المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التنازع والتوازن في حياة المسلم

محمد موسى الشريف

صفحة ١ من ٧

معالد على طريق الصحوة (6) التنازع والتوازن في حياة المسلم الدكتور محمد موسى الشريف

عدد الصفحات ١

مقدمة الطبعة الخامسة اتٟمد لله وصلى الله على سيدنا رسوؿ الله ، وعلى آلو وصحبو ومن والاه، وبعد : فقد ظهرت – ولله اتٟمد – الطبعة الثانية من ىذا الكتاب، وفيها زيادات وتصحيحات. ولعل أىل الزيادات مبحث (التفرغ ) الذي كنت أرغب إفراده في رسالة، ولكتٍ رأيت بعد ذلك أف إتٟاقو بهذا الكتاب أولذ لقوة ارتباطو تٔباحثو، وترتيب بعضها عليو . ومن الزيادات كذلك (مطلب في التًويح والاستجماـ) وتبعتها – كذلك – الطبعة الثالثة. وجاءت الطبعة الرابعة، وفيها زيادة أضيفت إلذ ات١بحث الثالث منو . وىذه ىي الطبعة ات٠امسة – ولله اتٟمد – من ىذا الكتاب، وفيها الإضافات التالية: ٔ- ترتٚة موجزة للأعلاـ ات١ذكورين، حيث أف أغلب القراء يحتاجوف إلذ عرفة شيء عن أولئك الأعلاـ الذين يقرأوف أقوات٢م ويعجبوف بفعات٢م . ٕ- بعض الإضافات ات١كمِّلة للنص من زيادة عبارة، أو فكرة، أو تقسيم. ٖ- بعض الفهارس العلمية. ىذا وقد كنت كتبت قبل ست سنوات، وأنا الآف متيقن أكثر من ذي قبل بصعوبة تٖقيق ما أوردتو، وأف الشخص الذي يريد ات١عالر ات١سرودة في ىذه الرسالة عليو أف يبذؿ جهداً كبتَاً ويتخطى عقبات جساماً – بدوف مبالغة – وإلا راوح مكانو، ولد يأت بشيء ذي باؿ، فليفزع إلذ ذي اتٞلاؿ سائلاً ات١عونة والإقباؿ، والتوفيق والتسديد وات١باركة في الأقواؿ والأعماؿ.

عدد الصفحات ٢

ىذا وإف اتٟمد لله أولاً وأخراً حيث كتب ت٢ذا الكتاب بعض القبوؿ والانتشار، وأسألو سبحانو وتعالذ أف يضفي عليو مزيداً من القبوؿ، وينيلتٍ من فضلو ماىو مأموؿ، وآخر دعوانا أف اتٟمدلله رب العات١تُ، وصلى الله وسلم على نبينا ت٤مد وإلذ آلو وصحبو أتٚعتُ. ات١ؤلف د. ت٤مد موسى الشريف Mohammad-mousa@hotmail.com مقدمة الطبعة الأو

عدد الصفحات ٣

اتٟمد لله الذي خلق الإنساف وعلّمو البياف، ودلّو على طريق ات٠تَ والرشاد بالإيداف، وأنشأ فيو نوازع كثتَة للختَ والطغياف، فأما من ىذّب ىذه النوازع فهو الفائز اتٞذلاف، وأمّا من أتبع نفسو ىواىا فهو ات٠اسر اتٟتَاف. وأشهد أف لا إلو إلا الله شهادة شهادة تنقذلش يوـ العرض، وأشهد أف ت٤مداً عبده ورسولو الذي لد يخلد إلذ الأرض، صلى الله عليو وعلى آلو وصحبو ومن تبعهم بإحساف وبعد: إف ات١سلم – اليوـ – مطالب بإرجاع أمتو إلذ سابق ت٣دىا وقدلص عزِّىا، وسبيلو إلذ ذلك ىو إصلاح نفسو، ثم دعوة غتَه. وإصلاح النفس ىدؼ يرجوه كل مسلم ولكن دونو عقبات عظيمة لا سيما في ىذا العصر، وأعظم ىذه العقبات ىي ما كاف من داخل الشخص نفسو؛ إذ أف ىناؾ عقبات حسيّة ومعنويّة، ولكن أعظم العقبات قاطبة ىو ما يصادـ الشخص داخل نفسو، فالنفس أمّارة بالسوء، وفيها كَبْْ وحسد وحقد وغلّ وبغضاء ورياء وشقاؽ ونفاؽ إلذ غتَ ذلك من ات١هلكات، فمن وفقو الله للنجاة من ىذه الآفات وأمثات٢ا فهو في ختَ عظيم، وقد تكفّلة كتب كثتَة بشرح سبل السلاـ من ىذه ات١هلكات شرحاً وافياً كافياً . ثم إف ات١سلم إذا خلّص دواخلو من كل ىذا فجأتْو ت٣موعة من ات١طالبات النفسية الداخلية – وىي ما يدكن أف يسمى ((النوازع ))- أقلقتو وعصفت بو، ويدكن في كثتَ من الأحواؿ أف يقوده عدـ تٖقيقها إلذ اليأس والإحباط إف لد تدركو رتٛة مولاه وفضلو . وأعتٍ بهذه النوازع – وسيأتي للكلمة وضوابطها شرح مفصَّل، إف شاء الله تعالذ – ىو ما تنزع إليو النفس وترغبو وتشتهيو : فات١سلم ات١لتزـ بدينو يحب أف يكوف داعية إلذ الله تعالذ .

عدد الصفحات ٤

وكذلك يرغب أف يكوف قويّ الإيداف، راسخ اليق. وىو يحب أف يكوف من العابدين الزاىدين . وكذلك يستهويو ات١اؿ الصالح . وتدفعو نفسو إلذ أف يكوف من رجاؿ الشهرة ات١عروفتُ ات١تصدرين . وكذلك يحنّ ات١سلم إلذ أف يكوف ت٦ن رزقو الله تعالذ العلم الشرعي فأصبح من علماء الأمّة العاملتُ. وىو من الراغبتُ في الثقافة الفكرية والواقعية، حتى يكوف مرشداً ومفيتاً من مُفْتي الشباب والصحوة. وىو ت٦ّن تػَتُوؽُ نفسو إلذ اتٞهاد والذَّودْ عن أعراض ات١سلمتُ، ويكاد يتمزؽ شوقاً عندما تلامس أذنَو نداءاتُ اتٞهاد وأخبار البطولات. وىو ت٦ن لا يحُب أف يُرى مقصِّراً في حقوؽ الأىل والأرحاـ والأحباب . وىو – ولابد – ت٦ن يرغب أف يرى أولاده وبناتو من عباد الله الصاتٟتُ الداعتُ المجاىدين، فتَبيهم تربية إسلامية حسنة . فهذه عشرة نوازع في نفس الإنساف ات١سلم يرغب كل عاقل لبيب أف يجمعها، ولكن ىيهات أف تٕتمع لو إلا بتوفيق عظيم. قاؿ الإماـ ابن اتٞوزي (1) رتٛو الله تعا : ((ويندر من ات٠لق من يلهمو الكماؿ وطلب الآفضل، واتٞمع بتُ العلوـ والأعماؿ ومعاملات القلوب، وتتفاوت أرباب ىذا اتٟاؿ ))(1) . (1) الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسر أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد، ينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولد سنة 510 ببؽداد، وسمع من مشايخ كثيرين، كان رأساً في التذكير والوعظ بلا مدافعة، صنؾ مصنفات كثيرة، له حكم وأقوال كثيرة، توفي ببؽداد سنة 597، انظر((سير أعلام النبلاء)): 21/365-384.

عدد الصفحات ٥

ولشرح ىذه النوازع والتوفيق بتُ بعضها البعض والتوازف والتًجيح بينها جاء ىذا البحث، الذي أحسبو جديداً يضيف شيئاً إلذ ات١كتبة الإسلامية، ويشرح أموراً يجدىا كل مسلم ملتزـ بهذا الدين داعية – على وجو ات٠صوص – في نفسو حاؿ ستَه في دروب ىذه اتٟياة. المبحث الأول (1) ((صيد الخاطر)): 262.

عدد الصفحات ٦

النوازع وأىمية التوفيق بينها معتٌ التوازف والنوازع : التوازف لغةً : قاؿ أبو فارس(1) : ((الواو والزاء والنوف : بناء يدؿ على تعديل واستقامة، ووَزِينُ الرأي: معتدلو. وىو راجح الوزف إذا نسبوه إلذ رجاحة الرأي وشدة العقل ))(2) . أما اصطلاحاً فيمكن تعريفو بأنو: (( إعطاء كل شيء حقو من غتَ زيادة ولا نقص ، وىو ينشأ عن معرفة حقائق الأشياء على ما ىي عليو، ومعرفة حدودىا وغاياتها ومنافعها . وىو اتٟكمة ات١نوّه بها في قولو تعالذ: (يؤتي اتٟكمة من يشاء ومن يؤت اتٟكمة فقد أوتي كثتَاً وما يذكر إلا أولوا ألالباب*)(3) . وأما التنازع فقد جاء ((ات١صباح ات١نتَ)) في مادة ((ف ز ع)): ((نازعت النفسُ إلذ الشيء نػُزُوعاً ونزاعاً : اشتاقت، وبعتَ وناقة نازع : حَنّت إلذ أوطانها ومرعاىا )). وجاء في ((لساف العرب )) في ات١ادة نفسها: (1) الشيخ الإمام أحمد بن فارس بن زكريا القزويني. ولد سنة 329 .وكان مقيماً بهمذان والررّ. له تصانيؾ كثيرة في اللؽة والأصول والفقه والقرآن، وله شعر حسن. توفي بالرر سنة 395 رحمه الله تعالى. انظر((الوافي بالوفيات)): 7/278،و((الأعلام)): 1/193 . (2) ((معجم مقاييس اللؽة)): 6/107. (3) ((بصائر تربوية)): 25 .والآية من سورة البقرة ورقمها:[269.]

عدد الصفحات ٧

((نازعتتٍ نفسي إلذ ىواىا نزاعاً: غالبتتٍ، ويقاؿ للإنساف إذا ىَوىَ شيئاً ونازعتو نفسو إليو: ىو ينزع إليو نزاعاً . والتنازع : التجاذب، ومنو حديث: ((مالي أنازَعُ القرآن))(1) أي أجاذب في قراءتو ، وذلك أف بعض ات١أمومتُ جهر خلفو، فنازعو قراءتو ، فشغلو، فنهاه عن اتٞهر بالقراءة في الصلاة خلفو)). فالتنازع تدور معانيو على التجاذب واتٟنتُ وات١غالبة . والنوازع ات١ذكورة في ىذا البحث ىي الأمور التي يشتاقها الإنساف ويحنّ إليها، وتٖصل المجاذبة فيها بينو وبتُ نفسو لتحقيقها وتٖصيلها. ولا يخفى على اللبيب العاقل أف كل إنساف ينزع إلذ ما تدفعو همتو إليو ، فمن كاف عالر ات٢مة شريف النفس نزع إلذ ات١عالر ، ومن كاف ت٦ن جذبتو الدنيا إليها وكبّلتو تْبها نزع إلذ ما يزيده حباً فيها وتعلقاً بها، والبوف بتُ الفريقتُ شاسع . ولا شك أف حديثي موجو للفريق الأوؿ؛ لأنو ىو الذي تتنازعو فضائل كثتَة ، ويدكث زماناً يحاوؿ أف يوفق بينها، أو يختار منها ما وفقو الله إليو. وقد رأيت أف أتكلم عن نوازع تٜسة أظن أنها تستوعب وتتضمن باقي النوازع التي ذكرتها في ات١قدمة، وىذه ات٠مسة ىي: ٔ- طلب العلم الشرعي . ٕ- كثرة العبادة وإحسانها . ٖ- الدعوة إلذ الله تعالذ. (1) أخرجه الترمذر في باب ما جاء في ترك القراءة خلؾ الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، وقال الترمذر، وقال الترمذر: ((هذا حديث حسن))، وقد أخرجه كذلك مالك في الموطأ والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد.

عدد الصفحات ٨

ٗ- اتٞهاد في سبيل الله. ٘- طلب ات١اؿ الصالح. وىي إف حاكت في صدر ات١سلم كلها أو بعضها منعتو الرقاد ، وأورثتو السهاد ، فلا يعود يطيب لو العيش حتى يحُكم أمره فيها ، ويختار منها ما يوفقو الله تعالذ إليو، وقد يدنّ الله عليو تّمعها أو تّمع غالبها، فيكوف إماماً قدوة كما سأبتُ، إف شاء الله تعالذ. واتٞامع بتُ ىذه النوازع ات١ختلفة بطريقة ت٤كمة ىو الذي يدلي على التاريخ ما يكتبو ، وىو الذي يجعلو الله تعالذ ملجأ للناس وملاذاً ت٢م حاؿ ات٠َطْب ات١ُدْت٢مّ واتٟادث اتَٞلل، وىو الذي إف عاش كاف رمزاً ، وإف مات صار حديثاً للأجياؿ. أما من جدّ واجتهد في جانب أو جانبتُ من الفضائل واقتصر على ذلك ىو في حاؿ حسنة، لكنها مفضولة. يقوؿ الأماـ ابن اتٞوزي رتٛو الله تعالذ موضحاً كيفية ىذا التنازع بتُ الفضائل ات١تنوعة: ((نظرت إلذ علو همتي فرأيتها عجباً ، وذلك أنتٍ أروـ من العلم ما أتيقن ألش لا أصل إليو؛ لأنتٍ أحب نيل كل العلوـ على اختلاؼ فنونها ، وأريد استقصاء كل فرد ، وىذا أمر يعجز العمر عن بعضو.. فلا أرى الرضى بنقصاف العلوـ إلا حادثاً عن نقص ات٢مّة. ثم إلش أروـ – نهايةً – العمل بالعلم، فأتُوؽ إلذ ورع بشر(1)، وزىادة معروؼ (2)، وىذا مع مطالعة التصانيف وإفادة ات٠لق ومعاشرتهم بعيدٌ . (1) بشر بن الحارث بن عبدالرحمن. الإمام المحدث الزاهد الرباني القدوة، شيخ الإسلام، أبو نصر المروزرّ ثم البؽدارّ، المشهور بـ(الحافي). ولد سنة 152 وكان رأساً في الورع والإخلاص، وله حكم جميلة وكلام رائق. توفي رحمه الله تعالى سنة 227 .انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 10/469-477. (2) الكرخي، علم الزهاد، بركة العصر، أبو محفوظ البؽدادر، تور سنة200، انظر أخباره في((سير أعلام النبلاء)): 9/339-345.

عدد الصفحات ٩

ثم إلش أروـ الغتٌَ عن ات٠لق، وأستشرؼ الإفضاؿ عليهم، والاشتغاؿ بالعلم مانع من الكسب، وقَبوؿ ات١ننن(3) ت٦ا تأباه ات٢مة العالية. ثم إلش أُوؽ إلذ طلب الأولاد، كما أتُوؽ إلذ تٖقيق التصانيف لبقاء ات٠َلَفَتُْ (4) نائبتُْ ع بعد التلف، وفي طلب ذلك مافيو من شغل القلب المحب للتفرّد. ثم إلش أروـ الاستمتاع بات١ستحسنات، وفي ذلك امتناع من جهة قلة ات١اؿ، ثمّ لو حصل فرّؽ تٚع ات٢مة... وكل ذلك تَْٚعٌ بتُ أضداد... فواقلقي من طلب قياـ الليل وتٖقيق الورع مع إعادة العلم ، وشغل القلب بالتصانيف... وواأسفي على ما يفوتتٍ من ات١ناجاة بات٠لوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم، ويا كدر الورع مع طلب لابد منو للعائلة ، غتَ إلش قد استسلمت لتعذيبي، ولعلّ تهذيبي في تعذيبي، وإف بلغ همي مراده وإلا فنيّة ات١ؤمن ختَ من عملو))(5) . وكلاـ الإماـ ابن اتٞوزي رتٛو الله تعالذ يتًدد في صدور كثتَ من الصا ، والغالب أف أكثرىم لا يجد سبيلاً للجمع بتُ تلك الأمور ات١ذكورات على وجو حسن. وللتدليل على أهمية ىذا الأمر – أمر التوازف بتُ النوازع ات١ختلفة – فإلش أذكر حاؿ واحد من إخوالش الصاتٟتُ، فقد كاف داعية نشيطاً ، ولكنو كاف يعالش من عدـ استطاعتو التوفيقَ والتوازف بتُ نوازعو ، فقد كاف يقوـ الليل ويكثر من التعبد أياماً كثتَة، حتى إذا فطن أنو قد قصّر في حق الدعوة ترؾ التعبد وانغمس في العمل الدعويّ بنشاط عظيم، ثم إذا فطن أنو قد قصّر في حقوؽ أىلو وأقاربو ترؾ كل ما مضى وجعل يهتم بأىلو وأبنائو، فنصحتو وبعضُ إخوالش بالاتزاف فلم ينتصح ، فنتج عن ذلك أنو ترؾ الالتزاـ كلية بعد شعوره بالضعف وعدـ (3) أر العطايا المالية. (4) أر الكتب والأولاد (5) ((صيد الخاطر)): 216-217.

عدد الصفحات ١٠

القدرة على التوفيق ، ثم منّ الله عليو بالتوبة والرجوع واتٟمد لله، نعم ىذا مرض نادر، ولكنو يحدث في صفوؼ الدعاة بدرجات ت٥تلفة اتٟدة ، لعل ىذه اتٟالة أشدىا، عافالش الله وإياكم. وحاؿ عرضي ت٢ذه النوازع سوؼ أذكر أموراً تضبطها، وأقوالاً للسلف حوت٢ا، وأذكر أيضاً كيفية تٖقيق التوازف فيها خاصة ، وكيفية التوفيق بينها وبتُ بعض النوازع الأخرى ، وقد أرجىء ذكر تفصيل بعض ذلك إلذ ات١بحث الأختَ إف شاء الله تعالذ . المبحث الثاني النوازع : ذكرىا وبيانها النازع الأول : طلب العلم الشرعي: ىذا النازع قويّ متجذِّر في نفوس كثتَ من ات١لتزمتُ بالإسلاـ، وذلك ت١ا ورد من نصوص كثتَة في الكتاب والسنة وكلاـ أئمة السلف تنوِّه بطلب العلم وتذكر عظم أجره وفضلو.

عدد الصفحات ١١

والعلماء العاملوف سبب ت٢داية الناس، وىم الذين يجدّدوف الدين وينقّونو ت٦ّا عَلق بو من البدع وات١خالفات ، ويصححوف مفاىيم العامّة وآراءىم، وىم الذين يُستشفى تْديثهم ويتنزؿ نصر الله بسببهم . وإذا علم الأخ ات١سلم فضل العلم والعلماء دعتو نفسو ليكوف منهم فيفوز تٔا فازوا بو من الأجر والفضل، ولكنو لا بد لو أف يلتفت إلذ تٚلة من التحذيرات والتنبيهات في ىذا ، وىي: ٔ- لا يحسن بو ولا يجمل أف يتًؾ دراستو للفنوف والصناعات – إف كاف من ات١تخصصتُ فيها والدارستُ ت٢ا – ليطلب العلم الشرعي الكفائيّ ، فإف ىذه الفنوف والصِّناعات – من طب وىندسة وفيزياء وكيمياء وغتَىا – سببٌ من أسباب سعادة الأمة وفوزىا على أعدائها ات١تًبصتُ بها ، وترؾ ات١سلمتُ ت٢ا يزيدىم وىناً على وىن، وقد يصيب التارؾَ ت٢ذه الفنوف – ت٦ن تعينت عليو – إثمٌ؛ لأنها – اليوـ – من فروض الكفاية ومن أصوؿ الرِّيادة. ٕ- لد تكن للصناعات والفنوف في عهد السلف ىذه ات١نزلة التي ت٢ا يقوـ ، فلا يصح أف نقارف ما عليو السلف تٔا ت٨ن عليو ، فقوة الأمم – اليوـ – تقاس تٔا ىي عليو من التقدـ التػِّقَتٍ والعلميّ . ٖ- كاف السلف حريصتُ على ىذه الفنوف والصناعات – رغم بدائيتها في عصرىم - فكثتَ من علمائهم اشتُقت ألقابهم من الصناعات التي يزاولونها، فهناؾ القفّاؿ، والشاشيّ ، واتٟدّاد، والزجّاج، والفرّاء، وات٠يّاط، والسرّاج، واتٟذّاء، وغتَىم من علماء السلف وأعلامهم.

عدد الصفحات ١٢

ٗ- قد عاب بعض السلف تضييع بعض الفنوف والصناعات، فهذا الإماـ الشافعي(1) يقوؿ فيما نقلو عنو الربيع (2): ((لا أعلم علماً بعد اتٟلاؿ واتٟراـ أنبل من الطبِّ إلا أف أىل الكتاب قد غلبونا عليو))(3) . وقاؿ حَرْملة(4) : ((كاف الشافعي يتلهّف على ما ضيع ات١سلموف من الطب ويقوؿ: ضيعوا ثلث العلم ووكلوه إلذ اليهود والنصارى ))(4) . يقوؿ ىذا في زمانو فكيف في زماننا؟ ! ٘- قد سَهُل عند بعض السلف اتٞمع بتُ الصناعات والفنوف وبتُ طلب العلم الشرعيّ ، ولكنّا اليوـ يصعب علينا بل قد يعسُر فعل ىذا، فطلبك للعلم الشرعيّ من مظانّو يعتٍ أنك لابد أف تلتحق بكلية من الكليات الشرعية أو تطلب العلم على شيخ، والأوّؿ صعب ات١ناؿ إف كاف الشخص مشغولاً بفنو وبصناعتو، والثالش من أصعب الأمور؛ إذ ىات لر شيخاً يصبْ على تدريس الطالب أوّليات العلوـ ومبادئها، ثم يتدرج معو حتى يكمل ويفقو ، فات١شايخ- اليوـ- يعتذروف لطالب العلم بالانشغاؿ وعدـ القدرة ، وبتُ كثتَ منهم وبتُ الشباب فجوة (1) محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة. كان ذا ذكاء نادر، وصاحب لؽة مستقيمة لم يؤثر عنه لحن قط. توفي رحمه الله تعالى سنة 204. (2) الربيع بن سليمان بن عبدالجبار المرادرّ، أبو محمد المصررّ المؤذن، صاحب الإمام الشافعي، ثقة، مات سنة 270 وله ست وتسعون سنة، رحمه الله تعالى. انظر ((التقريب)):206. (3) ((نزهة الفضلاء)): 2/738. (4) أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبدالله التُجيبيّ المصررّ الحافظ، صاحب الإمام الشافعيّ . ولد سنة 166 وتوفي243 .وله بعض المصنفات. انظر ((الوافي بالوفيات)): 11/334. (4) ((نزهة الفضلاء)): 2/738.

عدد الصفحات ١٣

سحيقة؛ إذ لا يوصل إليهم- غالباً – إلا بشق الأنفس، وإذا وصلت إليهم وجدت من الصِّعاب والعقبات عند الشيخ ما يفقدؾ الرغبة في طلب العلم عليو. ىذا ما حدا بكثتَ من الشباب إلذ طلب العلم من الكتب والتفقو بغتَ شيخ، فظنوا أنهم قد علموا، واتٟقيقة أنو بينهم وبتُ العلم الصحيح ات١عتبْ مفاوز؛ إذ ىم من الفضلاء ات١طّلعتُ، ولا يصح وصفهم بأكثر من ىذا . فإذا فهمت الأمور ات٠مسة ات١اضية فاعلم أنك إف لد تستطع تٖصيل العلم الشرعيّ على الوجو ات١طلوب فقد يعوضك الله بفن وبصناعة تكفي بها الأمة الذؿ وات٢واف، وتكوف ت٦ن رُفع عند الله درجات أعلى وأعظم من كثتَ من العلماء ات١تقاعستُ الذين لد يجمعوا بتُ العلم والعمل: ((أين فينا من يساىم ابتداءً في العمل على رقي ات١سلمتُ وتٖررىم ووحدتهم إسهاماً يجسد ما يريد الإسلاـ من أبنائو، أف يكونوا عُباداً بررة وصناعاً مهرة، رىباناً بليل وفرساناً بنهار، دعاة إلذ إنارة القلوب بالذكر ، وسعاة إلذ إزالة الظُلمة واتٞوع وات١رض والفقر بالتقدـ ، يريدىم أف يكونوا ىم ات١تفوقتُ دوماً في كل علم وصنعة لا عالة على أىل البحوث والدراسات والصناعات ، وىم ات١ختًعتُ ات١بدعتُ ات١بتكرين في كل فن وميداف لا ات١ستوردين ات١ستهلكتُ دوف تقصٍّ أو انتقاء لكل جديد مُبتدَع، وىم الذين يصنعوف التاريخ لا الذين يقرؤوف أحداثو فحسب))(1) . ومن الأمور التي يجب أف تُعرؼ أنو لا بد ت١زاوؿ صناعة أو مهنة أف يكوف لو إت١اـ بالأحكاـ الشرعيّة اللازمة لصناعتو ومهنتو وفنو، فالطبيب- مثلاً - عليو أف (1) ((الرائد)): 12-13.

عدد الصفحات ١٤

يعرؼ اتٟكم الشرعيّ في الاطلاع على عورة مرضاه، ومتى يجوز لو ذلك ومتى يحُظر عليو ، وحكمَ التشريح، وحكم الإجهاض إلخ ... والإعلاميّ عليو أف يعرؼ ما الذي يحل لو بثُو وإذاعتو بتُ الناس وما لا يحل لو، وما ىي الضوابط الشرعية لبثّ ما يدلك من معلومات وأخبار؟ ويجب أف يعرؼ أيضاً كيفية التثبت من الأخبار شرعاً حتىّ يكوف في مأمن من تشويش الناس وإقلاقهم أو تطمينهم وتهدئتهم بدوف وجو حقٍّ كما يحصل – اليوـ – كثتَاً . وىذا الأمر ينسحب على أصحاب ات١هن الأخرى من صيدلية وىندسة وتٕارة وصناعة إلخ... وت٦ا ىو معلوـ أنو يجب على الشخص – أيّاً كانت صنعتو – تعلم فروض العتُ وفروض الكفاية، ولا يعذر تّهل ىذه الأمور ، وكذلك يحسن بو أف يعرؼ الضرورات واتٟاجيات والتحسينات حتى يستطيع فهم واقعو على ما ىو عليو . جوانب التوازن في طلب العلم الشرعي: ثم إف وفّق الله ات١سلم لطلب ات١زيد من العلم فعليو بالآتي ليتوازف في طلبو للعلم، فلا يطغى جانب على جانب: أووً : التوازن في طلب العلوم المختلفة وتفضيل بعضها على بعض: يحتاج طالب العلم إلذ النظر والتختَ في العلوـ ليعلم بأيها يبدأ، وأيها يؤخر . قاؿ الإماـ يحتِ بن عمّار السجستالش(1) : (1) الإمام المحدث الواعظ شيخ سجستان، ونزيل هراة. كان رأساً في التفسير وحسن الموعظة، فصيحاً مفوهاً . توفي سنة 422 رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 17/481-483.

عدد الصفحات ١٥

((العلوـ تٜسة: علم ىو حياة الدين وىو علم التوحيد ، وعلم ىو قوت الدين وىو العظة والذكر ، وعلم ىو دواء الدين وىو الفقو، وعلم ىو داء الدين وىو أخبار ما وقع بتُ السلف، وعلم ىو ىلاؾ الدين وىو علم الكلاـ))(2) . وقيل للإماـ مالك(3) : ((ما تقوؿ في طلب العلم؟ قاؿ: حسن تٚيل، ولكن انظر الذي يلزمك من حتُ تصبح إلذ أف ت٘سي فالزمو))(4) . وقد يحتاج طالب العلم أف يستشتَ غتَه في ىذه القضية ات١همة، وعلى طالب التفصيل الرجوع إلذ الكتب التي تتحدث عن طرؽ طلب العلم ومراتب العلوـ (5) . انياً: التوازن بين طلب العلم وطلب ترقيق القلب: وىذا من أىم ات١همات، فقد حثّ عليو السلف كثتَاً وحذروا من تركو والتفريط فيو؛ لأف الشخص حاؿ انشغالو في طلب العلم قد ينسى ىذا الأمر ات١هم. فهذا ت٤مد بن عبادة ات١عافري يحدث أنو وصحبو كانوا عند أبي شريح ات١عافري (1) رتٛو ا ((فكثرت ات١سائل فقاؿ : قد دَرنت(2) قلوبكم، فقوموا إلذ خالد ابن تٛيد ات١َهْري(3) استقلُّوا(4) (2) ((نزهة الفضلاء)): 3/1231. (3) أحد أئمة أهل السنة الأعلام، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة، مالك بن أنس الأصبحيّ . توفي بالمدينة 179 عن89 سنة رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 8/48-135. (4) ((نزهة الفضلاء)): 2/621. (5) من تلك الكتب: ((تذكرة السامع والمتكلم)) للشيخ ابن جماعة رحمه الله، و((تعليم المتعلم طرق التعلم)) لبرهان الدين الزَّرْنُوجي ، و((الحث على طلب العلم)) لأبي هلال العسكرر، وؼيرها. (1) الإمام القدوة الربانيّ، أبو شريي المعافررّ الإسكندرانيّ . العابد المتأله الزاهد توفي سنة 167 وكان من أبناء السبعين رحمه تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 7/182-184. (2) وَسخت . (3) الإسكندراني. لا بأس به. توفي سنة 167 رحمه الله تعالى. انظر ((التقريب)): 187. (4) استبدلوا.

عدد الصفحات ١٦