المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام الكتاب

غانم غالب غانم الكتاب

صفحة ٥ من ١٢

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قبلي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَُ النَّبِيِّينَ وَيَوْمَ أَمُوتُ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي) كذب اليهود نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام، ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا قتله، ولكن الله سبحانه تكفل بالدفاع عنه. قال سبحانه فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وفي سورة آل عمران 54( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ عمران وَمَكَرُواْ: (أي اليهود، لأنهم رسموا خطة دقيقة لقتل عيسى عليه الصلاة والسلام، وما أراد الله أن ينجيه إلا بمعجزة: أن رفعه من بين أيديهم، وألقى شبهه على واحد من أتباعه المخلصين.

عدد الصفحات ٦٦

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ولا خلاف أن عيسى عليه الصلاة والسلام ما قتل وما صلب، ولكن هل مات عيسى عليه الصلاة والسلام ورفع ميتا، أم رفع حيا، وكيف يخرج قوله تعالى بعض العلماء قال: رفع عيسى عليه الصلاة والسلام إلى السماء بعدما أماته الله. وبعضهم قال: في الآية تقديم وتأخير، بمعنى: أني رافعك إلي ثم مميتك بعد نزولك إلى الأرض عندما يأتي أجلك. وبعضهم قال: الوفاة هنا وفاة نوم، وهذا هو الراجح لأن عيسى لم يمت وسيقاتل الدجال، وقد ورد في القرآن ما يدل على أن الوفاة تأتي بمعنى النوم. قال تعالى يعيدها في النهار) وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بمَِا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 60 قال سبحانه مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَْوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فالناس في النوم على قسمين: منهم من تمسك روحه ويموت،

عدد الصفحات ٦٧

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ومنهم من تعاد. وَالَّتِي لَمْ تمَُتْ فِي مَنَامِهَا، بمعنى: الله أيضا يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها فيخرج أرواحها من أجسادها عند نومها، ويعيدها إلى الأجساد حين الاستيقاظ. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: « الحَْمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ رواه البخاري وعن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصا فيكون بذلك قد اتفقت الأحاديث مع الآيات بأن الوفاة تأتي بمعنى النوم. واللطيف في التعبير القرآني أنه ذكر الوفاة لعيسى مرتين: مرة هنا ليدل على النوم عندما أراد بنو إسرائيل قتله، لأنه لا يمكن أن تكون هذه وفاة موت، فيكون عيسى قد كتب عليه الموت

عدد الصفحات ٦٨

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام مرتين في هذه الحياة، هذه المرة، والأخرى عندما ينزل ليقتل الدجال ، وهذا لا يستقيم. ومرة في المائدة ليدل على الوفاة الحقيقية التي ستحصل لعيسى عليه الصلاة والسلام، عندما ترك الناس على أت حال فلا يدري ما أحدثوا بعده. قال سبحانه وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ لقد طلب اليهود من أنبيائهم ما لا يتصوره العقل، ولا يتخيله الخيال، طلبوا من موسى عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وطلبوا منه أن يريهم الله جهرة. وفي كل مرة يطلبوا غرائب الأمور فيعاقبهم الله ويشدد عليهم. ووصل بهم الأمر أن قتلوا الأنبياء ، والذين يأمرون الناس بالقسط ، ووقفوا سدا مانعا دون تطبيق أمر الله في الأرض. وقد كفرهم الله سبحانه بسبب موقفهم من عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه.

عدد الصفحات ٦٩

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام قال سبحانه 156( قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَك مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وقد وضحت الآيات سبب كفرهم: اتهامهم مريم الطاهرة بالزنا تخطيطهم لقتل عيسى عليه الصلاة والسلام التفاخر بقتل عيسى عليه الصلاة والسلام حسب ادعائهم، ولكن كما قال ربنا سبحانه وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ فقد قتلوا المشبه وظنوا أنهم قتلوا عيسى عليه الصلاة والسلام. وقد روى لنا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما أحداث تلك الليلة العظيمة في حديث ذكره ابن كثير في تفسيره وقال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه، وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين:

عدد الصفحات ٧٠

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء. فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي. ثم قال: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا. فقال: أنت هو ذاك! فألقي عليه شَبَه عيسى ورفع عيسى من رَوْزَنَة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق: فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله

عدد الصفحات ٧١

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام إليه. وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا: هذا حديث صحيح موقوف، هل له حكم الرفع أم أنه من الإسرائيليات، هذه المسألة تحتاج إلى حكم من المحدثين. ونحن نظن في حبر الأمة أنه لا يأخذ من الإسرائيليات. ولم تذكر القصة من هو هذا الشاب البطولي الذي قدم نفسه لله، ولا ماذا جرى لمن بقي من الحواريين، وبقي الكثير من أحداث تلك الليلة مبهما. لذلك اختلف أهل الكتاب، فكان أكثرهم يرى أن عيسى قد قتل، ولكن الله سبحانه أرى الحواريين ماذا صنع بعيسى وكيف رفع من سقف البيت. لذا عذر العلماء من قال: بأن عيسى قد صلب قبل نزول القرآن. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ(وهم اليهود الذين تبجحوا بقتله ، والنصارى الذين قالوا: رسولنا قتل وصلب) فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم. الهاء في (فيه) (منه) (به): كلها تعود على القتل والصلب. ويبدو أن الشاب عندما قتل لم يتكلم أنه ليس عيسى حتى زاد

عدد الصفحات ٧٢

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام من شكهم، وهذا منه عظيم كتمان السر فرضي الله عنه. وبقيت النصرانية على التوحيد بعد رفع عيسى إلى السماء فترة إلى أن تسرب الشرك إليها على يد رجل يهودي ادعى النصرانية يسمى: بولس، ويدعو إلى تأليه عيسى ويقدم أفكارا على النصرانية الصافية، ويجرب عليهم أفكاره. حتى استقر الأمر في النصرانية من القول بتأليه المسيح إلى القول بالتثليث، مع أن بعض النصارى لا زالوا يؤلهون المسيح، وحورب النصارى الموحدون. وكما قال ابن عباس في اختلافهم إلى ثلاث فرق. وقد ذم الله تعالى غلوهم في دينهم وفي عيسى عليه الصلاة والسلام إِلاَّ الحَْقَّ إِنمََّا المَْسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمََ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيمََ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ:( أي ثلاثة لهم تحكم في الكون، الأب والابن وروح القدس). انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنمََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً يَسْتَنكِفَ المَْسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ المَْلآئِكَةُ المُْقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا

عدد الصفحات ٧٣

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالحَِاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا وقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم الأمة أن تقع في غلوه كما وقعت النصارى في غلو عيسى عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله 3261 والله يقيم الحجة على النصارى في الدنيا والآخرة، فلا حاجة لله في اتخاذ الولد، وهل قال عيسى عليه الصلاة والسلام أنه ابن الله؟! قال سبحانه اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِْ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

عدد الصفحات ٧٤

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تجَْرِي مِن تحَْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان رفع عيسى عليه الصلاة والسلام إلى السماء حيا وهو حي إلى يومنا هذا، وسينزل في آخر الزمان ليحق الله الحق على يديه. فينزل ليقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال. وقد أخبرنا ربنا سبحانه أن نزول عيسى من علامات الساعة الكبرى التي تدل على قرب قيام الساعة. فقد أخبر ربنا مريم رضي الله عنها قبل ولادته أنه سيكلم الناس في المهد وهو كهل مِّنْهُ اسْمُهُ المَْسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمََ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُْقَرَّبِينَ (آل عمران وفي سورة الزخرف جاء البيان الواضح أنه من علامات الساعة وأماراتها: قال تعالى

عدد الصفحات ٧٥

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام 57( قَوْمٌ خَصِمُونَ إِسْرَائِيلَ 60( 61( فالشاهد من الآيات هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وقد أورد القرآن في آيات أخرى أن النصارى سيؤمنون به قبل موته وذلك قبيل الساعة. قال سبحانه الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فالهاء في كلمة: به، تعود على عيسى عليه الصلاة والسلام باتفاق أهل العلم. والهاء في موته: تعود أيضا على عيسى على الراجح من أقوال أهل العلم. وبعض أهل العلم قال أن الهاء تعود على الكتابي: أي قبل موت كل كتابي يرى الحق في مسألة عيسى فيؤمن فلا ينفعه ذلك الإيمان.

عدد الصفحات ٧٦

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام والأول أرجح. وقد وضحت السنة بكل جلاء مسألة نزول عيسى قبيل الساعة، جاء ذلك في العديد من الأحاديث. عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِى طَائِفَةِ النَّخْلِ. فَقَالَ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ عَيْنُهُ طَافِئَةٌ كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ. فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتَِ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً(خلة : طريق) بَينَْ الشَّاْمِ وَالْعِرَاقِ فَعَاثَ يمَِينًا وَعَاثَ شِمَالاً: يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِى الأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ ،

عدد الصفحات ٧٧

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لاَ اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسْرَاعُهُ فِى الأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا ، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا ، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ. ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ ممُْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شيء مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيمَُرُّ بِالخَْرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً ممُْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَينِْ رَمْيَةَ الْغَرَضِ ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ المَْسِيحَ ابْنَ مَرْيمََ فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَْنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ(قلت: في الحديث تحديد مكان نزوله بالضبط) بَينَْ مَهْرُودَتَينِْ (حلتان جميلتان فيهما لون أصفر خفيف

عدد الصفحات ٧٨

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام جميل) وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَينِْ إِذَا طَأْطَأَ رَأَسَهُ قَطَرَ ، وَإِذَا رَفَعَهُ تحََدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلاَّ مَاتَ (قلت: وهذا من عظيم قدرة الله تعالى حيث جعل نفسه في أول حياته فيه حياة للبشر فيحيي به الموتى والآن نفسه فيه موت). وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ (نهاية بصره) فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِى عِيسَى ابْنَ مَرْيمََ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الَْنَّةِ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لاَ يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ (حرز : ضم)عِبَادِي إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ(الحدب : الغليظ من الأرض في ارتفاع ) يَنْسِلُونَ ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا ، وَيمَُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ. وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهُ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهُمُ النَّغَفَ فِى رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.

عدد الصفحات ٧٩

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ ، فَلاَ يَجِدُونَ فِى الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ. فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ(البخت : واحدتها البختية وهي: الناقة طويلة العنق ذات السنامين) ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ. ثُمَّ يُقَالُ: لِلأَرْضِ أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّى بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا ، وَيُبَارَكُ فِى الرِّسْلِ(اللبن) ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ(اللقحة : الناقة ذات اللبن قريبة العهد بالولادة ) مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِى الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِى الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تحَْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُْمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ

عدد الصفحات ٨٠

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام غريب الحديث: يرغب : يدعو. الزلفة : المكان يحفر ليحبس فيه ماء السماء وقيل المرآة. الزهم : الريح المنتنة. السارحة : الماشية. اليعاسيب : جمع يعسوب وهو ذكر النحل. عاث : أفسد. الفئام : الماعة الكثيرة. الفخذ : حي الرجل إذا كان من أقرب عشيرته. الفرسى : جمع الفريس وهم القتلى. القحف : القشر. القطط : شديد جعودة شعر الرأس. يكن : يستر. الممحل : المجدب المقحط. المْدر : القرى والأمصار واحدتها مدرة. ينسلون : يخرجون مسرعين. النغف : جمع النغفة ، وهو دود يوجد في أنوف الإبل والغنم فتموت به في أقرب وقت.

عدد الصفحات ٨١