كالثالث
عدد الصفحات ٣٢