[ دراسة فقهية تطبيقية مقارنة ((البوفيه المفتوح أنموذجا)) د.علي محمد ونيس الأجهوري
عدد الصفحات ١بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والا ه، وبعد.... فإن من محاسن شريعة الإسلام أنها جعلت العقود في المعاملات مبنية على الوضوح التام، بحيث يكون المبيع معلوما والثمن معلوما، قدرا ووصفا ووقتا لتسليمه، وغير ذلك من الشروط. والذي يظهر من الحكمة في ذلك: هو سد باب النزاع والخصومة بين المتبايعين؛ فشرط الشرع في البيع أن يكون كلا من العوضين معلوما في الحال، مأمون العاقبة في المآل. ومن أجل ذلك حرم الله كثيرا من العقود المبنية على عدم هذا الوضوح، ومن هذه العقود التي ذكرها الفقهاء في كتبهم قديما: بيع السمك في الماء، وبيع الطير في الهواء، وبيع العبد الآبق، وبيع ما لم يخلق، وبيع الثمار حتى تزهي، وبيع الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، ..... إلخ. ومن المعلوم أن باب المعاملات من الأبواب التي يعتريها التجدد الدائم، فما من وقت يمر إلا ويستحدث الناس عقودا لم تكن معهودة بوصفها المعاصر عند فقهائنا القدماء، وإن وُجد لها أصل ي بعض العقود. ولما كانت شريعة الإسلام هي الشريعة الخالدة الباقية الخاتمة؛ أوجب الله على الأمة الاجتهاد في المسائل الحادثة التي لم تكن موجودة في العصور الأولى للإسلام، ولا في عصور الفقهاء القدماء؛ لئلا تخلو واقعة عن حكم شرعي إلى يوم القيامة. ومن هذه العقود المستحدثة التي لم تكن مألوفة قديما: التعاقد على ((البوفيه المفتوح)) . وهو أن يقوم أحد الأشخاص بدفع مبلغ من المال، على أن يدخل مكانا معدا للطعام، ويأكل من الطعام الموجود فيه ما يريد، ويشرب ما يشاء، وذلك دون تحديد لِكَم ِ أو وصف الذي يأكلة، وعادة يكون ذلك مع تحديد الوقت. ولا شك أن في هذا جهل بمعلومية قدر المبيع، وكذلك وصفه؛ لأن الآكل ربما أكل من نوع واحد من أنواع الطعام، وربما أكل من أكثر من نوع ، على ما سنبحثه في موضعه إن شاء الله.
عدد الصفحات ٢وفي هذا البحث سنحاول الوصول إلى تكييف شرعي للبوفيه المفتوح بناء على دراسة بعض عقود الغرر وعلاقة عقد البوفيه المفتوح بها ، ومن ثَََّ يمكننا الحكم على البوفيه المفتوح، هل هو من عقود الغرر المحرمة، أم أن الغرر مغتفر فيه لقلته مع جريان العرف به، أم أنه عقد بيع فيما يقابل المبلغ المدفوع، وما زاد عليه من يعد عقد إباحة؟ . وتكمن أهمية بحث مسألة البوفيه المفتوح في عدة أمور: 1 – أنه لم يسبق بحث هذه المسألة بصورة مفصلة في حدود علمي، حيث لم نجد فيها كثير كلام للمعاصرين، غير فتاوى منثورة على الشبكة العنكبوتية، أو تمثيل بها في بعض ا لكتب، أو كلمات يسيرة حولها كمسألة حادثة. 2 – أن البوفيه المفتوح مما عمت به البلوى، فقد صار عرفا جاريا في الفنادق والحفلات وغير ذلك من مواطن تجمع الناس، فكان لزاما على من كان أهلا لمعرفة الحكم الشرعي فيها أن يتصدى لها بالبحث والتحرير. 3 – أن هذهالمسألة مما يكثر السؤال عنها، وهذا يقضي بوجوب الإسراع في بيانها ، وتجلية الحكم فيها. 4 – أنه ينبني عليها إباحة معاملة أو تحريمها، وهي معاملة تتصل بالطعام، وقد حض الإسلام على تحري الطعام الحلال، ونهى عن الطعام الحرام. والله تعالى من وراء القصد، نسأله أن يوفق نا لكل خير، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، فهو خير مسؤول و أكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عدد الصفحات ٣المبحث الأول: الغرر المطلب الأول: تعريف الغرر. تعريف الغرر لغة: الغرر لغة اسم مصدر من التغرير، وهو ا لخطر، والخدعة، وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلكة، وغرته الدنيا غ رورا: خدعته بزينتها، والغرة بالكسر الغفلة، والغرر الخطر(1) تعريف الغرر اصطلاحا اختلف العلماء في تعريف الغرر اصطلاحا على ثلاث تعريفات: التعريف الأول: الغرر هو ما كان مستور العاقبة( 2 ) ومستور العاقبة يشمل أمرين الأمر الأول: ما تردد بين الحصول وعدمه. الأمر الثاني: ما كان مجهول الصفة والمقدار، وإن تحقق حصوله. التعريف الثاني: الغرر هو ما تردد بين الحصول والعدم (3). فيدخل فيه ما عجز عن تسليمه. وهذا أخص من التعريف الأول؛ لأنه لا يدخل في تعريف الغرر ما كان مجهول الصفة والمقدار، وإن تحقق حصوله. 1 ((الصحاح)) للجوهري 2/769)، ((المصباح المنير)) للفيومي2/444.) 2 اختاره من الحنفية السرخسي، قال: ((والغرر ما يكو ن مستور العاقبة)) ((المبسوط)) (12/194)، (13/68)، والزيلعي، قال الزيلعي: ((والغرر ما يكون مجهول العاقبة لا يدري أيكون أم لا)) ((تبي الحقائق)) (4/46)، وبعض الشافعية، قال الرملي: ((بيع الغرر وهو ما احتمل أمرين أغلبهما أخوفهما .... وقيل ما انطوت عنا عاقبته)) ((نهاية المحتاج)) (3/405)، وقال ابن تيمية: ((والغرر: هو المجهول العاقبة)) ((مجموع الفتاوى)) ( 29/22)، وقال الخطابي: ((أصل الغرر: ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسره ... وكل بيع كان المقصود منه مجهولاا غير م علوم، ومعجوزاا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، مثل أن يبيعه سمكاا في الماء، أو طيراا في الهواء)) ((معالم السنن)) (3/88.) 3 قال الكاساني: ((الغرر هو الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة الشك)) ((بدائع الصنائع)) (5/163)، وعرفه ابن عابدين بقوله: ((هو الش ك في وجوده))، أي: المبيع ((رد المحتار)) (5/62 .)
عدد الصفحات ٤التعريف الثالث: الغ رر ما عقد على جهل بمقداره وصفاته حين العقد( 4.) فلا يدخل عنده ما عجز عن تسليمه، كالعبد الآبق، والبعير الشارد، فإن العبد والبعير معلوما الصفة والمقدار، ولكن وقع الشك في حصولهما، أو و جودهما، ولا يرى - رحمه لله - اشتراط القدرة على التسليم شرطاا في صحة البيع. التعريف المختار للغرر: من خلال التعريفات السابقة يمكننا استخلاص تعريف جامع لمعنى الغرر، و هو: ((ما كان مجهول العاقبة إما للجهل بوجوده، أو للجهل بصفته ومقداره))(5.) المطلب الثاأقسام الغرر في البيع: الفرع الأول : أقسام الغرر في البيع باعتبار القلة والكثرة. ينقسم الغرر في البيع بهذا الاعتبار إلى: غرر كثير، وغرر يسير. القسم الأول: الغرر المؤثر (وهو الغرر الكثير). وهو الغرر الذي يؤثر في عقد البيع، كبيع السمك في الماء والطير في الهواء. شروط الغرر المؤثر: 1 - يشترط في الغرر المؤثر في العقد أن يكون كثيرا الأدلة: أولا: من السنة. عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر. وجه الدلالة: أن البيع لا يوصف بأنه بيع غرر حتى يكون الغرر ظاهرا فيه وغالبا عليه(6) ثانيا: من الإجماع 4 ((المحلى)) لابن حزم 7/287.) 5 ((تبيين الحقائق)) للزيلعي 4/46)، ((نهاية المحتاج3/405)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (29/22.) 6 ((البيان والتحصيل)) لابن رشد 9/385.)
عدد الصفحات ٥نقل الإجماع على ذلك: ابن رشد 7) والقرا 8) والنووي9.) وذهب بعض العلماء إلى جو از الغرر مطلقا، ومنهم ابن سيرين(10)، وشريح 11) 2 - كون الغرر في البيع المعقود عليه أصالة يشترط في الغرر المؤثر كون الغرر في البيع المعقود عليه أصالة. الأدلة: أولا: من السنة. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع » وجه الدلالة 7 قال ابن رشد: ((وبالجملة فالفقهاءمتفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز. ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر، فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح لترددها بين القليل والكثير)) ((بداية المجتهد)) (3/173.) 8 قال القرافي: ((ثَ الغرر والجهالة ث ثة أقسام كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقل يل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة)) ((الفروق)) (3/265،266.) 9 قال النووي: (((فأما) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأ عضاء أو ناقصها وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير)) ((المجموع)) (9/258.) 10 عن ابن سيرين، قال: لا أعلم ببيع الغرر بأساا. وإسناده صحيح وقال ابن حجر في ((فتح الباري)) ( 4/ 357): ((روى الطبي، عن ابن سيرين بإسناد صحيح، قال: لا أعلم ببيع الغرر بأساا ... وروى ابن المنذر عنه أنه قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحداا)). وقال ابن حزم في ((المحلى)) ( 8/ 391): ((ومن طريق الحجاج بن منهال، أخبنا حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، أن محمَّ د بن سيرين كان لا يرى بأساا بشراء العبد الآبق، إذا كان علمهما فيه واحداا)). 11 قال ابن المنذر في ((الأوسط10/41): ((وقال ابن سيرين: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان عليهما فيه واحدا، وحكي ذلك عن شريح)). وينظر: ((المغني)) لابن قدامة ( 4/151 .)
عدد الصفحات ٦أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لمن باع نخلا قد أبرت أن يشترط المبت اع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع للأصل، فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره(12.) ثانيا: من الإجماع نقل الإجماع على مثل هذه البيوع: النووي( 13) وابن قدامة14) ثالثا: لأنه إذا باع التابع مع الأصل حصلت تبعا في البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيها، كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة، والنوى في التمر مع التم ر، وأساسات الحيطان في بيع الدار(15) 3 - ألا تدعو للعقد حاجة في بيع الغرر يشترط في الغرر المؤثر ألا تدعو للعقد حاجة في بيع الغرر(16.) الأدلة أولا: من السنة. عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق؟»قال: نعم وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا للحاجة، مع ما فيها من الغرر؛ لأن ضرر المنع 12 ((الفتاوىالكبى)) لابن تيمية (4/18.) 13 قال النووي: ((إذاباع حاملا بيعا مطلقا دخل الحمل في البيع بالإجماع)) ((المجموع)) ( 9/324)، وقال أيضا: ((أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن وإن كان اللبن مجهولا لأنه تابع للحيوان ودليله من السنة حديث المصراة)) ((المجمو ع)) (9/326..) 14 قال ابن قدامة: ((فصل: وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة أضرب: أحدها، أن يبيعها مفردة لغير مالك الأصل، فهذا الضرب الذي ذكرنا حكمه، وبينا بطلانه. الثاني، أن يبيعها مع الأصل، فيجوز بالإجماع )) ((المغني)) (4/63.) 15 ((المغني)) لابن قدامة4/63.) 16 قال ابن تيمية: ((الغرر هومن جنس الميسر ويباح منه أنواع عند الحاجة ورجحان المصلحة)) ((مجموع الفتاوى)) ( 14/471.)
عدد الصفحات ٧من ذلك أشد17) ثانيا: من الإجماع نقل الإجماع على مثل هذه البيوع: النووي( 18) ثالثا: أن مفسدة بيع الغرر، وإن كانت مظنة العداوة، والبغضاء، وأكل ا لأموال بالباطل، فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة، ق دمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام، والإبل لما كان فيه مصل حة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض(19) 4 - كون الغرر في عقود المعاوضات المالية يشترط في الغرر المؤثر أن يكون في عقود المعاوضات المالية، نص على ذلك: المالكية(20)، واختاره ابن تيمية( 21.) وذلك ل 17 ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية 20/539)؟ 18 قال النووي: (((فأما) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير (منها) أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو باع حشوها منفردا لم ي صح * وأجمعوا على جواز إجازة الدار وغيرها شهرا مع أنه قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين * وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام)) ((المجموع)) ( 9/258) 19 ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية 29/48.) 20 قال الزرقاني: ((الصلح عقد معاوضة يمنع فيه الغرر كسائر المعاوضات)) ((شرح الزرقاني)) (6/15). وينظر: ((الذخيرة)) للقرا 4/354)، قال: ((قاعدة الغرر والجهالة ثلاثة أقسام جائز إجماعا في جملة العقود كجهالة أساس الدار وبط ن الأجنة وغرر كون المبيع لا يبقى حتى يقبض وممنوع إجماعا في عقود المعاوضات كالطير في الهواء)). 21 قال ابن تيمية: ((فمعلوم قطعا: أن المساقاة والمزارعة ونحوهما من جنس المشاركة، ليسا من جنس المعاوضة المحضة، والغرر إنما حرم بيعه في المعاوضة ؛ لأنه أكل مال بالباط ل)) ((القواعد النورانية)) (ص 234.)
عدد الصفحات ٨أولا: أن عقود التبعات إن فاتت على من أحسن إليه بها ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئاا، وذلك بخلاف عقود المعاوضات، إذا فات فات منها شيء بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الغرر فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلو م والمجهول فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله( 22) القسم الثاني: الغرر غير المؤثرالغرر اليسير). 1 - معنى الغرر اليسير. جمع الإمام النووي رحمه الله كثيرا من صور الغرر اليسير التي يتسامح فيها عادة في المعاملات التي فيها معاوضة فقال: ((أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في الهواء قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة وكان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا))(23) 2 - حكم الغرر اليس لا يؤثر الغرر اليسير في عقد البيع. الأدلة: أولا: من السنة. عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر(24). 22 ((الفروق)) للقرافي ( 1/151.) 23 ((شرح صحيح مسلم)) لنووي 10/157،158.) 24 رواه البخاري 3843)، ومسلم1514.)
عدد الصفحات ٩وجه الدلالة أن البيع لا يوصف بأنه بيع غرر حتى يكون الغرر ظاهرا فيه وغالبا عليه( 25) ثانيا: من الإجماع. نقل الإجماع على ذلك: ابن عبد الب( 26) والقرا 27) والنووي28.) ثالثا: لأن البيوع لا تنفك عن الغرر اليسير فهو مستخف فيها مستجاز(29) رابعا: لأنه لا يسلم منه بيع، ولا يمكن الإحاطة بكل المبيع، لا بنظر، ولا بصفة 30). الفرع الثا : أقسام الغرر في البيع باعتبار ما يعفى عنه وما لا يعفى عنه. قسم العز بن عبد السلام الغرر بهذا الاعتبار إلى: غرر يعسر اجتنابه، وغرر لا يعسر اجتنابه، وغرر بينهما في الرتبة. قال العز بن عبد السلام: ((الغرر في البيوع، وهو أيضا ثلاثة أقسام: أحدها ما يعسر اجتنابه كبيع الفستق والبندق والرمان والبطيخ في قشورها فيعفى عنه. القسم الثاني: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه. القسم الثالث: ما يقع بين الرتبتين وفي ه اختلاف، منهم من يلحقه بما عظمت مشقته، لارتفاعه عما خفت مشقته، ومنهم من يلحقه بما خفت مشقته لانحطاطه عما عظمت مشقته، إلا أنه تارة يعظ م الغرر فيه فلا يعفى عنه على الأصح كبيع الجوز الأخضر في قشرته، 25 ((البيان والتحصيل)) لابن رشد 9/385.) 26 قال ابن عبد الب: ((لا يختلفون في جواز قليل الغرر؛ لأنه لا يسلم منه بيع، ولا يمكن الإحاطة بكل المبيع، لا بنظر، ولا بصفة ...)) ((الاستذكار)) ( 6/338.) 27 قال القرافي: ((ثَ الغرر والجهالة ثلاثة أقسام كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة)) ((الفروق)) (3/265،266.) 28 قال النووي: (((فأما) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى وكامل الأعضاء أو ناقصها وكشراء الشاة في ضرعها لبن ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير)) ((المجموع)) (9/258). 29 ((البيان والتحصيل)) لابن رشد 9/385.) 30 ((الاستذكار)) لابن عبد الب 6/338.)
عدد الصفحات ١٠وتارة يخف العسر فيه لمسيس الحاجة إلى بيعه فيكون الأصح جوازه كبيع الباقلاء الأخضر في قشرته))( 31 .) وقال ابن رشد: ((وبالجملة فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجو ز. ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر، فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح لترددها بين القليل والكثير))(32) المطلب الثالثمَححال وجود الغرر. يوجد الغرر في عدة محال من البيع، ومنها: 1 - بيع المعدوم2 - بيع المجهول المطلق 3 - بيع المعجوز عن تسليمه. 4 – بيعالمعين المجهول جنسه أو قدره . 5 – الغرر في صيغة عقد البيع قال ابن تيمية: ((وأما الغرر، فإنه ثلاثة أنواع: المعدوم، كحبل الحبلة، واللبن، والمعجوز عن تسليمه: كالآبق، والمجهول المطلق، أو المعين المجهول جنسه، أو قدره كقوله: بعتك عب دا، أو بعتك ما في بيتي، أو بعتك عبيدي))(33). وقال ابن رشد: ((والغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل على أوجه: إما من جهة الجهل بتعيين المعقود عليه، أو تعيين العقد، أو من جهة الجهل بوصف الثمن والمثمون (المبيع)، أو بقدره، أو بأجله إن كان هنالك أجل، وإما من جهة الجهل بوجوده، أو تعذر القدرة عليه، وهذا راجع إلى تعذر التسليم، وإما من جهة الجهل بسلامته (أعني: بقاءه)، وهاهنا بيوع 31 ((قواعد الأحكام2/11.) 32 ((بداية المجتهد3/173). والغرر المختلف فيه، مثل: ما إذا قال له: أبيعك أحد هذين الثوب أو العبدين من صنف واحد وقد لزمه أحدهما أيهما اختار وافتر قا قبل الخيار فلترددها بين الغرر القليل و الكثير بعضهم كأبي حنيفة والشافعي في خصوص المسألة المذكورة يلحقها بالغرر الكثير فيمنع صحة البيع المذكور لأنهما افترقا على بيع غير معلوم وبعضهم كمالك في خصوص المسألة المذكورة أيضا يلحقها بالغرر القليل فيجيز البيع المذكور لأنه يجيز الخيار بعد عقد البيع في الأ صناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك. ينظر: ((تهذيب الفروق)) لمحمد بن علي بن حسين المالكي (1/170 .) 33 ((الفتاوى الكبى4/18.)
عدد الصفحات ١١تجمع أكثر هذه أو بعضها34) ثَ قال: ((ومن البيوع التي توجد فيها هذه الضروب من الغرر: بيوع منطوق بها، وبيوع مسكوت عنها، والمنطوق به أكثره متف ق عليه، وإنما يختلف في شرح أسمائها، والمسكوت عنه مختلف فيه. ونحن نذكر أولا المنطوق به في الشرع، وما يتعلق به من الفقه، ثَ نذكر بعد ذلك من المسكوت عنه ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه (أعني: في رد الفروع إلى الأصول) . فأما المنطوق به في الشرع فمنه: «نهيه- صلى الله عليه وسلم - عن بيع حبل الحبلة»، ومنها: «نهيه عن بيع ما لم يخلق»،«وعن بيع الثمار حتى تزهي »،«وعن بيع الملامسة، والمنابذة»،«وعن بيع الحصاة»، ومنها«نهيه عن المعاومة»،«وعن بيعتين في بيعة»، «وعن بيع وشرط »،«وعن بيع، وسلف»،«وعن بيع السنبل حتى يبيض، والعنب حتى يسود»،«ونهيه عن المضامين، والملاقيح»35) المطلب الرابع صور من الغرر الذي تسامح الشرع في جوازه . 1 – الغرر الذي يجيزه الشرع لوقوعه تبعا وليس أصالة. وذلك عملا بقاعدة: ((يغتفر في التابع ما لا يغتفر في غير ه))(36.) قال ابن تيمية: ((يجوز من الغرراليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره))(37.) وذلك مثل اشتراط المبتاع الثمرة إذا اشترى نخلا قد تم تأبيره، مع أن الثمرة لم توجد بعد، وهذا غرر واضح، لكنه حصل تبعا وليس أصالة، قال ابن تيمية: ((وجوز النبي صلى الله عليه وسلم إذا باع نخلا قد أبرت: أن يشترط المبتاع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو 34 ((بداية المجتهد3/166.) 35 ((بداية المجتهد3/167.) 36 قال السبكي: ((الشيء يغتفرإذا كان تابعا ولا يغتفر أصلا)) ((الإبهاج)) (2/261)، وقال الزركشي كما في الشفعة لا تثبت في الأبنية والأشجار بطريق الأصالة وتثبت تبعا للأرض إذا بيعت معها. وكما في المزارعة على غير النخيل والعنب (تث بت) تبعا لهما، كما إذا قطعت يد المحرم لا ف دية عليه للشعر الذي عليها والظفر؛ لأنهما (هنا) تابعان غير مقصودين بالإبانة)) ((المنثور)) (3/376.) 37 ((مجموع الفتاوى 29/26 .)
عدد الصفحات ١٢صلاحها؛ لكن كل وجه البيع للأصل ))38.) 2 – الغرر الذي يجيزه الشرع للحاجة لقد سمح الشرع ببعض العقود التي فيها غرر مراعاة لحاجة الناس، وذلك دفعا للمفسدة الأعظم المترتبة على منعها، وتحمل المفسدة الأقل، ومن ذلك: أن الله تعالى أباح العرايا للحاجة، كما أباح بيع العقارات دون العلم بدواخل الحيطا ن والأساسات، وأباح بيع الدابة الحامل، دون العلم بما في بطنها، وهل سيولد حيا أم لا؟. ((فإن كانت هناك حاجة إلى العقد لم يؤثر الغرر مهما كانت صفة الغرر، وصفة العقد؛ لأن العقود كلها شرعت لحاجة الناس إليها، ومن مبادئ الشري عة العامة المجمع عليها، رفع الحرج {ا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الد ِينِ مِنْ حَرَجٍ 78] العقود التي هم في حاجة إليها، يجعلهم في حرج، ولهذا كان من عدل الشارع، ورحمته بالناس، أن أباح لهم العقود التي يحتاجون إليها، ولو كان فيها غرر))( 39.) قال ابن تيمية: ((منأصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما فهو إنما نهى عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما وفي المنع مما يحتاجون إليه من الب يع ضرر أعظم من ذلك فلا يمنعهم من الضرر اليسير بوقوعهم في الضرر الكثير بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو مخاطرة فيها ضرر أباحها لهم في العرايا للحاجة لأن ضرر المنع من ذلك أشد وكذلك لما حرم عليهم الميتة لم ا فيها من خبث التغذية أباحها لهم عند الضرورة؛ لأن ضرر الموت أشد ونظائره كثيرة))( 40) وقال أيضا: ((والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم؛ فكيف إذا كانت المفسدة منتفية ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح أباح الشرع ذلك))( 41). 38 ((مجموع الفتاوى 29/26.) 39 ((الغر وأثره في العقود)) للصديق الضرير (ص 600)، ط ثانية 40 ((مجموع الفتاوى 20/538،539.) 41 مج((موع الفتاوى 29/49.)
عدد الصفحات ١٣3 – الغررالذي يجيزه الشرع لمشقة التحرز منه . ذكرنا من قبل حكم الغرر اليسير والغرر الكثير، وقد أباح الله تعالى الغرر اليسير لأنه لا يكاد يخلو منه عقد بيع، أما الغرر الكثير فإنه يغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر(42). 4 – الغرر الذي يبيحه الشرع ترغيبا فعل الخير. من حكمة الشريعة أنها يسرت في فعل الطاعات النوافل أكثر من الفرائض؛ لأن الفرض يعاقب تاركه، أما النفل فلا عقاب على تاركه، فرغب الشرع فيها بالتخفيف من شروطه. فصلاة الفريضة الطائرة وه ي تطير، بل لابد أن تكون على الأرض الثابتة تحت قدمي المصلي. أما صلاة النافلة فهي صحيحة ولو كانت الدابة تسير أو الطائرة تطير. فعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عامر بن ربيعة أخبه، قال: «رأيت رسول الله صلى عليه وسلم وهو على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة»(43). وعن ابن عمر، قال«كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته، ح يث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل، إلا الفرائض ويوتر على راحلته »44). ومن حكمة الله تعالى أنه أباحالغرر في عقود التبعات بصورة أوسع منها في باب المعاوضات، لأن المعاوضات تبنى على المشاححه في الثمن والمثمن من جهتي البائع والمشتري، أما التبعات فهي عقود لا ينتظر فيها المتبع عوضا مقابل ما تبع به، كالهبة والعارية والقرض الحسن، والوصية، وغير ذلك. قال القرا في المالكي: ((فصل:وهو مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة ... وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة ... وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة : فالطرفان: 42 ((المنتقى)) للباجي5/41.) 43 رواه البخاري 1097)، وغيره 44 رواه البخاري 1000)، ومسلم700)، وغيرهما، واللفظ للبخاري
عدد الصفحات ١٤أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة وثانيهما: ما هو إحسان صرف، لا يقصد به تن مية المال، كالصدقة والهبة .. فإن هذه التصرفات إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئاا، بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، إما الإحسان الصرف، فلا ضرر فيه، فاقتضت حك مة الشرع وحثه على الإحسان، التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاا، وفي المنع من ذلك، وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له بعيره الشارد، جاز أن يجده، فيحصل له ما ينتفع به، ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئاا ... وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح، فهو من جهة أن المال فيه ليس مقصوداا ... ومن جهة أن صاحب الشرع اشترط فيه المال بقوله تعامْوَالِكُمْ24] ())...45). المبحث الثاحكم بعض العقود المشتملة على الغرر في الفقه. المسألة الأولى: حكم بيع السنين (المعاومة) يحرم بيع السنين (المعاومة) . و بيع السنين معناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين أو ثلاثة أو أكثر فيسمى بيع المعاومة وبيع السنين(46). ووجه الغرر فيه أنه بيع مجهول ومعدوم؛ لأن بيع الثمرة قبل وجودها بيع لمجهول ومعدوم وغير مقدور على تسليمه(47.) الأدلة أولا: من السنة. 1 - عن جابر بن عبد الله، قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة، والمزابنة، و المعاومة، والمخابرة - قال أحدهما: بيع السنين هي المعاومة - وعن الثنيا، ورخص في العرايا 45 ((الفروق1/151.) 46 ((شرح صحيح مسلم)) للنووي 10/193.) 47 ((شرح صحيح مسلم)) للنووي 10/193.)
عدد الصفحات ١٥" 2 - عن جابر، قال«نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع السن»، وفي رواية ابن أ شيبة: عن بيع الثمر سنين ثانيا: من الإجماع. ابن المنذر(48) وابن رشد 49) والنووي50) ثالثا: لأنه من بيوع الغرر الذي نهى عنه، وهو بيع ما لم يخلق، فلا يدرى أيكون أم لا؟ وإذا كان كيف يكون: كثيرا أو قليلا أم وسطا؟(51 ) رابعا: لأنه قد تحول دونه الآفات إن حصلت النخل، فلا يصل إلى المشتري شيء ينتفع به(52.) خامسا: لأنه بيع غير مقدور على تسليمه وغير مملوكللعاقد(53). وجه الغرر في بيع المعاومة يظهر وجه الغرر في بيع المعاومة في انه بيع ما لم يخلق، فلا يدرى أيكو ن أم لا؟. وإذا كان كيف يكون: كثيرا أو قليلا أم وسطا؟. وقد تحول دونه الآفات إن حصلت النخل، فلا يصل إلى المشتري شيء ينتفع به(54) المسألة الثانية: بيع الملامسة 48 قال ابن المنذر: ((وأجمع أهل العلم على أن بيع الرجل ثمر (10/60.) 49 قال ابن رشد: ((أما القسم الأول (وهو بيع الثمار قبل أن تخلق) : فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك، لأنه من باب النهي عن بيع ما لم يخلق، ومن باب بيع السنين والمعاومة)) ((بداية المجتهد)) (3/168.) 50 قال النووي: ((وهو باطل بالإجماع نقل الإجماع فيه بن المنذر وغ ه)) ((شرح صحيح مسلم)) (10/193) 51 ((الأوسط)) لابن المنذر10/60.) 52 ((الأوسط)) لابن المنذر10/60.) 53 ((شرح صحيح مسلم)) للنووي 10/193.) 54 ((الأوسط)) لابن المنذر10/60،61)
عدد الصفحات ١٦