إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 17 وإطاره إذا وفى، فالمرأة أحق أن يجوع لها إماطة ذلك من الرجل، إذ الأغلب من النساء أن ذلك بهن قليل، وإنما ذلك من خلق الرجال، فجعلت أخذ ذلك من النساء تغييرً ا لخلق الله، وجعلتها من الرجال غير تغيير، فما الفرق بين ذلك؟ قيل: إنما لم نحظر على المرأة إذا كانت ذات شارب فوفى ش اربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه أو كانت ذات لحية طويلة أن تأخذ منها، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحلقة للعنة النبي النامصة والمتنمصة..."(40) . وقالت طائفة: بأنه يجوع للمرأة نمص وجهها وحاجبها إلا المتوفى عنها عوجها أو المفقود ، فيحرم من باب أخذ الزينة ، وهي منه ممنوعة. قال ابن رشد: "والتنميص هو نتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقً ا حسنً ا، ولكن روي عن عائشة - ~- جواع إعالة الشعر من الحاجب والوجه ، وهو الموافق لما مر من أن المعتمد جواع حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها، وعليه فيحمل ما في الحديث على المرأة المنهية عن استعم ال ما هو عينة لها كالمتوفى عنها والمفقود عوجها "(41). وذهب آخرون: إلى حرمة النمص إذا كان من باب التزين للأجانب ، ويجوع للزوج خصوصً ا إذا وجد شعر ينفر الزوج. قال ابن عابدين: "النمص: نتف الشعر ومنه المنماص المنقاش ا. ه. ولعله محمول على ما إذا فعلته لتتزين للأجان ب، وإلا فلو كان في وجهها شعر ينفر عوجها عنها بسببه، ففي تحريم إعالته بُ عد، لأن الزينة للنساء مطلوبة للتحسين، إلا أن يحمل على ما لا ضرورة إليه لما في نتفه بالمنماص من الإيذاء.."(42). وذهب جماعة: منهم الإمام النووي إلى حرمة إعالة الشعر سواء بالنتف أو الحلق من الحاجب وأطراف الوجه ، وغير ذلك يجوع، وعنده يستحب أخذ الشارب واللحية للمرأة ، وهذا من باب إعالة ما يشوه خلقة (40) شرح صحيح البياري، لابن بطال 9 /167.) (41) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي عيد القيروا 2 /314.) (42) حاشية ابن عابدين6 /373.)
عدد الصفحات ١٨إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 18 المرأة. قال النووي "وأما النامصة بالصاد المهملة فهي التي تزيل الشعر من الوجه والمتنمصة التي تطلب فعل ذلك بها، وهذا الفعل حرام إلا إذا نبتت للمرأة لح ية أو شوارب فلا تحرم إعالتها ، بل يستحب عندنا، وقال ابن جرير لا يجوع حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص ، ومذهبنا ما قدمناه من استحباب إعالة اللحية والشارب والعنفقة ، وأن النهي إنما هو في الحواجب وما في أطراف الوجه "(43) . وقال السيوطي"وهو نتف شعر الجبهة ليتوسع الوجه "(44). وقال ابن عابدين"وفي تبيين المحارم: إعالة الشعر من الوجه حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إعالته بل تستحب ا. ه."(45). قلت: وكلام النووي في إعالة لحية وشارب المرأة مقيد بإذن الزوج ، ولا يجوع في حقها إذا كان فيه تدليس على الزوج. قال ابن حجر: "وقال النووي يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فلا يحرم عليها إعالتها بل يستحب ، قلت وإطلاقه مقيد بإذن الزوج وعلمه وإلا فمتى خلا عن ذلك منع للتدليس"(46) . وفي الكفاية "والنامصة -كما قال الماوردي -: هي التي تأخذ الشعور من حول الحاجبين وأعالي الجبهة، والمتنمصة: المستفعلة لذلك، وإذا شاركتها بسبب ذلك في اللعنة، دل على أنه محرم. (43) شرح النووي على مسلم 14 /106.) (44) حاشية السيوطي على سنن النسائي8 /147.) (45) حاشية ابن عابدين6 /373.) (46) فتح الباري، لابن حجر 10 /378).
عدد الصفحات ١٩إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 19 وأخذ الشعر من حول الأصداغ وكذا تجعيده في معنى أخذه من أعالي الجبهة وحول الحاجبين؛ لأن ك منها يفعل عينة، ومنه أخذ ا لصيدلاني وغيره إلحاق تحمير الوجه بالوصل "(47)ا ه. وذهب ابن الجوزي: إلى جواع النمص إلا إذا كان شعارً ا للفاجرات ، أو فيه تدليس فإنه يحرم. قال ابن مفلح: "وأباح ابن الجوعي النمص وحده، وحمل النهي على التدليس، أو أنه كان شعار الفاجرات "(48). وذهب بعض أبو داود صاحب ا لسنن وغيره إلى تخصيص النمص بترقيق الحاجب، قال أبو داود: "والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه.. "(49). وقال عروق من المالكية"فالنامصة: التي ترقق الحاجب بحف أو نتف"(50). وذهب أحمد إلى حرمة نتف شعر الوجه كله ، وأجاع الحلق، والسبب في التفريق عنده أن النتف تغيير والحلق لا! (سئل أحمد عن النامصة والمتنمصة؟ فقال: هي التي تنتف الشعر فأما الحلق فلا، قيل له: فما تقول في النتف؟ قال: الحلق غير النتف. النتف تغيير. فرخص في الحلق) (51)ا ه. وقال ابن قدامة: "فأما النامصة: فهي التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة: المنتوف شعرها ب أمرها، فلا يجوع لليبر. وإن حلق الشعر فلا بأس؛ لأن الخبر إنما ورد في النتف. نص على هذا أحمد "(52) . (47) كفاية النبيه في شرح التنبيه ( 2 /518 .)وينظر الحاوي الكبير (2 /257)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي2 /95.) (48) الفروع وتصحيح الفروع 1 /160.) (49) عون المعبود وحاشية ابن القيم 11 /152). (50) شرح عروق على متن الرسالة 2 /1055.) (51) الوقوف والترجل من مسائل الإمام أحمد (ص: 157.) (52) المغني، لابن قدامة1 /70.)
عدد الصفحات ٢٠إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 20 وفي شرح المنتهى "(ويحرم نمص) أي: نتف الشعر من الوجه.. وللمرأة حلق وجهها، وحفه وتحسينه بتحميره ونحوه. وكرهه أحمد لرجل "(53). وقال بعضهم: يجوع النمص إذا لم يكن فيه تشبه بالميانيث. (وفي التتارخانية عن المضمرات: ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المينث ا. ه. ومثله في المجتبى تأمل)(54). * * * (53) شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى 1 /45.) (54) حاشية ابن عابدين6 /373.)
عدد الصفحات ٢١إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 21 المطلب الخامس: ما يستثنى من النمص المحرَّ م لقد ذكر أهل العلم استثناءات في مسألة النمص حتى لا يصاب الناس في حرج، وهذا انطلاقً ا من قاعدة لا حرج في الشريعة ، أي متى يكون الحرج فهو مرفوع. المسألة الْولى: لو احتاجت المرأة أو الرجل أن يزيلا الشعر من الوجه من أجل علاج أو عيب فلا حرج عليهما في ذلك. قال في الثمر الداني: "ومفهوم قوله: للحسن أن الحرام هو المفعول للحسن فلو احتيج إليه لعلاج أو عيب فلا بأس به"(55). المسألة الثانية: حكمإزالة شعر ما بين الحاجبين: وهذه المسألة مبنيَّ ة على أصل: وهو هل ما بين الحاجبين تبع للحاجبين أم لا؟ وإذا لم يكن من الحاجبين فهل يجوع إعالته؟ يُبنى على أقوال العلماء السابقة: فمن جوع إعالة شعر الوجه دون الحاجبين يجوع عنده ومن لم يجوعه منع منه. وكذلك من ج وعه بإذن الزوج يجوع عنده ، وهكذا. وأما السؤال هل هو من الحاجبين أم لا؟ فهذا محتمل: قال ابن فارس: "والحاجبان العظمان فوق العينين بالشعر واللحم. وهذا على التشبيه، كأنهما تحجبان شيئً ا يصل إلى العينين"(56). وفي الع"الجَب ْهَةُ: مُست َوَى ما بين الحاجِب َينِْ إلى الناصية"(57) . (55) الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي عيد القيرواني (ص 689.) (56) مقاييس اللغة2 /143). (57) الع3 /395.)
عدد الصفحات ٢٢إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 22 قلت: وكلام أهل اللغة يحتمل أن ما بين الحاجبين ليس منهما، وما في كتاب العين يرجح أنه ليس من الحاجبين بل من الجبهة، والله أعلم. وعلى هذا الاحتمال تجوع إعالة الشعر بين الحاجبين على ق ول من قال إن النمص يشمل شعر الحاجب فقط. * * *
عدد الصفحات ٢٣إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 23 المطلب السادس: حكم التشقير هذه المسألة ليس فيها نص عن الأئمة السابقين، وهي مسألة مطروحة في هذا العصر؛ لذا اختلف فيها علماء هذا العصر، ولكني أقول يمكن بناؤ ها على أصول من سلف ممن تكلم في مسألة النمص. وهنا ينبغي التنبيه على أصل مهم: وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد نص التحريم ، ولا يمكن أن نجرم عباد الله بفعل لم يرد فيه نص يجرم مرتكبه. وقد قاس من رأى حرمة التشقير على النمص ، وهذا قياس -في نظري - مع الفارق ، كيف نقيس ما بقي على ما انتهى أو أوعيل بعضه؟ وهذا ما جوعه عياض قال في التاج: "ولما ذكر عياض الوعيد في الوشم قال: وهذا فيما يكون باقيً ا وأما ما لا يكون باقيً ا كالكحل فلا بأس به للنساء "(58)، والتشقير غير باق فيلحق به. وهنا عدة مسائل: المسألة الْولى: الصبغ بغير لون شعر الحاجب: وهذا الفعل جائز قولاً واحدً ا. (قال محمد بن رشد: أما صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحنا والكتم، والصفرة، فلا اختلاف بين أَهل العلم في أن ذلك جائز، وإنمَّا اختلفوا هل الصبغ بذلك أحسن، أو ترك الصبغ جملة أحسن..؟)(59). وهذا الحكم للرجال فكيف النساء التي فطرن على الزينة والتجمل؟! وحكم ال صبغ هذا جائز بشروط: ألا يكون السواد، وهذه المسألة -وهي التيضيب بالسواد- فيها خلاف منهم من أباحها ومنهم من كرهها ومنهم من حرمها ، وليست من بحثنا. (58) التاج وا كليل لميتصر خليل (1 /287). (59) البيان والتحصيل 17 /167.)
عدد الصفحات ٢٤إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 24 وألا يكون صبغًا شاذ ا فيه شهرة . و ألا يكون مما يتشبه به بالفاجرات والكافرات . وألا يكون حرامً ا أو نجسً ا، والله أعلم. المسألة الثانية: صبغ أطراف الحاجبين: وهذه المسألة هي التي اختلف فيها فقهاء العصر، لأن الناظر إلى من فعلت هذا يظنها متنمصة وهي في حقيقة الأمر ليست بمتنمصة، والشعر باق على خلقته، غير أنها صبغته بلون يخالف لون شعر الحاجب لتيفف من عرضه وكثافته وتتزين به ، أو يكون فيه نوع بشاعة وخارج عن المألوف فتغير به هذا العيب. والتشقير ليس من النمص لا من قريب ولا من بعيد ، والاستدلال بأحاديث النمص على هذه المسألة فيه إجحاف بالنصوص وتضييق على عباد الله، ولعل التشقير هو الطريق الشرعي المتاح لعدم الوقوع في النمص. ويجب أن نعلم أن مثل هذه الحال لا تجوع إذا كان فيه تدليس وغش، كأن تريد أن تتزوج المرأة فتفعل هذا لتغطي عيبها وتغش عوجها ، وهذا ممنوع وكذلك لا يجوع لها فعل هذا التشقير إن منع منه الزوج ، والله أعلم. * * *
عدد الصفحات ٢٥إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 25 الخاتمة وبعد عرض المسائل وبيان مذاهب العلماء وأدلتهم تبين لي ما يلي: 1- أن النمص يشمل شعر الحاجب فقط 2- أن الحف يكون بالحلق والنتف كذلك 3- أنالتشقير ليس هو اللون الأصفر كما هو معروف اليوم و إنما هو اللون الأحمر. 4- أن أثر عائشة ~ يحتج به وهو ما جعلني أرجح أن النمص مقتصر على شعر الحاجبين. 5- أن تطريف الحاجبين أو إعالتهما سواء با لحلق أو النتف أو القص، وسواء كان بإذن الزوج أو لا ؛ داخل في النمص الملعون صاحبه. 6- إذااحتاجت المرأة أو الرجل إعالة شعر الحاجب من أجل العلاج فلا بأس بذلك. 7- أن شعر ما بين الحاجبين ليس منهما فيما يظهر لي، والأحوط تركه ، والله أعلم. 8- أن تشقير الحاجبين أو أطرافهما ب الشروط المتقدمة جائز، والله أعلم. 9- أن التشقير لا يجوع إذا ترتب عليه تدليس للزوج أو منع منه له. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *
عدد الصفحات ٢٦إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 26 الفهرس المقدِّمة : ......................................................................................................... 2 المطلب الأول: بيان عدم ثبوت الإيمان لمن قدم هوى النفس على طاعة النبي ‘ ............ 5 المطلب الثاني: تعاريف مهمة: .............................................................................. 7 المطلب الثالث: فيما استدل به الفقهاء في باب النمص ............................................ 11 المطلب الرابع: مذاهب العلماء في حكم النَّمص -للرِّجال والنِّساء - .............................. 16 المطلب الخامس: ما يستثنى من النَّمص المحرَّم ...................................................... 21 المطلب السادس: حكم التَّشقير .......................................................................... 23 الخاتمة: ........................................................................................................ 25 * * *ْ
عدد الصفحات ٢٧