إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 1 ْ إخْ بارْْ الْ سْ تش ْير ْ عنْحْ كم ْْْ النْ مص ْْْ والتْ شق ْيرْ ْ ْ ْ ْ تأليف ْ أبيْظافرْالْ نْ بل ْْ يْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ ْ
عدد الصفحات ٢إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 2 ﷽ المقدِّمة: الحمدُ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدي الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه. {يَاأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ات َّقُوا اللَّهَ حَقَّ ت ُقَاتِهِ وَلََ تَمُوتُنَّ إِلََّ وَأَن ْتُمْ مُسْلِمُونَ [ }102.] {يَاأَي ُّهَا النَّاسُ ات َّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ن َفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِن ْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِن ْهُمَا رِجَالَا كَثِيراا وَنِسَاءا وَات َّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالَْْرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباا[ }1.] {يَاأَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ات َّقُوا اللَّهَ وَقُولُواق َوْلَا سَدِيداا [ }70](1). أمَّا بعد لا حول ولا قوة إلا بالله ، فمسألة التشقير قد شغلت الرأي العام من نساء المسلمين ، وفي كل يوم نجد من تسأل عن حكمه وحكم النمص ، ومنهن من تسأل سؤالَ تبين لتتقي الله فيما تعمل، ومنهن عكس ذلك تسأل لعلها تجد رخصةً تترخص بها. وقد بذلت جهدي في بحث هذه المسألة، واطَّ لعت على أقوال الفقهاء والل غويين، وذكرت ما جاء في السنة النبوية وآثار الصحابة لأتبين هذه المسألة، لعلي أخرج بنتيجة طيبة مرضية لله سبحانه. وقد سميته: (إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير ). (1) هذه خطبة الحاجة التي كان الن ‘ يعلمها أصحابه، ويواظب عليها في عقد القران، وقد جاءت في مسند أحمد (6 /262)، وسنن أبي داود (2 /239)، وسنن الترمذي3 /406)، وسنن النسائي3 /104)، وسنن ابن ماجه3 /88)، وغيرهم
عدد الصفحات ٣إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 3 وقدجاء هذا البحث في مقدمة وستة مباحث وخاتمة. أما المقدمة فذكرت فيها خطة البحث ومنهجي فيه. وأما المطالب فهي: المطلب الأول: بيان عدم ثبوت الإيمان لمن قدم هوى النفس على طاعة النبي ‘. المطلب الثاني: تعاريف مهمة: المطلب الثالث: فيما استدل به الفقهاء في باب النمص. المطلب الرابع: مذاهب العلما ء في حكم النمص -للرجال والنساء -. المطلب الخامس: ما يستثنى من النمص المحرم . المطلب السادس: حكم التشقير. وأما الخاتمة فذكرت فيها أهم ما توصلت إليه. وأما منهجي في هذا البحث: 1- ذكرت ما ذهب إليه جميع المذاهب مع أقوال الصحابة 2- وثقت الأقوال من مصادرها الأصلية. 3- ذكرت جميع الأدلة مع بيان أوجه الضعف والصحة 4- بينت الراجح 5- خرجت الأحاديث وما كان منها في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليه ما.
عدد الصفحات ٤إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 4 هذا وما كان من صواب فمن الله وحده ، وما كان من خطإ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله العظيم منه. وأسأل الله العلي القدير أن يتقبَّ ل عملي هذا، وأن يجعله خالصًا لوجهه، ولكل من ساهم في نشره وقراءته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمدُ لله رب العالمين. وكتب: أبو ظافر الحَنْبَلِيُّ الثلاثاء 22 جمادى الآخر1438 ه - 21 مارس2017 م * * *
عدد الصفحات ٥إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 5 المطلب الأول: بيان عدم ثبوت الإيمان لمن قدم هوى النفس على طاعة النبي ‘ْ المقصود من هذا المطلب: بيان أهمية ووجوب تقديم طاعة الله ورسوله على الأهواء ، ولا يمكن للإنسان أن يخرج من دائرة الإ سلام إلى دائرة الإ يمان إلا بتحقيق طاعة الرسول ‘، ولا يتحقق الإيمان بالكتاب إلا بعد الإيمان بالسنة؛ لأن المقصود من الإيمان بالكتاب: القر آن والسنة. قال تعاوَأَن ْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاا لِمَا ب َيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ ب َي ْن َهُمْ بِمَا أَن ْزَلَ اللَّهُ وَلََ ت َتَّبِْْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّ ا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةا وَمِن ْهَاجاا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةا وَاحِدَةا وَلَكِنْ لِيَب ْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَي ْرَاتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاا ف َي ُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُ مْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [48]، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا ليس فيه عوج ولا خلل، قال تعا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَن ْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاا [ }1.] وقد أمر الله بطاعة نبيه ‘ طاعة مطلقة لا يشوبها شك ولا ريبة ولا مناععة؛ بل بتسليم لا حرج فيه ، قال تعاوَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلََّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَن َّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَن ْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْت َ غْفَرُوا اللَّهَ وَاسْت َغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ ت َوَّاباا رَحِيماا ( 64) فَلاَ وَرَبِّكَ لََ ي ُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ ب َي ْن َهُمْ ثُمَّ لََ يَجِدُوا فِي أَن ْفُسِهِمْ حَرَجاا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماا [ }64،65.] ويجب على المؤمنإذا بلغه أمر الله ورسوله أن يعمل بما جاءه ولا يتيير، أو يترك شيئً ا بسبب موافقة لهواه أو بسبب عرف شائع مما يخالف الشريعة ، قال تعاوَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلََ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِي َرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ ي َعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ف َقَدْ ضَلَّ ضَلاَلَا مُبِيناا} [36]، ومن اتبع هواه فقد ضل عن سواء السبيل. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ¢، عَنِ النَّبيِ ‘ قَالَ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لََ يُحِبُّهُ إِلََّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ ي َعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا
عدد الصفحات ٦إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 6 يَكْرَهُ أَنْي ُقْذَفَ فِي النَّارِ »(2). فلا يؤمن انسان وهو يقدم قول أحد من الناس على القر آن والسنة، ولا يذوق طعم الإيمان حتى ينشرح صدره بالآيات البينا ت والأحاديث النبوية الصحيحة، ولا يسأل سؤال متعن ت، ولا يضجر من عمل ، وهنا يكمن الإيمان، فإن المرء كلما ع مل بآية أو سنة نبوية تخالف هواه كان أقرب إلى الله سبحانه، وأكمل في إيمانه بالله تعالى. وفي الحديث: «مَا مِنْ عَبْد مُسْلِم ي َقُولُ حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَ ثاا، وَحِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِالهِ رَباا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِيناا، وَبِمُحَمَّد ‘ نَبِياا، إِلََّ كَانَ حَقاا عَلَى الهِ أَنْ ي ُرْضِيَهُ ي َوْمَ الْقِيَامَةِ »(3). والرض ا منبعه القلب، ولا بد إن رضي القلب عن الله ورسوله ودينه أن يترك هواه لهم، وهذا أكمل الايمان. * * * (2) متفق عليه: أخرجه البياري ( 1 /12) برقم 16، ومسلم1 /66) برقم 43. (3) أخرجه ابن ماجه 2 /1273) برقم 3870،وأحمد ( 4 /337) برقم 18988، والنسائي في الكبرى 6 /4) برقم 9832.
عدد الصفحات ٧إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 7 المطلب الثاني: تعاريف مهمة ما سأذكره من التعاريف اللغوي ة لبعض المفردات مهم، وذلك أن الأ حكام الشرعية لا بدَّ من بيان معناها من اللغة العربية ، لأن القرآن والسنة نزلا بلغة العرب. تعريف النمص: قال ابن فارس: "(نمص) النون والميم والصاد أصيل يدل على رقة الشعر أو نتف له. فالنمص: رقة الشعر. والمنماص: المنقاش. وشعر نميص، ونبت نميص: نتفته الماشية بأفواهها"(4). وفي القاموس "النَّمْصُ: ن َتْفُ الشَّعَرِ... والنَّمَصُ، محرَّكةً: رِقَّةُ الشَّعَرِ، ودِق َّتُهُ حتى تراهُ كالزَّغَبِ، والقِصَارُ من الرّيشِ، ونَباتٌ ي ُعْمَلُ منه الأطْبَاقُ والغُلُفُ، ووَهِمَ الجوهَرِي فَكَسَرَهُ. والنَّمِيصُ: المَنْتُوفُ "(5) . قلت: وقوله رقة الشعر قد يدخل فيه قصه من غير نتف له ، حتى يبدو كالزغب وهو أول ما ينبت، ولأنه ذكر النتف وغاير بينهما. "وت َنَمَّصَتِ المرأةُ أ خذتْ شَعَرَ جَبِينِها بَِِيْط "(6). "النَمْصُ: نتفُ الشَعْرِ. وقد ت َنَمَّصَتِ المرأةُ ونمََّصَتْ أي ضً ا، شد د للتكثير. قال الراجز: ي ا ليته ا ق د لبس ت وصواص ا ونمص ت حاجبه ا تنماص ا والنامصة: المرأة التي تزين النساء بالنمص "(7)ا ه. (4) مقاييس اللغة5 /481.) (5) القاموس المحيط (ص633). (6) المحكم والمحيط الأعظم 8 /345). (7) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ( 3 /1060).
عدد الصفحات ٨إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 8 وفي النهاية"النامصة: التي تنتف الشعر من وجهها "(8). "وقال أبو عيد: رجل أنمص: الذي ليس له حاجبان وامرأة نمصاء، وقال امرؤ القيس : ويَ أْكُلْنَ مِ نْ ق َ و بَعاعً ا ورِبَّ ةً تجََب َّ رَ بع دَ الأكْ لِ فه و نمَِ يصُ "(9)ا. ه قلت: ومن قول أبي عيد يحتمل أن النمص يختص بالحاجبين. ولأنه لا يقال إلا لمن لا حاجبان له، والله أعلم. تعريف الحف: وقد ورد الحف بمعنى النتف وبمعنى الحلق. (وحفَّ ت المرأة وجهها من الشعر: إِذا نتفته)(10). (حفَّ: حفَّف: حلق(11). (والحَف : ن َتْفُ الشَّعْر بِيط ونحوه (12). (وحففت الشَّيْء حفا إِذا قشرته. وَمِنْه حفت الْمَرْأَة وَجههَا إِذا أخذت عَنهُ الشعْر)(13) سواء بالحلق أو النتف. (8) النهاية في غريب الحديث والأثر 5 /119.) (9) غريب الحديث، لإبراهيم الحر 2 /828). (10) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 3 /1286.) (11) تكملة المعاجم العربية 3 /238.) (12) الع3 /30.) (13) جمهرة اللغة 1 /100.)
عدد الصفحات ٩إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 9 "حفت المرأة تحف وجهها من الشعر، تحف ، حفافً ا بالكسر، وحف ا: أعالت عنه الشعر بالموسى، وقشرته، كاحتفت، ويقال: هي تحتف: تأمر من يحف شعر وجهها نتفً ا بِيطين، وهو من القشر"(14) . "حفَّ الشَّيءَ: قشَره ، حفَّ سطحً ا معدِني ا، حفَّ طَرْفَ القلم ، حفَّت المرأةُ وجهَها: أعالت ما عليه من شَعْر عائد، حفَّ شعرَه، حفَّ لحيتَه ، حفَّ شاربَه: خفَّفه، قصَّ ره"(15) . قلت: وهنا جاء بمعنى التقصير. تعريف التشقير: "شقر: شَقِرَ شَقَرً ا وشُقْرةً فهو أَشْقَرُ أي أحمر"(16). )(الشقرة) لون الأشقر وبابه طرب و(شقرة) أيضً ا وهي في الإنسان حمرة صافية، وبشرته مائلة إلى البياض. وفي الخيل حمرة صافية يحمر معها العرف والذ نب فإن أسودا فهو الكميت. وبعير (أشقر) أي شديد الحمرة) (17). "والأشقر من الر جَال: الَّذِي تعلو بياضه حمرَة"(18). "الشقرة من الألوان حمرة تعلو بياضًا في الإنسان وحمرة صافية في الخيل قاله ابن فارس "(19). (14) تاج العروس 23 /148). (15) معجم اللغة العربية المعاصرة 1 /525). (16) الع5 /36.) (17) مختار الصحاح (ص167). (18) المحكم والمحيط الأعظم 6 /159). (19) المصباح المنير في غريب الشرح الكب 1 /319).
عدد الصفحات ١٠إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 10 قلت: وليس المقصود بالتشقير اللون الأحمر فقط، و إنما أي لون يتوافق مع لون البشرة يوضع على شعر الحاجبين ما لم يكن أسودَ ، أو لون شهرة. * * *
عدد الصفحات ١١إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 11 المطلب الثالث: فيما استدل به الفقهاء في باب النمص هناك جملة من الأدلة من القر آن والسنة منها خاص في المسألة ومنها عام، وقد استدل بها الفقهاء من الصحابة وغيرهم وهذه الأدلة: 1- قال تعاوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا ن َهَاكُمْ عَنْهُ فَان ْت َهُوا وَات َّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [7.] وهذا هو الدليل العام الذياستدل به ابن مسعود ¢ كما سيأ 2- عن علقمة، قال: "لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ، الوَاشمَِاتِ وَالمُت َنَم صَاتِ، وَالمُت َفَل جَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَي رَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ، ف َقَالَتْ أُم ي َعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا ليِ لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ، وَفيِ كِتَابِ ال لَّهِ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ ق َرَأْتُ مَا ب َينَْ اللَّوْحَ ينِْ فَمَا وَجَدْتُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ ق َرَ أْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ { :وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا ن َهَاكُمْ عَنْهُ فَان ْت َهُوا[ }7"](20) . قلت: وهذا اللفظ عند البياري ¬ لم يأتِ فيه ذكر النامصات ، وجاء ذكره في رواية مسلم وغيره ؛ فعن عبد الله، قال: "لَعَنَ اللهُ الْوَاشمَِاتِ وَالْمُسْت َوْشمَِاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُت َنَم صَاتِ، ... ف َقَالَتِ الْمَرْأَةُ: فَإِني أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآْنَ، قَ الَ: اذْهَبيِ فَانْظُرِي ، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ ف َلَمْ ت َرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ ف َقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، ف َقَالَ: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لمَْ نجَُامِعْهَا "(21). قلت: والحديث يدل على أن ما ذكر فيه من الكبائر لترت ب اللعنة على فاعله. (20) أخرجه البياري 7 /166) برقم 5939. (21) صحيح مسلم3 /1678) حديث رقم 2125.
عدد الصفحات ١٢إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 12 فعن عبيدة قال"كل ما عصي الله به فهو كبيرة "(22). وروي مثله عن ابن عباس وقال شيخ الاسلام ¬ :"أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس وذكره أبو عبيد وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو: أن الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. وهو معنى قول من قال: ما ليس فيها حد في الدنيا، وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة أو غضب أو نار فهو من الكبائر.."(23). معنى مفردات الحديث الوشم: هو غرس مادة بواسطة الإبرة في الجلد فييضر الجلد. قلت: وقد استحدث الناس في هذا الزمان أشياء غريبة من الوشم بط رق متنوعة ، كالطبع وغيره، حتى أصبح فن ا من الفنون الذي يدر الأرباح على أصحابه ، وقاموا ينقشون فيه أشكالاً متعددة من صور البشر والدواب والطيور وغير ذلك، وفي جميع أنحاء الجسد، وهذا من الأفعال المحرمة لما فيها من التشبه بالفجار والكفار، وفي الحديث: «مَنْ تَشَب هَ بِقَوْم ف َهُوَ مِن ْهُمْ »(24)، ولا يعرف عن واحد من أهل الصلاح والمروءة يفعل مثل هذا، والله أعلم. النمص: تقدم ذكره وبيانه. المتفلجات: وهي التي: (تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات ، وهو من الفلج بفتح الفاء واللام وهي فرجة بين الثنايا والرباعيات ، وتفعل ذلك العجوع ومن قاربتها في السن إظهارً ا للصغر وحسن الأسنان ، (22) شعب الإيمان1 /463). (23) مجموع الفتاوى 11 /650.) (24) أخرجه أبو داود 2 /441) برقم 4031.
عدد الصفحات ١٣إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 13 لأن هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغار ، فإذا عجزت المرأة كبرت سنها وتوحشت فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر، وتوهم كونها صغيرة ويقال له أيضا الوشر ..)(25). قلتوالحديث بين أن الفاعلة والمفعولة بها ملعونة. 3- عن أبي إسحاق، عن امرأة ابن أبي الصقر، أنها كانت عند عائشة فسألتها امرأة؟ فقالت: يا أم المؤمنين، إن في وجهي شعرات أفأنتفهن أتزين بذلك لزوجي؟ فقالت عائشة: "أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أمرك فلتطيعيه، وإذا أقسم عليك فأبريه، ولا تأذني في بيته لمن يكره "(26). 4- عَنْ أَبيِ إِسْحَاقَ قَالَ ... وَسَأَلَت ْهَا امْرَأَتيِ عَنِ الْمَرْأَةِ تحَُف جَبِين َهَا ف َقَالَتْ: "أَمِيطِي عَنْكِ الأَْذَى مَا اسْتَطَعْتِ "(27) . قلت: وامرأته هي (العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها) (28) اختلف الناس فيها هل هي مجهولة أم "وسئل الدارقطني عن حديث امرأة أبي إسحاق السبيع ي، عن عائشة، في قصة عيد بن أرقم ، فقال: هي أم يونس، واسمها العالية، امرأة أبي إسحاق، ويرويه أبو إسحاق، عن امرأته أم يو نس، عن عائشة، وقال عمار بن رعيق، عن أبي إسحاق، عن العالية امرأة أبي السفر، ووهم في ذلك، وإنما أراد امرأة أبي إسحاق"(29). (25) شرح النووي على مسلم 14 /106.) (26) أخرجه عبد الرعاق في مصنفه 3 /146) برقم 5104. (27) أخرجه ابن الجعد في مسنده (ص 80) برقم 451. (28) الطبقات الكبرى 8 /487). (29) علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية 14 /443).
عدد الصفحات ١٤إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 14 وقال ابن الجوعي "قالوا العالية امرأة مجهولة فلا يقبل خبرها ، قلنا بل هي امرأة جليلة القدر معروفة ذكرها محمد بن سعد في كتاب الطبقات فقال : العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة"(30). وقال ابن عبد الهادي"قالوا: العالية امرأة مجهولة، فلا يقبل خبرها. قلنا: بل هي امرأة جليلة القدر معروفة، ذكرها محمَّد بن سعد في كتاب "الطبقات"، فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل، امرأة أ بي إسحاق السَّبيعي ، سمعَتْ من عائشة "(31). وقال ابن القيم".. وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي وهي من التابعيات ، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق وهو أعلم بها. وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة ولم تضعها ، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها ، ولهذا رواها عنها عوجها ميمون ولم ينهها ، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيً ا في التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أعواج رسول الله "(32)ا ه. وقال الزيلعي: "قال في التنقيح: هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني، قال في العالية: هي مجهولة، لا يحتج بها، فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علما من رسول الله ‘ أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد، انتهى"(33). (30) التحقيق في مسائل الخلاف2 /184). (31) تنقيح التحقيق،لابن عبد الهادي (4 /69). (32) عون المعبود وحاشية ابن القيم 9 /246.) (33) نصب الراية 4 /16).
عدد الصفحات ١٥إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 15 وقال الغماري "وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: العالية معروفة روى عنها عوجها وابنها، وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في الثقات من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوعاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح"(34) . قلت: والقلب يميل إلى صحة هذا الأثر، والله أعلم. 5- بكرة بنت عقبة أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة ، فسألتها عن الحناء فقالت: "شجرة طيبة وماء طهور ". وسألتها عن الحفاف فقالت لها: "إن كان لك عوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك(35) فتضعيهما أحسن مما هما فافعلي"(36). قلت: وهذا الأثر أخرجه ابن سعد عن المعلى بن أسد وهو حجة (37) عن معلى بن عياد القطعي -روى عنه ابن المبارك - عن بكرة بنت عقبة به. وثقها ابن حبان (38) لم يوثقها غيره فيما أعلمقلت: وهذا الأثر فيه نظر، والله أعلم. * * * (34) الهداية في تخريج أحاديث البداي ة (7 /226.) (35) مختار الصحاح (ص296.) (المقلة) شحمة العين التي تجمع البياض والسواد (36) الطبقات الكبرى 8 /56). (37) ينظر سير أعلام النبلاء (10 /626.) (38) الثقات، لابن حبان4 /84.)
عدد الصفحات ١٦إخْبارُ المُسْتَشِير عن حُكْمِ النَّمْصِ والتَّشْقِير 16 المطلبالرابع: مذاهب العلماء في حكم النَّ مص -للرِّ جال والنِّ ساء- تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن النَّ مص لا يجوع إذا كان بغير إذن الزوج، أو كان فيه تدليس على الزوج ، ولو كان في الوجه شارب أو لحية ، ويشتد التحريم إذا كان من باب الغش والتدليس. ثم إن مسألة النمص من المسائل الشائكة، والتي تباينت فيها أقوال الفقهاء ولهم فيها مذاهب متعددة، حتى إن القرافي وهو من كبار الأئمة استشكل قول النبي ‘ "المغيرات خلق الله"، فقال: "وما في الحديث من تغيير خلق الله لم أفهم معناه، فإن التغيير للجمال غير منكر في الشرع كالختان وقص ا لظفر والشعر وصبغ الحناء وصبغ الشعر وغير ذلك"(39). ذهبت طائفة من الفقهاء إلى تحريم النتف والحلق من جميع الوجه ، سواء كان نتفً ا أو حلقً ا أو أي وسيلة كالليزر وغيره. ولو خرج للمرأة شارب أو لحية فإنه يحرم عليها حلقه أو نتفه ، ولكن عندهم يجوع لها أن تأخذ من اللحية ما عاد عن القبضة!! وهذا القول مشهور عن الإمام الطبري ¬ قال"في هذا الحديث البيان عن رسول الله أنه لا يجو ع لامرأة تغيير شيء من خلقها الذ ي خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه التماس التحسن به لزوج أو غيره، لأن ذلك نقض منها خلقها إلى غير هيئته، وسواء فلجت أسنانها المستوية البنية ووشرتها أو كانت لها أسنان طوال فقطعت طلبً ا للحسن، أو أسنان عائدة على المعروف من أسنان بني آدم، فقلعت الزوائد من ذلك بغير علة إلا طلب التحسن والتجمل، فإنها في كل ذلك مقدمة على ما نهى الله تعالى عنه على لسان نبيه إذا كانت عالمة بالنه ي عنه، وكذلك غير جائز لامرأة خلقت لها لحية أو شارب أو عنفق ة أن تحلق ذلك منها أو تقصه طلبً ا للتجمل، لأن كل ذلك تغيير لخلق الله، ومعنى النص الذي لعن رسول الله فاعلته. فإن قال قائل: فإنك لتجيز للرجل أن يأخذ من أطراف لحيته وعوارضه إذا كثرت ومن الشارب (39) الذخيرة، للقرا 13 /315.)
عدد الصفحات ١٧