195 الرحمة في الت إعداد: أ. د. أسامة محمد منصور الحموي الأستاذ في قسم الفقه الإسلامي وأصوله كلية الشريعة في جامعة دمشق
عدد الصفحات ١196
عدد الصفحات ٢197 المقدمة رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله للهالحمد وصحبه أجمعين، المرسل رحمة للعالمين، من رب الرحمة، التي وسعت والقائل ]156الأعراف[ )ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ(رحمته كل شيء القائل: وبعد: ]107الأنبياء[ ) ﮆﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ (: Sعن نبيه فإنَّ من أهم السمات البارزة التي يتصف بها دين الإسلام فالرحمة ظلٌ وارف على كافة مبادئ الإسلام وتشريعاته وتعاليمه. والرحمة كتابه اللهصبغة ظاهرة في كل الأحكام الواردة في القرآن. ولقد أنزل ﭓ ﭔ ﭕ ﭒﭑ(الكريم هداية ورحمة للمؤمنين، قال تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ (: ، وقال ]لقمان[ )ﭛ ﭘ ﭙ ﭚﭗ ﭖ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ (: ، وقال ]النمل[ )ﭕﭔ . ]89النحل[ )ﭶ ﭷ ﭸ متصفٌ بالرحمة، فهو أرحم الراحمين، وخير الراحمين، وربنا ورحمته وسعت كل شيء، وفي الحديث القدسي رواه الشيخان. وبين عباده، بها أرسل رسله، وأنزل الله سببٌ واصل بين اللهورحمة
عدد الصفحات ٣198 ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮂ ﮃ ﮄ( تعالى: اللهكتبه، قال ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮐ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ . ]يون[ )ﮛﮗ ﮘ ﮙ ﮚ الرحمة مئة جزء، أنزل في اللهوجاء في الحديث الصحيح الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه بسبي، فإذا امرأةٌ الله قال: قدم رسول وعن عمر بن الخطاب من السبي تسعى، قد تحلَّب ثديها، إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته، « :S افألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول فالله وهي تقدر على أن لا تطرحه، قالوالله،ولدها في النار؟ أرحم بعباده من هذه بولدها ودين الإسلام رسالة خير ورحمة للبشرية كلها، دعا إلى التراحم، S عن النبيوجعل الرحمة من دلائل كمال الإيمان، فعن ابن مسعود ، كلنا رحيم، قال: اللهأنه قال « وأحكام الشريعة الإسلامية كلها رحمة، لأنها قائمة على قواعد رفع الحرج والتيسير، وقد عُرفت عند العلماء من القواعد في الرحمة: (المشقة تجلب التيسير( (إذا ضاق الأمر اتسع(. أخذًا من نصوص كثيرة، وردت ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ (في القرآن والسنة كقوله تعالى: . ]78الحج[ )ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ(. وقوله تعالى: ]185البقرة[ )ﯞ « :Sوقوله : S« :S بينَ أمرين إلا اختارَ أيسرهماالله«
عدد الصفحات ٤199 كما قامت أحكام الشريعة على مراعاة أعراف الناس، فالقاعدة المشهورة عند العلماء في هذا الأمر (العادة محكمة( رحمة بالناس وتيسيرًا عليهم، كما أنها تقوم على أساس مراعاة أعذار الناس، فحيث وجدت الأعذار وجدت معها الرخص: كالمرض، والسفر، والضرورة، والحيض، والنفاس، والإكراه، والخطأ، والنسيان. وكلها من وجوه الرحمة والتيسير على الناس في التشريع. كما لاحظت الشريعة التدرج بالناس في التشريع رحمةً بالناس، لأنه الأرفق والأوفق للتطبيق. كما أن العلماء لما استقرأوا أحكام الشريعة وجدوا أنه لا يوجد تكليف بالمستحيل، أو بما فيه مشقة فوق طاقة الإنسان، وهذا من أعظم وجوه ﯗ ﯘ ﯙ ( تعالى: اللهالرحمة في أحكام الشريعة الإسلامية، قال . ]286البقرة[ )ﯚ ﯛ ﯜ وقد عد علماء الأصول الحنفية من أنواع الرخص الشرعية، ما على الأمم الله من التكاليف الشاقة، التي افترضها اللهرفعه )ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ( تعالى: اللهالسابقة. قال . ]157الأعراف[ كما أن تعليل أحكام المعاملات برعاية مصالح الناس وقضاء حوائجهم من وجوه الرحمة في التشريع الإسلامي أيضًا. ونلحظ هذه الأمور في جميع أبواب العلم وفروع الدين، في العبادات، والمعاملات والحدود، والقصاص، وأحكام الأسرة، والقضاء، وأحكام الجهاد، ومعاملة الأسرى، والقضاء، وغيرها... وسوف يكتفي هذا البحث في التركيز على وجوه الرحمة في التشريع
عدد الصفحات ٥200 الجنائي الإسلامي، الذي يُتّهم من غير المسلمين من المستشرقين ودعاة حقوق الإنسان بأنه شديد، ويتعارض مع إنسانية الإنسان زورًا وبهتانًا، أو جهلاً بأحكامه، لأن الكتابة في وجوه الرحمة في كل التشريع الإسلامي يستوعب عدة مجلدات. أولًا: أهمية البحث: تأتي أهمية البحث من خلال النقاط الآتية: 1 .لم يكتب فيه أحد من الباحثين بشكل مستقل على ما أعلم 2 .يكشف البحث عن وجوه وصور الرحمة في أشد الأحكام في الشريعة الإسلامية، التي ظاهرها العذاب وباطنها فيه الرحمة. ثانيًاا: أسباب اختياره: 1 .للرد على المتهمين للإسلام بأنه يتعارض مع حقوق الإنسان في الفقه الجنائي بشكل علمي رصين. 2 .لبيان صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان وخصوصًا الفقه الجنائي. 3 .لبيان الكثير من المصالح التي يقصد الشارع تحقيقها من الفقه الجنائي، وخصوصًا تحقيق الأمن والأمان للناس في الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وهي من أعظم وجوه الرحمة، لعدم قيام حياة مدنية هانئة دونها. ثالثًاا: منهج الباحث: المنهج الاستقرائي التحليلي. سوف يتم استقراء أحكام الحدود والقصاص والتعازير، لاستخراج وجوه
عدد الصفحات ٦201 الرحمة، التي تتضمنها تلك الأحكام لدراستها وتحليلها، لبيان تلك الوجوه رابعًاا: مخطط البحث: المقدمة: مبحث تمهيدي: التعريف بالرحمة لغة واصطلاحًا،الألفاظ ذات الصلة. الفصل الأول: وجوه الرحمة في أحكام الحدود: المبحث الأول: درء الحدود بالشبهات. المبحث الثاني: منع إقامة الحدود على المريض والحائض والنفساء والحامل. المبحث الثالث: الترغيب بالتوبة والستر وعدم الإقرار بالجناية. المبحث الرابع: سقوط الحدود قبل ثبوتها عند القاضي بالعفو. المبحث الخامس: التشديد في إثبات جرائم الحدود. المبحث السادس: عدم إقامة الحدود على الأطفال والمجانين. المبحث السابع: عدم إقامة الحدود في الحالات التي يغلب فيها الهلاك. المبحث الثامن: توقي ضرب الوجه والأماكن المخوفة. الفصل الثاني: وجوه الرحمة في عقوبة القصاص (الإعدام( والدية: المبحث الأول: عدم تحتم القصاص في الإسلام. المبحث الثاني: قبول القصاص للسقوط بالعفو والصلح وموت القاتل وإرث القصاص.
عدد الصفحات ٧202 المبحث الثالث: موانع ثبوت القصاص المبحث الرابع: حضور ولي الدم إقامة القصاص. المبحث الخامس: وجوه الرحمة في الدية. المبحث السادس: دية المرأة نصف دية الرجل. المبحث السابع: سقوط حد الردة والحرابة بالقتل عن المرأة. الفصل الثالث: وجوه الرحمة في عقوبات التعازير: المبحث الأول: توقي ضرب الوجه والأماكن المخوفة في التعزير. المبحث الثاني: سقوط التعزير بالعفو والصلح. المبحث الثالث: إسقاط عقوبة التعزير عن ذوي الهيئات. المبحث الرابع: رد الاعتبار للجاني. خاتمة البحث: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات. فهرس يتضمن أهم المصادر والمراجع.
عدد الصفحات ٨203 التمهيد التعريف بالرحمةلغة واصطلاحًا والألفاظ ذات الصلة أولًا: تعريف الرحمة لغة: قال ابن منظور: الرحمة: الرِّقّةُ والتَّعطّفُ والرَّحمةُ: المغفرةُ. والرحمة: : اللهالرزق والغيث. والرحمة في بني آدم: رقّة القلب وعطفه. ورحمة (1(عطفه، وإحسانه، ورزقه ، (2(فالرحمة: من رحم يرحمه، رحمة ومرحمة، إذا رقَّ له، وتعطف عليه وأصل هذه المادة يدلُّ على الرقة والعطف والرأفة، وتراحم القوم: رحم بعضهم بعضًا. ومنها الرَّحِم: وهي عَلاقة القرابة. وقد تطلق الرَّحْمَة، ويراد بها ما تقع به الرَّحْمَة، كإطلاق الرَّحْمَة على (3(الرِّزق والغيث ثانيًاا: تعريف الرحمة اصطلاحًاا: . (4(وعرّفها الجرجاني في كتابه التعريفات بقوله (، 230/12(، ومادة: (رحم(،112/9 انظر لسان العرب لابن منظور، باب: الراء، مادة: (رأف(،( 1( .(233-230/32وتاج العروس للزبيدي، باب: الميم، فصل: الراء مع الميم، مادة: (رحم(، (. 224/3 انظر العين للفراهيدي، حرف الحاء، باب: الحاء والراء والميم معهما، مادة: (رحم(، (2( (،230/12(، ومادة: (رحم(،112/9 انظر لسان العرب لابن منظور، باب: الراء، مادة: (رأف(، (3( .(233-230/32وتاج العروس للزبيدي، باب: الميم، ف: الراء مع الميم، (. 146 التعريفات للجرجاني، باب: الراء، (الرحمة(، ص (4(
عدد الصفحات ٩204 « .(1(الرِّقَّة المجرَّدة، وتارة في الإحسان المجرَّد عن الرِّقَّة . (2(وقيل وقيل: هي أو تدرك بالحواس، أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر، أو يلامسها السُّرور حينما تدرك الحواس أو تدرك بالحواس أو يتصور . (3(الفكر وجود المسرة عند شخص آخر وقال ابن القيم العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من أوصل إليك مصالحك، ودفع المضار عنك، ولو شق عليك في ذلك، فمن رحمة الأب بولده: أن يُكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، . (4(ويرفهه ويريحه، فهذه رحمة مقرونة بجهل، كرحمة بعض الأمهات ثالثًاا: الألفاظ ذات الصلة: . الرحمة والتيسير: ( تعريف اليُسْرُ لغة (5(قليل التشديد أما في الاصطلاح (. 184/1 المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، كتاب: الراء، مادة: (رحم (1( .(24/26،]10الأحقاف[ التحرير والتنوير لابن عاشور، (2( .(2/3 العقيدة الإسلامية وأسسها لعبدالرحمن حبنكة الميداني، (3( (وما بعدها901/2 إغاثة اللهفان لابن القيم، (4( .(1065/2 المعجم الوسيط، باب: الراء، مادة: (يسر(،( 5(
عدد الصفحات ١٠205 ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال، S وسنة نبيهالله كما جاءت في كتاب ولا تميُّع يُحلِّل الحرام. ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع (1(الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه ويتبين من ذلك أن اليسر معنى من المعاني التي تشملها الرحمة. . الرحمة والرفق: 2 الرِّفْق ضد العنْف، وهو لين الجانب، رَفَق بالأَمر معنى الرفق لغةًا: وله وعليه يَرْفُق رِفْقًا، ومرفقًا: لان له جانبه وحسن صنيعه، ورَفُقَ يَرْفُقُ (2(ورَفِقَ لطَفَ ورفَقَ بالرجل وأَرْفَقه بمعنى: وكذلك تَرفَّق به معنى الرِّفق اصطلاحًاا: قال ابن حجر في تعريف الرِّفق (3(والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف وقال القاري (4(الأمر بأحسن الوجوه، وأيسرها وهذا أيضًا معنى من معاني الرحمة. . الرحمة والشفقة: 3 معنى الشَّفَقَة لغة رِقَّة مِنْ نُصْحٍ أو حُبٍّ، يؤدِّي إلى خوفٍ، والشَّفَقَة: َّفَق والشَّفَقَة: الش الاسم من الإشْفَاق.. وأَشْفَقْت عليه، فأنا مُشْفِق وشَفِيق. (. 7/1 اليسر والسماحة في الإسلام لفالح الصغير، (1( (، والمعجم الوسيط، باب118/10 انظر: لسان العرب لابن منظور، باب: الراء، مادة: (رفق(، (2( .(362/1الراء، مادة: (رفق(، (. 5677(، رقم449/10 فتح الباري لابن حجر، كتاب: الأدب، باب: الرفق في الأمر كله، (3( .(373/14 مرقاة المفاتيح للقاري، كتاب: الآداب، باب: الرفق والحياء وحسن الخلق، (4(
عدد الصفحات ١١206 الخوف، تقول: أنا مُشْفِق عليك، أي: خائف. وأنا مُشْفِق من والشَّفَق: هذا الأمر، أي: خائف. والشَّفَق -أيضًا- الشَّفَقَة، وهو أن يكون النَّاصح -من بلوغ نُصْحه- خائفًا على المنصُوح، تقول: أَشْفَقْت عليه أن يناله (1(مكروه، والشَّفِيق: النَّاصح الحريص على صلاح المنصوح (2( الرحمةُ والحنان. والشَّفَقَةُ الخوف من حُلول مكروه والشَّفَقَةُ: تعريف الشفقة اصطلاحًا: (3(قال الرَّاغب قال ابن القيِّم لمن يُخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرَّأفة إلى الرَّحمة، فإنَّها (4(ألطف الرَّحمة وأرقُّها (5(قال الجرجاني فالشفقة إذن نوع من ألطف أنواع الرحمة. . الرحمة والعفو: 4 معنى العفو لغة العفو: مصدر عَفَا يَعْفُو عَفْوًا، فهو عافٍ وعَفُوٌّ، والعَفْوُ هو التجاوزُ عن الذنبِ وتركُ العقابِ عليه، وأصلُه ا (6(أسقطته، كأنك محوته عن الذي عليه (، ومختار الصحاح، باب: 179/10 انظر: لسان العرب لابن منظور، باب: الشين، مادة: (شفق(، (1( .(354/1الشين، مادة: (شفق(، (. 487/1 انظر: المعجم الوسيط، باب: الشين، مادة: (شفق(، (2( .(263/1 المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، كتاب: الشين، مادة: (شفق(، (3( .(518/1 مدارج السالكين لابن القيم، (4( .(168 التعريفات، للجرجاني، باب: الشين، (الشفقة(، ص (5( (، والمصباح المنير، للفيومي،72/15 انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب: العين، مادة: (عفا(، (6( .(419/2كتاب: العين، مادة: (عفا(،
عدد الصفحات ١٢207 وقال الخليل وقد يكون أن يعفُوَ الإنسان عن الشَّيء بمعنى الترك، ولا يكون ذلك عن (1(استحقاق معنى العفو اصطلاحًاا: (2(« االعفو اصطلاحً (3(وقال الراغب (4(وقيل وهذا المعنى للعفو يعد من أبرز معاني الرحمة، وهو ظاهر في أحكام الشريعة، ولأن العفو من مراتب الإحسان. ومما سبق يتبن لنا أن كل الكلمات السابقة هي من وجوه الرحمة وأنواعًا لها، وكلمة الرحمة في اللغة والاصطلاح تشملها، فالعفو والشفقة واليسر والرفق كلها تدخل في معنى الرحمة. والرحمة تعمها، ولعل هذا من وجوه الإعجاز في القرآن الذي وصف هذا الدين وهذه الرسالة وأحكامها والنبي الذي جاء بها بالرحمة. (. 57/4 مقاييس اللغة، لابن فارس، كتاب: العين، مادة: (عفو(، (1( .(440/1 تحفة الأحوذي، للمباركفوري، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الوقت الأول من الفضل، (2( .(104/2 مفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، كتاب: العين، مادة: (عفا(، (3( .(518 التوقيف على مهمات التعريف للمناوي، ص (4(
عدد الصفحات ١٣208 الفصل الأول وجوه الرحمة في أحكام الحدود المبحث الأول درء الحدود بالشبهات من أعظم القواعد التي بنى الشارع الحكيم الحدود عليها، درء (1(الحدود بالشبهات إذ تمثل الحدود أكبر العقوبات لأعظم وأكبر الجرائم، التي تقع على الإنسان في دينه، ونفسه، وماله، وعرضه، وعقله. « :Sوقد قال النبي له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ (2(في العقوبة ويعد ذلك من أعظم وجوه الرحمة في التشريع الجنائي الإسلامي، ذلك لأن تطبيق تلك القاعدة من قبل القاضي كشرط لإثبات الحد، يؤدي أولاً إلى إقامة العقوبة على المجرم بشكل قاطع لا يشوبه أدنى شك، وثانيًا (. 203/1 انظر : الأشباه والنظائر، للسيوطي، (1( في سننه، أخرجه الترمذي في كتاب: الحدود عن رسول رواه الترمذي مرفوعًا وموقوفًا عن عائشة (2( (. قال الترمذي1424(، رقم33/4، باب: ما جاء في درء الحدود،S ا مرفوعًا، إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري... وقد روي نحو أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في Sهذا عن غير واحد من أصحاب النبي الحديث
عدد الصفحات ١٤209 يؤدي إلى إقامة الحدود في حالات قليلة جدًّا لأن الشبهات الدارئة للحدود كثيرة، وإقامة الحدود في أضيق نطاق كافٍ في تطهير المجتمع من الجريمة والمجرمين، وتحقيق الأمن والطمأنينة للمجتمع. وثالثًا يؤدي تطبيق هذه القاعدة إلى إسقاط الحدود عن بعض المجرمين مع وجود الشبهات، لأن العفو عن المجرم مع وجود الشبهات أقرب للعدالة من إقامة الحدود على البريء، لأن تطبيق الحدود مع وجود الشبهات قد يؤدي إلى إقامتها على البريء في بعض الحالات الأخرى. وهذا من أدق وجوه الرحمة في الشريعة الإسلامية، التي شرعت تلك العقوبات الكبرى والشديدة لمكافحة الجريمة، ومن هنا ينكشف زيف وخطأ المستشرقين ودعاة حقوق الإنسان الذين يصفون أحكام الشريعة بالشدة، التي تنافي الرحمة، ويصورون المجتمع الإسلامي بأكبر مجتمع تقام فيه العقوبات الشديدة (الحدود والقصاص(. ومعنى: فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة في الحديث السابق، يكشف عن هذه الحقيقة وهذه الحكمة؛ وتعني: أن يكون إنسانًا قد استحقّ العقوبة الْمُقدَّرة شَرْعًا، فيُخطئ الإمام فلا يُعاقبه، إذ درأ الحدّ بالشُبْهَة، خير للناس والقاضي من أن يُعاقِب إنسانًا على شُبهة حدّ؛ لأن من شأن هذا أن يُؤخذ الناس بالشُّبُهات، وأن يُعاقب من لا يستحقّ العقوبة. المبحث الثاني منع إقامة الحدود على المريض والحائض والنفساء والحامل اتفق الفقهاء على تأخير إقامة الحدود إذا لم تصل العقوبة إلى القتل حدًّا أو قصاصًا، على المريض إلى حين البرء، وعلى الحائض والنفساء،
عدد الصفحات ١٥210 وفي حالة البرد والحر الشديدين، وقالوا: يضرب الكبير في السن أو من شمراخ التمر ضربة واحدة، بدلاً من (1(المريض الذي لا يبرئ بعُثكول ضربه العدد الواجب في الحد، إذا كان جلدًا، لأن المقصود من العقوبة . كما يتقي الأماكن المخوفة والوجه في (2(الردع والزجر دون الهلاك والموت إقامة العقوبات الحدية، وكذلك في التعزير. كما لا يجوز تجريد المجرم ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ (من ثيابه. واستأنسوا لذلك بقوله تعالى: . (3(. في حالة الكبير والمريض الذي لا يبرئ]44�[ )ﭢ . (4(« :وبقول ابن مسعود والمد هو جعل الجاني مستلقيا على الأرض، والقيد هو تقييد يديّ الجاني أو يديه ورجليه، وأما التجريد فهو خلع ثيابه عنه. ، وإن كانت العقوبة قتلاً، (5(أما الحامل فلا يجوز إقامة الحدود عليها حفاظًا على حياة الجنين، لأن الإسلام قرر مبدأ عدم أخذ الغير بجناية الآخرين، ولأن الجنين في نظر الإسلام يعد إنسانًا كاملاً، يحرم الاعتداء على حياته، كما لا يؤخذ الولد بجريرة أحد والديه. فقد ورد في الحديث قال الشربيني في معنى العثكول (1( بإبدالها همزة مع ضم الهمزة وكسرها، ولا يطلق إلا على شمراخ النخل ما دام رطبًا، أما إذا يبس فهو عرجون، لا يتعين العثكال، بل يضرب به أو بالنعال أو بأطراف الثياب، كما صرح به في أصل (. 154/4الروضة، إن نازع البلقيني في الضرب بالنعال ( وما بعدها، ومواهب الجليل، للحطاب، 146/2 انظر: الفتاوى الهندية للشيخ نظام وآخرين، (2( (، وروضة الطالبين، 453/4(، والشرح الكبير، للدردير، 430/2( وحاشية العدوي، 398/8( .(264-134/10(، والمغني، لابن قدامة،153/4(، ومغني المحتاج، للشربيني،318/7للنووي، ( وما بعدها، والشرح الكبير، للدردير، 146/2 انظر: الفتاوى الهندية، للشيخ نظام وآخرين، (3( (،153/4(، ومغني المحتاج للشربيني، 161/4(، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري، 453/4( (، والضغث في الآية332/10والمغني، لابن قدامة، (. 297/1أضغاث (، ولفظه326/8 أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، (4( ولا صفد (، 260/4(، والشرح الكبير، للدردير، 147/2 انظر: الفتاوى الهندية، للشيخ نظام وآخرين، (5( .(134/10(، والمغني، لابن قدامة،213/13والحاوي الكبير، للماوردي،
عدد الصفحات ١٦