المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أخلاقيات الطبيب المسلم في ضوء السنة النبوية

نبيلة بنت زيد الحليبة

صفحة ١٣ من ٣٨

ي سف ب علي الطريف 1111 (لوقا: 1 /29 )ربما يشير إلى نسب مريم ، وأنها من ولد داود ، فقد جاء على لسان زكريا أنه قال: " 29وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ.". كما لا يوجد في العهد الجديد شيء ـ ذو بالٍ ـ عن نشأة مريم؛ أو عن حياتها الشخصية والاجتماعية قبل إرسال الملك إليها بالبشارة، ك ما تقدم. لكن جاءت الإشارة في إنجيل لوقا إلى بعض ما وصفت به مريم من كون الله تعالى أنعم عليها، وأنها مباركة من بين النساء، والنص هو: " 11فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَ ارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ »لوقا: 1 /11 .)ومن ذلك: (سفر الأمثال : 11 /19): "بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلاً، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِن جَمِيعًا". وأما الحمل والولادة؛ فإن قصة حمل مريم بعيسى  جاء ذكرها في: (لوقا: 1 /12-11 )وقبل حصول الحمل يذكر الإنجيل تلك المحاورة التي جرت بين مريم والملك جبرائيل، الذي أرس ل إليها من عند الله ؛ ونصها ـ كما وردت في الإنجيل المذكورـ: " أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، 17إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَ رْيَمُ."..." فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ » فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ! »فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَا فِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ"..." هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِي هِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ » "فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟ »فَأَجَابَ

عدد الصفحات ١٩٣

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1119 الْمَلاَكُ ؛ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْ قُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْ كِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَ ذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا ، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِ تِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْ ءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ »فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَ ذَا أَنَا أَمَةُ الرَّ بِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ »فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ". وقد كانت ولادة مريم لابنها عيسى في (بيت لحم): يقول (لوقا: 1 /1-7" :) فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ ". وهناك نصوص في العهد الجديد تؤكد أن ثمة علاقة بين مريم ورجل يدعى يوسف النجار!. فجاء في بعض ها لفظ: الخطبة، وأن مريم مخطوبة ليوسف النجار، وهي حامل بالمسيح، كما في النص المتقدم: "ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى" (لوقا: 1 /5 ومثله1 /17) ويذكر (متى1/12) بأن ملاك الرب ظهر ليوسف النجار في الحلم؛ قائلاً: " يا يوسف بن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك؛ لأن الذي حُبل به فيها هو من روح القدس" (متى: 1 /11) وفي نص آخر من الإنجيل ذاته سمى يوسف هذا رجلَ مريم: " ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد من ها يسوع؛ الذي يدعى المسيح."، وجاء في: (يوحنا: 2/11) بأن القوم الذين ظهر فيهم المسيح عيسى كانوا يعتقدون بأنه ولد بين أبو ين هما: يوسف النجار ، ومريم؛ ونصه: " وقالوا: أليس هذا هو يسوع بن يوسف، الذي نحن عارفون بأبيه وأمه؟ فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟. ".

عدد الصفحات ١٩٤

ي سف ب علي الطريف 1151 فإذا كانت مريم مخطوبة ليوسف النجار، وهذا صريح بن ص الإنجيل؛ ويبقى سؤال مهم: هل تزوجت مريم بيوسف هذا بعد إنجابها للمسيح؟ وهل ولدت منه؟ لقد جاء ما يشير إلى هذا في: (متى: 11/55) وهو قوله أَلَيْسَ هذَا ابْ نَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا" ، وجاء في: (أعمال الرسل: 1/11-11) بأن مريم كان ت تواظب على الصلاة مع تلاميذ المسيح وإخوته.!! ونصه: " حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ. وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِي مُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَ عْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ وَيَهُوذَا أَخُو يَعْقُوبَ. هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّ لاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ.". وهكذا لم أجد بعد تتبع في كتاب العهد الجديد (بنسخته العربية) ما يمكن أن يعد تبجيلاً أو تعظيماً لمقام مريم عليها السلام، إنما وجدت إشارات إليها بأنها أم المسيح ووالدة المخلص. كذا جاء في (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 2/12): "سلموا على مريم التي تعبت من أجلنا.". ويشير الإنجيل إلى أن مريم بقيت إلى أن صلب المسيح ـ بحسب عقيدة النصارى ـ كما جاء التصريح بذلك في (يوحنا: 19/15) "وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية ". وعدم احتفاء الأناجيل بذكر مريم عليها السلام وإبراز مكانتها العلية، ومنزلتها الرفيعة بين نساء العالمين؛ لا يعني أن النصارى لا يعظمون مريم؛ بل قد أخبر القرآن أن من النصارى من يؤله مريم!! كما سيتبين ذلك في الفصل الرابع من هذا البحث.

عدد الصفحات ١٩٥

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1151 لكن المهم هنا هو أن رؤية الكنيسة الكاثوليكية لمريم لا وجود لها في الأناجيل، بل هي رؤية أبو كريفيةٌ للخيال التي جعلها عند الكاثوليك في مكانة أعلى من الملائكة والقديسين. (1) المبح الثاني: مري في القرآن الكري لقد حفل القرآن الكريم بذكر هذه السيدة الجليلة، والمرأة الكريمة، والصديقة الكبرى...فجاء ذكرها باسمها في عدد من الآيات؛ بل حملت اسمها سورة بأكملها؛ إنها (سورة مريم) وعدد آياتها ثمان وتسعون آية، أنزلت على المصطفى عليه الصلاة والسلام بمكة؛ فكانت من أوائل سور القرآن نزولاً. ولقد تكرر اسم السيدة مريم عليها السلام في القرآن الكريم مراراً؛ فذكرها الله تعالى باسمها في واحدٍ وثلاثين موضعاً ، ولم يذكر امرأة باسمها إلا مريم عليها السلام! وهذا يدل ـ بلا ريب ـ على تكريمها وتشريفها والحفاوة بها. وقد ذكر الله تعالى بأنها ابنة عمران؛ كما في قوله سبحانه: ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ [ التحريم11.] وذكر الله تعالى عن أمها أنها لما حملت بها قالت: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﭼ [12 ]أي: جعلت الحمل الذي في بطني نذراً لعبادتك، وخدمة بيتك. ومعنى: ( محرراً ) أي: عتيقاً، خالصاً، مفرغاً لعبادة الله؛ لا يشغله شيء من أمور الدنيا.(5) ثم تضرعت أم مريم إلى الله تعالى أن يعيذ وليدتها من الشيطان الرجيم؛ فقالت: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ (3)See, Mariology: An unrecognized entrée to Ecumenical dialogue, by W. Paul Jones, in '' The Journal of Religion'', Vol. 44, No. 3, 9 Jul., 1964), p. 212. (1) تفسير الطبري،1/330، اةظر: تفسير اب عطية ،1/323.

عدد الصفحات ١٩٦

ي سف ب علي الطريف 1151 ﯮﭼ [12]وأجيرها بك وذريتها مِنَ الشَّيْطانِ اللعين الطريد...فاستجاب الله دعاءها ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ [ آل عمران17] لقد تقبل الله هذه النذيرةَ، قبولاً طيباً، وأنشأها نشأة مباركةً؛ حتى أصبحت حسنةً في خَلقها وأخلاقها، وتربت في عين الله تعالى، وترعرعت على الطاعة والعبادة، فصارت من أكمل الناس وأفضلهم وأقربهم إلى الله تعالى.(2) وقد كان من تدبير الله تعالى، ورعايته التامة لمريم عليها السلام؛ أن جعلها في كنف رجل من صفوة خلقه؛ إنه نبي الله زكريا  قال سبحانه ﭽ ﯷ ﯸ ﭼ ولم تكن إلا بعد منازعة ومخاصمة بين قومها؛ لم تنته إلا بالاقتراع؛ ليبين سبحانه للناس عظم قدر مريم عند قومها، قال الله سبحانه ـ مخاطباً نبيه محمداً  ـﭽ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﭼ [11.] خصائ مري في القرآن لقد اختص الله تعالى مريم عليها السلام بخصائص عظيمة، وفضَّ لها بفضائل جسيمة؛ هي: الأولى: اصطفاؤها على نساء العالمين قال الله تعالى: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ [11 ]فمعنى قوله: ﭽ ﮨ ﭼ أي اختارك لطاعته، واجتباك لما خصك به من كرامته.(7) وكرر الاصطفاء مرة بعد مرة؛ للتأكيد (6) تفسير الطبري1 /333) اةظر: زاد المسير، 1 /371. (7) اةظر: تفسير الطبري، 1 /392.

عدد الصفحات ١٩٧

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1151 على جلالة مريم، وفضلها على النساء (1) وقيل: " تكرر فعل ﭽ ﮨ ﭼ لأن الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزهة زكية، والثاني بمعنى: التفضيل على الغير. فلذلك لم يُ عَدَّ الأولُ إلى متعلق. وعُ دِّيَ الثاني".(9) الثانية: وصفها بأنها صديقة قال الله تعالى: ﭽ ﯝ ﯞﯟ ﭼ [75 ]وقال: ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭼ [11 ]والصديقة: صيغة مبالغة، إذْ بلغت في الصدق مبلغاً عظيماً؛ فكانت صادقة مع ربها، مصدِّ قة لكل ما يأتيه ا من عنده سبحانه.(11) الثالثة: تقبل الله لها بقبول حسن قال الله تعالى: ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﭼ [سورة آل عمران: 17 ] فأخلصت مريم العبادة لربها، وأقبلت خاضعة خاشعةً؛ قال الله تعالى عنها: ﭽ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ [سورة التحريم: 11.] الرابعة: طهارتها قال الله تعالى: ﭽ ﮩ ﭼ [آل عمران11.] لقد كان من خصائص هذه السيدة الكريمة أن الله تعالى طهرها، وأمر ملائكته الكرام أن يخبروها بذلك، هكذا ذكر الله تعالى أنه طهر مريم تطهيراً مطلقاً؛ وتعددت عبارات المفسرين في المراد بهذا التطهير...فقيل: طهر دينها من الريب والأدناس التي في (1) تفسير اب كثير، 2 /39. (9) التحرير التن ير، تفسير اب عاش ر،3 /233. (10) تفسير القرطبي ، 1/17، اةظر: اللبا في عل م الكتا ، لسراج الدي الحنبلي، 1 /216.

عدد الصفحات ١٩٨

ي سف ب علي الطريف 1151 أديان كثير من نساء بني آدم. وقيل: المراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة؛ التي اتهمها به قومها حين جاءت بعيسى تحمله. وروي عن بعض السلف بأن المراد: تطهيرها من الحيض والنفاس، ومن مسِّ الرجال. (11) و نظري أن هذه الأقوال التي ذكرها المفسرون في المراد بالتطهير لا مانع من اجتماعها كلها في مريم، فاللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها؛ بل المراد به أعظم؛ لأن الله تعالى ذكره مطلقاً من غير تقييد؛ فالأولى تركه على إطلاقه، فيكون تطهيرها من كل ما ينقص النساء في دين أو خلق؛ وأما تطهيرها من الحيض والنفاس فلا يبعد؛ لأنها منقطعة للعبادة، فلا يعرض لها ما يمنعها من هذه الوظيفة الكريمة التي نُذرت لها منذ أن كانت جنيناً في بطن أمها. الخامسة: حصانتها قال الله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭼ [91 ]وقال تعالى: ﭽﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﭼ [سورة التحريم:11 ]هكذا شهد الله تعالى لمريم بالعفاف، وأنها حصَّنت وصانت فرجها عن الرجال مطلقاً، فلم يمسَّها رجل بزواج شرعي ولا بغيره؛ كما قالت عليها السلام: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ [15]شروعاً للنساء والرجال (11) السادسة: أنها آية من آيات الله قال الله تعالى: ﭽ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ [ة الأنبياء: 91 ] فجعل الله تعالى مريم وابنها آية للعالمين، يُتحدث بها جيلاً بعد جيل، ويعتبر بها (11) تفسير الطبري،1/392، : زاد المسير، 1/317، : تفسير الرازي، ص 2191 : تفسير أبي السع د، 2/31. (12) ر ح المعاي للأل سي، 17/11.

عدد الصفحات ١٩٩

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1155 المعتبرون، ويتفكرون في أمرهما، فيعلمون عظيم سلطان الله، وقدرته على ما يشاء.(11) والمراد بالآية هنا: أنها جاءت بولد ولم يمسسها بشر!. ولا ريب في أن ولادة مريم دون أن يمسها ذكر أعظم آية تفردت بها مريم واختصت بها من بين سائر نساء العالمين. السابعة: ما اختصها الله به من الكرامات الكرامة الأولى: أن الملائكة الكرام كلمتها ونادتها باسمها، وتمثَّل لها جبريل بصورة بشر؛ تحاوره وتجادله: قال الله تعالى: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﭼ الآيات [11 ]وقال: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭼ الآية، وقال تعالى: ﭽ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﭼ [17.] فجاءها الملك مخبراً باصطفاء الله لها، وتطهيرها، وتفضيلها على نساء العالمين. وجاءها معلماً يأمرها بأمر الله بأن تلزم طاعة ربها قانتةً ساجدةً وراكعةً. وجاءها الملك مبشراً لها بأن تضع مولوداً كريماً نبياً رسولاً. الكرامة الثانية: أنه كان يأتيها الطعام والشراب من عند الله جل وعلا: قال الله تعالى: ﭽ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﭼ [17.] لقد كانت مريم منقطعة للعبادة لا تنصرف من متعبَّدها، فقد مرَّ أن الله تعالى أخبر أنه تقبلها نذيرة له سبحانه. وفي هذه الأثناء كان يأتيها طعامها من عند الله تعالى، وهذه آية لها وكرامة من كراماتها، وكان نبي الله زكريا يدخل عليها في محرابها الذي (13) تفسير الطبري،16/391.

عدد الصفحات ٢٠٠

ي سف ب علي الطريف 1152 تتعبد فيه؛ فيرى عندها طعاماً فيسألها: من أين لك هذا الطعام؟ فتجيبه بـ: أنه من عند الله. فيتعجب زكريا من ذلك الرزق! إما لكون ه رزقاً لم يكن معهوداً للناس في ذلك الزمان، أو ثماراً في غير الوقت الذي تجنى فيه عادةً. والمقصود أن زكريا كان يرى أن الرزق الذي عند مريم ليس من جلب البشر! "والذي يُفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة، ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك! سواء قلنا إن الجذع كان يابساً أو نخلةً غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطباً جنياً، ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭼ يدل على أن عينها إنما تقرُّ في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة."(11) الكرامة الثالثة: أنها جاءت بولد دون أن يمسها ذكر: قال الله تعالى: ﭽ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭼ إلى قوله سبحانه: ﭽ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭼ [ آل عمران15ـ17 ]وقال سبحانه: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭼ [91 ]وقال جل وعلا: ﭽ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭼ إلى قوله: ﭽﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ [12ـ11.] لقد أراد الله إكرامها بأن تكون مظهرَ عظيمِ قدرته في مخالفة السنة البشرية؛ لحصول حمل أنثى دون قربان ذكر، ليرى الناس مثالاً من التكوين الأول؛ كما أشار (13) أض ا البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، 3 /397، اةظر: المحرر ال جيز، 1 /326.

عدد الصفحات ٢٠١

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1157 إليه قوله تعالى: ﭽ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﭼ (15) أرسل الله تعالى جبريل إلى مريم في صورة بشر سوي حاملاً بشارة الله لها؛ فاعتزلت مريم من أهلها، وانفردت عنهم في مكان شرقي محرابها الذي تتعبد فيه "قيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب"(12) واتخذت من دون أهلها ستراً يسترها عنهم وعن الناس، فبينا هي كذلك؛ أرسل الله إليها جبريل، فتشبه لها في صورة رجل معتدل الخلق، حسن الصورة، فلما رأته خافت وفزعت، وظنت أنه رجل يريدها على نفسها... فابتدرته قائلةً : ﭽ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ [11 ]فرد عليها جبريل قائلاً: ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﭼ [19] وهي في غاية العجب ـ: ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﭼ إنها تستبعد أن تلد غلاماً، ولم يمسسها ذكر بحلال، ولم تك زانيةً. قال جبريل: ﭽ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ يقول: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغياً ، ولكن ربك قال: ﭽ ﮭ ﮮ ﮯ ﭼ أي: خلقُ الغلام الذي قلتُ إني أهبه لك؛ عليَّ هينٌ ، لا يتعذر عليَّ خلقه، وهبته لك من غير زوج!. ثم قال: ﭽﮱ ﯓ ﯔ ﭼ أي: ولكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك ﭽ ﯕ ﯖ ﭼ أي: رحمة منا لك، ولمن آمن به ﭽ ﯘ ﯙ ﯚ ﭼ يقول: (11) التحرير التن ير،17 /131. (16) تفسير الطبري،11 /313.

عدد الصفحات ٢٠٢

ي سف ب علي الطريف 1151 وكان خلقه منك أمراً قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق عل مه أنه كائن منك.(17) فاستسلمت مريم لأمر ربها، فنفخ جبريل في جيب درعها، نفخ فيها جبريل نفخة من روح الله تعالى، فخلق الله بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى  (11) فالحمل الذي كوِّن في رحمها حمل من غير الطريق المعتاد، فقد كان بنفخة في درعها، وذلك أعرق في مخالفة العادة؛ لأن خرق العادة تقوى دلالته بمقدار ما يضمحل فيه من الوسائل المعتادة.(19) فلما وقع الحمل لمريم اعتزلت في مكان بعيد عن قومها، فجاءها مخاض الوضع، فولدت نبي الله عيسى . الكرامة الرابعة: ما كان لها عند الولا دة من تفير الماء وإسقا الرط : قال الله تعالى: ﭽ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ ...إلى قوله: ﭽ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ [15-11 ]قيل: ناداها الملك من تحت النخلة؛ قائلاً: ﭽ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﭼ (11) وقيل: المنادي عيسى؛ لما وضعته. ورجحه الإمام ابن جرير (ت111هـ) ويؤيده قراءة (مَن - بفتح الميم- على أنها اسم موصول، وفتح تحتها على أنه ظرف جعل صلة، والمعني بالموصول هو الغلام الذي تحتها. وهذا إرهاص لعيسى وكرامة لأمه عليهما السلام.(11) وقيد ﭽ ﯲ (17) اةظر: تفسير الطبري،11 /317، : تفسير القرطبي، 11/19. (11) اةظر: تفسير الطبري،16 /391، : تفسير البغ ي،3 /316. (19) التحرير التن ير،17 /131. (20) قا به جماعة م السلف، إليه ذهب جم م المفسري ، اةظر: تفسير القرطبي، 11/93. (21) تفسير الطبري، 11/101، اةظر: مفاتي الغيب للرازي، 21/173، قا إةه أقر الق لن اةظر:تفسير اب كثير، 1/223.

عدد الصفحات ٢٠٣

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1159 ﯳﭼ لتحقيق ذلك، ولإفادة أنه ناداها عند وضعه قبل أن ترفعه مبادرة للتسلية والبشارة وتصويرا لتلك الحالة التي هي حالة تمام اتصال الصبي بأمه.(11) و (السَّري قيل: هو الجدول من الماء؛ جرى تحت قدميها بعد ألم يكن. وهذا قول الجمهور. يؤيده قوله بعده: ﭽ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﭼ.(11) وقيل: السَّري: عيسى؛ لأن السري لفظ يطلق على الرجل عظيم الخصال.(11) ثم أمرت بهز جذع النخلة إليها بقوله: ﭽﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﭼ وضمَّن ﭽ ﯼ ﭼ معنى: قربي أو أدني، فعدي بـ (إلى) أي: حركي جذع النخلة وقربيه؛ يَدْنُ إليك، ويَلِن بعد اليُ بس، ويسقط عليك رطب اً، طرياً طيباً. ثم أمرت مريم إن هي رأت أحداً من الناس أن تصمت وتشير بالقرينة بأنها نذرت لله صوماً، قال الله تعالى: ﭽ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭼ "وأطلق القول على ما يدل على ما في النفس، وهو الإيماء إلى أنها نذرت صوماً مجازاً بقرينة قوله: فلن أكلم اليوم إنسياً . فالمراد: أن تؤدي ذلك بإشارة إلى أنها نذرت صوماً؛ بأن تشير إشارة تدل على ذلك.(15) فأتت مريم قومها تحمل على يدها ابنها عيسى، معلنة به غير ساترة له؛ لعلمها أن الله تعالى سيبرئها مما يُتهم به مثل من جاء في حالتها. (12) (22) التحرير التن ير،16 /17. (23) اةظر: تفسير القرطبي، 11/93، : تفسير اب كثير، 1/223. (23) قا به بع السلف، اةظر: المصدر الساب ، اةظر: المحرر ال جيز، 3/11. (21) التحرير التن ير،16 /93، اةظر: تفسير اب كثير، 1 /221. (26) التحرير التن ير،16 /93.

عدد الصفحات ٢٠٤

ي سف ب علي الطريف 1121 الكرامة الخامسة: تكل م عيسى في المهد: قال الله: ﭽ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ إلى قوله: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭﭼ [مريم: 19-11.] لا ريب أن تكلم عيسى و هو في المهد كان كرامة لأمه مريم ، وأعظم برهان على صدقها وعفتها؛ وذلك أن مريم لما وضعت عيسى، وأتت به قومها تحمله، لقيها القوم بالإنكار الشديد، وقذفوها بالزنا، وارتكاب الفاحشة مع كونها من بيت كريم، ولم يتأدب هؤلاء في وصف والديها ؛ بل ن عتوهما بالصفات السلبية، فقالوا: ﭽﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ وهذا فيه سوء أدب بيِّن! وقد علمت مريم بأن هذا سيحدث لا محالة، لذا حزنت حزناً شديداً، وضاقت بها الدنيا بما رحبت لما جاءها مخاض الولادة؛ حتى تمنت الموت قبل هذه ا لحادثة، وأن الناس نسوها؛ فقالت: ﭽ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﭼ وقد قيل ـ كما تقدم ـ: بأن الذي ناداها هو ابنها عيسى لما ولدته، وهذا أول كلام ينطق به، فتشجعت مريم حينئذٍ، وجاءت به قومها تحمله، فلاموها وأنبوها، وقالوا لها: من أين لك هذا الولد؟ فأشارت مريم إلى وليدها! فظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم. فأنطق الله عيسى لها متكلماً عن أمه! فقال: ﭽ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﭼ...الآيات. وهكذا أجرى الله تعالى لأَ مَتِهِ الصديقةِ مريمَ عليها السلام من الكرامات ما لم يكن لأحد من نساء العالمين، ولذا احتفى القرآن بقصتها وقصة ابنها احتفاء عظيماً، وأورد قصتيهما في عدد من السور بأساليب مختلفة.

عدد الصفحات ٢٠٥

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1121 هذه منزلة مري عليها السلام في القرآن الكري، وهذا قدرها وشأنها في اعتقاد المسلمين. وقد مر الكلام على منزلة هذه السيدة الجليلة في العهد الجديد الذي يقدسه النصارى. فما أوجه المقاربة والمفارقة بين المسيحية والإسلام في الموقف من مريم عليها السلام؟ هذا ما سنتطرق إليه في المبحث التالي. المبح الثال : مقارنة بين مكانة مري في القرآن، ومكانتها في العهد الجديد إن من أ معن النظر في نصوص ( العهد الجديد) من الكتاب المقدس لدى النصارى، ونظر في نصوص القرآن الكريم؛ وقارن بينهما بموضوعية تامة ـ بعيداً عن التعصب المقي ت والتقليد الأعمى ـ فسيوقن ـ بلا ريب ـ في أن لا وجه للمقارنة بين مكانة مريم في العهد الجديد ومكانتها في القرآن العظيم؛ فالفرق كبير والبون شاسع... وسأعرض فيما يلي أبرز ما يمكن أن يذكر من أوجه المقارنة بين العهد الجديد، والقرآن الكريم؛ وذلك في النقاط التالية: أولاا : ما قبل الحمل بعيسى وولادته فالعهد الجديد: لم يذكر مريم إلا كونها أمًّا للمسيح، ولذا لم يشر إلى حياتها قبل ولادتها لابنها عيسى  ولا إلى نشأتها، ولا إلى شيء من هذا؛ لا من قريب ولا من بعيد! لقد أهمل العهد الجديد ذكر مريم ولم يحفل بها بشيء، كما أقر أحد علماء النصارى بذلك فقال: "أقوال الكتاب المقدس في العذراء مريم قليلةُ العددِ والأهميةِ ... أجل روي ( الحبل البُ تُولي ) في: لوقا ، ومتى؛ ولكن يشدَّ دُ فيهما على ميلاد

عدد الصفحات ٢٠٦

ي سف ب علي الطريف 1121 المسيح(17) ويقول الآخر: "إن قلة المعلومات الإنجيلية حول مريم، والطابع العجيب لأناجيل الطفولة في متى ولوقا؛ أثارا بعض الشك في تأكيدات أو عقائد اللاهوت المريمي، كما طرحا تساؤلاً حول الأساس الكتابي في الواقع توسع هذا اللاهوت منذ تدوين العهد الجديد. لاحظ بولس الأصل الداودي ليسوع (رو: 1 : 1-1) دون أن يقول شيئاً عن نسل مريم الذي يتماهى مع نسل يسوع (11) فكأن مريم لم تكتسب منزلةً عليَّةً ولا شرفاً إلا أثناء حملها وولادتها فحسب... أما القرآن الكري: فقد أكثر من ذكر السيدة مريم عليها السلام؛ وجعل ذلك من خصائصها حيث لم يذكر غيرها من النساء باسمها. ذكرها القرآن مخبراً عن ح الها، معظماً لشأنها، مسترسلاً في الحديث عن قصتها؛ منذ أن حملتها أمها؛ ثم دخولها في كفالة نبي الله زكريا  إ أن ولدت ابنها عيسى  وما جرى لها بعد الولادة من الكرب والشدة؛ وكيف أنجاها الله من ذلك بما أجرى على يديها من الكرامات الباهرات... لقد أخبرنا القرآن بأن الله تقبلها نذيرة؛ وهي لا تزال جنينةً في بطن أمها... وأعلمنا سبحانه أنه أنبتها نباتاً حسناً. ولما ترعرعت وكبرت صارت في رتبة الصديقين. فوصفها ربنا جل وعلا بالصديقة، فصدَّ قت بكلمات ربها وكتبه. وكانت من القانتين. وهذا كله لم تذكره أسفار العهد الجديد، بل ولا حتى الإشارة إليه!! (27) الأ / أ غسطن د بر ، في: خلاصة اللاه المريمي، ص 21. (21) الخ لي/ ب ل الفغالي، في: المحيط الجام في الكتا المقد ، ص1113.

عدد الصفحات ٢٠٧

تأليهُ الكنيسة الكاث ليكيَّة لمريمَ 1121 ثانياا: اصطفاء مري وتفضيلها وهذا جانب مهم في حياة السيدة مريم؛ لم يُ تطرق إليه في العهد الجديد.! فلم يأت في أسفاره العديدة ما يشير إلى أن الله تعالى اصطفى مريم، واختارها لطاعته، والقيام بخدمة بيته المقدس، ولم يزد العهد الجديد على أن أشار ـ بعبارات مختزلة ـ إلى كونها مختارة من عند الرب سبحانه لتكون أمًّا للمسيح...!! بينما يخبرنا القرآن ا لكريم بأن الله تعا لى قد اصطفى مريم بذاتها، وفضلها بشخصها على نساء العالمين جميعاً، وأنه سبحانه جعلها طاهرةً نقيةً من الأدناس والأقذار؛ التي تصيب النساء، وطهرها كذلك من كل خلق دنيء وسجية مذمومة... ويخبرنا القرآن بأن الله تعالى حفظها منذ ولادتها من الشيطان الرجيم؛ فليس للشيطان عليها من سبيل... ويخبرنا القرآن بأن الله تعالى تقبَّل مريم عليها السلام بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً... وكذا يخبرنا القرآن بأن الله تعالى جعل مريم عليها السلام في كفالة نبيه زكريا ... لقد جاء القرآن بعبارة جزلة تتضمن أعظم معاني الاصطفاء والاختيار؛ في قوله سبحانه: ﭽ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﭼ. وأين هذا من الإشارة المقتضبة في إنجيل (لوقا) وهو قوله: "الرب معكِ، مباركة أنت في النساء" إذ إنَّ هذه العبارة لا تدل على تفضيلها على سائر النساء؛ بل تدل على أنها مباركة فحسب، والنساء المباركات من الله من المؤمنات الصالحات كثير. وأخبرنا القرآن ـ أيضاً ـ بأن الله سبحانه رباها تربية إيمانية، لم تحض بها امرأة من البشر قاطبةً؛

عدد الصفحات ٢٠٨