المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخلاقيات الطبيب المسلم في ضوء السنة النبوية

نبيلة بنت زيد الحليبة

صفحة ٢ من ٣٨

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 793 قال ابن حبان: "حسن الخلق بذر اكتساب المحبة، كما أن سوء الخلق بذر استجلاب البغضة، ومن حسن خلقه صان عرضه، ومن ساء خلقه هتك عرضه؛ لأن سوء الخلق يورث الضغائن، والضغائن إذا تمكنت في القلوب أورثت العداوة.."(5). وعن عائشة –رضي الله عنها - عن النبي  قال "إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" (6). والسبب في ذلك أن الصائم والمصلي في الليل يجاهدان أنفسهما في مخالفة حظهما، وأما من يحسن خلقه مع الناس مع تباين طبائعهم وأخلاقهم؛ فكأنه (1 )روضة العقلاء ونزهة ال لاء ص61و (6 )أارج أبو داود (ح 3833)، وأحمد في مسنده (ح11313)، وابن حبان في صحيح (ح383)، واياكم في مستدرك (ح 177) كلهم من طريه المطلب بن عبد بن حَنْطب، عن عائشة رضي عنها، ب و وقال اياكم: "صحيح علط شرط الشيخين"، ووافق الاهبيو ويلاحظ أن قد ااتلو في سماع المطلب بن عبد عن عائشة، فقال أبو زرعة: "نرجو أن يكون سمل منها"و بينما قال أبو حاتم إن روايت عنها مرسلة، ولم يدركهاو انظر: الجرح والتعديل 8/317و وعلط فرض عدم سماع فإن ذلك لا ي ر في صحة ايديث، فقد جاء ايديث من طريه آار: أارج العقيلي في ال ع اء 3/363، وابن عدي في الكامل3/113 من طريه اليمان بن عدي ايمصي، عن زهير بن محمد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعاً، ول ظ : "إن الرجل ليدرك بحسن الق درجة الساهر بالليل، الظمآن بالنهار"و وهاه المتابعة عقوي الطريه السابه؛ وإن كانب ضع ي ة ضع اً محتملاً، حيث إن فيها: يمان بن عدي ايمصي ( ): وهو راوٍ تلو في ، وقال ابن حجر في التقريب –ص613-: لين ايديثو كما أن فيها زهير بن محمد، أبا المنار الخراساني (ع): قال الاهبي في الكاشو 1/338: ثقة يغرب، ويأتي بما ينكرو وقال ابن حجر في التقريب –ص117-: "رواية أهل الشام عن غير مستقيمة ف عو بسببها"و وللحديث شواهد من رواية أبي أمامة وأبي هريرة –رضي عنهما -و وقد صحح العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (ح771)و

عدد الصفحات ١٨

نبيلة بنب زيد ايليــبة 794 يجاهد نفوسا ًكثيرة، فأدرك ما أدركه الصائم القائم، فاستويا في الدرجة؛ بل ربما زاد(9) . ولما كان الطبيب(9) يتولى مهنة من أشرف المهن، ويخالط العدد الكبير من الناس على اختلاف أنواعهم وطبائعهم، ويحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة وحرجة هي مصلحة المريض وصحته؛ كان بحاجة إلى تمسكه بأخلاقيات يتحلى بها في مهنته سواء أكانت مما يتعلق بذات نفسه، أم تعامله مع المريض، أم مع زملائه.. وقد وضعت الجمعيات الطبية في عدة دول لوائح تنص على هذه الأخلاقيات، وقد تتفاوت فيما بينها إلى حد ما، وقد يتغير بعضها من وقت إلى آخر، لكن الذي يهمنا نحن المسلمين هو الأخلاقيات المستمدة من خلال السنة النبوية؛ لأنها بذلك تكون مضمونة، ولا تتغير حيث إن منبعها لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومعلمها من قال الله تعالى فيه: (ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ)(7) فهو خير قدوة وأعظم منارة يهتدى بها في الأخلاقيات، والتحلي بها عبادة وقربى للخالق القائل في كتابه: (ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ) (19) . فإذا نظرنا إلى الأخلاقيات من هذا المنظار وسلكناه من خلال سبيل السنة النبوية كان أدعى لعدم التفريط بها. (7 )انظر: عون المعبود للعظيم آبادي13/137و (8 )الطَّبِيب في الأصل : اياذ بالأمور العاراا، وب سم ِّي الطَّبيب الاي ي عِالج المرضطو انظر: النهاية لابن الأثير: ص 117 (طبب)، ولسان العرب لابن منظور 1 /113 (طبب)و (7 )سورة القلم 3و (13 )سورة الأحزاب 11و

عدد الصفحات ١٩

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 795 الفصل الأول: أخلاقيات الطبيب المسلم في نفسه وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: الإخلاص واحتساب الأجر عند الله تعالى الإخلاص: من خَلَصَ الشيء، أي صار خالصاً (11). وهو: تجريد القصد طاعة للمعبود(12). وقيل هو: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوق(13). والإخلاص منزلته عظيمة؛ فهو أساس القبول، والظفر بالمطلوب في الدنيا والآخرة، إذْ إن منزلة الإخلاص للعمل بمنزلة الأساس للبنيان، وقد أوضح ذلك الله في كتابه العزيز فقال: (ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ)(14) . وكما أن الإخلاص مطلوب في العبادات؛ فكذلك الإخلاص مطلوب في الأعمال التي يزاولها الإنسان في حياته.. قال الله تعالى: (ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ) (15) . فمعنى (محياي): أي الأعمال التي منشأنها أن يتلبّس بها المرء مع حياته (16) . (11 )لسان العرب 7/16 (الص)و (11 )إعلام الموقعين لابن القيم1/181و (13 )مدارج السالك 1 /71و (13 )سورة التوبة 137و (11 )الأنعام163،163و (16 )التحرير والتنوير لابن عاشور8/131و

عدد الصفحات ٢٠

نبيلة بنب زيد ايليــبة 796 ولا شك أن مهنة الطب تستنزف من جهد الطبيب ووقته الكثير، فضلاً عن أن طبيعة عمله تطلب مناوبات ليلية، وقد يحاول الناس الوصول إليه خارج أوقات دوامه.. فوسيلته التي تعينه على تحمل هذا الحال، بل وأن ينشط عليه ويأنس به، هو أن يجعل قلبه معلقاً بالله، وعمله خالصاً له ، متطلعاً إلى ما عنده -عز وجل- ، لأن ما عنده خير وأبقى..فينقلب عمله إلى عبادة وقربة إلى الله تعالى. وهذا هو الاحتساب.. فالاحتِسَاب –كما قال ابن الأثير - من الحسَب؛ كالاعْتِداد من العَدّ. والاحْتِساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو: البِدار إلى طَلَب الأ جر وتحصيله بالتسليم، والصبر، أو باستعمال أنواع البِرّ، والقِيام بها على الوجه المرسوم فيها طَلَباً للثَّواب المرْجُوّ منها (19). قال الله تعا(ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ) (19) . قال العلامة السعدي: "والأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص...كذلك تجري النية في المباحات والأمور الدنيوية، فإن من قصد بكسبه وأعماله الدنيوية والعادية الاستعانة بذلك على القيام بحق الله، وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحاته ومكاسبه؛ انقلبت عاداته عبادات، وبارك الله للعبد في أعماله، وفتح له من (17 )النهاية لابن الأثير ص136 (حسب)و (18 )سورة آل عمران 131و

عدد الصفحات ٢١

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 799 أبواب الخير والرزق أموراً لا يحتسبها ولا تخطر له على بال. ومن فاتته هذه النية الصالحة لجهله أو تهاونه، فلا يلومن إلا نفسه"(17) . المبحث الثاني: التقوى أصل التقوى كما قال الحافظ ابن رجب: " أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه، من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه"(29). وقال الخليفة عمر بن عبد العزيز: "ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرّم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير" (21). والتقوى شأنها عظيم، فقد أمر الله بها عباده في آيات متعددة من القرآن الكريم.. من ذلك قوله تعالى: (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹﭺ)(22) . وقد وصى بها رسول ا  أمته كذلك، فعن أبي أمامة  قال: سمعت رسول الله  يخطب في حجة الوداع، فقال: "اتقوا اللهَ ربَّكم، وصلّوا خمسَكم، وصوموا شهركَم، وأدُّوا زكاةَ أموالِكم، وأطيعوا ذا أمرِكم، تدخلوا جنّةَ ربِّكم" (23). (17 )اجة قلوب الأبرار في شرح جوامل الأابار ص 16و يراجل أي اً شرح النووي علط مسلم7 /71، وشرح الأربعين النووية لابن دقيه العيد ص 138، في شرح حديث أبي ذر: "أوليس قد جعل لكم ما عصدقونووو وفي ب ل أحدكم صدقة"و (13 )جامل العلوم وايكم ص171و (11 )المرجل السابه ص 173و (11 )سورة التوبة 117و

عدد الصفحات ٢٢

نبيلة بنب زيد ايليــبة 799 ومن كمال التقوى البعد عن الشبهات.. لقوله: "إنّ الحلال بيّن، وإنّ الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.." الحديث(24). والتقوى أثرها عظيم في حياة الطبيب، فهي المحرك الأساس لسلوك أخلاقيات المهنة على الوجه الأكمل، فتقوى الله تعالى ستدفعه إلى أن يسعى في إتقان طلب هذا العلم، فإنه إذا استحضر أنه محاسب أمام الله عز وجل عما قد يُلحقه من ضرر بالمرضى بسبب تهاونه أو قصور علمه فإنه سيتخذ العدة لكي لا يقع في هذا المحذور. كذلك تقوى الله هي التي ستدفعه لتجنب علاج الناس بما حرم الله وبما يُشتبه به، ومن ثمَّ يسعى حثيثاً لإيجاد البدائل مما أباحه الله. والتقوى هي التي ستدفعه إلى الحرص على الالتزام بمواعيد الدوام وعدم التأخر على المرضى، فهو يعلم أن الله هو الرقيب، وأنه محاسَب عن ماله الذي اكتسبه مقابل عمله. كما أن تقوى الله هي التي ستجنبه مواضع الفتن من خلوة بأجنبية، أو فضول نظر.. وغير ذلك من الأمور التي يلزمه التحلي بها كما سيأتي بيانه في هذا البحث. (13 )أارج الترماي (ح 616) والل ظ ل ، وقال: هاا حديث حسن صحيحو وأارج الإمام أحمد في مسنده (ح 11161)، وابن حبان في صحيح (ح 3163)، واياكم في مستدرك (ح 1336) وقال: "هاا حديث صحيح علط شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافق الاهبي في التلخيص، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (ح867): "وهو كما قالا"و ول ظ أحمد واياكم: "اعبدوا ربكم" بدلاً من "اعقوا ربكم"و ول ظ ابن حبان: "أطيعوا ربكم" بدلاً من "اعقوا "و (13 )أارج البخاري (ح 11)، ومسلم (ح1178) والل ظ ل و

عدد الصفحات ٢٣

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 797 المبحث الثالث: إتقان العلم إن نجاح الطبيب في مهنته مربوط ارتباطاً وثيقاً بتمكنه العلمي.. ولا يقتصر هذا العلم على ما تلقاه في الدراسة الجامعية، بل يتعداه إلى متابعة ما يستجد في هذا الميدان أولاً بأول؛ ليستطيع أن يقدم الأنفع والأحسن للمرضى.. وأي قصور في هذا التلقي فإنه سينعكس حتماً على تشخيصه، ويتسبب في أذية مرضى وثقوا به، وتوجهوا إليه ثقة بما يحمله من علم يؤهله لذلك.. قال التاج السبكي: "وأكثرُ ما يُؤتَى الطبيب من عدم فهمه حقيقةَ المرض... وجلوسه لطب الناس قبل استكمال الأهلية"(25). وإتقان العلم هو بعبارة أخرى إحسان التعلم فالإتقان، والإحسان، والإحكام، كلها معانٍ متقاربة.. قال تعالى: (ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ) (26)..قال ابن عطية الأندلسي: "أحكمت معناه أتقنت وأجيدت"(29). وقال السعدي: أحكمت: أتقنت وأحسنت(29). وعن شدّاد بن أوس  ، عن رسول ا قال: "إنّ الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبحَ، وليُحِدّ أحدُ كم شفرَتَه، فليُرِحْ ذبيحته" (27). (11 )معيد النعم ومبيد النقم ص133و (16 )سورة هود 1و (17 )المحرر الوجيز 3/161و (18 )عيسير الكريم الرحمن ص 376و (17 )أارج مسلم (ح 1711) والل ظ ل ، وأبو داود (ح 1817)، والترماي (ح1337) وقال: هاا حديث حسن صحيح، وأارج النسائي (ح 3331)، وابن ماج (ح3173)، وأحمد في مسنده (ح17113)و

عدد الصفحات ٢٤

نبيلة بنب زيد ايليــبة 799 فمعنى كتب الإحسان: أي "أَمَر به، وحضَّ عليه.. والإحسان هنا بمعنى الإحكام، والإكمال"، كما ذكر الإمام القرطبي(39). وقد يظن بعض الناس أن الإتقان والإحسان مقتصر على الأمور العملية فحسب، لكنه في الحقيقة يشمل كلا الأمرين العلم، والعمل.. كما قال الراغب: الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام إلى الغير، والثاني: إِحسانٌ في فعله؛ وذلك إِذا عَلمَ علماً حسناً، أَو عمل عملاً حسناً. وعلى هذا قول عليّ -رضي الله عنه- : الناس أبناء ما يُحْسِنُون. أي منسوبون إِلى ما يَعْلَمونَه، وما يَعْمَلُونَه من الأفعال الحسنة(31) . وقال السعدي في شرح قوله تعا( ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ) (32)، قال: "أمر بالإحسان عموماً...وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان؛ لأنه لم يقيده بشيء دون شيء.."(33). المبحث الرابع استشعار الأمانة وعظم المسؤولية الأمانة ضد الخيانة، والأمانة تقع على الطا عة والعبادة والوديعة والثِّقةِ والأَمان (34). فالأمانة مجالها واسع، خلافاً لما قد يظنه بعض الناس من أنها مقتصرة على حفظ الودائع والأموال.. (33 )الم هم1/133و (31 )انظر: الم ردام في غريب القرآن للأص هاني ص 136و (31 )سورة البقرة 171و (33 )عيسير الكريم الرحمن ص 73و (33 )لسان العرب 13 /11 (أمن)و

عدد الصفحات ٢٥

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 791 قال تعا(ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ) (35)، قال الإمام القرط في تفسير هذه الآية: "الأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك ؛ وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد ، وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد"(36). فعلى الطبيب أن يستشعر هذه الأمانة المنوطة به، وهي أمانة عظيمة، إذْ إن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس وحمايتها، والطبيب يباشر في مهنته مداواة هذه النفس التي كرمها الله تعالى.. وهو مسؤول عنها، لحديث ابن عمر –رضي الله عنهما- عن رسول الله  أنه قال: "كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَ ا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" (39). قال النووي: "قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن، الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه، ومتعلقاته"(39). (31 )سورة المؤمنون 8و (36 )الجامل لأحكام القرآن 11/137و (37 )أارج البخاري (ح 1113)، ومسلم (ح1817)و (38 )شرح النووي علط صحيح مسلم 11/113و

عدد الصفحات ٢٦

نبيلة بنب زيد ايليــبة 792 المبحث الخامس: تعلم المسائل الشرعية التي يحتاجها في نطاق تخصصه ومهنته الطبيب المسلم يتميز عن جميع أطباء العالم بدينه، فالمسلم الحق دينه لا ينفك عنه في كل شأنه مهما كان تخصصه أو مهنته. إلا أن تخصص الطب فيه خطورة حيث إن الكثير من علمه مأخوذ من غير أهل الإسلام، لذا يحتاج الطبيب إلى أن يكون عنده علم بالمسائل الشرعية المتعلقة بمجاله، بحيث يكون قادراً على تمييز المباح فيأخذه، والمحرم فيتجنبه.. ومن المسائل التي يحتاج أن يكون محيطاً بأحكامها الشرعية: ما يتعلق بالإجهاض، وزرع الأعضاء، والتلقيح الاصطناعي، و أجهزة الإنعاش، والأدوية التي تحتوي على نسب من الكحول، وما يتعلق بطهارة وصلاة المريض.. إلخ. ومع تسارع الاكتشافات في هذا الزمن والتطور الكبير في أساليب العلاج بما لم يكن معروفاً من قبل؛ فإن الحاجة تزداد أكثر للرجوع إلى علماء الشرع الموثوقين. قال تعالى: ( ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) (37). قال ابن القيم: "..وأما العلماء بالله وأمره؛ فهم حياة الوجود وروحه، و يستغنى عنهم طرفة عين"(49). وقال العلامة ابن باز–رحمه الله-: "... على جميع المسلمين أن يسألوا عما أشكل عليهم، وأن يستفتوا أهل العلم. وأهل العلم هم علماء الكتاب والسنة، وهم (37 )سورة النحل 33و وقد صدرم كتب فتاوى متعددة عنيب بمسائل الأطباء والمرضط وق ايا طبية معاصرة، كما صدر م أبحاث كثيرة من الال مؤتمرام المجمعام ال قهية التي عقدم في هاا المجالو (33 )م تاح دار السعادة1/111و

عدد الصفحات ٢٧

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 793 الذين يرجعون في فتاواهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ...وليس أهل العلم من يقلد الرجال، ولا يبالي بالكتاب والسنة.."(41). الفصل الثا أخلاقيات الطبيب المسلم مع المرضى وفيه اثنا عشر مبحثاً: المبحث الأول: الصدق الصدق هو جوهر الأخلاق وأسها.. قال تعالى: (ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ) (42) . وعن ابن مسعود عن الن أنه قال: " عَلَيْكُم بالصّدْق، فإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَما يزال الرَّجُل يَصْدُقُ ويتحرى الصدقَ حَتَّى يكتب عند الله صِدِّيقًا، وَإياكم والكذب فإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" (43). قال العلامة الصنعاني: " الحديث دليل على عظمة شأن الصدق، وأنه ينتهي بصاحبه إلى الجنة، ودليل على عظمة قبح الكذب، وأنه ينتهى بصاحبه إلى النار ، وذلك من غير ما لصاحبهما في الدنيا؛ فإن الصدوق مقبول الحديث عند الناس، مقبول الشهادة عند الحكام، مرغوب في أحاديثه، والكذوب بخلاف هذا كله "(44). (31 )مجموعة فتاوى ومقالام متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز6/16 (واجب المسلمين تجاه دينهم ودنياهم)و (31 )سورة التوبة 117و (33 )أارج البخاري 6373)، ومسلم (ح1637) والل ظ ل و (33 )سبل السلام3/133و

عدد الصفحات ٢٨

نبيلة بنب زيد ايليــبة 794 والرباط الذي يربط بين الطبيب والمريض مبناه أساساً على ثقة المريض به، ولولا ذلك لما توجه المريض إليه، والذي يدعم هذا الرباط صدق الطبيب معه؛ فإذا لم يكن الطبيب صادقاً تزعزت الثقة في نفس المريض، وتخلخل الرباط. فعلى الطبيب أن يتحلى بالصدق في جميع تعاملاته.. في مواعيده مع المرضى، وفيما يطلبه من المريض من فحوصات مخبرية، فلا يجره الطمع المادي إلى طلب فحوصات لا يحتاجها المريض.كما عليه أن يكون صادقاً فيما يصفه من أدوية، فلا يرهق المريض في وصف أدوية لا يستطيع توفيرها لغلاء ثمنها مثلاً، مع علم الطبيب بوجود دواء مشابه له بثمن أقل.. كذلك عليه أن يراعي الصدق في بيان مضاعفات العلاج الذي سيقرره للمريض، وفي بيان تشخيص المرض للمريض، ولا يعني الصدق أن يكون فظاً غليظ القلب، بل يسعى لتوضيح الأمور بحكمة ورحمة. المبحث الثاني: الأمانة وحفظ السر إن أكثر مهنة يتعرض فيها صاحبها للاطلاع على عورات الناس وخصوصياتهم هي مهنة الطب، وقد يدفع اعتياد اطلاع الطبيب على هذه الخصوصيات إلى التهاون، واستمراء الأمر مع مضي الزمن، فيفشي ما لا يحب المريض أن يطلع عليه الناس. لذا فإن من أهم ما يتأكد على الطبيب أن يتحلى به تجاه مرضاه هو الأمانة، فحالات الناس وأسرار مرضهم أمانة مستودعة عنده، وعليه أن يحفظها، إذْ إنّ المريض لم يفشها له إلا ليجد عنده حلاً لمرضه الذي ابتلي به. وليستحضر الطبيب حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله  قال: "...من ستر مسلماً س ه الله يوم القيامة " (45) . (31 )أارج البخاري (ح 1331)، ومسلم (ح1183)و

عدد الصفحات ٢٩

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 795 قال ابن الحاجّ: "وينبغي أن يكون الطبيب أميناً على أسرار المرضى، فلا يطلع أحداً على ما ذكره المريض؛ إذ إنه لم يأذن له في إطلاع غيره على ذلك". (46) وقال ابن مفلح في غاسل الميت: "...كما يحرم تحدّثه، وتحدّث طبيب وغيرهما بعيب"(49). وهناك حالات مستثناة يحتاج فيها الطبيب إلى إفشاء سر المريض، وقد تم النص عليها في اللوائح الحكومية، وأخلاقيات مهنة الطب(49). كذلك من الأمانة أن يغض طرفه عن عورات المرضى، ولا يكشف منها إ بقدر ما يحتاج إليه. المبحث الثالث: الرفق ولين الجانب الرفق: لين الجانب ولطافة الفعل، وهو ضد العنف(47). والرفق مطلوب في كل الأمور، لقول الرسول : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ " (59) . وفي رواية عند مسلم: "يا عائشة إنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطي عَلَى الرِّفق، مَا لاَ يُعْطِي عَلَى العُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" (51). (36 )المدال3/131و (37) ال روع 3/333و (38 )راجل: المادة ايادية والعشرون من نظام مزاولة المهن الصحية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م 17) وتاريخ 3/11/1316هـ و وانظر: قرار مجلس مجمل ال ق الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري بيجوان، بروناي دار السلام من 1-7 محرم 1313هـ الموافه11-17 (يونيو) 1773مو في موضوع (السر في المهن الطبية): مجلة مجمل ال ق الإسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، العدد الثامن (ج3 ص 11)و (37 )انظر: لسان العرب 13/118 (رفه)و (13 )أارج البخاري (ح 6313) ومسلم (ح1161)و

عدد الصفحات ٣٠

نبيلة بنب زيد ايليــبة 796 ومعنى يعطي على الرفق–كما ذكر النووي-: أي يثيب عليه مالا يثيب على غيره. وقال القاضي: معناه يتأتى به من الأغراض، ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره(52). وقال القرطبي: معناه إن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل، ما لا يعطي على العنف الجائز(53). والإنسان حال مرضه يتأكد في حقه الرفق، وقد أوهنه المرض وعلاه الكرب والطبيب يعظم أجره عندما يراعي حالة المريض، فهو بحسن تعامله وترفقه بالمريض حال الفحص، وإظهار ح رصه على أن يأخذ بأسباب شفائه؛ يكون معالجاً لبدنه وروحه أيضاً، مما يرفع من معنويات المريض، ويجعله متجاوباً أكثر مع إرشادات الطبيب.. وقد تقدم أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على ما سواه.. وعن أبي رِمْثَة  أنه قَالَ لرسول ا : " أَرِنِى هَذَا الَّذِى بِظَهْرِكَ فَإِنِّى رَجُلٌ طَبِيبٌ. قَالَ: " اللَّهُ الطَّبِيبُ! بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُهَا الَّذِى خَلَقَهَا" (54). قال الملا علي القاري في شرح الحديث: "أي أنت ترفق بالناس في العلاج بلطافة الفعل، فتحميه بحفظ مزاجه عما يخشى أن لا يحتمله بدنه من الأغذية الرديئة المردية، وتطعمه ما ترى أنه أرفق به من الأغذية اللطيفة والأدوية. والله الطبيب: أي هو العالم (11 )أارج مسلم (ح 1173)و (11 )شرح النووي 16 /131و (13 )ا هم للقرطبي 6/178و (13 )أارج أبو داود (ح 3137) والل ظ ل ، والإمام أحمد (ح17371)، وايميدي في مسنده (ح866)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (ح1133)، والطبراني في المعجم الكبير (ح711)و وايديث صحيح، وقد وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (ح 1137) وقال: "وهاا إسناد صحيح علط شرط مسلم"و

عدد الصفحات ٣١

أالاقيام الطبيب المسلم في ضوء السنّة النبوية 799 بحقيقة الداء والدواء، والقادر على الصحة والشفاء، وليس ذلك إلا لله الواحد الموصوف بالبقاء"(55). المبحث الرابع: العدل والمساواة وعدم محاباة فئة على حساب فئة أخرى يقول الله تعالى: (ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) (56). قال الإمام الطبري في تفسير الآية: " يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم.. ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة"(59). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم..) الآية: "أي يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد، في كل حال"(59). والطبيب يتعامل مع أصناف متعددة من الناس، وأصحاب مشارب مختلفة ومنهم من تجمعه بهم قرابة، أو مصلحة، ومنهم من له جاه وسمعة، ومنهم من له سلطة... فاستجماع النفس وحملها على العدل وعدم محاباة أحد على حساب أحد أمر ليس بالهين، فليستحضر الطبيب أمر الرقيب عز وجل بالعدل، وليستحضر ثواب (11 )مرقاة الم اعيح 6 /1171و (16 )سورة المائدة 8و (17 )ع سير الطبري (جامل البيان13/71و (18 )ع سير ابن كث 1/11و

عدد الصفحات ٣٢

نبيلة بنب زيد ايليــبة 799 المقسطين، كما ورد عن عبدِ اللهِ بن عَمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قَالَ: قَالَ رسولُ الله : " إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ؛ عن يمينِ الرّحمن عز وجلّ، وكِلتا يَدَيْهِ يَمِين، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ، وأَهْلِيْهِم، وَمَا وَلُوْا " (57). قال النووي: "والمقسطون هم العادلون، وقد فسره في آخر الحديث(69). وقال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا دليل على فضل العدل... في كل من ولاك ا عليه، اعدل حتى تكون على منبر من نور، عن يمين الله عز وجل يوم القيامة"(61). المبحث الخامس: احترام المريض وحسن الإنصات إليه ومناقشته وبيان حالته له على الطبيب أن يعامل المريض باحترام وأن لا يحتقره.. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "لا تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَ بَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا -إلى أن قال:- بحَسْب امْرىءٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلم عَلَى المُسْلم حَرَامٌ دَمُهُ ومَالُهُ وعرْضُهُ" (62). قال المناوي في شرح قوله : (حسب امرئ من الشر) أي: " يكفيه منه أخلاقه ومعاشه ومعاده (أن يحقر أخاه المسلم) أي يذله، ويهينه، ويزدريه، ولا يعبأ به؛ لأن الله أحسن تقويمه وسخر ما في السماوات والأرض لأجله... وجعل الأنبياء الذين هم أعظم الخلق من جنسه فاحتقاره احتقار لما عظمه الله وشرفه، ومنه أن لا يبدأه بالسلام ولا يرده عليه احتقاراً " (63). (17 )أارج مسلم (ح 1817)، ، والنسائي (ح1373) ، وأحمد في مسنده (ح6381)و (63 )شرح النووي 11/111و (61 )شرح رياض الصاي 6/373و (61 )أارج مسلم (ح 1163) والل ظ ل ، وأبو داود (ح3883) مقتصراً علط العبارعين الأايرعين، وابن ماج (ح3113) تصراً، وأحمد في مسنده (ح7717)و (63 )فيض القدير1/11و

عدد الصفحات ٣٣