آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 17 "ؼَََرَغَ " الفراغُ خِلبؼُ الشْغؿ، وَقد فَرَغَ فَراغَاً وَ فُروغَاً وىو فَارِغُ، وقيؿ فارغاً أي خاليا إلا مف ذكر لقولو تعالى ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ))، و أفرغت الدلو صببت ما فيو ومنو أستعير ((أَفْرِغْ عَمَيْنَا صَبْرًا)) [البقرة : ٕٓ٘](1). "نَصَبَ: نَصْبُ الشيء وَضْعُوُ وضعاً ناتئاً كَنَصْبِ الرُّمحِ والبناءِ والحَجَرِ، والنّصيبُ الحِجَارَةُ تُنْصَبُ عمى الشيء، وجَمْعُوُ نَصائِبُ ونُصُبٌ بقولو تعالى ((وَمَا ذُبِحَ عَمَى النُّصُبِ )) [المائدة: ٖ] "وقد يقاؿ في جمعو أنصاب بقولو تعالى (والأنصاب والأزلاـ ) والنصيب الحظ المنصوب إلى المعيف ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ))(2)، مطموب إتباع الديف كي يصرؼ النفس في خموتيا ليمنع انحرافيا،وبخشوع القمب تخشع الجوارح حيث لا تساىـ ولا تشارؾ إلا في عمؿ الخير والصلبح، وكؿ ذلؾ لا يتحقؽ بدوف الاستقامة عمى الديف الصحيح الذي ارتضاه لنا رب العالميف، وا صرار الرجؿ القوي في قرارة نفسو بمنع النفس عف ىواىا ومنع حظّ الشيطاف. فيكوف مسيطراً عمييا لتحقيؽ مراده وما يتمنى، كؿّ ىذا يسيطر عميو إيمافُ القمب في صلبح الدنيا والنجاة في الآخرة. وا ذا انتييت مف أمور الدنيا فاتعب نفسؾ في طمب الآخرة والدعاء، واجعؿ ىمؾ ورغبتؾ فيما عند الله لتناؿ رضاه، ليمنحؾ ما كنت تتمناه بخمؽ السعادة والرضا في قموب الذيف ىـ مبتغاه، ليكوف جمعؾ قد تحقؽ ليـ، بتآلؼ القموب وتحقيؽ دعوة الناس إلى ديف التوحيد ونبذ ما كانوا يعتقدوف بو مف جيؿ وضلبؿ(3). ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ)) تفريؽ عمى ما تقرر مف التذكر بالمطؼ والعناية ووعده بتيسير ما ىو عسر عميو في طاعتو، أعظميا تبميغ الرسالة مف دوف ممؿ ولا ضجر، وفراغ الإنساف مجاز في إقحامو وما أف يعممو، ولـ يذكر ىنا متعمؽ (1) ينظر المفردات في غريب القرآف، 179. (2) ينظر المصدر نفسو،496. (3) ينظر صفوة التفسير، محمد عمي الصابوني، بيروت – لبناف، ط1،1406ىػ- - 1986ـ، 3/576.
عدد الصفحات ١٧ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 18 بػ(فرغت )، وسياؽ الكلبـ يقتضي أنو لازـ أعماؿ يعمميا ()، فمعناىا إذا أتممت عملبً مف مياـ الأعماؿ، فأقبِؿْ عمى عمؿ آخر، ويعمر أوقاتو في أعماؿ ليا شأف عظيـ عند مف ابتلبه ليناؿ رضاه، وتقديـ (فإذا فرغت ) عمى (فانصب) للبىتماـ بتعميؽ العمؿ عند فراغو، ثـ تتعاقب الأعماؿ . عُدّت ىذه الآية مف جوامع الكمـ القرآنية، لما احتوت عميو مف كثرة المعاني . ((وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ )) عطؼ عمى تفريع الأمر بالشكر عمى النعـ أمر بطمب استمرار نعـ الله تعالى عميو بقولو ((لَئِفْ شَكَرْتُـْ لأََزِيدَنَّكُـْ )) [إبراىيـ : ٚ]، رغبة طمب حصوؿ محبوب مف حبيبو (1). والأصؿ أف يعدّى إلى المطموب منو بنفسو وا لى الشيء المطموب بػ(في)، أما تعدية الفعؿ (فارغب ) ىنا بحرؼ (إلى) لتضمينو معنى الإقباؿ والتوجو، شبو ذلؾ بسير السائر إلى مف عنده حاجة، كقولو تعالى في إبراىيـ ( )((وَقَاؿَ إِنِّي ذَاىِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَيْدِينِي)) [الصافات: ٜٜ]، وتقديـ(إلى ربؾ ) عمى (فارغب ) لإفادة التخصيص إليو، لا إلى غيره تكوف رغبتؾ، إف الرسالة وما تضمنتو أعظـ صفات الخمؽ فلب يميؽ بصاحبيا أف يرغب غير الله تعالى،وحذؼ مفعوؿ (ارغب ) ليعـ كؿ ما يرغبو النبي ()، وىؿ يرغب إلا في نيؿ رضا الله وانتشار الديف ونصر المسمميف؟ و "الفاء" في قولو (فانصب) وقولو (فارغب ) رابطة لمفعؿ، لأف تقديـ المعموؿ يتضمف معنى الاشتراط والتقييد كما في قولو تعالى ((بَؿْ المَّوَ فَاعْبُدْ وَكُفْ مِفْ الشَّاكِرِيفَ )) [الزمر : ٙٙ]، و((وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ )) عطؼ عمى تفريع الأمر بالشكر عمى النعـ، أمرٌ بطمب استمرار نعـ الله تعالى والبناء عمى المطويات غير المصرّح بيا في ألفاظ السورة، ولكف يستطيع الفطف المبيب مف إدراكيا حتى كأنيا مذكورة صراحة، وقد تسمى مثؿ ىذه رمزية عمى الرغـ مف كونيا ذات عمؽ في التعبيرات القرآنية . (1) ينظر التحرير والتنوير، 30/416.
عدد الصفحات ١٨آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 19 والوصؿ تحقؽ بيف الآيتيف((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ )) "بوجود "واو" العطؼ التي ربطت بيف جممتيف إنشائيتيف لاتحادىما في الإنشاء، ولأف المطموب بيما مما يجب عمى الرسوؿ () أف يؤديو لخالقو ويختصو بو(1)" وأفضؿ السَّجْعُ ما تساوت فقره، ولا يحسف السَّجْعُ إلا إذا كاف رصيفَ التركيب، سميماً مف التكمؼ، خالياً مف التكرار في غير فائدة(2)، والكممتاف الأخيرتاف مف السَّجْعَتيف متفقة في الوزف وفي الحرؼ الأخير منيا (فآنصب، فآرغب ) وىذه مف المحسنات الجمالية المفظية عند البلبغييف في عمـ البديع. وفي قولو تعالى ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ )) فػ (إذا) (دخمت عمى شرط مجزوـ بوقوعو وتستعمؿ دائما في كتاب الله تعالى لما ىو مُحّقؽ الوقوع، ولذا يكثر دخوليا عمى الماضي)(3). خاتمــة ونتائــج تمخضت عف البحث نتائج نجمميا بما ىو آت: 1. جمّتْ ىذه الدراسة البلبغية في سورة الشرح، الوظيفة التعبيرية والتصويرية لظواىر بلبغية متنوعة وأساسية في نسيج ىذه السورة والكشؼ عف الدلالات التي مثمت طاقة فنية وجمالية تحتضف الأفكار والمعاني التي كاف ليا الأساس في صياغة الألفاظ، ففي ىذه السورة الكريمة كاف لاختيار المفظ وحسف التركيب، ومف ثـ اختيار أسموب التأثير في النفوس المخاطبة فضلبً عما امتاز بو مف حسف ابتداء وحسف انتياء غاية في الجماؿ. 2. المعاني كانت واضحة بمطابقة مقتضى الحاؿ وأثرت في العقوؿ وتلبىا تأثير في القموب، لاعتماد أسموب بلبغي يفيمو الذي ينتزع مف ذىنو صورة جذابة في تراكيب الألفاظ . وعف الصور المتعددة في عمـ البياف بأسموب جمع (1) جواىر البلبغة، 199. (2) ينظر البلبغة الواضحة، 359. (3) ينظر البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ المعاني، 262.
عدد الصفحات ١٩ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 20 الخطابة والعممية والأدبية وما تتضمنو مف كممات جزلة وقوية فضلبً عف التكرار والتنوع وجماؿ في الصورة، ورِقّة في التعبير ليتحقؽ مف ثـ البراعة في الإقناع وا يقاظ المشاعر وا رىاؼ الإحساس، فقد خرج الاستفياـ في بداية السورة عف طمب الإفياـ إلى إرادة التقرير والامتناف، والإطناب المحرؾ لمشوؽ تبعو إيضاح مؤكد لمفكرة مثبتاً ليا. 3. فف الاستيلبؿ البارز في افتتاحية السورة الكريمة لمربط بيف الصور والأفكار التي عولجت، فاستيلبؿ مُعجب يمفت النظر ويشوّؽ المتمقّي بشرح الصدر كبداية استيلبلية تلبزمت مع (فانصب) و (فارغب ) وىما متعمقتاف لإفادة الحصر والتخصيص بالتفرغ لمعبادة والطاعة وانحصار الرغبة في التوجو إلى الله وحده، وتجريد توحيده باستمرار دوف فتور أو انقطاع، فمتى قاـ بيذيف الأصميف حصؿ انشراح الصدر الذي خصو الله فيو . 4. استعماؿ ضمير المتكمـ لمتعظيـ، وىو ضمير الجماعة مع أف المتكمـ واحدٌ أحدٌ في (نشرح )،و (وضعنا) و (رفعنا ) للبشعار بأنيا منف عظيمة امتنّيا الله عمى رسولو (عميو الصلبة والسلبـ)، تناسب عظمة واىبيا، وللئطماع بتحقيؽ المنف الموعود بيا، بشكؿ مترابط ومتكامؿ وينعكس ذلؾ إيجاباً في تقبؿ وتحمؿ ما يعتري طريقو مف صعوبات وعقبات كانت الاختبار والبرىاف لمتقبؿ والارتياح . 5. توضحت أساليب البياف والبديع بوصفيا ظواىر بلبغية مف مَجازٍ واستعارة وكناية وسَجْعٍ تكاممت في تعبيرات قرآنية لأرفع درجات البلبغة مف غاية الحسف والتصوير، ولاسيما الاستعارة القرآنية باختيار كممات منتقاة مختارة لتحقيؽ روعة النّظْـِ، وتحقّؽ التقديـ والتأخير، بتقديـ المعموؿ عمى عاممو، جاء لإفادة التخصيص والحصر مع مراعاة الجماؿ ألتناسقي بيف الآيات والتلبؤـ في الفاصمة بيف الآيات لتكوف مف ثـ أكثر وقعاً في النفوس. من الله الت يق..
عدد الصفحات ٢٠آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 21 Surat Al-Shareh: A Rhetorical Study Ahmed Mahmood Azzo Salih Asst. Prof. Dr. Abdullah F. Al-Dhahir Abstract This rhetorical study of Surat Al -Shareh reveals the expressional and imaginative function of various rhetorical aspects that are basic in the structure of this sura. Meanings are clear and affect the minds and hearts together due to the use of a rhetorical style achieving creation in persuasion, wakening feelings and emotions. The sura starts with an extraordinary introduction making the reader eager for explaining the chest coinciding with the expressions “to have” and “to want”. They are interrelated to refer to specialization and dedicating time for Allah worship. Group speaker pronoun is clear while the speaker is one to indicate the many blessings given for the Prophet. Rhetorical styles, including metaphor and others integrated in Qur’anic expressions, in particular Qur’anic metaphor and coordination aesthetics among ayahs and coordination in intervals to be more affective in hearts. B.A. in Arabic/ College of Education/ University of Mosul. * Department of Arabic/ College of Arts/ University of Mosul.
عدد الصفحات ٢١