المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قواعد التدبر وضوابطه وتطبيقاته

حسين بن علي الحربي

صفحة ٢ من ٢

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 7 أشرب من ىواه".(ٕٙ) وىذه النكت التي تنكت في قلب العبد نتيجة مقارفة المعاصي التي ىي حجب تحجبو عن تدبر القرآن وفهمو والانتفاع بو . قال ابن القيم (ت:١ىـ) في ثنايا كلامو عن الغناء: فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباتو فيو كنبات الزرع بالماء، فمن خواصو: أنو يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيو، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً، لما بينهما من التضاد، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كلو، ويحسنو .اىـ(ٕٚ) وقال الزركشيّ (ت:794ىـ): أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر. واعلم أنّو لا يحصل للناظر فهمُ معاني الوحي حقيقةً، ولا تَظهر لو أسرارُ العلم من غيبِ المعرفة، وفي قلبو بدعة، أو إصرار على ذنب، أو في قلبو كِبْر أو ىوىً، أو حبُّ الدنيا، أو يكون غير متحقّق الإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو معتمداً على قول مفسِّر ليس عنده إلا علمٌ بظاهر، أو يكون راجعاً إلى معقولو، وىذه كلُّ َىا حُجُبٌ وموانعُ، وبعضُها آكَدُ من بعضٍ .اىـ(ٕٛ) ت ) الحيلولة بين القلوب والانتفاع بالقرآن بسبب ما قام بها من كفر ونفاق، فيحجب الله عنها فهم القرآن وتدبره والاىتداء بو بما كسبت أيديهم، وقد "أخبر سبحانو أنو إنما يكون القرآن ىدى للمتقين السليمة قلوبهم الزاكية نفوسهم، فقال: رَىِلَ اىْنِزَبةُ ىَب سَّْتَ فِْوِ ىُذًٍ ىِيَُْزَّقِينَ [البقرة :2] تخصيصاً لهم، كما بين ىذا الاختصاص حيث قال:  ىَزَا ثََْبٌُ ىِينَّبطِ  [آل عمران :38] فعم الجميع البيان الذي تقوم بو الحجة، ثم قال: ًَىُذًٍ ًٌٍََْػِظَخٌ ىِيَُْزَّقِينَ 26) أخرجو مسلم ، كتاب الإيمان ،باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً ، حديث(١) . 27) إغاثة اللهفان (١ / ١-252) . 28) البرىان في علوم القرآن - (2 / 80-١) .

عدد الصفحات ١٧

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 8 [آل عمران :38] فخصهم بذلك دون غيرىم، وكما قال : قُوْ ىٌَُ ىِيَّزَِِّ آٍَنٌُا ىُذًٍ ًَشِفَبءٌ ًَاىَّزَِِّ ىَب ُّاٍِْنٌَُُ فِِ آرَاِّيٌِْ ًَقْشٌ ًَىٌَُ ػَيَْْيٌِْ ػًَََ [فصلت:44]".(ٜٕ) وقد أخبر الله في كتابو ع ما قام بقلوبىم من الحجب والصوارف عن تدبر القرآن والاىتداء بو، فأخبر تعالى بأنه جعل على قلوبهم أكنة فلا تفقو القرآن كما في قولو تعالى:  ًَخَؼَيْنَب ػَيََ قُيٌُثِيٌِْ ؤَمِنَّخً ؤَُْ َّفْقَيٌُهُ ًَفِِ آرَاِّيٌِْ ًَقْشًا [الأنعام: 25]،ونحوىا من آي القرآن، وأخبر تعالى أنو ختم على قلوبهم كما في وقولو: خَزٌََ اىيَّوُ ػَيََ قُيٌُثِيٌِْ ًَػَيََ سََْؼِيٌِْ [البقرة : 7]، وأخبر تعالى أنو طَ بع على قلوبهم كما في قولو:  ؤًُىَئِلَ اىَّزَِِّ طَجَغَ اىيَّوُ ػَيََ قُيٌُثِيٌِْ ًَسََْؼِيٌِْ ًَؤَثْصَبسِىٌِْ [النحل:08]، وأخبر أن قلوبهم لا تفقو كما في قولو:  ىَيٌُْ قُيٌُةٌ ىَب َّفْقَيٌَُُ ثِيَب [الأعراف :79]، وأخبر أن قلوبهم لا تعقل كما في قولو:  ؤَفَيٌَْ َّسِيرًُا فِِ اىْإَسْضِ فَزَنٌَُُ ىَيٌُْ قُيٌُةٌ َّؼْقِيٌَُُ ثِيَب ؤًَْ آرَاٌُ َّسََْؼٌَُُ ثِيَب فَةَِّّيَب ىَب رَؼَََْ اىْإَثْصَبسُ ًَىَنِِْ رَؼَََْ اىْقُيٌُةُ اىَّزِِ فِِ اىصُّذًُسِ[الحج:46]، وأخبر أن قلوبهم مقفلة كما في قولو:  ؤَفَيَب َّزَذَثَّشًَُُ اىْقُشْآَُ ؤًَْ ػَيََ قُيٌُةٍ ؤَقْفَبىُيَب[محمد:24]،وأخبر الله أنو أصمهم وأعمى أبصارىم في مثل قولو:  ؤًُىَئِلَ اىَّزَِِّ ىَؼَنَيٌُُ اىيَّوُ فَإَصَََّيٌُْ ًَؤَػَََْ ؤَثْصَبسَىٌُْ [محمد:23]، وأخبر تعالى أن قلوبهم متكبرة عن قبول الحق كما في قولو تعالى:  سَإَصْشِفُ ػَِْ آَّبرَِِ اىَّزَِِّ َّزَنَجَّشًَُُ فِِ اىْإَسْضِ ثِغَْْشِ اىْحَقِّ[الأعراف :46] قال سفيان بن عيينة: "أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي"(ٖٓ)، وأخبر تعالى أن قلوبهم قاسية كما في قولو تعالى:  فَجََِب َّقْضِيٌِْ ٍِْثَبقَيٌُْ ىَؼَنَّبىٌُْ ًَخَؼَيْنَب قُيٌُثَيٌُْ قَبسَِْخً 29) قاعدة في فضائل القرآن لابن تيمية ص 65 . 30) أخرجو ابن جرير في جامع البيان (3/2) ، أثر رقم (22) ط: شاكر .

عدد الصفحات ١٨

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 9 [المائدة: 3]، وأخبر تعالى أن قلوبهم مريضة كما في قولو:  فِِ قُيٌُثِيٌِْ ٍَشَضٌ فَضَادَىٌُُ اىيَّوُ ٍَشَضًب [البقرة :0]، وأخبر تعالىأن قلوبهم لاىية كما في قولو:  ىَبىَِْخً قُيٌُثُيٌُْ [الأنبياء:3]، ونحوىا من السياقات القرآنية المخبرة بحال قلوب المعرضين عن القرآن وما قام بها من حجب. ث ) سوء الظن بالله تعالى وبرسولو ،فحال المعرضين عن تدبر القرآن يبادرون بإعراضهم عنو قبل سماعو وتفهمو، ويعتقدون أنو مختلق من قصص الأوائل، كما أخبر الله تعالى عن حالهم بقولو:  ًَبِرَا قِْوَ ىَيٌُْ ٍَبرَا ؤَّْضَهَ سَثُّنٌُْ قَبىٌُا ؤَسَبطِيرُ اىْإًََّىِينَ[النحل: 24]، وأخبر عنهم بنحو قولو: ًَبِرَا رُزْيََ ػَيَْْيٌِْ آَّبرُنَب قَبىٌُا قَذْ سََِؼْنَب ىٌَْ َّشَبءُ ىَقُيْنَب ٍِثْوَ ىَزَا بُِْ ىَزَا بِىَّب ؤَسَبطِيرُ اىْإًََّىِينَ [الأنفال:١]، وأخبر عنهم بنحو قولو:  بِرَا رُزْيََ ػَيَْْوِ آَّبرُنَب قَبهَ ؤَسَبطِيرُ اىْإًََّىِينَ [المطفف:3]،"أي : إذا سمع كلام الله من الرسول يكذب بو، ويظن بو ظن السوء، فيعتقد أنو مفتعل مجموع من كتب الأوائل".(ٖٔ) ج ) الظن بأن القرآن نزل في قوم قد خلوا من قبل، وأن الواقع الذي يعيشو الناس في أي زمن غير داخل في مضمون خطاب القرآن، وىذا من أعظم الحجب التي تحجب العبد عن تدبر القرآن وتفهمو والانتفاع بو في حياتو. قال العلامة ابن القيم (ت:١ىـ): أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحت القرآن، وتضمنو لو، ويظنونو في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقِبوا وارثاً، وىذا ىو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من ىو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناولو لأولئك.اىـ(ٕٖ) ١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (8 /372) . 32) مدارج السالك (١ /343) .

عدد الصفحات ١٩

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 20 ح ) أخذ القرآن جملة، فأخذه جملة من موانع تدبره وتفهمو، وىذا الصارف قد دعى إليو أىل الكفر عند تنزل القرآن منجماً على النبي ، وقد أنكر الله تعالى عليهم ىذه الدعوة، وبين أن إنزالو منجماً يحقق تفهمهم وتدبرىم للقرآن وانتفاعهم بو، ويحصل بو تثبيت قلب النبي  فقال تعالى: ًَقَبهَ اىَّزَِِّ مَفَشًُا ىٌَْىَب ُّضِّهَ ػَيَْْوِ اىْقُشْآُُ خَُْيَخً ًَاحِذَحً مَزَىِلَ ىِنُثَجِّذَ ثِوِ فُاَادَكَ ًَسَرَّيْنَبهُ رَشْرِْيًب [الفرقان :32] . خ ) العجلة في قراءة القرآن، فالعجلة في قراءة القرآن من الصوارف عن تدبره وتفهمو، فالعَجِل لا حظ لو من فهمو وفقهو، وقد نهى الله تعالى نبيو  عن العجلة في أخذ القرآن وقراءتو فقال تعالى: ًَىَب رَؼْدَوْ ثِبىْقُشْآُِ ٍِِْ قَجْوِ ؤَُْ ُّقْضََ بِىَْْلَ ًَحُْْوُ ًَقُوْ سَةِّ صِدِِّْ ػِيًَْب [طو:4]، وقال تعالى: ىَب رُحَشِّكْ ثِوِ ىِسَبَّلَ ىِزَؼْدَوَ ثِوِ (16) بُِ ػَيَْْنَب خََْؼَوُ ًَقُشْآَّوُ (17) فَةِرَا قَشَؤَّْبهُ فَبرَّجِغْ قُشْآَّوُ[القيامة:6-8]. ثانياً: الأسس المتعلقة بالجوانب العملية في تعلم القرآن وتلاوتو وتدبُّره . ٔ) أخذ القرآن منجماً، و على مكث كما أنزلو الله تعالى على نبيو  . فقد أنزل الله تعالى القرآن منجماً لحكمة بالغة متعلقة بأخذه وإتباعو قطعاً كما قال تعالى: ًَقُشْآًّب فَشَقْنَبهُ ىِزَقْشَؤَهُ عَىََ اىنَّبطِ ػَيََ ٍُنْثٍ ًََّضَّىْنَبهُ رَنْضِّيًب  [الإسراء :06]، وكما قال تعالى : ًَقَبهَ اىَّزَِِّ مَفَشًُا ىٌَْىَب ُّضِّهَ ػَيَْْوِ اىْقُشْآُُ خَُْيَخً ًَاحِذَحً مَزَىِلَ ىِنُثَجِّذَ ثِوِ فُاَادَكَ ًَسَرَّيْنَبهُ رَشْرِْيًب[الفرقان :32]، قال الحسن(ت:0ىـ) في

عدد الصفحات ٢٠

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ قولو:  ًَسَرَّيْنَبهُ رَشْرِْيًب: كان ينزل آية وآيتين وآيات جواباً لهم، إذا سألوا عن شيء أنزلو الله جواباً لهم، وردّاً عن النبيّ  فيما يتكلمون بو، وكان بين أولو وآخره نحو من عشرين سنة".اىـ(ٖٖ) وقال ابن جُرَيج(ت:50ىـ): كان بين ما أنزل القرآن إلى آخره، أنزل عليو لأربعين، ومات النبي  لثنتين أو لثلاث وستين.اىـ(ٖٗ) وعلى ىذا المنهج في تلقي القرآن عليَّ م النبي  صحابتووكذا أخذه الصحابة فكانوا يأخذونو منجماً على عشر آيات لا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، فعن ابن مسعود(ت:32ىـ) قال: "كانَ الرجل مِنيَّا إذا تعليَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزىُنّ حتى يعرف معانيهُنيَّ، والعملَ بهنيَّ ".(ٖ٘) وقال أبو عبد الرحمن السلمي (ت:74ىـ): "حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ، فكانوا إذا تعليَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوىا حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعليَّمنا القرآن والعمل جميعًا" (ٖٙ). فكان ىذا المنهج في تلقي القرآن معيناً على تدبره وتفهمو واتباعو . ٕ) الترسل في قراءة القرآن وترتيله . فقد أمر الله تعالى بالترتيل والترسل في القراءة من أجل تحقيق التدبر الأمثل للقرآن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن أجل التدبر أمر الله بالترتيل في قولو: ًَسَرِّوِ اىْقُشْآَُ رَشْرِْيًب [المزمل:4].اىـ(ٖٚ)، فالتدبر لا يكون إلا مع القراءة المترسلة، والآية تضمنت تعليم النبي  وتعليم أمتو كيف يقرؤون القرآن قراءة تدبر وتفهم وانتفاع ، وكذلك أنزلو الله تعالى فقال: ًَقَبهَ اىَّزَِِّ مَفَشًُا ىٌَْىَب ُّضِّهَ ػَيَْْوِ اىْقُشْآُُ 33) أخرجو عنو ابن جرير في جامع البيان (9/١١) . 34) أخرجو عنو ابن جرير في جامع البيان (9/١١) . 35) أخرجو عنو ابن جرير في جامع البيان (١ / 80) أثر(١) ط: شاكر . 36) أخرجو عنو ابن جرير في جامع البيان (١ / 80) أثر(82) ط: شاكر . 37) قاعدة في فضائل القرآن لابن تيمية ص 68 .

عدد الصفحات ٢١

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 22 خَُْيَخً ًَاحِذَحً مَزَىِلَ ىِنُثَجِّذَ ثِوِ فُاَادَكَ ًَسَرَّيْنَبهُ رَشْرِْيًب  [الفرقان :32] قال الحافظ ابن كثير(ت:774ىـ) في تفسير ىذه الآية : أي: اقرأه على تمهل، فإنو يكون عونا على فهم القرآن وتدبره، وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامو عليو، قالت عائشة رضي الله عنها (ت:58ىـ): كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها.(ٖٛ) وفي صحيح البخاري عن أنس (ت:93ىـ): أنو سُئل عن قراءة رسول الله  فقال: " كانت مداً، ثم قرأ: ثِسٌِْ اىيَّوِ اىشَّحََِِْ اىشَّحٌِِْ  يمد بسم الله ، ويمد الرحمن ، ويمد الرحيم "(ٜٖ).اىـ(ٓٗ) وقد كان النبي  خير المتدبرين لكتاب الله تعالى، فعن حذيفة بن اليمان(ت:36ىـ) قال: (صليتُ مع النبيِّ  ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلتُ : يركع عند المائة، ثم مضى، فقلتُ : يصلِّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأىا، ثم افتتح آل عمران، فقرأىا، يقرأ مترسِّلا، إِذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مريَّ بسؤال سأل، وإذا مريَّ بتعوُّذ تعَويَّذ ...)(ٔٗ) وعلى ذلك كانت قراءة خيار الأمة وسلفها ، يرتلون القرآن ويستعينون بذلك على تدبره وتفهمو لتنتفع القلوب بو، وأخبارىم في ذلك كثيرة . وعن أبي جمرة(ت:28ىـ)(ٕٗ) قال: قلت لابن عباس (ت:68ىـ): إني سريع القرآن، إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال: لأن اقرأ البقرة في ليلة أتدبرىا وأرتلها أحب إلي من أن أقرأه كما تقرأ .(ٖٗ) 38) أخرجو مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرىا ، حديث (8) ، عن حفصة وبألفاظ مقاربة عن عائشة رضي الله عنها. 39) أخرجو البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب مد القراءة . انظر الصحيح مع الفتح (8/708). 40) تفسير القرآن العظيم لابن كث (8/276) ، وانظر فضائل القرآن لو ص 235 ،256. ١) أخرجو مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرىا ، حديث (203). 42)اسمو: نصر بن عمران، وثقو أحمد وابن معين وأبو زرعة .تهذيب الكمال (29/364) 43) رواه البيهقي في شعب الإيمان(5/7) رقم (882) ، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص 57.

عدد الصفحات ٢٢

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 23 ومثلو قول ابن مسعود(ت:32ىـ): لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذّ وه ىذّ الشعر، قفوا عند عجائبو، وحركوا بو القلوب، ولا يكن ىم أحدكم آخر السورة .(ٗٗ) وقال ابن عطية الأندلسي(ت: 542) في تفسير قولو تعالى: مِزَبةٌ ؤَّْضَىْنَبهُ بِىَْْلَ ٍُجَبسَكٌ ىَِْذَّثَّشًُا آَّبرِوِ ًَىَِْزَزَمَّشَ ؤًُىٌُ اىْإَىْجَبةِ [ص:29] قال: وظاىر ىذه الآية يعطي أنّ التدبُّر من أسباب إنزال القرآن، فالترتيل إذًا أفضل من الهذّ ، إذ التدبُّر لا يكون إلا مع الترتيل.اىـ(٘ٗ) ٖ) حضور القلب عند تلاوة القرآن وتدبره. إن الانتفاع بالقرآن مرتبط بحضور القلب كما قال تعالى : بُِ فِِ رَىِلَ ىَزِمْشٍَ ىََِِْ مَبَُ ىَوُ قَيْتٌ ؤًَْ ؤَىْقََ اىسََّْغَ ًَىٌَُ شَيِْذٌ [ق : 37] فكلما كان العبد لقلبو أجمع، وعن الشواغل أبعد، كان أقرب إل ى فهم وتدبر ما يتلو من كتاب الله، إذ القلب محل تفهم القرآن وتدبره، وعند تأمل قول الله تعالى :  قُوْ ٍَِْ مَبَُ ػَذًًُّا ىِدِجْشِّوَ فَةَِّّوُ َّضَّىَوُ ػَيََ قَيْجِلَ ثِةِرُِْ اىيَّوِ ٍُصَذِّقًب ىََِب ثََِْْ َّذَّْوِ ًَىُذًٍ ًَثُشْشٍَ ىِيَُْاٍِْنِينَ [البقرة :97]، وقولو:  ًَبَِّّوُ ىَزَنْضِّوُ سَةِّ اىْؼَبىََِينَ (192) َّضَهَ ثِوِ اىشًُّذُ اىْإٍَِينُ (193) ػَيََ قَيْجِلَ ىِزَنٌَُُ ٍَِِ اىَُْنْزِسَِِّ  [الشعراء :92-94] تظهر منزلة القلب إذ خصو الله تعالى بإنزال القرآن عليو، فكان قلب النبي محلاًللقرآن، فكذلك الحال لمن أراد تفهم القرآن وتدبره والانتفاع بو يجب أن يكون قلبو محلاً للقرآن بحضوره عند تلاوتو وتدبره . قال ابن القيم(ت:١ىـ): قاعدة جليلة: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوتو وسماعو ، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبو بو من تكلم به سبحانو منو إليو ، فإنو خطاب منو لك 44) رواه البغويفي تفسيره (8/١) ، والبيهقي في شعب الإيمان (5/8) رقم (883-884). 45) المحرر الوجيز (4/29) .

عدد الصفحات ٢٣

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 24 على لسان رسولو، قال الله تعالى: بُِ فِِ رَىِلَ ىَزِمْشٍَ ىََِِْ مَبَُ ىَوُ قَيْتٌ ؤًَْ ؤَىْقََ اىسََّْغَ ًَىٌَُ شَيِْذٌ [ق:37].اىـ(ٙٗ) وقال الزركشيّ (ت:794ىـ): إذا كان العبد مصغياً إلى كلام ربو، ملقيَ السمع، وىو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبو، ناظراً إلى قدرتو، تاركاً للمعهود من علمو ومعقولو، متبرّئاً من حولو وقوّتو، معظّماً للمتكليَّم، مفتقراً إلى التفهم، بحالٍ مستقيم، وقلب سليم، وقوة علم، وتمكن سمعٍ لفهم الخطاب، وشهادة غيب ولجوء بدعاء وتضرعٍ، وابتئاسٍ وتمسكُنٍ، وانتظارٍ للفتحِ عليو من عند الفتّاحِ العليمِ، وليستعنْ على ذلك بأن تكون تلاوتُوُ على معاني الكلام وشهادة وصفِ المتكلّم، من الوعد بالتشويق، والوعيد بالتخويف، والإنذار بالشديد، فهذا القارئ أحسنُ الناس صوتاً بالقرآن، وفي مثل ىذا قال تعالى: اىَّزَِِّ آرَْْنَبىٌُُ اىْنِزَبةَ َّزْيٌَُّوُ حَقَّ رِيَبًَرِوِ ؤًُىَئِلَ ُّاٍِْنٌَُُ ثِوِ[البقرة : ١]، وىذا ىو الراسخ في العلم، جعلنا الله من ىذا الصنف ًَاىيَّوُ َّقٌُهُ اىْحَقَّ ًَىٌَُ َّيْذُِ اىسَّجِْوَ [الأحزاب :4].اىـ(ٚٗ)، وقد جمع الله تعالى ذلك في قولو: ؤَفَيَب َّزَذَثَّشًَُُ اىْقُشْآَُ ؤًَْ ػَيََ قُيٌُةٍ ؤَقْفَبىُيَب[محمد:24] فعلق فهم القرآن وتدبره على انفتاح القلب وحضوره كما دل عليو المفهوم، وعلق الانصراف عن فهم القرآن وعن تدبره على انغلاق القلب كما دل عليو منطوق قولو:  ؤًَْ ػَيََ قُيٌُةٍ ؤَقْفَبىُيَب  أي:"أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابو من المواعظ والعِبَر".(ٛٗ) ٗ) الأخذ بالوسائل المعينة على تدبر القرآن . 46) الفوائد ص5 . 47) البرىان في علوم القرآن (2 / ١) . 48) جامع البيان(26/57).

عدد الصفحات ٢٤

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 25 ومنأبرز ىذه الوسائل اقتران تدبر القرآن بالليل، ففي الليل سكون النفس واجتماع القلب بعكس النهار إذ تكثر شواغلو و شوارده(ٜٗ)، كما قال تعالى : قٌُِ اىيَّْْوَ بِىَّب قَيِْيًب (2) ِّصْفَوُ ؤًَِ اّْقُصْ ٍِنْوُ قَيِْيًب (3) ؤًَْ صِدْ ػَيَْْوِ ًَسَرِّوِ اىْقُشْآَُ رَشْرِْيًب (4) بَِّّب سَنُيْقِِ ػَيَْْلَ قٌَْىًب ثَقِْيًب (5) بُِ َّبشِئَخَ اىيَّْْوِ ىَِِ ؤَشَذُّ ًَطْئًب ًَؤَقًٌَُْ قِْيًب [المزمل:2-6] قال الحافظ ابن كثير (ت:774ىـ): المقصود أن قيام الليل ىو أشد مواطأة بين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة، ولهذا قال: ىَِِ ؤَشَذُّ ًَطْئًب ًَؤَقًٌَُْ قِْيًب  أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار، لأنو وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش ... ولهذا قال تعالى:  بُِ ىَلَ فِِ اىنَّيَبسِ سَجْحًب طٌَِّيًب [المزمل:7].اىـ(ٓ٘) وفي حديث حذيفة بن اليمان(ت:36ىـ) قال: (صليتُ مع النبيِّ  ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلتُ : يركع عند المائة، ثم مضى، فقلتُ : يصلِّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأىا، ثم افتتح آل عمران، فقرأىا، يقرأ مترسِّلا، إِذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مريَّ بسؤال سأل، وإذا مريَّ بتعوُّذ تعَويَّذ ...)(ٔ٘) وفي حديث أبي ذر(ت:32ىـ) قال: قام النبي  بآية حتى أصبح يـُرَدِّدُىَا، والآيةُ:بُِْ رُؼَزِّثْيٌُْ فَةَِّّيٌُْ ػِجَبدُكَ ًَبُِْ رَغْفِشْ ىَيٌُْ فَةَِّّلَ ؤَّْذَ اىْؼَضِّضُ اىْحَنٌُِْ[المائدة:8].(ٕ٘) فهذه القراءة المترسلة في جوف الليل 49) انظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١ . 50) تفسير القرآن العظيم لابن كث (8/278) ، وانظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص ١، وفضائل القرآن لابن الضريس ص 27. ١) أخرجو مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصرىا ، حديث (203). 52) أخرجو النسائي ، كتاب الافتتاح ، باب ترديد الآية (2/77) ، وابن ماجة ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل (١/429) ، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص 44 ، وحسنو الألباني في صحيح سنن النسائي (١/8) وصحيح سنن ابن ماجة(١/225) . وأخرج الترمذي نحوه من حديث عائشة في كتاب أبواب الصلاة ، باب ما جاء في قراءة الليل (2/0) إلا أنها لم تذكر آية المائدة ، وصححو ا لألباني في صحيح سنن الترمذي(١/39) .

عدد الصفحات ٢٥

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 26 المقترنة بالصلاة حققت تدبراً ظهرت آثاره في تسبيح النبي وسؤالو وتعوذه كما في حديث حذيفة(ت:36ىـ) وتكرار تلاوة آية المائدة حتى الصبح كما في حديث أبي ذر . وقد وصف الله تعالى حال عباده من أىل الكتاب في معرض الثناء عليهم بقولو:  ىَْْسٌُا سٌََاءً ٍِِْ ؤَىْوِ اىْنِزَبةِ ؤٍَُّخٌ قَبئََِخٌ َّزْيٌَُُ آَّبدِ اىيَّوِ آَّبءَ اىيَّْْوِ ًَىٌُْ َّسْدُذًَُُ [آل عمران :3] فتضمنت الآية المِدحة لهم بتلاوة آيات الله آناء الليل، وفي ىذا التنبيو على أثر الليل في تلاوة التالين بما لا يخفى . ومن الوسائل المعينة على فهم وتدبُّر القرآن مدارسة القرآن الكريم، وىو منهج نبوي حث عليو النبي  في قولو: "مَا اجْتَمَعَ قـَوْمٌ فِى بـَيْتٍ مِنْ بـُيُوتِ الليَّوِ يـَتـْلُونَ كِتَابَ الليَّوِ وَيـَتَدَارَسُونَوُ بـَيـْنـَهُمْ إِلايَّ نـَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السيَّكِينَةُ وَغَشِيَتـْهُمُ الريَّحْمَةُ وَحَفيَّتـْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَىُمُ الليَّوُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " (ٖ٘) ففي ىذا الحديث حث على مدارسة القرآن طلباً لهديتو والتذكر بو، وىي طريق لتدبّ ره . ثالثاً : الأسس المتعلقة بالجوانب العلمية للمتدبِّر . ٔ) معرفة معاني الآيات القرآنية المتدبيَّرة . ففهم المعنى باب عظيم للمتدبرين يلجون منو إلى كنوز القرآن وىداياتو، قال شيخ الإسلام ابن تيمية(ت:728ىـ): والذي يعين المتدبر على استخراج درره وجواىره، والاىتداء بأنوار بصائره علم التفسير الذي ىو مفتاح باب فهمو، ومصباح أسباب علمو، والكفيل بفتح مقفلو، والقبيل بشرح مشكلو، والمهيمن على تفصيل مجملو، فإن تدبره واتباعو والعمل بما فيو لا يكون إلا بعد فهمو ومعرفة معانيو .اىـ (ٗ٘) وقال ابن جرير الطبري(ت:0ىـ): وفي حَثِّ الله عز وجلّ عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات - بقولو جل ذكره لنبيو : مِزَبةٌ ؤَّْضَىْنَبهُ بِىَْْلَ ٍُجَبسَكٌ ىَِْذَّثَّشًُا آَّبرِوِ ًَىَِْزَزَمَّشَ ؤًُىٌُ 53 ) أخرجو مسلم من حديث أبي ىريرة ، كتاب ، حديث رقم (457) 54) قاعدة في فضائل القرآن ص 69-70 .

عدد الصفحات ٢٦

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 27 اىْإَىْجَبةِ [ص:29]،وقولو: ًَىَقَذْ ضَشَثْنَب ىِينَّبطِ فِِ ىَزَا اىْقُشْآُِ ٍِِْ مُوِّ ٍَثَوٍ ىَؼَيَّيٌُْ َّزَزَمَّشًَُُ (27) قُشْآًّب ػَشَثًِّْب غَْْشَ رُِ ػٌَِجٍ ىَؼَيَّيٌُْ َّزَّقٌَُُ[الزمر:27-28]،وما أشبو ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتِّعاظ بمواعظو- ما يدلّ على أنيَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويلو من آيو . لأنو محالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال لو ولا يعقِل تأويلَو: "اعتبرْ بما لا فـَهْم لك بو ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام"- إلا على معنى الأمر بأن يفهمَو ويفقَهَو، ثم يتدبيَّره ويعتبرَ بو . فأما قبلَ ذلك، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وىو بمعناه جاىل ...فما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: "اعتبرْ بها" إلا لمن كان بمعاني بيانو عالمًا، وبكلام العرب عارفًا .. اىـ (٘٘) ٕ) تحصيل العلوم التي عليها مدار الفهم الصحيح لنصوص القرآن . تدبر القرآن يرتكز على تحصيل علوم مهمة يتوقف على معرفتها الفهم الصحيح لمراد الله تعالى في كتابو والتي ينطلق منها المتدبِّر إلى تدبُّر القرآن الكريم، من أىمها: أ ) العلم بالقرآن الكريم، وأوجو بيانو التي تكون من جهة القرآن نفسو أو قراءاتو، فهو أعظم مصدر لبيان القرآن، فما أجمل في موضع فسيَّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في مكان آخر.(ٙ٘) فلا بد للمتدبِّر من استحضار نصوص القرآن لئلا يستنبط معنى من آية ويحيلو إلى عقيدة أو عمل أوسلوك وىو معارض لنص من القرآن في موضع آخر . ب ) العلم بسنة النبي  وأحوالو، فسنتو وأحوالو مفسرة للقرآن وموضحة لو، وم ىمة النبي بيان القرآن كما قال تعالى : ًَؤَّْضَىْنَب بِىَْْلَ اىزِّمْشَ ىِزُجََِِّْ ىِينَّبطِ ٍَب ُّضِّهَ بِىَْْيٌِْ[النحل:44]، وقد جاءت معظم الأحكام في القرآن الكريم كلية مجملة تحتاج إلى بيان وتفصيل، وقد احتوت السنة 55) جامع البيان(١/82-83) ط: شاكر 56 ) انظر مقدمة في أصول التفسير ص93، وأضواء البيان(١/67).

عدد الصفحات ٢٧

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 28 على بيان النبي للقرآن في أقوالو وأفعالو وأحوالو، وعنو فيها صور متعددة من صور تدبُّر القرآن والعمل بو، فلا يمكن فهم نصوص القرآن دون سنة النبي ،كما أنو لا يمكن العمل بالقرآن دون السنة، فلا بدّ للمتدبِّر في فهمو واستنباطو من القرآن من العلم بالسنة ليكون استنباطو وفهمو للقرآن وفق ما بينو النبي  غير خارج عن دلالات سنتو في صور بيانها للقرآن . ت ) العلم بلغة العرب التي نزل بها القرآن، وأحوالهم، فإن فهم القرآن متوقف على معرفة دلالات ألفاظو وسياقاتو العربية، إذ ىو نزل بلغة العرب كما قال تعا لى: َّضَهَ ثِوِ اىشًُّذُ اىْإٍَِينُ (193) ػَيََ قَيْجِلَ ىِزَنٌَُُ ٍَِِ اىَُْنْزِسَِِّ (194) ثِيِسَبٍُ ػَشَثٍِِّ ٍُجِينٍ [الشعراء :93-95]، فشرط قبول أي معنى يفهمه أو يستنبطه المتدبِّر من القرآن أن يكون موافقاً للسان العربي الأول الذي نزل بو القرآن، وأن يقبل السياق القرآني ىذا المعنى ولا يخالفو، وأن لا يخالف ىذا المعنى عموم أدلة الشرع المطهر، فإذا تحقق ذلك فالمعنى المفهوم والمستنبط من النص صحيح مقبول، وما خرج عن ذلك فهو ضرب من التحريف. وقد أسلفت في مبحث أركان تدبر القرآن شيئاً من الكلام عن منزلة معرفة اللغة من تدبر القرآن بما أغنى عن إعادتو . ويلحق بذلك معرفة أحوال العرب وعاداتها في أقوالها وأفعالها وقت التنزيل، فالقرآن نزل بلغة العرب والمخاطبون بو ىم العرب، ومن دون معرفة أحوالهم لن يكون من الممكن فهم بعض آيات القرآن فهماً صحيحاً، فمعرفة أحوال العرب رافع للشبو والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة. فإذا عُرف حال العرب قبل التنزيل في شأن الحج ـ مثلاً ـ اتضح المراد بأمر الله تعالى بإتمام الحج في قولو تعالى: {ًَؤَرٌَُِّا اىْحَحَّ ًَاىْؼَُْشَحَ ىِيَّوِ[البقرة : 96] دون الأمر

عدد الصفحات ٢٨

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 29 بأصل الحج، وذلك لأنهم كانوا قبل الإسلام آخذين بو، لكن على تغيير بعض الشعائر، ونقص جملة منها، كالوقوف بعرفة وأشباه ذلك مما غيروا، فجاء الأمربالإتمام لذلك .(ٚ٘) ث ) معرفة أسباب نزول القرآن . فمعرفة أسباب النزول لازم لمن أراد فهم نصوص القرآن على وجو صحيح، إذ الجهل بها موقع في الإشكالات والاستنباط الخاطيء. قال الشاطبي(ت:790ىـ): معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن والدليل على ذلك أمران: أحدىما: أن علم المعاني والبيان الذى يعرف بو إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب من جهة نفس الخطاب أو المخاطِ ب أو المخاطَ ب أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمو بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام لفظو واحد ويدخلو معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك وكالأمر يدخلو معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباىها. ولا يدل على معناىا المراد إلا الأمور الخارجة ، وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال يُ نقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منو، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في ىذا النمط فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بدّ . الوجو الثاني: وىو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبو والإشكالات ومورِ د للنصوص الظاىرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع ويوضح ىذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراىيم التيمي قال خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسو كيف تختلف ىذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة فقال ابن عباس يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل وإنو سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل فيكون لهم فيو رأي فإذا كان لهم فيو رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا قال فزجره عمر وانتهره فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفو فأرسل إليو فقال أعد علي ما قلت فأعاده عليو فعرف عمر 57 ) انظر الموافقات(3/١) .

عدد الصفحات ٢٩

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 30 قولو وأعجبو. وما قالو صحيح في الاعتبار... وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال تركت فى المسجد رجلا يفسر القرآن برأيو يفسر ىذه الآية {ًٌََّْ رَإْرِِ اىسَََّبءُ ثِذُخَبٍُ ٍُجِينٍ[الدخان:0] قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفسهم حتى يأخذىم كهيئة الزكام . فقال: ابن مسعود من علم علما فليقل بو ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من فقو الرجل أن يقول لما لا علم لو بو الله أعلم إنما كان ىذا لأن قريشاً استعصوا على النبي  دعا عليهم بسنين كسنى يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينو وبينها كهيئة الدخان من الجهد فأنزل الله {فَبسْرَقِتْ ًٌََّْ رَإْرِِ اىسَََّبءُ ثِذُخَبٍُ ٍُجِينٍ[الدخان:0] إلى آخر القصة. وىذا شأن أسباب النزول فى التعريف بمعاني المنزل بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص دون تطرق الاحتمالات وتوجو الإشكالات .اىـ(ٛ٘) ج ) العلم بتوحيد الله تعالى في ألوىيتو وربوبيتو وأسمائو وصفاتو، إذ بهذا العلم يوفق المتدبر في فهمو واستنباطو الموافق لمراد الله تعالى خاصة في أبواب توحيد الله تعالى، ويسلم من الوقوع في شَرَك التأويل المذموم، وموافقة المبتدعة في كثير من أقاويلهم التي حرفوا فيها نصوص القرآن والسنة، وأجروىا على غير وجهها الصحيح . ح ) العلم بأدوات الاجتهاد والاستنباط، ومن أىمها: علم أصول التفسير، وعلم أصول الفقو، وعلم أصول الحديث، وعلم أصول اللغة، إذ على ىذه العلوم مدار أدوات الاستنباط المؤىلة للنظر في النصوص، ولا يستغني المتدبِّر عن ىذه العلوم لضبط نظره واستنباطو وتدبره للقرآن الكريم، فمن أىمل ضوابط وأدوات الاستنباط في ىذه العلوم فإنو لا محالة واقع في الشبو والاشكالات ومزالق سوء الفهم . خ ) العلم بمواقع اتفاق السلف واختلافهم في فهم نصوص القرآن ، لأن الحق في بيان معنى الآية لا يخرج عن أقوالهم، وقد قال النبي  "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين 58 ) الموافقات(3/347- 350) .

عدد الصفحات ٣٠

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ ١ يلونهم" الحديث (ٜ٘) ، فأخبر النبي  أن خير القرون قرنو مطلقاً، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيراً من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقاً، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرىم لم يفتوا بالصواب - وإنما ظفر بالصواب من بعدىم وأخطأوا ىم - لزم أن يكون ذلك القرن خيراً منهم من ذلك الوجو، لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم ىذا يتعدد في مسائل عديدة. ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها." (ٓٙ) ، فعلى المتدبِّر أن لا يخرج بفهمو واستنباطو وعملو عن فهم السلف للآية ، بل يسير وفق فهمهم ولا يضاد بفهمو واستنباطو ما كانوا عليو في فهم الآية مجتمين أو مختلفين .(ٔٙ) الخاتمة: وأخيراً بعد ىذه الدراسة التأصيلية لمنهج تدبُّر القرآن، ووضع معالم لأبرز الأسس والضوابط التي يقوم عليها التدبر، وبيان العلوم التي يحتاجها المتدبِّر يمكن استخلاص النتائج التالية : ٔ) أن تدبر القرآن ىو أعظم سبيل لنوال بركة ىذا الكتاب العظيم، وتطلب ىداياتو . ٕ) أن جميع الناس: المؤمن والكافر مخاطبون بتدبر القرآن الكريم طلباً لهدايات. ٖ) أن منهج السلف الصالح في تعلم القرآن وأخذه ىو المنهج الأمثل المحقق لمراد الله تعالى في ىذا الباب. ولا يزال موضوع تدبر القرآن بحاجة إلى مزيد بحث ودراسة، ويوصي الباحث بدراسة منهج السلف الصالح في تعلم القرآن وأخذه وتدبره، وتقويم مناىج تعليم القرآن 59 ) متفق عليو، البخاري ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليو وسلم - انظر الصحيح مع الفتح (7/5) ، ومسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، حديث رقم (0، ١١، 2) . 60 ) انظر إعلام الموقع(4/36) ١ ) انظر قواعد الترجيح (١/280).

عدد الصفحات ٣١

قواعد التدبُّر وضوابطو وتطبيقاتو د. حسين بن علي الحربي ــــــــــــــــــــــــــــــــ 32 المعاصرة في ضوء منهج السلف، ليتحقق للدارسين التذكر بالقرآن، والحمد لله أولاً وآخراً وظاىراً وباطناً،،،

عدد الصفحات ٣٢