المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الرحمة في التشريع الإلهي بين القرآن الكريم والكتب المحرفة دراسة تحليلية مقارنة

فادي بن محمود الرياحنة

صفحة ٣ من ٤

95 من سورة لقمان وغيرهما في القرآن الكريم، تستشعر تلك الرحمة والرأفة من خلال حديث الآيات عن النهج الدقيق الذي يجب على المسلم إتباعه في معاملة الوالدين ومعاشرتهما، خصوصًا حينما يكبران ويضعفان، قال تعالى: ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ( ﯓ ﯔ ﮱﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ وقال ]24-23الإ[ )ﯟﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ (: ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮇﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ .]15-14لقمان[ )ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ وضَّحت هذه الآيات وغيرها من آيات القرآن الكريم ما على فقد أذكر ذلك من خلال الأبناء من واجب الإحسان والرحمة بالوالدين، مظاهر الرحمة التالية: اللهالمظهر الأول: بر الوالدين واجب وقرين لعبادة بر الوالدين ليس أمرًا مندوبًا أو مباحًا في القرآن، بل هو واجب وقرين عبادته التي هي أهم الله تعالى حتى ولو كانا كافرين، فقد قرن اللهلعبادة ﮗ ﮘ (شيء في الوجود بالإحسان للوالدين في سورة الإسراء فقال: ومعنى قضى أي: أمر والأمر ]23الإ[ )ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ هنا يفيد الوجوب. تقديره: “وأوصيكم بالوالدين {قال الإمام الماوردي إحسانًا، والإحسان تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على .(((برهما” تفسير الماوردي، علي بن محمد بن محمد بن حبيب، النكت والعيون المحقق: السيد ابن ((( 85 /(عبدالمقصود بن عبدالرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت،

عدد الصفحات ٣٣

96 وليس ذلك فقط بل قرن شكره بشكرهما أيضًا في سورة لقمان فقال ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ( .]لقمان[ )ﮇﮃ ﮄ ﮅ ﮆ « :قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق قلت: قَدِمَتْ عليّ أمي S ا، فاستفتيت رسول S افي عهد رسول (((وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك المظهر الثاني: وجوب التواضع لهما والدعاء لهم بالرحمة: ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ (: في قوله قال ابن عاشور: “ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين )ﯟﯜ ﯝ ﯞ إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعًا يبلغ حد الذل لهما لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما. والقصد من ذلك التخلق بشكره على أنعامهما السابقة عليه.وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر (((عندما يعتريه خوف من طائر أشد منه إذ يخفض جناحه متذللاً”. المظهر الثالث: التحذير من أن يقع فيما يغضبهما. ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ (عند تفسير في قوله تعالى: يقول ابن عاشور: “وليس )ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ خاصة، وإنما المقصود النهي ) ﮪ(المقصود من النهي عن أن يقول لهما: عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوْجز كلمة، وبأنها غير دالة على أكثر من حصُول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم، فيفهم منه النهي مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأوْلى. ثم عطف عليه النهي عن رواه: مسلم أبو الحسن القشيري المسند الصحيح المحقق: محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء ((( 696 /(التراث العربي - بيروت 70 /(5 ابن عاشور، التحرير والتنوير (((

عدد الصفحات ٣٤

97 نهرهما لئلا يُحسب أن ذلك تأديب لصلاحهما وليس بالأذى. ثم أمر (((بإكرام القول لهما. والكريم من كل شيء”. تعاليباللهالمظهر الرابع: حرمة العقوق تصل إلي درجة حرمة الشرك ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ( عز وجل في سورة الأنعام: اللهيقول حيث جعل ]151الأنعام[ )ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ عقوقهما بمثابة الشرك به. « :S ا قال: قال رسول وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ، بالله! قالالله بأكبر الكبائر؟ وعقوق الوالدين . (((الزور المظهر الخامس: الرحمة في فتح باب التوبة للعاقين ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ (بقوله تعالى: عز وجل قد فتح بابًا عظيمًا من الله. يكون ]الإ[ )ﯭﯫ ﯬ أبواب الرحمة بعباده وهو باب التوبة لمن يقع في عقوق الوالدين حيث نلحظ أن هذا في التقرير الإلهي جاء بعد ذكر آيات البر وبعد فهذه بعض اشارات الرحمة التي تجلت في هذه الآيات ولا نغفل عما جاءت به السنة النبوية من الدعوة إلى الرحمة ليس فقط في حال فقال يا رسول Sحياتهما بل بعد مماتهما، فقد جاء رجل إلى النبي : هل بقي علي من بر أبواي شيء بعد موتهما أبرهما به ؟ قال: نعم الله خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنقاذ عهدهما وإكرام المرجع السابق ((( البخاري، حمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، الجامع المسند الصحيح، المحقق: محمد زهير بن ((( 0 /(ه4((ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، الطبعة: الأولى،

عدد الصفحات ٣٥

98 صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقي .(((عليك من برهما بعد موتهما وفي مقابل هذه الصورة العطرة نجد أن اليهود والنصارى قد حرفوا وبدلوا في هذا الجانب كغيره من جوانب التشريع عندهم. ثانيًا: انحراف مفهوم الرحمة بالوالدين عند اليهود: لقد نص القرآن الكريم على أن بر الوالدين شريعة مأمور بها في التوراة. ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ( تعالى: اللهقال فمن هنا علمنا أن بني إسرائيل قد أمروا بالبر والإحسان ]83البقرة[ )ﯡ إلى الوالدين ولم يؤمروا بقتل الابن الذي يسب والديه كما حرف بذلك وفي النصوص المنقولة الآتية من كتبهم أذكر ذلك الانحراف (((أحبارهم، على النحو التالي. الصورة الأولى: القتل لمن يسب أبويه. كل [حكمت التوراة بالقتل على من يسب أبويه، جاء في سفر اللاوي .((( ]إنسان سب أباه أو أمه فإنه يقتل، قد سب أباه أو أمه، دمه عليه وقد كان التقليد السائر عند اليهود في حالة عقوق الأبناء للوالدين أن يأتي الوالدان أو أحدهما - إلى شيوخ المدينة ويخبران بأن ولدهما معاند وسكير فيرجم. إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع [فقد جاء في سفر التثنية ، المستدرك عبدالله أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، انظر: النيسابوري، الحاكم محمد بن ((( على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، وانظر: أحمد بن حنبل، مسند أحمد، المحقق: السيد أبو المعاطي، عالم 7( /4،990 - (4(( .497 /(،57(6 رقم الحديث998ه4(9الكتب، بيروت الطبعة الأولى، .]تهابون كل إنسان أمه وأباه[ نص السفر علي وجوب بر الوالدين واحترامهما، إذ جاء فيه ((( 9 :(0 سفر اللاويين الإصحاح (((

عدد الصفحات ٣٦

99 لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما، يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلي شيوخ مدينته، وإلي باب مكانه، ويقولان لشيوخ مدينته: ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير فيرجمه جميع رجال (((.]مدينته بحجارة حتى يموت ولا شك أن مثل هذه الأحكام العنيفة غير موجودة أبدًا في القرآن مع التسليم بتحريم عقوق الوالدين أو التلفظ عليهم حتى باقل من ذلك بكثير من ألفاظ التضجر مما سبق الحديث عنه. الصورة الثانية: الوقوع في التناقض بين يهود اليوم وبين نصوص توراتهم المزعومة. يلاحظ أن فلاسفة اليهود الذين ذاع صيتهم في العصر الحديث أمثال « والي تفكيك الروابط الأسرية، ومن كلامهما: (أن الأسرة ليست من طبيعة المجتمع، .. وأن معرفة الجميل ليست واجبًا علي البنين لوالديهم (((.وليست السلطة الأبوية بأمر دائم أو لازم( وقد نقلت هذا الكلام لبيان أن تحريفهم في المنقول والمفهوم مستمر بين الماضي والحاضر، وذلك حسب مصالحهم ومقتضيات عصرهم. ثالثًا: انحراف مفهوم الرحمة بالوالدين عند النصارى: فبالرغم من وجود شواهد صريحة وواضحة في الدعوة إلى حسن معاملة الآباء والأمهات في الإنجيل. إلا إنه لم يسلم هو أيضًا من التحريف كباقي تشريعاتهم وفيما يأتي بيان هذا التحريف في صورتين اثنتين. : (( سفر التثنية الإصحاح: ((( أبو بكر، محمّد ثانِي، التّلمود وموقفه من الإلهيات عرض ونقد، رسالة دكتوراه، قسم العقيدة ((( ه4(8بالجامعة الإسلامية

عدد الصفحات ٣٧

100 الصورة الأولى: الرب في المسيحية يأخذ الأبناء بذنوب آبائهم إلى الجيل الثالث أو الرابع منهم. أن الرب في المسيحية يأخذ الأبناء بذنوب آبائهم التي لم يرتكبها الرَّبُّ طَوِيلُ [الأبناء فأين العدل واين التوبة وقبولها؟ ففي سفر العدد الرُّوحِ كَثِيرُ الإِحْسَانِ، يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَالسَّيِّئَةَ، لكِنَّهُ لاَ يُبْرِئُ. بَلْ يَجْعَلُ ذَنْبَ .(((]الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ إِلَى الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ الصورة الثانية: تناقض نصوص الإنجيل بين الأمر ببرهم والدعوة لبغضهم. ولكن هذا الكلام يناقضه ما (((]أكرم أباك وأمك[ جاء في إنجيل متى إنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ [جاء في إنجيل لوقا (((.]وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا فهو نص واضح في تعلم الكراهية والبغض للآباء والأمهات والأولاد والإخوة. وقد حاول بعض رهبانهم إيجاد مخرج لهذا التناقض منهم القس الدكتور منيس عبدالنور: “يقول: قصد المسيح بقوله: إن تابعيه يجب أن يبغضوا آباءهم وأمهاتهم معنى خاصًا، فكلمة .(4( أكثر من الناساللهالأقل أو التقدير الأقل، فإنه ينبغي أن يُطاع ولا شك أن هذا الرد ما هو إلا قول عار عن الصحة. كيف؟ والنص 8 :(4 سفر العدد اصحاح ((( 9 :(9 إنجيل متى اصحاح ((( 4 إنجيل لوقا اصحاح ((( عبدالنور، منيس، شُبهات وهميَّة حول الكتاب المقدس، كنيسة قصر الدوبارالإنجيلية، شارع (4( الشيخ ريحان، جاردن سيتي-مصر وانظر: حسني، يوسف محمد، خرافات التوراة والإنجيل، دار .(((-0م، الطبعة الأولى، ص006الكتاب العربي، دمشق،

عدد الصفحات ٣٨

101 فيه تصريح لا يحتاج إلى عبقري -فهو لم يقل يحبهم أكثر مني، بل قال يبغضهم- فأي كتاب سماوي هذا الذى يأمر أتباعه بكراهية آبائهم يأمر بإكرام وأمهاتهم ومعاملتهم بهذا الجفاء. وكيف لسيدنا عيسى .(((الوالدين وينقض ذلك منعه أحد أتباعه أن يذهب ليدفن أباه فلا شك أن هذا النص وغيره من النصوص التي تكشف تحريفهم لمفهوم القائل عن اللهالرحمة عامة وبمعاملة الوالدين بشكل خاص وسبحان .]82الن[ )ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ(كتابه الكريم: المطلب الثالث الرحمة في تشريع أحكام العقوبات في مقابل التشريعات الأخرى “عقوبة السرقة نموذجًا” أولً: الرحمة في تشريع عقوبة السرقة في القرآن. ينظر القرآن لحقوق الإنسان على أنها منحة إلهية، ليست منحة من مخلوق لمخلوق مثله، يمن بها عليه إن شاء أو يسلبها منه متى شاء، بل له بمقتضى فطرته الإنسانية، فهي تتمتع بقدر اللههي حقوق قررها كاف من إلهيبة والاحترام والقدسية فلا يتجرأ شخص على انتهاكها أو .(((الاعتداء عليها ومن هذه الحقوق حفظ المال، فمن يعتدي عليه بسرقة أو غيرها فان ﭟ ﭠ ( تعالى اللهالقرآن يعتبر ذلك جريمة يعاقب عليها، يقول 9 :(7 إنجيل لوقا اصحاح ((( الزحيلي، محمد، حقوق الإنسان في الإسلام، دراسة مقارنة مع الإعلان العالمي والإعلان ((( وانظر: الحقيل، سليمان بن عبدالرحمن، (((-(((الإسلامي لحقوق الإنسان. دار ابن كثير، ص 5(م ص999حقوق الإنسان في الإسلام، دار اشبيليا، الرياض

عدد الصفحات ٣٩

102 ﭮ ﭯ ﭰﭭﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ .]39-38المائدة[ )ﭽﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ولكن القرآن الكريم حين شرع مثل هذه العقوبات لم يغفل جانب الرحمة فيه، وفيا يأتي صورتان توضحان ذلك: الصورة الأولى: الرحمة في وضع شروط وضوابط دقيقة لتنفيذ حد السرقة فلا قطع في أيام المجاعة والفقر، ولا في قليل المال الذي لم يبلغ النصاب، ولا لمن يسرق ليقتات أو يسد رمقه.. وغيرها الكثير من الشروط التي فصل فيها الفقهاء وكلها تدل دلالة واضحة على أن الهدف من العقوبات في الإسلام ما هي إلا زواجر لحفظ الفرد والمجتمع لبقائه آمنا مستقرًا. الصورة الثانية: الرحمة في تشريع أبواب كثيرة لإسقاط العقوبة على السارق: إن من أعظم هذه الأبواب هو باب التوبة ترغيبًا لهؤلاء العصاة في ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ( تعالى: اللهالتوبة، يقول . قال ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية: ]المائدة[ )ﭽﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ عليه، أي: قبلت الله“أي: من تاب من السارقين من بعد السرقة تاب توبته ثم ذكر ابن عاشور رواية عن عطاء : إن جاء السارق تائبًا قبل .(((»سقط عنه القطعالقدرة عليه إذن فمع كون حد السرقة من العقوبات التي نص عليها القرآن الكريم إلا أن الرحمة هي السمة الأكثر وضوحا فيه مقارنة بالشرائع المحرفة. 94 /6 ابن عاشور، التحرير والتنوير (((

عدد الصفحات ٤٠

103 ثانيًا: انحراف مفهوم الرحمة في عقوبة السرقة عند اليهود لقد تأثرت الأبعاد الاجتماعية للعقوبة في المجتمع اليهودي بالقيم المختار- لذلك سادت اللهوالأعراف الاجتماعية وقولهم: إنهم -شعب القسوة والظلم عندهم وخاصة من قبل أصحاب رؤوس الأموال ومارسوها إزاء الضعفاء والفقراء مما حدا بهم إلى استعمال القوة المفرطة والتعصب في العقوبات التي نسبوها إلى التوراة بعد صياغتها بالشكل الذي يناسب وفيما يأتي صورتان من هذه الصور أنقلهما من خلال نصوص .(((واقعهم التوراة حيث ذكرت عقوبة السارق، وفيها تتضح القسوة والشدة التي كانت عندهم: الصورة الولى: أجازت التوراة قتل السارق. فبالرغم من أن جريمة السرقة هي جريمة متعلقة بجريمة مالية وليس في قتل أو إزهاق روح من الأرواح. إلا أن التورة أهدرت دمم إن وجد السارق وهو ينقب فضرب [السارق جاء ذلك في سفر الخروج .(((]ومات فليس له دم كما لوحظ أيضًا أن التوراة لم تضع تحديدًا معتبرًا بقيمة الشيء المسروق، فالعقوبة هذه تشمل أي سرقة سواء كانت معتبرة أو غير معتبرة. الصورة الثانية: تطالب التوراة التعويض بأكثر مما سرق الجاني أو يسترق ويصيح عبدًا للمجني عليه. يحكم على السارق في الشريعة اليهودية أن يرد خمسة أضعاف ما سرق من بقر أو أربعة أضعاف إذا كان المسروق غنمًا وربما يصل التعويض أحيانًا إلى سبعة أضعاف. ((-8 انظر : أبو زهرة، محمد، العقوبة في الفقه الإس ((( (( سفر الخروج اصحاح (((

عدد الصفحات ٤١

104 إذا[ففي الإصحاح الثاني والعشرين من سفر الخروج تقول التوراة سرق إنسان ثورًا أو شاة فذبحه أو باعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران .(((]وعن الشاة بأربعة من الغنم وتقضي الشريعة اليهودية -في نفس الوقت- ببيع السارق نفسه إذا لم يستطع التعويض، ويعطى ثمنه إلى صاحب الشيء المسروق جاء ذلك إذا وجد رجل قد سرق نفسًا من إخوته بني إسرائيل [في سفر التثنية (((.]واسترقه وباعه، يموت ذلك السارق، فتنزع الشر من وسطك ثالثًا: انحراف مفهوم الرحمة في عقوبة السرقة عند النصارى يعترض بعض نصارى اليوم على عقوبة السارق في القرآن الكريم وأن فيه وحشية وعنف لا يعرفونها هم في إنجيلهم، ولا يناسب مع العصر الذي نعيشه إلى غير ذلك من الشنشنة المعروفة عندهم وقبل الرد عليهم في المبحث القادم أنقل فيما يأتي صورتين من صور عقوبة السارق في إنجيلهم المكذوب. الصورة الولى: يعاقب الإنجيل بالرجم للسارق وعائلته: وخان بنو إسرائيل خيانة في الحرام، فأخذ [ فقد جاء في سفر يشوع عخان بن كرمي بن زبدي بن زارح من سبط يهوذا من الحرام، فحمي غضب الرب على بني إسرائيل... فقال يشوع لعخان مجدًا للرب إله إسرائيل، واعترف له وأخبرني الآن مإذا عملت. لا تخف عني إسرائيل وصنعت كذا وكذا، رأيت في الغنيمة رداء شنعاريًا نفيسًا، ومئتي شاقل فضة، ولسان ذهب وزنه خمسون شاقلاً، فاشتهيتها وأخذتها. وها (( سفر الخروج اصحاح ((( 4 سفر التثنية اصحاح (((

عدد الصفحات ٤٢

105 هي مطمورة في الأرض في وسط خيمتي، والفضة تحتها”. فقال يشوع ورجموه “كيف كدرتنا؟ يكدرك الرب في هذا اليوم!”. فقام بنو إسرائيل جميعًا بالنار، وأقاموا فوق عخان رجمة ورجموا عائلته وأحرقوهم (((]حجارة عظيمة إلى هذا اليوم. فرجع الرب عن حمو غضبه يقول القديس أثناسيوس الرسولي يحتج أنه كان غيورًا في الحروب، لكنه إذ ثبتت معصيته رجمه الشعب كله بالحجارة، وأخيرًا صار درسًا حيًا لكل الأجيال من جهة التزام المؤمن أن يبيد كل أثر للخطية في حياته دون مناقش لقد أباد يشوع بن نون كل (((أثر لعخان وكل ماله”. الصورة الثانية: الصلب حتى الموت أو الحرق بالنار للسارق وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة: هذا هو [ :(((جاء في إنجيل متى يسوع ملك اليهود حينئذ صلب معه لصان، واحد عن اليمين وواحد عن ويكون المأخوذ بالحرام يحرق بالنار هو وكل ما له، [ وفيه أيضًا ]اليسار . ]لأنه تعدى عهد الرب، ولأنه عمل قباحة في إسرائيل أما في تشريع القرآن فكل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها لا ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ( تعالى: اللهيتعداها لغيرها، قال .]164الأنعام[ )ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ 6/7 سفر يشوع اصحاح ((( /7 سفر يشوع اصحاح ((( 7/(7 إنجيل متى اصحاح (((

عدد الصفحات ٤٣

106 المبحث الثالث الرد على شبهة وحشية التشريع في القرآن الكريم في مقابل التشريعات الأخرى المطلب الأول مضمون الشبهة كثيرًا ما يثير اليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب الملل المختلفة، الشبهات حول الطبيعة « هذا المعنى، يستدل هؤلاء دائمًا بآيات القتال في القرآن وآيات الع بالعين لإثبات هذه المطلب الثاني وجوه بطلان الشبهة وللرد عليهم نقول: أولً: إن الرحمة العظيمة تكمن في تشريع القصاص كونه حياة للنفوس: )ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ( تعالى: اللهقال

عدد الصفحات ٤٤

107 في القصاص، وذلك لحثاللهفمدار هذه الآية على بيان حكمة . ]179البقرة[ النفوس على تقبل هذا الحكم لما فيه من المنفعة. إذ هو على خلاف ما يبدو للنظرة السطحية عند من يرونه موتًا فقط، فالتلويح بعقوبة القصاص العادل من القاتل يمنعه من اقتراف جريمته أصلاً، فيحظى بحياته ويفوز بروحه أولاً ثم يأمن المجتمع من جريمته ثانيًا، وفي هذا غاية الرحمة : وهذا النداء )ﯘ ﯙ(والعدل. ولذلك اختتمت الآية بقوله تعالى: إلى أصحاب العقول فيه اشارة إلى أن الحكمة من القصاص لا يدركها إلا أهل النظر الصحيح. ثانيًا: الرحمة في عدم تطبيق الحدود إل بعد اكتمال الشروط. إلا بعد تحقق شروط وضوابط اللهأي أنه لا يتم تنفيذ حد من حدود حسب تلك العقوبة وعلى هذا فانه لا عقوبة مع وجود أدنى شبهة، وهذا هو عين العدل في الحدود. ثالثًا: الرحمة في تشريع الأسباب الموجبة ل سقاط هذه العقوبة شرع الحدود شرع أيضًا أسبابًا متعددة لإسقاطها. ومن اللهفكما ان ﯠ ﯡ ﯢ (: أول هذه الأسباب وأعظمها “العفو” لقوله تعالى ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ (: الوارد في سياق قوله تعالى)ﯣ ﯤ ﯥ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ . فهذا ]45المائدة[ )ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ وكأن )ﯠ ﯡ ﯢ( له من ذنوبه بقدر ما عفا: اللهالذي يعفو يكفر والعفو بلا )ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ( العفو شيء يتصدق به: شك معناه إسقاط القصاص بدون عوض مادي أو معنوي وإنما ابتغاء وجه تعالى والدار الآخرة. الله رابعا: شريعة القرآن شريعة كاملة جمعت بين الرحمة والعدل.

عدد الصفحات ٤٥

108 فالقرآن الكريم قد جمع بين الرحمة والعدل في غاية الكمال، وفيما يأتي أمثلة واضحة لذلك: أ. ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ (قال تعالى: فهذا عدل واجب، من خرج عنه استحق ]92الن[ )ﭣ ﭤ ]92الن[ )ﭥ ﭦ ﭧ(العقوبة في الدنيا والآخرة، ثم قال: درجته.اللهفهذه رحمة مستحبة مندوب إليها، من فعلها رفع ب. فهذا عدل، ثم قال: ]45المائدة[ )ﯝ ﯞ (وقال تعالى: فهذه رحمة.]45المائدة[ )ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ( ج. ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ (قال تعالى: ﯫ ﯬ ﯭ ( فهذا عدل، ثم قال:]237البقرة[ )ﯨ ﯩ ﯪ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸﯹ ﯺ ﯻ فهذه رحمة. ]237البقرة[ )ﯼ ﯽ د. فهذا عدل، )ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ(قال تعالى: فهذه رحمة. ]126النحل[ )ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ(ثم قال: ه. ﮱ (فهذا عدل، ثم قال: )ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ (قال تعالى: فهذه رحمة، اذن فهذا هو ]40ال[ )ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ العدل وهذه هي الرحمة لا يفترقان في القرآن الكريم فأينما عز وجل في محكم كتابه الكريم اللهوجدت العقوبة العادلة اتبعها بباب من أبواب رحمته. وإياكم من المرحومين وأصلي وأسلم على النبي الأمي الله جعلني وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٤٦

109 الخـاتمة الأول والآخر، حمدًا يليق بعظمة جلاله، وحسن للهوبعد... فالحمد الذي رزقني فضل للهنواله وجماله، ويوافي نعمه، ويقابل كرمه؛ الحمد الاشتغال بآيات كتابه العزيز، ووفقني لإتمام هذا البحث، لأقف في نهايته مسجلاً أهم النتائج، فكانت على النحو التالي: الرحمة هي القاسم المشترك بين الديانات السماوية في أصل تنزلها، بقيت صافية نقية في القرآن، بينما طمستها يد التحريف في كتب اليهود والنصارى. بين البحث عظمة التشريع القرآني الذي جمع بين العدل والرحمة، يأمر بالقصاص ويتبعه بالعفو وكل ذلك في مقابل التشريعات المحرفة التي لوحظ أنها احتفظت ببعض مبادئ ورواسب الانتقام الفردي. للرحمة في القرآن الكريم قيمة عظيمة وواسعة، فلا تكاد تجد قضية تناولها القرآن إلا وكانت الرحمة علتها ومقصدها، سببها تعالى أنها اللهوغايتها، ومن أبرز ما يميز هذه الرحمة في كتاب الأرض الله لكتابه وستبقى إلى أن يرث اللهمحفوظة بحفظ ومن عليها.

عدد الصفحات ٤٧

110 تأثرت الأبعاد الاجتماعية للعقوبة في المجتمع اليهودي بالقيم المختار- لذلك سادت اللهوالأعراف الاجتماعية وقولهم: إنهم -شعب القسوة والظلم عندهم وخاصة من قبل أصحاب رؤوس الأموال ومارسوها إزاء الضعفاء والفقراء مما حدى بهم إلى استعمال القوة المفرطة والتعصب في العقوبات التي نسبوها إلى التوراة بعد صياغتها بالشكل الذي يناسب واقعهم. على الرغم من وجود بعض النصوص التي تتحدث عن الرحمة في التوراة والمزامير إلا أن هذه الرحمة والرأفة يفسّرها اليهود بأنها المختار.اللهخاصة بهم لا لغيرهم لانهم شعب أن ما جاءت به النصرانية لا يسمى بشرع سماوي، فالكثير منه هو تشريع كنسي من وضع القساوسة والرهبان وضعوه حسب مقتضيات الزمان والمكان ثم صادقت عليه مجامعهم الكنسية التي عدت قراراتها ذات قدسية ملزمة على كل نصراني. قد تبدو بعض الأحكام والتشريعات التي نزل بها القرآن الكريم شاقة وثقيلة على النفوس المطبوعة على الضعف والقصور. ولكن عز وجل العليم بعباده وبضعفهم، لم يكلف عباده عنتًا ولم يوقع الله الرحمة واللطف قرين تلك عليهم حرجًا في دينهم. بل جعل الأحكام المنزلة. الغاية من العقوبة في القرآن هي حماية الفضيلة، وحماية أبناء المجتمع من الانحراف، وجلب المنفعة العامّة للأفراد في المجتمع. وليس انتقامًاكما يتهم غيرنا الشريعة الإسلامية.

عدد الصفحات ٤٨