صل فيلق بدر على أسلحة كبيرة من العراق, وأقام معسكرات تدريب في إيران. واستغل الحالة المعاشية للمواطنين, وعمل على فتح التطوع وإرسال المتطوعين إلى إيران للتدريب قرب الحدود العراقية . ومنذ دخول فيلق بدر توزّعت قواته على عدة تشكيلات, فكان منها قوة المختار التي تتولى اغتيال البعثيين, خاصة في المدن الجنوبية وجميعهم من البعثيين الشيعة. وكان هناك أيضاً قوة الثأر والانتقام وتقوم باغتيال المسئولين السابقين في جهاز المخابرات والجيش والأمن.
عدد الصفحات ٥٢٢وكان هناك كذلك المتطوعون في الشرطة العراقية من أعضاء فيلق بدر ومهمتهم اغتيال السنّة . ومن تشكيلات فيلق بدر أيضاً المتطوعون في الجيش العراقي, ومهمتهم مساعدة القوات الأمريكية في عملياتها العسكرية في مدن السنّة. وقد اشترك فيلق بدر في العديد من العمليات مع القوات الأمريكية في مناطق متعددة في العراق في مدن السنّة, مثل الموصل وبعقوبة وتلعفر والفلوجة والرمادي والقائم واللطيفية. جرائم "بيان جبر" المتطرف لقد عمدت مليشيات الشيعة, وعلى رأسها فيلق بدر, إلى أساليب الاغتيال والتهديد والتهجير والإرهاب التي طالت أئمة المساجد والعلماء والأطباء والأساتذة والطيارين, وكل قوى الشعب العراقي الرافضة للغزو, وقد تم تهديد وتهجير مئات العوائل السنية من مساكنهم في محافظات الجنوب. واستولت هذ المليشيات على تشكيلات وزارة الداخلية التي تولاها بيان جبر صولاغ, وشرعت في تنفيذ حرب طائفية قذِرة ضد أهل السنّة ورواد المساجد. إن وزارة الداخلية العراقية ضالعة في الإرهاب والتعذيب وقتل الأبرياء في ظل أجهزة صولاغ, ومليشيات العامري, وفي ظل حكومة الجعفري المتستر على فضائح السجون السرية في ملجأ الجادرية وفي أرجاء العراق, وهو المسئول الأول عن الجرائم التي طالت أئمة المساجد والعلماء, من تعذيب وتمثيل وتثقيب للرؤوس بالمثقب الكهربائي بأساليب لم تشهد لها البشرية مثيلاً . كل الخبراء العرب والأجانب يؤكدون سيطرة ميليشيا فيلق بدر على وزارة الداخلية ابتداءً من 32 –7 – 2117م وهو اليوم الذي تسلّم فيه صولاغ مهام وزارة الداخلية, حيث قام بإصدار أوامر بضم منظمة بدر الشيعية إلى الوزارة؛ حتى تكون جرائمها تحت ستار ومظلة القانون, في الوقت الذي أبعد فيه الضباط والقادة السنّة عن وزارة الداخلية. ولعل أبشع الفضائح التي واجهت وزير الداخلية الشيعي المتعصب بيان جبر صولاغ هي جرائم التعذيب الوحشية التي ارتكِبت ضد 35: معتقلاً في مركز اعتقال تابع لوزارة الداخلية العراقية بضاحية الجادرية جنوبي بغداد. وليست هذ هي المرة الأولي التي تُتهم فيها حكومة إبراهيم الجعفري, وتحديداً وزارة الداخلية, بإساءة معاملة المعتقلين في سجونها. وما أن شاع خبر هذ الفضيحة حتى أسرع الجعفري بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق في الحادث, كما سارع صولاغ بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة القضية. والمقصود من هذ اللجان هو تهدئة الأوضاع فقط ليس أكثر. الدور الإيراني المشبو عندما قرر التحالف الأميركي ـ البريطاني غزو العراق للإطاحة بنظام صدام واحتلال الأرض عسكرياً؛ فإنه كان يراهن على استقطاب تأييد التنظيمات الشيعية التي رأت في الغزو والاحتلال فرصة نادرة لتصفية حساباتها مع البعثيين . والآن تكتشف الولايات المتحدة وبريطانيا أن الاعتماد على الدعم الشيعي له ثمن سياسي باهظ. فالنفوذ السياسي الشيعي في العراق فتح الباب منذ الوهلة الأولى للغزو لتدخل إيراني متعاظم ومتعدد الجوانب . فعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات منذ أن وطأت القوات الأميركية ـ البريطانية الأراضي العراقية, ظلت إيران تبني لنفسها بمساعدة التنظيمات الشيعية العراقية وجوداً عسكرياً واستخباراتياً وسياسياً بموافقة ضمنية من قوى الاحتلال . فعندما اندلعت المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال فور دخول القوات الأجنبية راهنت الولايات المتحدة وبريطانيا على الميليشيا الشيعية التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في التصدي للمقاومة, التي هي سنية في المقام الأول . لقد كانت إدارة بوش وحكومة بلير سعيدتين بأن السيستاني أمر قوات الميليشيات الشيعية بعدم التعرض لقوات الغزو والاحتلال قبل أن يصدر فتوى بتحريم المقاومة ضد المحتلين.
عدد الصفحات ٥٢٣لكن ما يقلق كلاً من واشنطن ولندن الآن أنهما تكتشفان ـ ربما بعد فوات الأوان ـ أن ائتلاف التنظيمات الشيعية أصبح القوة الأعظم المتحكمة سياسياً في العراق, وبالتالي أصبحت إيران القوة الإقليمية المهيمنة على المصير السياسي للعراق. ولا تبدو طهران عازمة على الإجابة عن هذ الأسئلة في هذ الظروف التفاوضية؛ لأن مجرد القبول بإعطاء إجابة يعني أن القيادة الإيرانية قررت الرجوع عن سياسة التمسك بالتخصيب. كما أن الكشف عن الوثائق والسماح باستجواب ضباط إيرانيين وإعطاء معلومات حول أجهزة التخصيب يفتح البرنامج النووي الإيراني أمام التحالف الدولي المناوئ لها, وينزع "الغموض" حول طبيعته ويقلل من قدرات طهران السياسية على المناورة واللعب في كافة الاتجاهات . وبعيداً من خطاب نجاد ومفرداته, لا يخفى على المتفحص أنه لم يعد الآن قبل انتهاء المهلة سوى احتمالين نظريين لتطور الأزمة النووية الإيرانية على المدى القصير, الأول هو قبول الطرفين الإيراني والأميركي بالعودة إلى طاولة مفاوضات تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية . وهذ النتيجة, تعني أن إيران ربحت معركة التصعيد التي خاضتها منذ إعلانها استئناف اليورانيوم مطلع العام الجاري, وهي النتيجة التي لا تبدو الإدارة الأميركية راغبة في التسليم بها . والاحتمال الثاني الراجح لسير الأزمة النووية الإيرانية هو صدور قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية على إيران, تبقى شدتها محلاً للتفاوض بين الأعضاء الخمسة الدائمين, من أجل الاستمرار في الحفاظ على الإيقاع النزاعي للأزمة .وفي حال فشلت واشنطن في تأمين موافقة الصين وروسيا, سيعمد التحالف الذي تقود واشنطن إلى فرض عقوبات اقتصادية, من دون غطاء من مجلس الأمن إذا استلزم الأمر . ونظرا إلى أن العقوبات الاقتصادية تتطلب وقتاً تنضج فيه أدواتها وتتضح آثارها الاقتصادية - الاجتماعية ومن ثم الاقتصادية - السياسية على البلد المعني, فالأرجح أن واشنطن الراغبة في التصعيد ستتبنى خيار العقوبات الآن من أجل زعزعة الوضع القانوني لإيران, وستلبي العقوبات الاقتصادية حاجة ماسة للإدارة الأميركية . وستكون العقوبات الاقتصادية أداة لإدارة بوش من أجل الهروب إلى الأمام, والخروج من مأزق عدم قدرته على إثبات انتهاك إيران التزاماتها الدولية, والتقدم خطوة أساسية في اتجا الحل العسكري . وفي حين تبدو العقوبات الاقتصادية "تكتيكا" أميركيا لإدارة الأزمة, وحلا مرحليا يسبق حلولا أكثر صر امة, فإنها لا تشكل ـمن المنظور الإيراني- كارثة كبيرة, بل نتيجة يمكن القبول بها في الوضع الحالي, وتسمح باستثمار الوقت لفرض وقائع إقليمية جديدة من قبيل مد دائرة النفوذ الإقليمي الإيراني لتشمل المحور الذي تقود بدءاً من العراق ومروراً بسورية وليس انتهاء بلبنان . وإصرار واشنطن على المضي في المواجهة مع إيران, يقيد حركتها بطريق إجباري واحد, يتمثل في الضغط على أعضاء مجلس الأمن والحلفاء لفرض عقوبات اقتصادية على إيران وصولاً إلى اعتماد الحل العسكري في النهاية. لذلك تبدو العقوبات الاقتصادية الآن مثل مرحلة وسيطة قبيل الوضع شبه النهائى, أي اعتماد الحل العسكري . ورغم ذلك, لا تبدو الإدارة الأميركية في وضع يتيح لها إقناع كل الشركاء في مجلس الأمن, بخاصة الصين وروسيا, اللتين أفهمتا إدارة بوش بطريقة دبلوماسية وإن كانت واضحة أنهما لا تشاطرانها الرأي في ما يتعلق بكيفية التعامل مع ملف إيران النووي . وسيمثل الاجتماع المقبل لمجلس الأمن علامة فارقة في تطور "الأزمة النووية الإيرانية", باعتبار خطوة أساسية قبل التصعيد . وتشير التطورات الأخيرة أن القطب الدولي الأوحد لا يملك أفكارا تفاوضية تحاصر إيران دبلوماسيا وتوسع دائرة تحالفه الدولي, بل فقط تهديدات بإنشاء "تحالف الراغبين" للانخراط في حرب ضد إيران من دون غطاء
عدد الصفحات ٥٢٤لأخيرة أن القطب الدولي الأوحد لا يملك أفكارا تفاوضية تحاصر إيران دبلوماسيا وتوسع دائرة تحالفه الدولي, بل فقط تهديدات بإنشاء "تحالف الراغبين" للانخراط في حرب ضد إيران من دون غطاء من مجلس الأمن إذا تطلب الأمر, كما قالت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس, أو شن "حرب وقائية" بالقنابل النووية التكتيكية كما نقل الصحافي سيمور هيرش عن مسئولين نافذين في الإدارة الأميركية . أما الإدارة الإيرانية للأزمة, فتثبت وعيا بالمأزق الذي تعيشه واشنطن في العراق, واستيعابا لتناقضات المصالح الدولية بين واشنطن وموسكو وبكين, لكن البراعة الإيرانية المقترنة بصلابة تفاوضية ملحوظة لا يمكن التعويل عليها إلى الأبد..
عدد الصفحات ٥٢٤الديمقراطيه الإمريكيه في العراق بعيون((ويكليكس)) كشفت وثائق سرية سربت عن طريق موقع "ويكيليكس" عن أن عدد القتلى المدنيين العراقيين أعلى بكثير عما أعلنته الإدارة الأمريكية. وتضمنت الفضيحة اكثر من 144 ألف وثيقة عن الحرب في العراق كشفها موقع "ويكيليكس", ومن المتوقع ان يكون لنشر الوثائق تأثيرات مباشرة على الوضع الامني والسياسي في العراق, كما سيشكل ضربة جديدة لسمعة الولايات المتحدة حول العالم, وخاصة في الشرق الاوسط. وقد اعلن موقع ويكيليكس الالكتروني المتخصص في المعلومات الاستخباراتية الجمعة انه سيصدر 'اعلانا مهما' السبت في اوروبا, في رسالة على تويتر, رغم تحذير حلف شمال الاطلسي من نشر معلومات تتعلق بالحرب في العراق. كشفت الوثائق تورط المالكي في عملية القتل العمد مع سبق الإصرار حيث لقي 861 ألف ضحية منهم414 ألف ضحية لقوا مصرعهم على يد ميليشيات مسلحة, وأن ثلثي هذا العدد قتل أغلبه عام 8441, وأن أكثر من أربعة ألاف ضحية قتلوا خلال شهر يناير من هذا العام. وأشارت الوثائق إلى أن العدد الحقيقي للقتلى في العراق ابتداء من الإحتلال الأمريكي عام 8446 وحتى الآن يتجاوز414 ألف ضحية إلى جانب 41 ألف آخرين (مفقودين) غير مستدل عليهم ولا يوجد عنهم أي معلومات, وأوضحت الوثائق أن الولايات المتحدة تسترت على كل هذه الجرائم, من خلال تضليلها للرأي العام العالمي بأنّ أعداد للضحايا أقل بكثير عما هو في الحقيقة. وتقدر الملفات التي عرضتها الوثائق السرية بأن 484 ألف شخص تعرضوا إلى عمليات تعذيب في السجون من المدنيين .وكشفت الوثائق أن هناك الآلاف من المدنيين لقوا مصرعهم في عمليات القصف الجوي الأمريكي على الأراضي العراقية, ولفتت إلى أحد الانتهاكات الأمريكية في الحرب على العراق كان في الفلوجة بعدما ألقت القوات الأمريكية قنبلتين من طائرة اف 41, وروجت الإدارة الأمريكية إلى أن ضحايا هذه التفجيرات كانوا من اعضاء تنظيم "القاعدة" في العراق, وهو ما ثبت خلافه بعد أن ثبت أن الضحايا هم 6 مدنيين بينهم1 أطفال وامرأتين واعترفت به الولايات المتحدة بعد ذلك على استحياء. وأثبتت الوثائق أن آلاف السكان المدنيين لقوا مصرعهم بسبب القصف الأمريكي. كما كشفت إحدى الوثائق أن هناك 1400 حادثة إطلاق نار على مدنيين عراقيين أثناء مرورهم عبر الحواجز الأمريكية في المدن العراقية. وأشارت إلى أن أكثر من 844 شخص لقوا مصرعهم رميا بالرصاص خلال مرورهم على نقاط التفتيش الامريكية. الأخطر ما في الوثائق هو تفاصيل تعلن لأول مرة تحدثت عن تورط رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي في إدارة فرق للقتل والتعذيب, كما توضح الوثائق حقيقة الدور الإيراني ونشاط القاعدة, وتزيل هذه التقارير اللثام عن مأساة عشرات
عدد الصفحات ٥٢٥آلاف الضحايا المدنيين الذين سقطوا بنيران الجيش الأميركي. كما تظهر حقائق جديدة عن تورط القوات العراقية في تعذيب السجناء وحتى اغتصابهم وقتلهم أحيانا. وترسم الوثائق صورة للمالكي بعيون الأميركيين, فيبدو رئيس الوزراء المنتهية ولايته شخصا طائفيا, كما تصور هذه الوثائق وجها خفيا للمالكي وهو يقود فرقاً عسكرية تنفذ أوامره في الاغتيالات والاعتقالات. أما إيران فكانت حاضرة في المشهد العراقي ولكن على نحو سري عبر تهريب السلاح التقليدي لإمداد الأحزاب والمنظمات الموالية لها وخصوصا جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر, ومنظمة بدر التي كانت الجناح العسكري للمجلس الإسلامي العراقي الأعلى بقيادة عائلة الحكيم, قبل أن تتحول تلك المنظمة إلى تنظيم سياسي وفق ما هو معلن. واللافت أن التقارير السرية في حالة إيران تذكر أسماء عملاء تقول إنهم ضباط مخابرات إيرانيون كانوا يعملون بشكل يومي في العراق وإن بعضهم متورط في شن هجمات بالصواريخ علاوة على إقامة نقاط تفتيش مشتركة في المناطق يشرف عليها عناصر أمن إيرانيون بوجود عناصر من جيش المهدي ومنظمة بدر. وتفصح الملفات السرية -التي حصل عليها موقع ويكيليكس- عن أن معدلات القتلى كانت في ارتفاع مطرد, وأن شهر ديسمبر 8448 كان الأكثر دموية حيث قتل1466 في ذلك الشهر وحده, وصنف 1444 منهم بأنهم مدنيون.كما تكشف الوثائق تورط القوات العراقية بعمليات التعذيب الممنهج للسجناء باستخدام وسائل تعذيب عديدة بينها الكهرباء والانتهاك الجنسي, كما ثبت أن عددا من أفراد الشرطة العراقية جرى قتلهم على أيدي تلك القوات, وأن اشتباكات كانت تجري بين أبناء الزي العسكري العراقي نفسه (تصفيات طائفية). وفي الوقت الذي لم يتفاجأ العراقيون من هذه الوقائع والأرقام لأنهم يعرفونها مسبقا, لانهم أشتكوا مرارا من انحياز الحكومة الطائفية لفرق الموت المدعومة من ايران والتي حظيت بحماية الحكومة واجهزتها الأمنية, إلا أن المؤلم هو واقع الحال في أن الأرقام حين تأتي من مصدر عراقي مطلع فإنها لا تصدق ويتم التغطية عليها وانكارها, في حين إذا جاءت من مصدر أمريكي أو غربي فإنها تأخذ مداها في الإعلام. ليس المهم بالنسبة إلى العراقيين فضح هذه الوقائع والحقائق والارقام والوثائق بل المهم ماسيتم بعدها .. وهل ستتحرك الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان والقضاء الجنائي الدولي لملاحقة ومحاكمة ومعاقبة المجرمين الذين قتلوا آلاف العراقيين ودمروا مدنا عراقية بالكامل سواء كان المجرمون عراقيون ام ايرانيون ام امريكان؟.. الشئ المؤكد ان يد العدالة الآلهية لن تترك المجرمين يسرحون ويمرحون, وان دماء الابرياء ستظل تلاحق القتلة والمجرمين مهما كانت صفاتهم ومواقعهم.. ولن يضيع حق وراءه مطالب!! http://www.wikileaks.org/ ونذكر وننبه أنه يمنع منعا باتا بيع هذا الكتاب بإي سعر كان, بدون موافقه خطيه من الكاتب ويسمح بنشر وتوزيعه مجانا
عدد الصفحات ٥٢٦حرة تروي أيام عارنا أمنيه)) نقلا عن الكاتب: حسين المعاضيدي كانت مستاءة جداً وهي توجه لي أسئلة أتعبتها كما تقول, قالت لي, قرأت لك كتابات كثيرة عن المجاهدين, لكن أين هم, لماذا لم يثأروا لي, ولماذا تركوني فريسة سهلة لكلاب الاحتلال, ولأوغاد الهالكي, لعنه الله؟! لماذا وجدت نفسي وحيدة بلا مناصر, أما من مسلم يثأر لي, كيف يقول التاريخ أن مسلمة حرة نادت من أقصى الأرض (وامعتصما ), فسُيرت إليها الجيوش ولبت نداءها السيوف, عابرة صحارى وأنهار وجبال وسهول, لنصرتها ونجدتها وتحريرها من القيود, وأنا الحرة حولي أبناء ديني وأبناء جلدتي ولا أجد من يثأر لي ولشرفي المهدور.. لماذا هذا الصمت المطبق من أبناء بلدي وأنا عرضهم وشرفهم المنتهك المغتصب على يد حثالات صعاليك العصر من المستعمرين وكلاب الفرس المجوس!؟ . أخرستني كلماتها, وألجمتني آهاتها, فماذا أقول لها, أأرد عليها بالقول أن المعتصم قد مات, أم أبشرها بأن أرضنا ولادّة وأنها تنجب في كل يوم ألف معتصم جديد..؟! هل أقول لها أن أبناء شعبك مغلوب على أمرهم, ومسلوبة إرادتهم, وعاجزين عن القول قبل الفعل, أم أبشرها بأن هناك من لا ينام ويعمل ليل نهار لأخذ الثأر من كلاب الصلبان والمجوس!؟ بعد كل هذا وذاك لم أستطع القول شيئاً لأن كل الكلام, بل كلام الأرض جميعه لن يجعل هذ الحرة تغفر لنا صمتنا وتخاذلنا عن نصرتها يوم ديس عليها, واُعتقلت, وأهينت, وهتك شرفها, وكشف عن سترها, فما كان مني سوى الصمت والاكتفاء بنقل معاناتها لأمة الإسلام وحديثها المرّ, بطعم العلقم, عن أعراضنا المنتهكة, وديننا المغتصب وكرامتنا المهدورة, وشرفنا المسلوب ! تقول المسلمة العراقية التي حلت بها مصيبة الأسر في زنازين الطغاة, والخطف على أيدي زبانية الهالكي البغاة, ليس من السهل أن تجد نفسك فجأة بين القضبان, متعرٍ إلا من الأيمان, وسط وحوش كاسرة, يتقرب منك ألد أعداء الله, وأخس أنواع البشر, وأرذل القوم لينهشوا من جسدك الذي لم يمسسه قبل ذاك إنس ولا جان! وحينما تخرج تكتشف أنه لن يكون هناك أباً يستقبلك بحنانه, ولا أماً تضمك إلى صدرها, ولا زوجاً يغمرك بعطفه, ولا أخاً عليه تتكئ أو به تستعين, بعدما فارقوا الحياة غدراً ونحراً على يد سجانيك وجلاديك, ولا تجد هناك من يتجرأ على التقرب منك خوفاً منك, أو عليك, لا فرق, حتى تصبح الدنيا في ناظريك كجيفة نتنة, لولا مخافة الله لغادرناها منتحرات! فأي عارٍ ذلك الذي نحن فيه والذي يلفكم أبناء أمتي وقد أهينت كرامتنا, وانتهكت أعراضنا, وقتّلت أمهاتنا, وأريقت دماء آبائنا وأزواجنا وإخوتنا, كل هذا وأبناء أمتي من حولنا يغطون في سبات عميق, ويحجبون عين الشمس بكثرتهم, والتي لم تغن عنا شيئاً, ولم تمنع المحتل وكلابه الخونة الأنجاس من تدنيس براءتنا وأنوثتنا.. أعراضكم في بلاد الرافدين تنتهك يا بني الإسلام, فما أنتم فاعلون!؟ . ما بالكم تصمّون آذانكم عن نجدتنا وقد بلغ السيل الزبى, وتجاوزت السكين اللحم والعظم, حتى أصبحنا خرقاً بالية, لا قيمة لنا, ونحن الذين فضلنا الله على بقية خلقه تفضيلاً, بآدميتنا وبما نحمله من أيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم .! ما بالكم تشيحون بوجوهكم عنا, وكأننا عاهرات لقيطات, ويحكم! إننا حرائر بلاد الرافدين, قبل أن تدنس عفتنا يد محتل غادر, ومجوسي صفوي حاقد.. كلوا وأشربوا أبناء جلدتنا فستدفعون ثمن صمتكم وسكوتكم هذا, ونساؤكم وبناتكم وأمهاتكم هن الهدف القادم, وما نحن إلا البداية لو كنتم تفقهون !! أتريدون سماع قصتي, حسناً, سأرويها لكم بعض تفاصيلها, وعند الخاتمة سأترك الحكم لكم, لتعرفوا بأنفسكم من عدوكم, ومن أنتم, وما يعني صمتكم, ومن نحن اليوم, بعد أن كنا بالأمس لا يجرؤ الطير أن يمر من سماء عفتنا وشرفنا, عند خاتمة قصتي ستعرف
عدد الصفحات ٥٢٧عند الخاتمة سأترك الحكم لكم, لتعرفوا بأنفسكم من عدوكم, ومن أنتم, وما يعني صمتكم, ومن نحن اليوم, بعد أن كنا بالأمس لا يجرؤ الطير أن يمر من سماء عفتنا وشرفنا, عند خاتمة قصتي ستعرف أبن أمتي أن كان موقعك اليوم رقماً صعباً في معادلة الحياة, أم أنك لست سوى صفراً على الشمال ! ذات يوم, وتحديداً في الثامن عشر من تموز من العام 211:م, وكعادتها قامت والدتي بإيقاظي لأداء صلاة الفجر, وكنا نصلي تباعاً, أمي أولاً, فأعقبها أنا, ثم بقية العائلة, لكن ذلك اليوم كان له شأن آخر, فحينما أيقظتني أمي طلبت مني الإسراع كي نصلي الفجر سوية, استغربت لطلب أمي لكنها أصرت على طلبها بشكل غريب فوافقتها رغم أننا لم نعتد على أداء صلاة الجماعة سوية, وبعد الانتهاء من الصلاة ابتهلت إلى الله بدعاء, بقدر ما أثلج صدري أرهبني, لأنني لم اعتد أن أسمع مثل ذلك الدعاء الذي كانت تردد كلماته أمي والدموع تتساقط من عينيها بغزارة ..
عدد الصفحات ٥٢٧وما أن انتهينا حتى طلبت مني والدتي قراءة القرآن, وهو ما لم اعتد أيضاً, حيث كنت, وبعد الانتهاء من الصلاة أعود إلى فراشي في الحال .. كنت أقيم مع والدتي منذ فترة طويلة, وبشكل متقطع نتيجة ظروف الحمل التي كنت أمر بها, ولانشغالات زوجي وأعماله التي أجهل كثير منها, وكذلك لخلو دار أهلي من الرجال, حيث لم يكن في الدار سوى النساء والأطفال, فأبي الذي يعمل صحفياً كان في سفر خارج العراق, هارباً من عمليات القتل التي تطال الصحفيين والإعلاميين على يد قوى الاحتلال وأيدي الحكومة التي نصبها المحتل لتأتمر بأمر , وأخواي هاجروا ملتحقين بأخي الأكبر الذي يقيم في بلاد الغربة منذ سنين طوال ويعمل طبيباً هناك .. بقينا أنا ووالدتي مستيقظات بعكس بقية أخواتي اللواتي سارعن للعودة إلى فراشهن .. وما هي سوى لحظات حتى أقتحم الأميركان دارنا, دخلوا علينا دخولاً مرعباً, بعدما حطموا الأبواب بقنابلهم الصوتية, وصرخاتهم وأصواتهم العالية, فأرعبنا صراخهم أكثر من قنابلهم الصوتية .. جاءونا والشر يتطاير من عيونهم, طريقة دخولهم لبيتنا توحي وكأنهم اقتحموا مقر لثكنة عسكرية, أو وكر لمجموعة مسلحة, دخلوا بقوة الحديد والنار, وكأنهم في ساحة حرب, بل وكأننا استقبلناهم بالرصاص مع أن البيت لم يكن يحوي سوى النساء ! كانت أعينهم تفيض حقداً وكرهاً ترجمته أفعالهم إلى واقع حي حينما عاملونا بشكل قذر أوحى بأننا حيوانات لا راع لنا, في الوقت الذي كانوا هم الرعاع .! قال أحدهم, بلغة انكليزية ولكنة أميركية, جئنا من أجل (أمنية السامرائي !) من حسن حظي أنني كنت أجيد اللغة الإنكليزية بحكم عملي كمهندسة وبحكم دراستي, فرددت عليهم لا يوجد هنا من تدعى بهذا الاسم.. لقد أنكرت أسمي ووجودي لأنهم أرعبوني بعدما طلبوني بالاسم.. قال لي جندي محتل, أذكري لي أسماء الموجودين هنا.. رددت عليه لا يوجد هنا سوى النساء.. أجاب بعنف شديد: لقد جئنا من أجل النساء, فأجبته بسرعة, لا يوجد سوى أمي وأخواتي والأطفال.. وذكرت له أسماء أخواتي, ثم أستطرد, وأنتِ ما اسمك: وبلا تردد, ودون شعور مني, قفز أسم (يقين ) إلى ذهني, فقلت له أنا (يقين).. صمتوا لبرهة وأخذوا يتبادلون النظرات, وكأنهم كانوا يتحدثون من خلال نظراتهم تلك.. كانت نظراتهم بشعة, رأيت فيها صورة الجرم والحقد الأسود, وقبل أن يتحرك أحد منهم فهمت لغة عيونهم التي لم تكن بحاجة لخبير ليتعرف إلى حركتهم التالية, إذ توقعت, فما هي سوى لحظات حتى تقافزوا عليّ وأمسكوني وطرحوني أرضاً وانهالوا عليّ بالضرب المبرّح, وأخذوا يشدوني من شعري باتجا الخارج ! علا صراخ أخواتي, وجنّ جنون أمي التي حاولت الوصول إليّ, لكن وقبل أن تصلني يديها ضربها جندي محتل بأخمص بندقيته على يديها, فمنعها من احتضاني حينما أرادت أن تفعل ذلك, وعندما حاولت منعهم من أخذي, إذ وقفت في طريق خروجهم من الدار, وهي تبكي, تعرضت ثانية إلى ضرب شديد من قبلهم, حتى كسروا لها جميع عظامها, أو هكذا كنت أظن ! كانت طريقة تعاملهم تنذر بالموت, فقد كانوا وحوشاً كاسرة, وتعاملوا معي بكل حيوانية, حتى بدى للناظر وكأن فريستهم من تقود الجهاد والمقاومة في بلاد الرافدين ! وقبل أن تتحرك الهمر التي ألقوني فيها كالشاة التي يجرونها إلى المذبح, وقبل أن ينطلق رتلهم الذي كان يضم عشرات الآليات بأنواعها المختلفة التي جاءوا بها ليعتقلوني, وقبل أن يغادر آخر جندي أرض داري, وبعد أن وضعوا نظارات سوداء على عيوني, كان صوت أمي يعلو أكثر وأكثر, بكاءاً ونحيباً مؤلماً, آلمني أكثر من ذلك الألم الذي كنت يسري في جسدي, وفجأة ارتفع صوت الرصاص وإطلاقات نارية أثناء انسحابهم من الدار, لتنتهي المداهمة بالرصاص والحديد, مثلما بدأت بالقنابل والنار ! وهم يغادرون دارنا التي أخذوني أنا فقط منها, نظراً لغياب زوجي وأبي وإخوتي, الذين كان لكل واحد مهم شأن يغنيه,
عدد الصفحات ٥٢٨الدار, لتنتهي المداهمة بالرصاص والحديد, مثلما بدأت بالقنابل والنار ! وهم يغادرون دارنا التي أخذوني أنا فقط منها, نظراً لغياب زوجي وأبي وإخوتي, الذين كان لكل واحد مهم شأن يغنيه, صرخت فيهم: ماذا فعلتم بأمي وبأخواتي, فجاءني الرد بضربة على رأسي كادت تهشمه, حتى كدت أفقد الوعي من شدة الألم !
عدد الصفحات ٥٢٨سارت بي الهمر مسافة, رغم أنني مهندسة وضليعة بأمور القياس, إلا أنني ولأول مرة أجد نفسي عاجزة حتى عن احتسابها, وحتى الدقائق أختل توازنها في حساباتي ولم أعد ادري كم مرّ من الوقت ونحن نسير في الطريق, فما حدث معي, ولي, لا يصدقه عقل, ولا يخطر على بال ! توقفت الهمر فجأة وأنزلوني بنفس الطريقة التي أصعدوني بها إليها, إهانة وضرب وشتم, ثم أدخلوني إلى مكان عرفت, بعد أن رفعوا الغطاء عن عيني, أنه حاوية حديدية مخصصة لنقل البضائع والسلع, ورغم أن الجو كان صباحاً ولم تشرق الشمس بعد, لكنني كنت أشعر بحرارة هذ الحاوية التي كانت كالفرن الساخن, ألقوني فيها ثم أغلقوا الباب وغادروا ! لكنهم سرعان ما عادوا ليقتادوني إلى غرفة صغيرة, ليجلسوني على كرسي, ويعيدوا يداي إلى الخلف, واضعين فيهن الأصفاد.. وخلفي كان يتوقف جندي أسود, وعند الباب مجندة شقراء, والمحقق يجلس أمامي خلف طاولة خشبية, وأمامه حزمة من الأوراق, وأقلام بألوان مختلفة, وكأنه ينوي رسم لوحة, وليس إجراء تحقيق مع امرأة على ما يبدو ستكون هي موضوع لوحته المرتقبة ! أخذ يسألني عن اسمي, واسم والدي, وكنيتي, ومهنتي, وأسم زوجي, ومعلومات عن تأريخ زواجي, وعملي, وسبب وجودي في دار أهلي مع أنني متزوجة, وغيرها الكثير من الأسئلة التي كنت أجيب عليها بمعلومات وهمية وزائفة أحياناً, وحقيقية في بعض الأحيان, وما دفعني لإخفاء بعض المعلومات, وذكر أسماء وهمية, هو أنهم لم يطلبوا هوية مني, ولم يأخذوا أوراقي الثبوتية التي كانت جميعها في بيت زوجي باستثناء هوية الأحوال المدينة التي فقدتها قبل أيام, ولم اُخرج البدل الضائع لها بعد ! سألوني عن زوجي كثيراً, فأكدت لهم أنه في سفر خارج العراق, وتحديداً في سوريا, فطلبوا الكثير من المعلومات عنه, لكنني لم أجبهم, لسبب بسيط, وهو أنني بالفعل لم أكن أعرف عن عمله شيئاً, سوى الشيء البسيط, فقد كان يُكثر من الخروج من الدار ويكثر المبيت خارجه, حتى أنني كنت ألجأ إلى دار أهلي للإقامة لشدة وكثرة غيابه, حتى سفر الأخير خارج العراق, كما كان يقول لي, بدا لي غريباً, فقد أطال الغياب وهو الذي وعد بالعودة سريعاً, والغريب في أمر زوجي أنه كان يرفض الاتصال بي حتى عبر الهاتف ليطمئنني على حاله ونفسه, حتى عرفت من الأميركان أنه لم يكن في سفر, بل أنه متواجد داخل العراق ويتزعم مجموعة جهادية ويحارب الأميركان, وأنه كان يوهمني بأنه في سفر ليغطي على جهاد الذي لم أكن اعرف به, وأنا زوجته, أعز الناس وأقربهم إلى قلبه, مع أنني لو كنت أعرف لشددت على يديه ولباركت له جهاد ذاك ! لقد أثار عدم إعطائي أي معلومات للأميركان عن زوجي غضبهم, فحنقوا عليّ أكثر, وعاملوني بوحشية, وبطريقة أكثر إذلالاً .. حينها كنت أضع سلسلة ذهبية في رقبتي تحمل خارطة لبلدي, كانت هدية من والدتي, ومحبسين ذهبيين في أصابعي هما ذكرياتي من زواجي, فجاء أحد الجنود وخلعهما من يدي ومن عنقي بقوة, ثم أمر المحقق الجنود أن يلبسوني ملابس خاصة, فأدخلوني إلى إحدى الغرف وخلعوا عني ملابسي بالقوة .. حينما استعيد ذكرى تلك اللحظة أشعر بالألم والمرارة والذل وهوان أمتي, فقد وجدت نفسي أتعرى أمام أغراب لا يحل لهم النظر إليّ حتى, فكيف بي وأنا عارية تماماً, تمنيت حينها لو أن الأرض انشقت لتبتلعني فأكون نسياً منسياً, فماذا سأقول لزوجي, وماذا أقول لأبي, ولأخوتي, ولأمي ولأخواتي.. ماذا أقول لربي الذي هو أعلم بحالي مني, ولكن تلك قوة فاقت قوتي وقدرتي, فقد حاولت منعهم ورفضت التعري, وطلبت منهم أخيراً مغادرة الجنود وبقاء المجندات, لكنهم أبوا إلا أن يشعروني بالذل والإمتهان, فمزقوا عني ثيابي حينما رفضت خلعها, ثم أخذوا يتفحصون جسدي وراحوا يوثقون في دفاترهم علاماتي الفارقة, حتى تلك الشامة الموجودة على يدي ..
عدد الصفحات ٥٢٩لكنهم أبوا إلا أن يشعروني بالذل والإمتهان, فمزقوا عني ثيابي حينما رفضت خلعها, ثم أخذوا يتفحصون جسدي وراحوا يوثقون في دفاترهم علاماتي الفارقة, حتى تلك الشامة الموجودة على يدي .. حينها خاطبتهم باللغة الإنكليزية وقلت لهم ألا تخجلون من فعلكم هذا, أنا امرأة, لماذا تفعلون هذا بي, وكان هناك مترجماً عراقياً كان يقف معهم مرتدياً بزة عسكرية أميركية تختلف عن الآخرين, ليتم تميز عن بقية جنود الاحتلال على ما يبدو كونه مترجماً, كانوا ينادونه بـ(كرار), وجهت كلامي إلى (كرار ) وقلت له, وأنت أيها العراقي ألا غيرة لديك, اولست ابنة دينك ووطنك وبلدك, لماذا تسمح لهم أن يفعلوا بي كل ذلك أمام ناظريك, ثم أخذت أسب وأشتم بالمحتلين وبأميركا وبرئيسهم المجرم بوش, ولكن باللغة العربية, فأخذت (الحمية) المترجم العراقي (كرار), ليس لنصرتي, بل لنقل كل حرف, وكل كلمة نطقت بها إلى أسماع أسياد الأميركان, فأشعرني بأنه كان أكثر يهودية من اليهود أنفسهم, بل كان يهودياً باقتدار, حتى أنني وحينما كررت السؤال عليه, هل أنت عراقي, فرد علي بلهجة قاسية, لست عراقياً, بل أنا أميركي اليوم !
عدد الصفحات ٥٢٩بعد ذلك الموقف الشائن الذي وضعوني فيه ألبسوني بزة برتقالية اللون ثم أدخلوني إلى غرفة أصغر من تلك التي كانوا يحققون فيها معي, حيث تم التقاط صوراً لي, بعضها أمامي وبعضها جانبي, ثم أخذوا بصمات جميع أصابعي, قبل أن يختموا تلك الإجراءات بتصوير قرنية عيني !! بعد ذلك نادى أحد الجنود الأميركان عبر جهاز اللاسلكي فجاءتني مجندة ذو بشرة حنطية لا تبدو عليها ملامح غربية, فطلب منها أخذي إلى زنزانة غير تلك التي كنت موجودة فيها حينما أتوا بي أول الأمر.. كانت تلك المجندة نحيلة لدرجة مقيتة, ولم تكن تحمل من سمات الأنوثة إلا ضفيرة قصيرة تنسدل خلف رأسها, وسرعان ما صرخت بي, أنت (أمنية السامرائي) إذن, فوجئت بلهجتها العراقية, فقد ظننت أنها أميركية بدلالة بزتها العسكرية التي كانت ترتديها, فقلت لها أنت عراقية! فردت عليّ بغضب ألا ترين, أنا أميركية, أنظري إلى هذا العلم, وكانت تشير إلى أسفل كتفها حيث يوجد العلم الأميركي, ثم قالت أنه شرفي أيتها الإرهابية.. ثم أردفت قائلة: أنت وأمثالك من الإرهابيات اللواتي ينتمين إلى تنظيم القاعدة ستتمنون الموت ولن تنالو حتى نقرر نحن متى يكون ! وهنا قلت لها هنيئاً لليهود بك, ثم أخذت تشتم بي بعد سماعها كلماتي وتقول لي أنا (تميمية) وتاج على رأسك وعلى رأس جميع السُنة الإرهابيين! كان ذلك يحدث على مرأى ومسمع من الجنود الأميركان الذين أكتفوا بالتفرج والضحك على كلماتنا التي لم يفهموا منها سوى ما نقله لهم مترجمهم (كرار), ثم أعادت وضع الكلبجات في يدي وشدتني بقوة وهي تأخذني إلى الزنزانة .. في ذلك الوقت لا أعرف لماذا تخلصت من كل الخوف, وأخذت أسب وأشتم فيهم وأحادثهم بتلك النبرة القوية, ربما لأنه صدمني وهالني منظر من كانوا يحسبون على العراق وهم يجعلون من أنفسهم أدوات للقذارة ومطايا للمحتل الغازي.. ثم انتبهت إلى أمر كاد أن يفوتني وهو اتهامي بالانتماء إلى تنظيم القاعدة, فقد وجهت لي هذ المجندة هذا الاتهام رغم أن المحقق لم يتطرق إليه إطلاقاً ! وهي تقودني إلى زنزانتي الجديدة, بعد تلك المشادة الكلامية معها, همست في أذني تلك المجندة الأميركية, (التميمية) كما تدعي, مخاطبة أياي بالقول: سأجعل الأميركان يغتصبونك واحداً واحداً ! أرعبني كلامها أول الأمر, لكني تحليت بالقليل من الشجاعة المصطنعة وقلت لها: لي رب يحميني منك ومنهم, فأخذت تضحك بقهقهات عالية ! ثم أدخلتني إلى زنزانة تحوي أثنين من النساء العراقيات المعتقلات فأدهشني وأرعبني, مثلما أسعدني في ذات الوقت وجودهن ! كانت السيدتين من مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار, وكان حالهن يدمي القلب, فقد بدت عليهن مظاهر الانكسار والذل أكثر مني, بل كان في وجوههن رغبة الموت, لم ينطقن بها, لكن نظراتهن فضحت ما بداخلهن ! أبقوني في تلك الزنزانة حتى مغرب ذلك اليوم المشؤوم حيث أطل ذلك المترجم العميل (كرار) برأسه من فتحة صغيرة في باب الزنزانة وأخذ ينادي تارة (يقين) وتارة (أمنية), وكان يضع على رأسه عصابة سوداء, فقال لي هل تعرفين معنى هذ العصابة على رأسي, فقلت له بسخرية, لم يحصل لي شرف التعرف إلى معانيها, فرد علي بحزم أنها (شدة الحمزة), والحمزة الذي كان يتحدث عنه يقصد به عم الرسول, صلى الله عليه وسلم, وسيد الشهداء, فقلت له, لكن ما أعلمه أن الحمزة لم يكن عميلاً ولا خائناً ولا جاسوساً ولا يتفرج على الأميركان وهم ينتهكون عرض المسلمات أمام عينيه, فرد عليّ بلهجة غاضبة, أيتها الإرهابية سترين ما سيفعله الأميركان بك !فقلت له والخوف ينتابني من كلماته, قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا! ثم غادر بعد ذلك, فهمست في أذني إحدى الفلوجيات قائلة لي, لا تخافي إنه يستفزك فقط, مثلما كان يفعل معنا, إنه خادم لهم وجاسوس وضيع فلا تبتئسي ..
عدد الصفحات ٥٣٠, قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا! ثم غادر بعد ذلك, فهمست في أذني إحدى الفلوجيات قائلة لي, لا تخافي إنه يستفزك فقط, مثلما كان يفعل معنا, إنه خادم لهم وجاسوس وضيع فلا تبتئسي .. كان هدوءاً غريباً في تلك الزنزانة وما حولها حتى قطعت ذلك الهدوء أصوات موسيقى الروك, الذي بدأ مع آذان المغرب وأستمر حتى ساعات الصباح الأولى, كان صوتاً قبيحاً يصم الآذان, ترافقه ضحكات وقهقهات عالية, حتى أنني كنت أرفع من صوتي كثيراً حينما أريد التحدث مع إحدى المعتقلات اللواتي كن بجانبي, وكانت تلك كانت إحدى أساليب الحرب النفسية التي كانوا يستخدمونها معنا.. كانت إحدى المعتقلات الفلوجيات تنهار حينما تسمع هذ الأصوات الموسيقية المرعبة, فتأخذ في البكاء والعويل فيما نقوم أنا وزميلتها الأخرى بتهدئتها والدعاء لها ! بعد ذلك حاولت معرفة مكان وجودي, حيث لم تكن المعتقلتين من الفلوجة يعرفن أين نحن, فقررت معرفة ذلك, حيث طلبت من مجندة أميركية, كانت تتولى أمر الزنزانة التي نحن فيها, أخذي إلى الحمام, فأخذتني بعد أن وضعت الكلبجات في يدي وقادتني بهدوء إلى حيث الحمام.. بعد خروجي من الحمام سألتها أن تعطيني سيجارة, وادّعيت بأنني مدمنة على السجائر, فأكدت لي أنه لا يسمح بالتدخين داخل الزنازين فرجوتها أن تسمح لي بتدخين سيجارة واحدة, وكان هدفي إطالة الحديث معها لمعرفة هوية المكان الذي كنت معتقلة فيه, فأخرجتني إلى حديقة خلفية, فوقفنا خلف تلك البناية التي كانت تحوي زنزانتنا, وأخرجت تلك المجندة إحدى يداي من الكلبجات ووضعت بدلاً منها يدها هي, خوفاً من محاولة هروب قد أقوم بها, وأعادت إغلاق الكلبجات بإحكام, ثم ناولتني سيجارة, بعد أن أشعلتها لي.. أخذ السعال
عدد الصفحات ٥٣٠يتصاعد عندي مع أول سحبة دخان من تلك السيكارة, فاكتشفت تلك المجندة حينها أنني لست مدخنة فراحت تضحك فسألتني عن سبب اعتقالي .. أخذت أحدثها عن قصتي وعدم معرفتي بالسبب الذي جعلهم يعتقلونني, لم تكن لكنتها أميركية, فقد كانت الإنكليزية التي تتحدث بها لغة ثانوية على ما يبدو, سألتها عن جنسيتها الأصلية فقالت بأنها أميركية جنوبية واكتفت بذلك, لكنها أضافت أن عملها في الجيش الأميركي جاء من أجل الحصول على الجنسية, وأنه يُشترط عليها تأدية الخدمة في العراق حتى تنالها, حينها استغليت اندماجها واسترسالها في الحديث لأسالها عن هوية المكان الذي كنا فيه, فقالت لي أنها (مدينة صدام), فاستغربت لأن ما حولي لا يوحي بأنها ما يسمونها (الثورة) فقد ظننت أنها تقصد (منطقة الثورة ) والتي كانت تسمى (مدينة صدام) قبل فترة الاحتلال, فراحت تضحك وهي تصحح لي معلوماتي وفهمي المغلوط, مشيرة إلى أنها تقصد المنطقة الخضراء التي كان يقيم فيها الرئيس صدام حسين, فعرفت حينها أن معتقلي هو في المنطقة الخضراء ! وفي اليوم التالي وفي وقت مبكر من ذلك الصباح نادت عليّ تلك المجندة ذات الأصل العراقي كما تدعي, ثم أدخلتني إلى غرفة أخرى كان فيها أميركياً, يحمل رتبة لا أعرف دلالاتها أو نوعها, فأخذ يوجه لي أسئلة جديدة, وكان الاتهام الرئيس لي هو, أن لديهم معلومات كشف عنها أحد أقاربي الذي يسكن مدينة سامراء, بحسب قولهم, يؤكد فيها إنني على اتصال بالمجاهدين, وإنني انتمي إلى تنظيم القاعدة, وأن زوجي أميراً لمجموعة جهادية تحاربهم, بحسب معلومات ذلك الشخص السامرائي, الذي رفض الضابط الأميركي الذي يحقق معي الكشف عن أسمه, قبل أن أكتشفه فيما بعد بنفسي, ثم فرش الضابط أمامي على المنضدة التي كانت أمامه خارطة لأحياء بغداد في جانب الكرخ طالباً مني الإشارة إلى الأحياء التي يتواجد فيها أعضاء تنظيم القاعدة, فأخذ في البداية يشير بأصبع يد إلى أحياء الدورة والعمل الشعبي والإسكان والغزالية وهو يقول, نحن نعلم أن هذ المناطق يتواجد فيها (الإرهاب), لكننا نريد منك أن تحددي لنا الأحياء السرية الأخرى التي يتواجدون فيها ! في البداية ضحكت من سؤاله هذا, واستفزني طلبه الذي يوحي وكأنني بالفعل على إطلاع بالعمل الجهادي, وأنني من يصدر أوامر القتال, بل أخذ يشعرني من خلال أسئلته الغريبة بأنني قيادية كبيرة في تنظيم واسع وكبير, وهو ما جعلني أضحك منهم, وعليهم بذات الوقت, لسذاجة تفكيرهم العقيم, وهم يظنون أن هذا الكم الهائل من العمليات المسلحة ضدهم, وهذا الكم الهائل من أعداد المجاهدين والمقاومين تقودهم امرأة !! أخذت أتهكم في الإجابات واسخر منهم ومن اتهاماتهم المضحكة هذ , التي سرعان ما أضيفت لها أخرى وهي العمالة للمجاهدين والتستر عليهم, وما أحلاها من تهمة لو صدقت, ولكنني وللأسف الشديد حتى هذ التهمة كنت بريئة منها, وهو ما حزّ في نفسي في ذلك الوقت, فقلت للمحقق : أنظر, لقد هاجمتم بلدنا, وغزوتم أرضنا, وسرقتم خيراتنا, وأهنتم رجالنا, ودنستم شرفنا, وانتهكتم أعراضنا, وقتلتم صغارنا وكبارنا, وتريدون منا أن لا نقاتلكم, والله أنني لا انتمي لأي جهة مسلحة, ولا لأي حزب أو تنظيم مسلح, سواء أكان قاعدة أو غير , لكني وحالما سأخرج من هنا سأنتمي إلى أكثر الفصائل حرباً لكم, ما دامت تدافع عنا وتحمينا منكم.. وهنا أخذ المحقق يضحك بسخرية, محاولاً مد يد إلى كتفي, فأبعدتها عني, وقلت له, أنا مسلمة حرة ولن أسمح ليهودي أن يمد يد إليّ حتى لو اضطررت لقطعها ! وهنا شعر بالغضب, وجنّ جنونه, وضرب الطاولة الخشبية بقوة, وركل بقدمه كرسي كان فارغاً بجوار , وأخذ ينادي بصوت مرتفع على تلك المجندة الأميركية التي تدعي أنها (تميمية) طالباً منها أخذي وعزلي لوحدي ومنع الطعام والشراب عني !
عدد الصفحات ٥٣١الخشبية بقوة, وركل بقدمه كرسي كان فارغاً بجوار , وأخذ ينادي بصوت مرتفع على تلك المجندة الأميركية التي تدعي أنها (تميمية) طالباً منها أخذي وعزلي لوحدي ومنع الطعام والشراب عني ! اقتادتني تلك المتأمركة المتصهينة إلى مكان آخر وهي تتمتم قائلة, أنها البداية فقط, ولن نتركك حتى نمرغ أنفك بالتراب, كانت تتحدث بصيغة المجموع, بل كانت تحمل حقداً يفوق حقد المحتل نفسه على أبناء جلدتي ! توجهت بي تلك اليهودية الأصل والعربية الكلام, بعدما أساءت معاملتي كثيراً أثناء الطريق, إلى زنزانة صغيرة جداً, ضيقة ومظلمة, يخترقها ضوء خافت مصدر نافذة صغيرة تم إغلاقها بقطع إسمنتية تتخللها فتحات صغيرة ينساب منها جزء يسير من الضوء لينير بعض أجزاء ذلك القبر الدنيوي الذي وضعوني فيه, والذي كانوا يسمونه محجراً ! وقطعوا عني الماء والطعام, إلى جانب منعي من الخروج إلى الحمام, فأصبح محجري هو مكان قضاء حاجتي .. شعرت بالرعب الشديد لكنني استعنت حينها بالله, وأخذت أكثر من الصلاة وكنت أتوضأ من خلال التيمم عن طريق المسح على الحائط باليدين, وأكثرت من الذكر والتسبيح وقراءة القرآن, لينقذني الله من بين أيديهم ويمنع عني شرهم .. أثناء ذلك لم استطع النوم ولو لساعة واحدة في تلك الليالي, نتيجة صوت موسيقى الروك الصاخبة المدوية التي كانت تهز أركان وجدران الزنازين طيلة الليل, إضافة إلى صرخات السيدة الفلوجية التي كانوا يكثرون من التحقيق معها,
عدد الصفحات ٥٣١