المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

في سورة الشرح دراسة بلاغية

أحمد محمود عزو صالح

صفحة ١ من ٢

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 1 في سورة الشرح: دراسة بلاغية احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر تاروخ التقدوم: 26/5/2008 تاروخ القبول: 30/7/2008 سورة الشرح سورة مكية بالاتفاؽ وعدد آياتيا ثماف سُمِّيت في معظـ التفاسير وفي صحيح البخاري وجامع الترمذي بسورة ((ألـ نشرح )) وسميت في بعض التفاسير سورة "الشرح " ومثمو في بعض المصاحؼ المشرقية تسمية بمصدر الفعؿ الواقع فييا مف قولو تعالى "ألـ نشرح لؾ صدرؾ " وفي تفاسير أخرى "سورة الانشراح " وقد عُدَّت الثانية عشرة في عداد السور. نزلت بعد سورة "الضحى" بالاتفاؽ وقبؿ سورة "العصر"(1). ثلبث منف أخرى بعد المنف الثلبث في سورة "الضحى" لذلؾ عَدّىما بعضيـ (الضُّحى والشَّرح) كالسورة الواحدة، قاؿ تعالى ((أَلَـْ يَجِدْؾَ يَتِيمًا فَآوَى(6) وَوَجَدَؾَ ضَالاِّ فَيَدَى(7) وَوَجَدَؾَ عَائِلبً فَأَغْنَى(8))) [الضّحى: ٙ-ٛ] والمنف في سورة الشرح التي امتنّيا الله عمى رسولو بتقريره بيا (الأولى) "بشرح الصدر ليتسع لموحي ولما سيمقاه مف قومو مف سيّء القوؿ وباطؿ الكلبـ الذي يضيؽ بو الصدر، ولـ يعد لو متنفّس عندما يضيؽ. "والثانية" وضع الوزر عنو () وا ف لـ يكف لو وزر حقيقة، لكنو يشعر بحمؿ ثقيؿ مف جراء ترؾ العبادة والتقرب إلى الله في عمره الذي سبؽ نزوؿ الوحي عميو، إذ عاش أربعيف سنة لـ يعرؼ فييا عبادة ولا طاعة".  بكالوريوس في المغة عربية / كمية التربية / جامعة الموصؿ.  قسـ المغة العربية / كمية الآداب/ جامعة الموصؿ. (1) تفسير التحرير والتنوير / محمد الطاىر ابف عاشور، الدار التونسية لمنشر، (د.ت)، 30/207.

عدد الصفحات ١

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 2 " فالأكثروف قالوا: بأف الشرح معنوي وىو إما نقيض العطف، بحيث لا يتأذى مف كؿ مكروه، وا يحاش يمحقو مف كفار قومو، فيتسع لأعباء الرسالة كميا ولا يتضجر مف علبئؽ الدنيا بأسرىا، وأما خلبؼ الضلبؿ والعَمَوْ حتى لا يرى إلا الحؽ، ولا ينطؽ إلا بالحؽ، ولا يفعؿ إلا لمحؽ، قاؿ المحققوف : ليس لمشيطاف إلى القمب سبيؿ وليذا لـ يقؿ "ألـ نشرح قمبؾ " وا نما يجيء الشيطاف إلى الصدر الذي ىو حصف القمب فيبث فيو ىموـ الدنيا والحرص عمى الزخارؼ، فيضيؽ القمب، لا يجد لمطاعة لذة، ولا للئيماف حلبوة، ولا للئسلبـ طراوة (1)." و((الثالثة)) رفع الذكر حيث قرف تعالى اسـ نبيّو باسمو، في التشيد، والأذاف، ويوـ الجمعة عمى المنابر، ويوـ الفطر، ويوـ الأضحى وفي خطبة النكاح، وفي مشارؽ الأرض ومغاربيا، وذلؾ الدىر كمو وما بقيت الحياة (2). توحي ىذه السورة بأف ىناؾ ضائقة كانت في صدر الرسوؿ ()، فكاف شرح الصدر ووضع الوزر، ورفع الذكر علبجاً شافياً لذلؾ تفضؿ بو عميو ربّو عزّ وجؿ، فكاف إتباع الناس لو واضحاً لأنو أشرحيـ صدراً، و أوضعيـ وزراً، وارفعيـ ذكراً، فقويت متابعتو (عميو الصلبة والسلبـ) بالعمـ والعمؿ والجياد لينصب ذلؾ في مجابية الواقع المثقؿ بيموـ إصلبح أحواؿ أىمو وأبناء عشيرتو، حيث تنامت ىمومو برغبات ممحة في شخصيتو الكريمة بضرورة الإصلبح، تجمى ذلؾ بتفكر وبتدبر جعؿ الجديّة أىـ وسيمة لمبحث عف الإصلبح بمنياج يسير عميو إرضاءً لخالقو الذي ابتلبه. وروي أنيـ قالوا : يا رسوؿ الله أينشرح الصدر؟ قاؿ : نعـ وينفسح قالوا: وما علبمة ذلؾ؟ قاؿ: التجافي عف دار الغرور، والإنابة إلى دار الخمود، والإعداد لمموت قبؿ نزولو، فقد مُمِيَء صَدْرُهُ حِكَماً وعِمماً، وقيؿ إنو انفتح حتى كاف يتسّع (1) تفسير غرائب القرآف ورغائب الفرقاف، نظاـ الديف الحسف بف محمد بف حسف النيسابوري، (ت 728ىػ)، دار الكتب العممية، بيروت، لبناف، ط1،1426ىػ- 1996ـ،6/522. (2) ينظر معارج التفكر ودقائؽ التدبر، عبد الرحمف احمد حبنّكو الميداني، دار القمـ، دمشؽ، ط1،1420ىػ- 2000ـ،1/587.

عدد الصفحات ٢

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 3 لجميع الميمات، لا يقمؽ ولا يضجر ولا يتغير بؿ ىو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر (1). كانت رسالتو للئنسانية أجمع في قولو تعالى : ((وَمَا أَرْسَمْنَاؾَ إِلاَّ رَحْمَةً لِمْعَالَمِيفَ )) [الأنبياء: ٚٓٔ]وكاف(عميو الصلبة والسلبـ) المنذر والمبمّغ والقدوة، وتعدّى ذلؾ إلى ربط محبة الله بإتباعو بقولو تعالى: ((قُؿْ إِفْ كُنْتُـْ تُحِبُّوفَ المَّوَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُـْ المَّوُ وَيَغْفِرْ لَكُـْ ذُنُوبَكُـْ وَالمَّوُ غَفُورٌ رَحِيـٌ )) [آؿ عمراف : ٖٔ] ونحف بنظرة تحميمية شاممة لمظواىر البلبغية في نسيج ىذه السورة بوصفيا لوحة كاممة متكاممة بنسيج رائع يجذب القارئ لمعرفة الأفكار والمعاني التي تضمنتيا وتقبؿ ذلؾ بحيوية وقوة تأثير في المتمقي في آف واحد لمناحي الفف والجماؿ في بنية ىذه السورة التي نزلت عمى صدر رسوؿ الله () لشرحو ورفع الوزر عنو وتبشيره باليسر الذي يزيؿ العسر ميما بمغ، وتصويرىا لحالو بتحمؿ المشقة والبلبء والإيذاء فإعانة الله ىي المنقذ والداعـ لضماف النجاح وتحقيؽ اليدؼ. تحليل السورة بلاغياً سنعمد قبؿ تحميؿ السورة بلبغياً عمى إيراد نصيا الكريـ أولاً، وتحديد الظواىر البلبغية فيو ثانياً، ومف ثـ توزيعيا إلى عموميا الثلبثة "المعاني والبياف والبديع" التي تشكؿ لحمة البلبغة وسداىا، ونوضح النسيج المترابط والمحكـ في ألفاظيا ومعانييا عمى نحو معجز في الفف والجماؿ. بسم الله الرحمن الرحيم ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ (1) وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ (3) وَرَفَعْنَا لَؾَ ذِكْرَؾَ (4) فَإِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ(8) )) [الشرح : ٔ – ٛ] (1 )ينظر الجامع لأحكاـ القرآف، لأبي عبد الله محمد بف أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العالمية، بيروت – لبناف، ط1،1408ىػ- 1988ـ،20/70.

عدد الصفحات ٣

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 4 أ. المعانــي: 1. الاستفياـ التقريري للبمتناف والتذكير بنعـ الله الرحمف في ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )). 2. بلبغة الوصؿ المتحققة بواو العاطفة بيف الآيتيف((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ * وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ )) وبيف ((الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ * وَرَفَعْنَا لَؾَ ذِكْرَؾَ )) و ((فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ )). 3. الإطناب للئبياـ المحرؾ لمشوؽ تمثؿ في زيادة ((لؾ)) و ((عنؾ)) في الآيتيف ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ * وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ ))، وىو زيادة المفظ عمى المعنى لفائدة. 4. التنكير لمتخفيـ والتعظيـ في((إِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) نكر اليسر لمتعظيـ كأنو قاؿ: يسراً عظيماً . 5. الإطناب بتكرير الآية ((فَإِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) لتقرير معناىا في النفوس وتمكينيا في القموب. 6. التقديـ والتأخير في قولو تعالى((وَا ِلَى رَبِّؾَ فَارْغَبْ )) لإفادة الاختصاص إليو لا إلى غيره . ب. البيــان: 1. المجاز المفرد بالاستعارة لإيضاح أمر يجيمو المخاطب، بذكر شيء آخر كاف وقعو في النفس أشد ومنزلتو في البلبغة أعمى في قولو تعالى ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )). 2. الكناية عف الإنعاـ عميو في((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )). 3. الاستعارة التمثيمية في ((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ )) شبّو الذنوب بحمؿ ثقيؿ يرىؽ كاىؿ الإنساف ويعجز عف حممو بطريقة الاستعارة التمثيمية. 4. المجاز العقمي مف خلبؿ إسناد((أنقض)) إلى الوزر في ((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ )).

عدد الصفحات ٤

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 5 5. الكناية الرمزية بتعدد الموازـ، فكاف التعبير غير المباشر بذكر الكلبـ، قصد بو لوازمو الفكرية في ((فَإِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )). 6. الأستعارة في ((وَرَفَعْنَا لَؾَ ذِكْرَؾَ )). ج. البدوــع: التورية في فعؿ (وضعنا) بذكر المتكمـ لفظاً مفرداً لو معنياف أحدىما قريب، دلالة المفظ عميو ظاىرةً، والبعيد دلالة المفظ عميو خفية. 1. السَّجْعُ المرصَّع في فواصؿ الآيات(صدرؾ، وزرؾ، ظيرؾ، ذكرؾ )، وتكرر السَّجْعُ في الآيتيف ((فآنصب، فآرغب )). 2. الجناس غير التاـ بيف لفظ((العسر))((اليسر)). (( أَلأَممْ أَ مْرأَ مْ لأَ أَ أَ مْرأَ أَ )) الشرح (بسط المحـ ونحوه، يقاؿ شرحت المحـ وشرحتو، ومنو شرح الصدر أي بسطو بنور اليي وسكينة مف جية الله وروح منو ) ((قَاؿَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)) [طو: ٕ٘] .و((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )) وشرح المشكؿ مف الكلبـ بسطو وا ظيار ما يخفى مف معانيو(1). وقيؿمعنى شرح الصدر : ىو توسيعو لممعرفة والإيماف ومعرفة الحؽ وجعؿ قمبو الوعاء الذي يحتوي الحكمة بمعناىا القرآني في قولو تعالى ((يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَفْ يَشَاءُ وَمَفْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَْلْبَابِ )) [البقرة : ٜٕٙ]، وقولو تعالى((شَرَحَ المَّوُ صَدْرَهُ لِلئِْسْلبَـِ )) [الزمر : ٕٕ] لقد شيد القرآف بأف الشرح ىو الانشراح والارتياح بؿ الاطمئناف كنتيجة حتمية لاستقرار الإيماف والمعرفة وشرح الصدر يقابؿ بو كؿ الصعاب وأنواع الابتلبء وبو يبدأ لأىميتو، فبيف تعالى أف مف دواعي انشراح الصدر وا نارتو ما (1) المفردات في غريب القرآف، الراغب الأصفياني، دار المعرفة، بيروت – لبناف، ط5، 1428ىػ- 2007ـ،261.

عدد الصفحات ٥

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 6 يتكوف فيو مف رفقة وحكمة وتيسير يساعد في تمقي تمؾ الأنوار الإليية بوحيٍ لقولو تعالى ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْؼِ وَأَعْرِضْ عَفْ الْجَاىِمِيفَ [ ))الأعراؼ : ٜٜٔ] وأختص الانشراح بالصدر لما لو مف أىمية في استقرار الإيماف ودفع حظ الشيطاف كما في قولو تعالى ((الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ )) [الناس: ٘]، ففي ذلؾ علبج ورد لمكايد الشيطاف وما يخمقو مف الوسوسة لمحيمولة دوف ذكر الله والتجمؿ بالصبر لتحمؿ أذى المشركيف بمكة وعمى مخادعة المنافقيف في المدينة، (ألـ) إنشاء طمبي فيمزة الاستفياـ لطمب التصديؽ وا دراؾ وقوع نسبة تامة مف المسند والمسند إليو أو عدـ وقوعيا بمعنى إدراؾ موافقتيا لما في الواقع أو عدـ موافقتيا لو، يكثر التصديؽ في الجمؿ الفعمية ويقؿ في الجمؿ الاسمية، وقد ترد أيضا لمتصور بالنسبة لممفرد (1)، فالاستفياـ التقريري ورد لتقرير الإثبات، فقولو تعالى (ألـ نشرح ) بمعنى قد شرحنا، فينا حمؿ عمى نوف التعظيـ لأف عظمة المنعـ تدؿ عمى عظمة النعمة، ولـ يقؿ ((ألـ أشرح )) بصفة المفرد، وا نما عمى نوف الجمع تعظيماً ليذه النعمة. فمعنى ذلؾ كأنو تعالى يقوؿ لـ أشرحو وحدي بؿ أعممتُ ملبئكتي بيذا الشرح، وأنت ترى الملبئكة حواليؾ وبيف يديؾ ليقوى قمبؾ، ونشرت دعوتؾ ليداية الناس لرسالة كمفت بيا وأنت منشرح الصدر بعد ضيقو، والسؤاؿ (لِـَ قاؿ: (ألـ نشرح لؾ صدرؾ ) ولـ يقؿ ألـ أشرح صدرؾ؟ (والجواب) مف وجييف (أحدىما) كأنو تعالى يقوؿ لاـ بلبـ، فأنت إنما تفعؿ جميع الطاعات لأجمي، كما قاؿ (ليعبدوف، أقـ الصلبة لذكري ) فأنا أيضاً جميع ما أفعمو لأجمؾ، و (ثانييا) أف فييا تنبيياًََ عمى أف منافع الرسالة عائدة إليو (عميو الصلبة والسلبـ). كأنو تعالى قاؿ: أنما شرحنا صدرؾ لأجمؾ لا لأجمي )(2)، فكاف التحقيؽ في سورة الاستفياـ وتبنّيو لمخاطَب وحثّ لو عمى تدبر الأمر. (1) جواىر البلبغة في المعاني والبياف والبديع، أحمد الياشمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبناف، ط12،(د.ت)، 87. (2) التفسير الكبير، الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبناف، ط4،1422ىػ- 2001ـ،30/206.

عدد الصفحات ٦

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 7 إف إطلبؽ الشرح حقيقة عبر عنو بالمجاز الذي يساوي الحقيقة لأف الظاىر أف الشرح الحقيقي خاص بشرح المحـ، واف إطلبؽ الشرح عمى رضا النفس بالحاؿ أصمو استعارة نشأت عف إطلبؽ لفظ الضيؽ وما نجـ عنو عمى أساس حزيف بئيس، فجعؿ إزالة ما في النفس مثؿ شرح المحـ (1). فالمصدر(الشرح ) مراد بو الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقؿ والإدراؾ وشرحو كناية الإنعاـ عميو بما تطمح إليو نفسو الزكية مف الكمالات وا علبمو برضا الله عنو وبشارتو بما سيحصؿ مف نصر لمديف(2)، فقد حمؿ( ) راية ىذا الديف عالية دوف ىـ وغـ بنفس طويؿ إيجابي . وكاف الوصؿ واضحاً في قولو تعالى ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ * وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ )) (وبلبغة الوصؿ لا تتحقؽ إلا بػ "الواو" العاطفة فقط، دوف بقية حروؼ العطؼ لأف "الواو" لا تفيد إلا مجرد الربط وتشريؾ ما بعدىا لما قبميا في الحكـ، بخلبؼ العطؼ بغيرىا فإنو يفيد التشريؾ مع معنى أخر، كالترتيب والتعقيب في "الفاء" وكالترتيب مع التراخي في "ثـ" فالواو ىي الأداة التي تخفي الحاجة إلييا، ويحتاج العطؼ بيا إلى لطؼ في الفيـ ودقة في الإدراؾ، بخلبؼ العطؼ بغيرىا حيث يفيد مع التشريؾ معاني أخرى كالترتيب مع التعقيب في "الفاء" وكالترتيب مع التراخي في "ثـ" وىكذا باقي حروؼ العطؼ)(3). ومف الإطناب للئبياـ المحرّؾ لمشوؽ الذي يتبعو الإيضاح المؤكد لمفكرة والمثبت ليا كممة "لؾ" وىي زيادة في الآية لفائدة، إذ المساواة تقتضي أف يقاؿ "الـ نشرح صدرؾ " وقاؿ البلبغيوف ىذه الزيادة في ىذه الجممة وغيرىا تفيد الإبياـ أولاً فيتولد استشراؼ في النفس للئيضاح والتشوؽ . وتأتي عبارات "صدرؾ – ووزرؾ - ذكرؾ " لترفع الإبياـ وليرتوي ظمأ النفس لحصوؿ المعرفة بعد إثارة التشويؽ لتثبت بعدىا المعرفة، واستعماؿ ضمير (1) ينظر التحرير والتنوير، 30/408. (2) المصدر نفسو،30/408. (3) جواىر البلبغة، المعاني، البياف، البديع / 198.

عدد الصفحات ٧

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 8 المتكمـ"ضمير الجماعة" عمى الرغـ مف أف المتكمـ ىو الله الواحد الأحد في "نشرح " للئشعار بأف في ذلؾ منناً أمتنّيا الله عمى رسولو لتناسب عظمة واىبيا، وللؤطماع في تحقيؽ المنف الموعود بيا. (( أَ أَ أَ مْ أَ أَ أَ وِ مْرأَ أَ )) "الوضع أعـ مف الحطّ ومنو الموضع: قاؿ تعالى ((يُحَرِّفُوفَ الْكَمِـَ عَفْ مَوَاضِعِوِ )) [النساء: ٙٗ]، ويقاؿ في الحَمْؿِ والحِمْؿِ، ويقاؿ وضعت الحمؿ، فيو موضوع "(1) والوزر"وزر: الوزر: الممجأ الذي يمتجأ إليو مف الجبؿ والوزر الثقؿ تشبييا بوزر الجبؿ ويعبر بذلؾ عف الإثـ كما يعبر عنو بالثقؿ، قاؿ تعالى ((لِيَحْمِمُوا أَوْزَارَىُـْ كَامِمَةً )) [النحؿ: ٕ٘]، وقولو تعالى((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ )) [الشرح : ٕ]،"أي ما كنت فيو مف أمر الجاىمية فأعفيت بما خصصت بو عف تعاطي ما كاف عميو قومؾ"(2). وقولو تعالى((وَىُـْ يَحْمِمُوفَ أَوْزَارَىُـْ عَمَى ظُيُورِىِـْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُوفَ )) [الأنعاـ: ٖٔ]، فكاف المجاز والتوسع والتشبيو في ىذه الآية بمف يحمؿ ثقلبً عمى الظير وقولو () ...(( ومف سفّ في الإسلبـ سُنّةً سيّئةً فعمؿ بيا بعده كتب عميو مثؿ وزر مف عمؿ بيا ولا ينقص مف أوزارىـ شيء ))(3). وقاؿ ابو حيّاف(ىو كناية عف عصمتو () مف الذنوب وتطييره مف الارجاس )(4) فكلبـ أبف حيّاف يدؿ عمى العصمة، وميما يكف مف شيء فإف عصمتو مف الصغائر والكبائر بعد البعثة، أما قبؿ البعثة فيو معصوـ عنيا، وشَرْحُ صَدْرُهُ وَنَزْعُ حظِّ الشيطاف منو دليؿ عمى ذلؾ، قاؿ مجاىد ونحوه قاؿ الطبري وسفياف الثوري بأف الله قد غفر ذنوبو قبؿ الرسالة وما تأخر أي بعدىا لكنو () لـ يقترؼ الكبائر أبداً، والقوؿ في الصغائر دائرة بيف الجواز والمنع، فإف كانت جائزة ووقعت فيي لا تمس مقامو (عميو الصلبة والسلبـ) لوقوعيا قبؿ البعثة (1) المفردات في غريب القرآف، 540. (2) المصدر نفسو،536. (3) صحيح مسمـ، أبو الحسيف مسمـ بف الحجاج القشيري النيسابوري، 2/564. (4) أضواء البياف في إيضاح القرآف بالقرآف، 1/77.

عدد الصفحات ٨

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 9 والتكميؼ، فقد غفرت ذنوبو وحط عنو ثقميا وا ف لـ تقع ولـ تكف جائزة في حقو فيذا ىو المطموب(1). وفي الآية((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ )) إطناب، والإطناب زيادة المفظ عمى المعنى لفائدة، ولقد وقؼ العمماء وقفة تأمؿ أماـ نظـ الآية باحثيف عف أسباب الزيادة وعما تؤدي مف أغراض بيانيّة منيا الإيضاح بعد الإبياـ، وللئيضاح بعد الإبياـ أثر في النفس(2)،(ولـ يقؿ: وضعنا لؾ وزرؾ، للبستغناء بقولو : (عنؾ) فإنو في إفادة الإبياـ ثـ التفصيؿ مساو لكممة (لؾ) وىي في إفادة العناية بو تساوي كممة (لؾ) لأف فعؿ الوضع المعدّى إلى الوزر يدؿ عمى أف الوضع عنو فكانت الزيادة (عنؾ) إطناباً يشير إلى ذلؾ عناية بو نظير قولو: (لؾ) الذي قبمو، فحصؿ بذكر (عنؾ) إيفاء إلى تّعدية فعؿ (وضعنا) مع الإيفاء بحؽ الإبياـ ثـ البياف(3).) وتحقؽ الوصؿ بعطؼ ىذه الآية((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ )) عمى ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )) قاؿ عمماء البلبغة عمى الوصؿ بالواو بأنو أصعب أبواب البلبغة إذ لايضع كؿ واحد منيا موضعو إلا مف أُولي في فيـ كلبـ العرب فيما سميما وأعطي في إدراؾ أسراره حظاً وافراً، وىي أعظـ أبوابيا وأشكؿ أركانيا وبيا يعرؼ حسف المفظ والمعاني مف عدمو (4)، فتميز كلبـ الله وىو الأفضؿ لما وجد فيو مف حسف وفف وجماؿ وعذوبة في التعبير وورد ضمير المتكمـ (نا) في "ووضعنا" لعظمة المتكمـ وما تركو مف وقع عظيـ في النفوس وىو يمثؿ ضمير الجماعة مع أف المتكمـ واحد أحد في "نشرح – ووضعنا - ورفعنا ". (1) ينظر أضواء البياف في إيضاح القرآف بالقرآف، 1/77. (2) ينظر البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ المعاني، د .فضؿ عمي عباس، دار الفرقاف، عماف – الأردف، ط 1،1405ىػ- 1985ـ،373. (3) التحرير والتنوير، 30/364. (4) ينظر الإشارات والتنبييات في عمـ البلبغة، ركف الديف محمد بف عمي الجرجاني، دار الكتب العممية، بيروت – لبناف، ط1،1423ىػ- 2002ـ،101.

عدد الصفحات ٩

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 10 ((اللَّ وِ أَ نأَ أَ أَ مْر )) "أنقض" أي كسره حتى صار لو نقيض، ونقيض المفاصؿ صوتيا، وأىؿ المغة يقولوف أنقض الحمؿ ظير الناقة: إذا سمعت لو صريرا مف شدة الحمؿ، وكذلؾ سمعت نقيض الرحيؿ، أي صريره، فالوزر الحمؿ الثقيؿ، ووصفت ذنوب الأنبياء مع كونيا مغفورة لشدة اىتماميـ بيا وندميـ منيا وتحسرىـ عمييا، فإذا ذكروا ذنوبيـ أشتد غميـ وبكاؤىـ فوصفت بالثقؿ والنقض: صوت الأضلبع(1) . كاف() ينوء بحمؿ ثقيؿ عمى كاىمو لكنو زاده عزيمةً وا صراراً عمى التضحية لينجز عيد الله الذي أفترضو عميو بعد ضماف سلبمتو واف النصر قادـ لا محالة، كاف صادؽ الوعد، مؤتمناً، مخمصاً بيف أبناء عشيرتو وسموه "الصادؽ الأميف" واتجيت الأنظار نحوه عمى الرغـ مف انو كاف يقؼ بصلببة وبقوة ضد معتقدىـ فاحتقر أصناميـ. وا سناد الفعؿ "أنقض" إلى الوزر مجاز عقمي (حيث لا يكوف في الكممة نفسيا، فالكممة لـ تخرج فيو عف وضعيا المغوي، إنما يكوف في الإسناد، فيو إسناد الفعؿ أو ما في معناه إلى غير ما ىو لو)(2)،وتعديتو إلى الظير تبع لتشبيو المشقة بالحمؿ، وىو تمثيؿ بديع لأنو تشبيو مركب قابؿ لتفريؽ التشبيو عمى أجزائو، وفي الكلبـ استعارة تمثيمية فقد شبو الوزر والذنوب بحمؿ ثقيؿ يرىؽ كاىؿ الإنساف واستعمؿ في غير معناه الحقيقي، وا ف العلبقة بيف معناه المجازي ومعناه الحقيقي ىي المشابية في قولو تعالى ((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ )) (لابد أف يكوف كؿ مف المشبّو والمشبّو بو في الاستعارة التمثيمية صورة منتزعة مف متعدد )(3)، فالمشبّو الذنوب بالحمؿ الثقيؿ الذي ينقض الظير. وكاف لمسَّجْعِ اثر واضح في فواصؿ الآيات التي تضمنت (ظيرؾ - ذكرؾ ) وبما أف السَّجْع توافؽ الفاصمتيف في الحرؼ الأخير، وأف أفضمو ما تساوت (1) ينظر أضواء البياف في إيضاح القرآف بالقرآف، 1/77.0 (2) البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ البياف والبديع، د .فضؿ عمي عباس، دار الفرقاف، عماف – الأردف، ط 1،1407ىػ- 1987ـ،139. (3) البلبغة الواضحة البياف والمعاني والبديع، 126.

عدد الصفحات ١٠

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 11 فقره، ليكوف حميةً ظاىرة في الكلبـ بحيث لا تجد لبميغ كلبماً يخمو منو، وأبدعو ما جاء في القرآف وا ف قصرت سورُهُ وربما وقع في أوساط الآيات، وتسمى الكممة الأخيرة مف كؿ فقرة فاصمة وتسكف الفاصمة دائما في النثر لموقؼ، ولا يحسف السَّجْعُ إلا إذا كاف رصيف التركيب، سميماً مف التكمؼ، خالياً مف التكرار في غير فائدة(1). وتبيّف الفصؿُ واضحاً في الآيتيف((وَوَضَعْنَا عَنؾَ وِزْرَؾَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ )) وىو شبو كماؿ الاتصاؿ لأف الآية الثانية جاءت بياناً للؤولى، فوضحت كيفية الوزر وحصؿ امتزاج معنوي بينيما، والسّجْعُ المتوازي حاصؿ بيف الكممتيف الأخيرتيف مف السجعتيف إذ اتفقتا في الوزف وفي الحرؼ الأخير فييا ويعد ىذا مف المحسنات الجمالية المفظية عند البلبغييف، إذ يجعؿ الكلبـ سيلبً متميزاً بالحسف والجماؿ(2). إف قوة الأسموب وخموه مف التكمؼ، يجعؿ الكلبـ سيلبً مؤثراً، وفي كلبـ الله ما حسف لفظو، وأبتُدِع في نَظْمو، فأخذ عمماء البلبغة يقيسوف ذلؾ بالنثر الذي يرد في معظمو السَّجْعُ خاصة عندما يشتمؿ التشبييات الرائعة في سيولتو، وخموه مف التكرار . فكلبـ الله تعالى حَسُفَ فيو الجناس والتركيب (وىي تمثؿ سلبسة بناء الآيات القصار في ىذه السورة وتتابعيا بانسياب سيؿ عمى المساف، ليف في السمع، مؤثر في النفوس)(3)، فورد الجناس غير التاـ لاختلبؼ الكممتيف ((وزرؾ - ظيرؾ )) في أنواع الحروؼ. والعلبقة بيف المعنييف تشير إلى التقارب بأف الثقؿ والحمؿ يختص بو الظير، ولا يحسف السَّجْعُ إلا إذا كانت المفردات رشيقة، فالألفاظ خدـ المعاني، (1) ينظر المصدر نفسو،359. (2) ينظر معارج التفكير ودقائؽ التدبر، 1/602. (3) المصدر نفسو،1/602.

عدد الصفحات ١١

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 12 والسَّجْعُ المتوازي ورد في الكممات الأخيرة للآيات الأربع الأولى(صدرؾ – وزرؾ – ظيرؾ - ذكرؾ ). (( أَرأَ أَ مْ أَ لأَ أَ وِ مْرأَ أَ )) (روى مجاىد وقتادة ومحمد بف كعب الضحاؾ والحسف وغيرىـ أنيـ قالوا في ذلؾ حديث (لا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ مَعي ) وفيو حديث مرفوع، أبو يعمي وأبف جرير وأبف المنذر وأبف أبي حاتـ وابف مردويو وأبو النعيـ في الدلائؿ عف أبي سعيد الخدري () عف رسوؿ ا () قاؿ: إف ربؾ يقوؿ : أتدري كيؼ رفعت ذكرؾ؟ قمت: الله تعالى أعمـ، قاؿ: (إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي))(1). تكريـ وثناء في رفع ذكره (عميو الصلبة والسلبـ) في الملؤ الأعمى حيث قَرَفَ اسـ نبيو باسمو تعالى في كممة التوحيد (لا الو إلا الله محمد رسوؿ الله )، وذكره بيف الناس بصفات الكماؿ وأثنى عميو كثيرا في القرآف الكريـ، تبعو في الياـ الناس ومعرفتيـ بما جبمو الله عميو مف المحامد ومكارـ الأخلبؽ بقولو ()( إنما بعثت لأتمـ مكارـ الأخلبؽ )(2) .أحبّوُ الله واختصّوُ بما يجعمو ينفرد عف غيره مف الأنبياء والمرسميف، وورد في كتبيـ بالتبشير لو بيف صفوؼ الأمـ التي بعثوا فييا، وربط الله تعالى طاعتو بطاعة رسولو بقولو ((مَفْ يُطِعْ الرَّسُوؿَ فَقَدْ أَطَاعَ المَّوَ )) [النساء: ٓٛ]، فمو أف رجلبً صدّؽَ بالجنة والنار وكؿ شيء ولـ يشيد أفّ محمداً رسوؿ الله، لـ ينتفع بشيء وكاف كافراً . ثمة نمحظ الوصؿ بواو العطؼ بقولو تعالى ((الَّذِي أَنقَضَ ظَيْرَؾَ * وَرَفَعْنَا لَؾَ ذِكْرَؾَ )) والقوؿ في ذكر كممة (لؾ) مع (ورفعنا ) كالقوؿ في نظيرىا ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )) ففييا زيادة كممة (لؾ) والمساواة تقتضي أف يقاؿ: ورفعنا ذكرؾ (3)، فالإطناب توضيح بزيادة المفظ عمى المعنى لفائدة وكيؼ لا يكوف ذلؾ وكلبـ رب العالميف عربي مف حيث الأسموب، ومف حيث النظـ، فكانت الدقة في اختيار الألفاظ، فيو نياية البلبغة وأعمى طبقات البياف، وارفعيا عمودا وأكثرىا (1) فتح البياف في مقاصد القرآف، صديؽ بف عمي القنّوجي، دار إحياء التراث الإسلبمي، دولة قطر، 1410ىػ- 1989ـ،15/292. (2) رواه البييقي في السنف الكبرى، 10/192. (3) ينظر معارج التفكير ودقائؽ التدبير، 10/192.

عدد الصفحات ١٢

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 13 مدادا وفيو أسس الظواىر البلبغية بحؽ ومنو أخذ البلبغيوف وعمماء المغة، فيو المنيؿ والمرجع في كؿ ذلؾ (1). وفي عطؼ الجممة عمى الجممة بجامع ما، لابد ىناؾ مف رعاية الملبءمة والمناسبة في تقديـ بعضيا عمى بعض لئلب يخمو التنزيؿ عف أسرار معنوية، ودقائؽ بلبغية في الآيات القرآنية، يتفطف إلييا أىؿ البراعة والبلبغة، ويقصر عف إدراكيا مف لا حظوة لو في معرفة ىذه الصناعة البارعة ولابد مف أف يكوف لتقديـ المعطوؼ عميو عمى المعطوؼ وجوٌ يسوّغو، وا لا كاف كلبما لغوا مفرطاً خالياً مف ابسط الجوانب البلبغية(2). وعطؼ(وضعنا) و (رفعنا ) بصيغة المُضي عمى الفعؿ (نشرح ) بصيغة المضارع لأف (لـ) قمبت زمف الحاؿ إلى المُضي، فعطؼ عميو الفعلبف بصيغة المُضي لأنيما داخلبف في حيز التقرير، فمما لـ يقترف بيما الحرؼ(لـ) صّير بيما إلى ما تفيده (لـ) مف معنى المضي(3). ونجد في((وَرَفَعْنَا لَؾَ ذِكْرَؾَ )) زيادة كممة "لؾ" والمساواة تقتضي أف يقاؿ ورفعنا ذكرؾ كما جاء في ((أَلَـْ نَشْرَحْ لَؾَ صَدْرَؾَ )) فتتشوؽ النفس للئيضاح والتفسير، فتكوف المعرفة ثابتة بالتأكيد مع ما في "لؾ" مف تأكيد وتمكيف وا شعار بالتخصيص والتمييز، (لكف دخوؿ التأكيد في الكلبـ ليس أمراً حتماً، وا نما يكوف وروده عمى وجييف (احدىما) أف يكوف المعنى معموما في النفس لا يقع فيو شؾ، و(ثانييما) أف يكوف غير معموـ أو مشكوكا فيو، وما ىذا حالوُ، فالأولى تأكيده لإزالة احتمالو، ثـ التأكيد في الضمائر بالإضافة إلى الاتصاؿ والانفصاؿ عمى أوجو)(4)، ثـ انطبؽ ىنا تأكيد المتصؿ بمثمو في الاتصاؿ(لؾ ذكرؾ ). (1) البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ المعاني ، 373. (2) ينظر الطراز المتضمف لأسرار البلبغة وعموـ حقائؽ الإعجاز، يحيى بف حمزة العموي ، دار الكتب العممية، بيروت – لبناف، 3/311،(د.ت)، 146. (3) التحرير والتنوير، 30/362. (4) الطراز المتضمف لأسرار البلبغة وعموـ حقائؽ الإعجاز، 2/145

عدد الصفحات ١٣

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 14 (( أَإوِنلَّ مأَعأَ المْ ُسمْروِ يُسمْرًا * إوِنلَّ مأَعأَ المْ ُسمْروِ يُسمْرًا)) فرح الرسوؿ () واستبشر وقاؿ لأصحابو الكراـ ابشروا فقد جاءكـ اليسر (لَفْ يَغمِبَ عُسرٌ يُسريف )(1). قاؿ الفراء والزجاج (العسر المذكور بالألؼ واللبـ، وليس ىناؾ معيود سابؽ فينصرؼ إلى الحقيقة، فيكوف المراد بالعسر في المفظيف شيئاً واحداً، وأما اليسر فإنو مذكور عمى سبيؿ التنكير، فكاف أحدىما غير الأخر، وزيّؼ الجرجاني ىذا وقاؿ: إذا قاؿ الرجؿ إف مع الفارس سيفاً، إف مع الفارس سيفاً، يمزـ أف يكوف ىناؾ فارس واحد ومعو سيفاف )(2). عسر اتبعو يسراف، نعمة مف الله تعالى ولطؼ بحاؿ رسولو (عميو الصلبة والسلبـ) فكانت البشرى عمى قمبو وما حوى في صدر ضيّؽ، منحو الله الانشراح والانفتاح وكأنو قاؿ لو مع الشدة رخاء، ومع العسر يسر، ومع الضيؽ فرج، فكاف اليسر والفرج مرافقيف لو (عميو الصلبة والسلبـ) لتقوى عزيمتو بإيماف تحدى الصعاب وتمكف مف نشر دعوتو بيف أبناء عشيرتو وأبناء قومو لينقذىـ مف الظممات والضلبؿ إلى النور الرباني . وكاف للئطناب حظٌ في تكرير الآية ((فَإِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) لتقرير معناىا في النفوس والتمكيف في القموب، وتمثؿ الإطناب أيضاً في زيادة المفظ عمى المعنى لفائدة بأف العسر زائؿ لا محالة وأف الفرج وا زالة اليموـ واقع لا محالة (وقد تكرر العسر بمفظ المعرفة، وكرر اليسر بمفظ النكرة، ومف عادة العرب إذا ذكرتْ اسماً معرّفاً ثـ أعادتو، كاف الثاني ىو الأوؿ، وا ذا ذكرت أسماً نكرة ثـ أعادتو كاف الاسـ الثاني غير الأوؿ)(3). والسؤاؿ الذي يرد ما معنى التنكير في اليسر؟ وجوابو : التفخيـ، تأكيد جممة إف مع العسر يسراً للؤولى، فإف مع العسر يسراً ىو تأكيد الحكـ الذي (1) أخرجو الحاكـ، 2/825، عف الحسف البصري وصححو وقاؿ الذىبي : مرسؿ وقاؿ الحاكـ وقد صحت الرواية عف عمار وعمي رضي الله عنيما، يعني مف قوليما، 2/476. (2) التفسير الكبير، لمفخر الرازي، 32/208. (3) الجدوؿ في إعراب القرآف، محمود صافي، دار الرشيد، دمشؽ – بيروت، ط3،30/357.

عدد الصفحات ١٤

آداب الراػدون– العدد (55 ) 1429هـ/2008م 15 تضمنو الخبر ومف ثـ تحقؽ بثبوت التحاؽ اليسر بالعسر عند حصولو، وليكوف التأكيد مفيداً لترجيح أثر اليسر عمى أثر العسر، فكانت صيغة التثنية في قولو (يسريف ) كناية رمزية عف التغمب والرجحاف، وقد يكنى بيا عف التكرير المراد منو التكثير، كما في قولو تعالى ((ثُـَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْفِ )) [الممؾ: ٗ]، أي أرجع البصر كثيراً لأف البصر لا ينقمب حسيراً مف رجعتيف، وكقوؿ العرب لبيؾ، وسعديؾ، والتكرار ىنا يستمزـ قوة الشيء المكرر فكانت القوة لازِـَ لازـِ التثنية، وا ذا تعددت الموازـ كانت الكناية رمزية (1)، وكاف التعبير غير المباشر بذكر الكلبـ الذي يقصد بو لوازمو الفكرية، بأف الله تكفؿ لؾ تذليؿ العسر وما تلبقيو في دعوتؾ، دعوة التوحيد. والفاء فصيحة، تفصح عف كلبـ مقدر يدؿ عميو الاستفياـ التقريري ىنا، إي إذا عممت ىذا وتقرر، تعمـ أف اليسر مصاحب لمعسر، والتنكير لمتفخيـ والتعظيـ، ((إِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) نكر العسر لمتعظيـ، وكأنو يقوؿ يسراً كبيراً (2)، وجاءت (إفّ ) التي تدؿ في أصؿ وضعيا عمى التأكيد وأنيا تربط الجممة بما قبميا، بحيث لو أسقطت لذىب رونؽ النّظْـ، وأصبح الكلبـ مفككاً لا ميزة لو ولا روح فيو، ولو مع التأكيد فوائد وخصائص بحيث تحتاج إلى الشفافية في إدراكيا وا لى بصيرة وفطنة، وأوؿ مف نبّو عمى ىذه الحقائؽ عبد القاىر الجرجاني (رحمو الله ) ومع أنيا تسد مسد الفاء فتربط الجممتيف، إلا أنو يستفاد منيا في التوكيد (3). ومف الممكف عدّ الآية(إف مع العسر يسراً ) كناية وضعت المعاني في صورة المُحسّات، ولا شؾ أف ىذه خاصية الفنوف، فإف المُصوّر إذا رسـ لؾ صورة للؤمؿ أو اليأس بيرؾ وجعمؾ ترى ما كنت تعجز عف التعبير عنو واضحاً ممموساً (4)، وفي السورة الكريمة التعبير غير المباشر بذكر الكلبـ الذي يقصد بو (1) ينظر التحرير والتنوير، 30/416. (2) ينظر المصدر نفسو،30/416. (3) ينظر البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ المعاني، 93. (4) ينظر البلبغة فنونيا وأفنانيا، عمـ البياف والبديع، 267.

عدد الصفحات ١٥

ػـي سـورة الشـرح: دراسـة بلاغيـة احمد محمود عزو صالح و أ.م.د. عبدالله ػتحي الظاهر 16 لوازمو الفكرية في قولو تعالى ((فَإِفَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) ويعدّ بحؽ مف أبدع الكنايات. فيي كناية مبنية عمى لوازـٍ فكرية متعددة وأف ما تلبقيو مف ضيؽ وىموـ وتحديات زائمة بدعـ رباني وبتكفؿ إليي، وعده بأف النصر لابد أف يتحقؽ لؾ، بصبرؾ عمى تحمؿ الأذى وأساليب المكر والخداع (1). وبرز الجناس غير التاـ بيف لفظ(العسر) و (اليسر) لاختلبفيما في واحد مف أمور أربعة ىي : نوع الحرؼ، شكميا مف حركات وسكنات، عددىا، وترتيبيا والاختلبؼ ىنا ىو في نوع الحرؼ . وقاؿ بعضيـ "الفاء" لمتفريع الذي ىو مف قبيؿ تفريع الحكـ عمى الدليؿ في صورة الاستدلاؿ بالجزئي عمى الكمي، والتنويف في (يسراً ) لمنوعية، ولا إشكاؿ في الاستغراؽ، إذ لا يخمو المرء في حاؿ العسر عف نوع مف اليسر، واقمو دفع ما ىو أعظـ مما أصابو عنو، ويجوز أف يكوف التنويف لمتفخيـ أيضاً، ويكوف اليسر العظيـ المقارف لمعسر ىو دفع ذلؾ الأعظـ، وما مف عسر إلا وعند الله تعالى أعظـ منو وأعظـ(2). وكممة(مع) استعممت استعمالاً غير حقيقي ىنا، لأف العسر واليسر نقيضاف ومقارنتيما معاًََ مستحيمة، فتعيف أف المعيّة مستعارة لقرب حصوؿ اليسر عقب حموؿ العسر أو ظيور بوادره بقرينة استحالة المعنى الحقيقي لممعيّة، وفي العسر الخاص الذي تعرض لو النبي ()، يختمؼ ويتعارض مع ما في قولو تعالى ((سَيَجْعَؿُ المَّوُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )) [الطلبؽ:ٚ]، كونيا آية عامة في سورة الطلبؽ وأفّ لمبعدية فييا مراتب متفاوتة(3). (( أَإوِ أَا أَر * أَاإِوِلأَ رأَببِّ أَ أَ رمْ أَ مْ )) (1) ينظر معارج التفكير ودقائؽ التدبير، 1/602. (2) روح المعاني، شياب الديف محمود الآلوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبناف، ط1،1421ىػ- 2000ـ،30/544. (3) ينظر التحرير والتنوير، 30/413.

عدد الصفحات ١٦