أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1995 عن التداوي بها، وأنها داء كما ورد عن طَارِق بن سُوَيْدٍ الجُعْفِيّ، سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ الْخَمْرِ؟ فَنَهَاهُ، أَو كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا أصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ : " إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ ". (115) قال النووي: "فيه التصريح بأنها ليست بدواء، فيحرم التداوي بها؛ لأنها ليست بدواء فكأنه يتناولها بلا سبب.."(116). وقال في المجموع : "إذا اضطر إلى شرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسـات المائعة غير المسكر، جاز شـربه … قـال أصـحابنا: وإنمـا يجـوز التـداوي بالنجاسـة إذا لم يجــد طــاهراً يقــوم مقامهــا، فــإن وجــده حرمــت النجاســات بــلا خــلاف، وعليــه يحمــل حـديث "إن الله لم يجعـل شـفاءكم فيمــا حـرم علـيكم"، فهـو حــرام عنـد وجـود غــيره، وليس حراماً إذا لم يجد غيره. قال أصـحابنا: وإنمـا يجـوز ذلـك إذا كـان المتـداوى عارفـاً بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه، أو أخبره بذلك طبيب مسلم عدل"(119). أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أجـاب عمـن يقولـون زـواز التـداوي بالمحرمـات للضــرورة -مســتدلين بــأن المحرمــات مــن الحليــة واللبــاس مثــل الــذهب والحريــر، قــد جاءت السنة بإباحة اتخاذ الأنف من الذهب وربـط الأسـنان بـه، ورُخـص للـزبير وعبـد الرحمن في لباس الحرير من حكة كانت بهما، فدلت هذه الأصول الكـثيرة علـى إباحـة المحظورات حين الاحتياج والافتقار إليها-، فأجاب ابن تيمية عـن ذلـك إجابـة شـافية فقال: (113 )سورة الأنعام 117و (111 )أارج مسلم (ح 1783)، والإمام أحمد في مسنده (ح18861)و (116 )شرح النووي علط صحيح مسلم 13/113و (117 )المجموع 7/37و
عدد الصفحات ٥٠نبيلة بنب زيد ايليــبة 1996 "قلت أما إباحتها للضرورة فحق، وليس التداوي بضرورة لوجوه أحدها: أن كثيرا من المرضى أو أكثر المرضى يشفون بلا تداوٍ لا سيما في أهل الوبر والقر ى.. يشفيهم الله بما خلق فيهم من القوى المطبوعة في أبدانهم الرافعة للمرض وفيما ييسره لهم من نوع حركة وعمل أو دعوة مستجابة.. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة غير الدواء، وأما الأكل فهو ضروري ولم يجعل الله أبدان الحيوان تقوم إلا بالغذاء، فلو لم يكن يأكل لمات فثبت بهذا أن التداوي ليس من الضرورة في شيء. وثانيها: أن الأكل عند الضرورة واجب. قال مسروق من اضطر إلى الميتة فلم يأكل فمات دخل النار. والتداوي غير واجب ومن نازع فيه خَصَمَتْهُ السُّنَّةُ في المرأة السوداء التي خيرها النبي بين الصبر على البلاء ودخول الجنة،وبين الدعاء بالعافية فاختارت البلاء والجنة، ولو كان رفع المرض واجباً لم يكن للتخيير موضع ... وثالثها: أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد، بخلاف دفع الطعام للمسغبة والمجاعة؛ فإنه مستيقن بحكم سنة الله في عب اده وخلقه... وأما الحلية فإنما أبيح الذهب للأنف وربط الأسنان لأنه اضطرار، وهو يسد الحاجة يقينا ًكالأكل في المخمصة، وأما لبس الحرير للحكة والجرب؛ إن سلم ذلك فإن الحرير والذهب ليسا محرمين على الإطلاق، فإنهما قد أبيحا لأحد صنفي المكلفين، وأبيح للصنف الآخر بعض هما، وأبيح التجارة فيهما وإهداؤهما للمشركين، فعلم أنهما أبيحا لمطلق الحاجة، والحاجة إلى التداوي أقوى من الحاجة إلى تزين النساء، بخلاف المحرمات من النجاسات، وأبيح أيضا لحصول المصلحة بذلك في غالب الأمر. ثم الفرق بين الحرير والطعام أن باب الطعام يخالف باب اللباس لأن تأثير الطعام في الأبدان أشد من تأثير اللباس "(119). (118 )مجموع ال تاوى 11/167و
عدد الصفحات ٥١أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1999 والخلاصة أن العلاج بالمحرم والنجس غير جائز عند جمهور العلماء وقد ذكرت اللجنة الدائمة للإفتاء -برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله- أنه لا يجوز التداوي بما حرم الله من أفيون، أو حشيشة، أو خمر، أو نحو ذلك من مخدر أو مسكر، ووضع نسبة من ذلـك في الدواء لا يجوز؛ لكن إن وضعت فيه ولم تصل بالدواء إلى درجة أن يسكر كثيره - جاز التداوي به؛ لعدم تأثير ما أضيف إليه منها، فكأنه كالعدم..(117). كما ذكرت اللجنة أيضاً أنه لا يجوز بيع واستعمال الأدوية التي تحتوي على بعـض المو اد المستخلصة من الثيران والأبقار التي لم تـُذكّ ذكـاة شرعية، وكذلك الأدوية التي تحتوي على المستخلص من الخنزير، وهكـذا الأدوية التي تحتوي على الدم المسفوح(129). المبحث الثا عشر: البعد عن الاستغلال المادي إن شرف الطبيب من شرف مهنته التي هدفها مصلحة المريض بالدرجة الأولى، فعليه أن لا يعرض هذه المكانة لما يشينها، وأن يكرس ما أنعم الله به عليه من علم ومكانة في علاج المرضى بما يرضي الله، ولا يحول مهنته إلى وسيلة تجارية.. وقد ذكر ابن القيم أن الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه أموراً، منها: ".. أن ينظر في العِلَّة، هل هي مما يمكن علاجُها أو لا؟ فإن لم يُمكن علاجُها، حفظ صِناعته وحُرمتَه، ولا يحمِلُه الطمع على علاج لا يفيد شيئاً" (121). (117 )فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء11/11 فتوى رقم 3131)و (113 )المرجل السابه 11/33 فتوى رقم 7137)و (111 )الطب النبوي133و
عدد الصفحات ٥٢نبيلة بنب زيد ايليــبة 1999 فالطبيب يربأ بنفسه عن الطمع المادي، ويترفع عن أن يكون همه تحصيل المنافع الشخصية من خلال المرضى، بل يراعي حالتهم المادية، فلا يطلب من التحاليل الطبية إلا اللازم، ولا يقرر لهم التنويم في المستشفى والحالة لا تستدعي ذلك.. ويَحذَرُ من وصف أدوية للمرضى من باب التجربة عليهم، أو الترويج لشركات دوائية معينة قدمت له العروض للتعامل معها في حين تتوفر أدوية أخرى أرخص وأنفع.. فكما أن دماء الناس محرمة فكذلك أموالهم، فعن أبي بكرة ، عن رسول الله أنه قال في حجة الوداع إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَ لَدِكُمْ هَذَا.. " (122). الفصل الثالث: أخلاقيات الطبيب المسلم مع زملائه وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: حسن التعامل معهم إن حسن المعاملة بين زملاء العمل أمر ضروري بلا شك، خاصة في مجال حساس مثل المجال الطبي.. وحسن المعاملة يتطلب الإحساس بالأخوة قبل كل شيء. إذْ إن ضعف الشعور بالأخوة يولد حب التعالي، وغمط الآخرين، والحسد، وعدم التعاون، وكتمان العلم... إلخ. وهذا بلا شك سينعكس سلباً على سير المهنة، وروح العمل، ومصلحة المرضى.. بينما وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم أخوة، قال تعالى : (ﯜ ﯝ ﯞ)(113). (111 )أارج البخاري (ح 63)، ومسلم (ح1677)و
عدد الصفحات ٥٣أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1997 ولأن البشر يتباينون في أخلاقهم وطبائعهم كان التعامل معهم بحسن خلق أمر عظيم وله أجر كبير، من ذلك ما جاء عن عائشة –رضي الله عنها-، عن النبي قال "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" (124) . وقد أرشدنا رسول ا إ قاعدة في التعامل وردت فيما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما-، عن النبي قال: "... منْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتأته مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَليأتِ إِلَى النَّ اسِ الذي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ.." الحديث (125). قال النووي في شرح الحديث: "وهذا من جوامع كلمه ، وبديع حكمه وهذه قاعدة مهمة، فينبغي الاعتناء بها! وأن الإنسان يلزم أن لا يفعل مع الناس إلا ما يحب أن يفعلوه معه"(126). "وبذلك تنتظم أحوال الجمهور، ويرتفع الخلاف، والنفور، وتزول الضغائن من الصدور"(129). ومما لا يخفى في كثير من الحالات أن اشتراك الأقران في عمل ما يكون مجلبة لتولد مشاعر التنافر، والحسد بين بعضهم البعض، فليحذر المرء من أن يصاب بهذه اللوثة، وقد نهى النبي عن ذلك كما في الحديث الصحيح "لا تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا -إلى أن قال:- بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ (113 )سورة ايجرام 13و (113 )عقدم تخريج في التمهيدو (111 )جزء من حديث أارج مسلم (ح 1833) والل ظ ل ، والنسائي (ح3171)، وابن ماج (ح3716)، وأحمد في مسنده (ح6773)و (116 )شرح النووي 11/133و (117 )فيض القدير للمناوي1/161و
عدد الصفحات ٥٤نبيلة بنب زيد ايليــبة 1919 يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ "(129). وبالعموم فإن جماع الخلق الحسن مع الناس –كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-: " أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له، والاستغفار، والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال، وتعفو عمّن ظلمك في دم أو مال أو عرض، وبعض هذا واجب، وبعضه مستحب"(127). المبحث الثاني: تبادل الخبرات والتناصح إن من أبرز عوامل النجاح والتقدم في المجال العلمي هو تبادل الخبرات، والاستفادة من تجارب أصحاب التخصص الواحد. فمهما بلغ الإنسان من العلم والنبوغ يظل بحاجة إلى المزيد، خاصة في عالم الأمراض الذي لا ينتهي.. وكما هو معلوم فإن مهنة الطب لا يعتمد فيها على العلم وحده بل تحتاج إلى الممارسة، والتواصل مع الأقدم خبرة، لذا فمن الأخلاقيات الضرورية للطبيب أن لا يضنّ بالنصح والإرشاد لمن جاء بعده في هذا الميدان، وذلك لضمان سلامة العمل، ومصلحة المرضى، والتقليل من حدوث الأخطاء.. وتقديم النصح من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ف عن أبي هريرة قال: قال رسول ا: " حق المسلم على المسلم ست ". قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: " إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ ا للَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ "(139) . (118 )عقدمتخريج و (117 )مجموع ال تاوي 13 /618و (133 )أارج مسلم (ح 1161)، وأحمد في مسنده (ح8831)، وابن حبان في صحيح (ح131)و
عدد الصفحات ٥٥أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1911 والنصيحة هي إرادة الخير للمَنْصوح له (131)، فكيف إذا ترتب على هذا النصح مصلحة تتعدى الشخص المنصوح! حيث إن نصح الطبيب للطبيب وإفادته له يعني إفادة من تحت يده من المرضى.. وفي هذا نفع كبير. أما الشح في تقديم المعلومات والاستئثار بها فهذا طبع تأباه شيم الكرام، وينافي ما وصى به الله عز وجل من الإحسان إلى الصاحب..كما في قوله تعالى: ( ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) (132). فقوله تعالى (الصاحب بالجنب) من معانيها: أي الذي يصحبك رجاء نفعك في تعلم علم، أو حرفة، أو نحو ذلك(133). وكتمان العلم ينافي الهدف الأساس من هذه المسيرة الطويلة في الطلب والسهر، فالطبيب إنما يهدف لأن ينفع الناس بعلاجهم من أوجاعهم، وتخليصهم من بلاء المرض.. وكلما كان الطبيب مفيداً لمن حوله كلما كان أدعى لحلول بركة الله عليه في نفسه، قال ابن القيم في تفسير قوله تعالى -مخبراً عن النبي عيسى - : (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ) (134): " قال غير واحد من السلف: معلماً للخير أينما (131 )النهاية لابن الأثير ص717 (نصح)و (131 )سورة النساء 36و (133 )ع سير السراج المن 1/133و (133 )سورة مر 31و
عدد الصفحات ٥٦نبيلة بنب زيد ايليــبة 1912 كنت.. فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليماً، وإقداراً، ونصحاً، وإرادة، واجتهاداً، ولهذا يكون العبد مباركاً لأن الله بارك فيه وجعله كذلك" (135). المبحث الثالث: عدم انتحال جهودالآخرين، والاعتراف بالفضل لأهله يظل الطبيب في حياته المهنية مواصلاً لطلب العلم، وباحثاً فيه، ليواكب ما استجد في الساحة وليسهم في تقديم الجديد والنافع.. ولكن قد يدفع حبُّ الإنسان للظهور، ونيل المدح والشهرة، أو الاستعجال في طلب المنصب إلى انتحال جهود الآخرين فيما يعدّه من أبحاث، أو ندوات دون عزو ذلك إلى مصدر المعلومة، أو الإشادة بصاحب الفضل فيها.. خاصة إذا كان صاحب المعلومة أو الفضل من زملائه وأقرانه ،أو ممن يصغره سناً كمن يتدربون تحت يديه.. وهذه آفة خطيرة.. وقد توعد الله تعالى المتكثرين بما لم يُعطَوا، فقال عز وجل: (ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ) (136) . وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما - عن النبي قال الْمُ تَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" (139). قال النووي: "(المتشبع): هو الذي يظهر الشبع وليس بشبعان، ومعناه هنا: أن يظهر أنه حصل له فضيلة وليست حاصلة. و(لابس ثوبي زور) أي: ذي زور، وهو الذي يزور على الناس، بأن يتزيى بزي أهل الزهد، أو العلم، أو الثروة ليغتر به الناس، وليس هو بتلك الصفة"(139). (131 )جلاء الأفهام ص173و (136 )سورة آل عم ران: 188، وانظر: ع سير ابن كث 1/181و (137 )أارج البخاري (ح 1117)، ومسلم (ح1133) من حديث أسماء بنب أبي بكر رضي عنهماو (138 )رياض الصايين ص 333و
عدد الصفحات ٥٧أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1913 كما قال الخطابي في أحد أوجه تأويل الثوبين: "كأنه كناية عن حاله ومذهبه، وقد تكني العرب بالثوب عن حال لابسه، وعن طريقه ومذهبه... والمعنى أن المتشبع بما لم يعط بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.."(137). وقوله ثوبي زور–بالتثنية- يدل على أن كذبه مضاعف، فقد ذكر الحافظ ابن حجر سبب التثنية في قوله (ثوبي زور)، فقال: "للإشارة إلى أن كذب المتحلي، مثنى لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يعط...وقال الداودي: في التثنية إشارة إلى أنه كالذي قال الزور مرتين، مبالغة في التحذير من ذلك"(149). وإضافة إلى أن هذا الفعل من الكذب والزور، فهو أيضاً من الجحود؛ كما ذكر ابن جماعة أنه صحّ عن سفيان الثوري أنه قال: "إن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، وإن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره "(141). ومما جاء في وعيد من يتكثر بما ليس له: ما رواه الضحاك بن ثابت ، عن النبي أنه قال: "..وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً (142). قال القاضي عياض: " هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط... فقد أعلم أنه غير مبارك له في دعواه، ولا زاكٍ ما اكتسبه بها (143) . وقال القرطبي: "يع- والله أعلم-: أَنَّ مَنْ تظاهَرَ بشيء مِنَ الكمال، وتعاطاه، وادَّعَاهُ لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يَحْصُل له مِنْ ذلك إلاَّ نقيضُ مقصودِهِ ، وهو النقص: فإنْ كان المُدَّعَى مالاً؛ لم يبارَك له فيه، أو علمًا؛ أظهَرَ اللهُ (137 )معالم السنن3/111و (133 )فتح الباري 7/318و (131 )مواهب الجليل1/3و (131 )أارج مسلم (ح 113)و (133 )شرح النووي 1/116و
عدد الصفحات ٥٨نبيلة بنب زيد ايليــبة 1914 تعالى جَهْلَهُ، فاحتقَرَهُ الناس، فقَلَّ مقدارُهُ عندهم كذلك لو ادَّعَى دِينًا أو نَسَبًا أو غَيْرَ ذلك ، فضَحَهُ اللهُ ، وأظهَرَ باطلَهُ ؛ فقَلَّ مقدارُهُ ، وذَلَّ في نفسه؛ فحصَلَ على نقيضِ قصده"(144). ومعلوم قول العلماء: "إن من بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله "(145) . وهذا يُعدّ أيضاً من النصيحة لقول النووي: "...إن الدين النصيحة: ومن النصيحة أن تضاف الفائدة التي تُستغرب إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أوهم ذلك وأوهم فيما يأخذه من كلام غيره أنه له؛ فهو جدير أن لا ينتفع بعلمه، ولا يبارك له في حال. ولم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك دائماً" (146). المبحث الرابع: عدم تجاوزِ حدود الحاجة في التعامل بين الجنس على الطبيب أن يراعي الضوابط الشرعية في تعامله مع الطبيبات والممرضات، وكذلك العكس.. وذلك من حيث غض البصر، وعدم الخلوة، وعدم تجاوز حدود الكلام بالمعروف، وسبق أن طرحت ما يتعلق بهذه النقاط في الفصل الثاني، عند الكلام عن: (مراعاة الضوابط الشرعية في علاج المريض من الجنس الآخر). والالتزام بهذه الأمور يتأكد في مجال التعامل بين الأطباء والطبيبات أكثر منه مع المرضى، لأن التقاءهم يتكرر في أقسام المستشفى، والاجتماعات، والندوات الطبية، وغير ذلك.. وهذا الأمر من الخطورة بمكان؛ لأنه يؤدي مع مرور الوقت إلى استمراء (133 )الم هم1/311و (131 )جامل بيان العلم لابن عبد ال1/177و (136 )بستان العارف 3/ب، مصورة جامعة الملك سعودو
عدد الصفحات ٥٩أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1915 الوضع وحصول الألفة، وهذا مدعاة لأن يُحدث تجاوزاً للحدود اللازمة في التعامل بين الجنسين. وقد حذر رسول الله أمته، فقال: " مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ " (149). قال ابن القيم: " ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش، والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة "(149). وقد منع رسول ا النساء من مخالطة الرجال في الطرقات مع أن مرورهن بهم عابر، فكيف بمن لقاؤهم يتكرر في ميدان العمل، وتكثر بينهم التعاملات.. فعن أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلنِّسَاءِ: " اسْتَأْخِرْنَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ ". فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِ الْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ (147). (137 )من حديث أسامة بن زيد–رضي عنهما -، أارج البخاري (ح 1376)، ومسلم (ح 1733)و (138 )الطر ايكمية ص 337و (137 )أارج أبو داود (ح 1173)، والطبرا في المعجم الكبير (ح 183)، والبيهقي في شعب الإيمان (ح7337)، كلهم من طريه شداد بن أبي عمرو بن حمَِاس، عن أبي ، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبي ، مرفوعاً ب و وشداد بن أبي عمرو بن حماس الليثي المدني (د): ذكره ابن حبان في الثقامو وقال الاهبي: "تابعي، لا يعر وو"و وقال ابن حجر: مجهولو انظر عرجمت في: الثقام 6/331، والمغ1/176، والتقريب ص 163و وأبوه، هو أبو عمرو بن حمَِاس الليثي المدني (د):تابعي، قال الاهبي: عابد متأل ، وقال في موضل آار: مجهول، وقال ابن حجر: مقبولو=
عدد الصفحات ٦٠نبيلة بنب زيد ايليــبة 1916 وإذا كان الشارع منع اختلاط الجنسين في الصلاة التي يقف فيها العبد بين يدي ربه يناجيه؛ ففي غيرها من باب أولى.. ومما يؤكد خطورة هذا الأمر حديثُ أبي هريرة ، عن الن قال: " خ صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"(159). وكذلك عند الانصراف من الصلاة كان يفسح المجال لانصراف النساء قبل الرجال، فعن أُمِّ سَلَمَة - رضي الله عنها- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا سَلَّمَ، قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَا مِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَال الزهري-وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِن الرِّجَالِ (151). =انظر عرجمت في : الكاشو 1/336، وميزان الاع تدال 3/117، والتقريب ص 663و قلب: لكن للحديث شاهداً آار يرعقي ب إ ايسن لغيره، وهو ما وراه أبو هريرة، عن النبي قال: " لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَط الطَّرِيهِ "و أارج ابن حبان في صحيح (ح 1631)، والبيهقي في شعب الإيمان (ح7338)و وفي السند: مسلم بن االد الزنجي (د ): وثق ابن معين وغيره، وضع النسائي وجماعةو وقال الاهبي: إمام، صدو ، يهمو وقال ابن حجر: فقي ، صدو ، كثير الأوهامو انظر عرجمت في: المغني 1/611، والتقريب ص 117و وقد ذكر العلامة الألباني حديث أبي هريرة في السلسلة الصحيحة (ح 816) وقواه بحديث أبي أسيد وقا ل: "ايديث حسن بمجموع الطريقينو و أعلم"و كما حسّن حديث أبي أسيد في صحيح الجامل (ح731)و (113 )أارج مسلم (ح 333) والل ظ ل ، وأبو داود (ح678)، والترماي (ح113)، والنسائي (ح811)، وابن ماج (ح 1333)، والإمام أحمد في مسنده (ح8318)و (111 )أارج البخاري (ح 873) ،837) والل ظ ل ، وأبو داود (ح1331)، والنسائي (ح1333)، وابن ماج (ح731)، والإمام أحمد في مسنده (ح16633)و
عدد الصفحات ٦١أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1919 قال الحافظ ابن حجر في هذا الحديث: "الاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إ المحذور. وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلاً عن البيوت" (152). أما ما ورد من ذهاب الصحابيات مع رسول ا في غزواته، وقيامهن بمداواة الجرحى، كما في حديث أنس : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِن الأَنْ صَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. فليس فيه ما يدل على وجود مُطَبِّبين من الرجال الأجانب يشاركون النساء المهمة مختلطين بهن. فهذا الحديث وأمثاله إنما يدل على مداوة الصحابيات للجرحى في ظرف حرج ضروري وهو الغزو، وكن مع محارمهن.. قال النووي: فيه خروج النساء في الغزو، والانتفاع بهن في السقي والمداواة ونحوهما، وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة. وقال أيضاً: وفي هذا الحديث اختلاط النساء في الغزو برجالهن في حال القتال لسقي الماء ونحوه... (153). وقال ابن حجر: وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة وقال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمتجالات منهن... فإن دعت الضرورة لغير المتجالات؛ فليكن بغير مباشرة ولا مس(154). والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرفالأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. (111 )فتح الباري 1/336و (113) شرح النووي علط صحيح مسلم 11/173و (113) انظر: فتح الباري 6/83و
عدد الصفحات ٦٢نبيلة بنب زيد ايليــبة 1919 نتائج البحث 1- جوهر الدين الإسلامي هو الأخلاق، فقد وردت نصوص شرعية كثيرة في الحث على حسن الخلق، واعتباره علامة على كمال الإيمان. 2- مهنة الطب من أشرف المهن، وأكثرها عطاء وبذلاً، وتعرضاً للأعداد الكبيرة من الناس على اختلاف طبائعهم، الأمر الذي يجعل الطبيب بحاجة ماسة لأن يتمسك بأخلاقيات يتحلى بها في مهنته، وخصوصاً الصبر فهو جامع لمكارم الصفات والحالات. 3- أخلاقيات الطبيب المسلم تستمد أصولها من الكتاب والسنة، لذا كانت هذه الأخلاقيات ثابتة ومضمونة، وتحلي الطبيب بها عبادة يمتثل بها أمر ربه، ويقتفي بها سنة نبيه . 4- من أبرز أخلاقيات الطبيب المسلم: الإخلاص، والأمانة، والإتقان، وحسن التعامل. 5- أخلاقيات الطبيب المسلم في تعاملاته ليست مقتصرة على فئة دون أخرى، فالمسلم مأمور بالعدل مع كل أحد حتى لو كان من أعدائه. 6- مراعاة الضوابط الشرعية مطلب أساسي في أخلاقيات الطبيب المسلم؛ سواء في قراراته الطبية، أو تعاملاته.. 9- الكثير من علم الطب في العصر الحديث مأخوذ من غير أهل الإسلام؛ لذا يحتاج الطبيب إلى أن يكون عنده علم بالمسائل الشرعية المتعلقة بمجاله، وأن يستفتي علماء الشرع فيما يستجد عليه. 9- مناقشة الطبيب للمريض، وعدم الاستعجال عليه من أهم العوامل ال تحد من حدوث أخطاء في التشخيص والعلاج.
عدد الصفحات ٦٣أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 1917 7- بيان الطبيب للمريض حالته، ونصحه له، ومراعاته؛ من أقوى العوامل التي تدفع المريض للالتزام بالعلاج والتجاوب معه. على الطبيب أن يأخذ إذن المريض فيما يقرره من إجراء طبي لعلاجه، بعد أن يشرح له هذا الإجراء مبيناً له تبعاته ومضاعفاته. 19- من أبرز أخلاقيات الطبيب المسلم مع زملائه: الاحترام، والتناصح، وتبادل الخبرات، وعدم انتحال جهود غيره. قائمة المراجع والمصادر [1] الآحاد والمثاني، لأبي بكر؛ أحمد بن عمرو بن الضحاك الشيباني، تحقيق: د. باسم الجوابرة، دار الراية، الرياض، ط1،1411. [2] الآداب الشرعية والمنح المرعية، للإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق: أيمن الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1419هـ [3] الأدب المفرد، لمحمد بن إسماعيل؛ أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط3 ،1497هـ [4] إعلام الموقعين عن رب العالمين، لأبي عبد الله؛ محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت ، 1373هـ [5] البحر الزخار المعروف بمسن د البزار، للحافظ الإمام أبي بكر أحمد بن عمرو العتكي البزار، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1424هـ [6] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2،1496هـ
عدد الصفحات ٦٤نبيلة بنب زيد ايليــبة 1929 [9] بلوغ المرام من أدلة الأحك ام، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد بن حامد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي لإحياء التراث، ط1. [9] بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، تحقيق: عبدالكريم ال الدريني، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، ط1،1422هـ [7] التحرير والتنوير، للعلامة محمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع ، تونس، 1779 م [19] تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء؛ إسماعيل بن عمر بن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، ط2،1429هـ [11] تقريب التهذيب ، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد، حلب، ط4،1419هـ [12] تهذيب التهذيب، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، ط1،1494هـ [13] تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج بن يوسف المزي، حققه وضبط نصه وعلق عليه: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1،1422هـ [14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1،1429 هـ [15] الثقات، لمحمد بن حبان البستي، مؤسسة الكتب الثقا فية، بيروت، ط 3، 1415هـ
عدد الصفحات ٦٥