المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج الإمام عبد الأعلى بن مسهر الغساني في الجرح والتعديل

رهام بنت يوسف بن محمد جودة

صفحة ٤ من ١٧

38 54. يزيد بن أَحْمَد، أبو عَمْرو السُّلَميُّ الفقيه الد مشقيُّ ، تُوُف ي سنة اثنتين وثمانين ومئتين(1). 55. محمد بن الوليد بن هبيرة الهاشمي، أبو هبيرة الدمشقي القلانسي (2)، مات سنة ست وثمانين ومئتين(3). 56. أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، أبو عبد ا الحضرمي البَتَلْهي (4)،تسع وثمانين ومائتين(5). 57. هارون بن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي(6)، توفي ما بين سنة (271- 280)(7). 58. هارون بن موسى بن شريك الأخفش أبو عبد الله التَّغلبيُّ الد مشقيُّ المقرئ، توفي في خامس صفر سنة اثنتين وتسعين ومئتين(8). 59. عبدالرحمن بن القاسم بن الفَرَج بن عبد الواحد، أبو بكر الهاشمي الدمشقي، المعروف بابن الرَّ واس. توفي ما بين سنة (291 - 300ه(9). 60. محمد بن عُبَيْد الله بن محمد، أبو سَلَمة الْجُمَحي الد مشقي . توفى سنة(323ه)ه(10). 61. أحمد بن همام بن عبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد ا بن أبي المهاجر ، أبو حدرد المخزومي(11) لم أجد له تاريخ وفاة 62. المنذر بن العباس بن نجيح القرشي الدمشقي (12)،لم أجد له تاريخ وفاة. 1) )الذهبي، تاريخ الإسلام (ج 6/852/ رقم 592.) 2) )القَلانِسيهذه النسبة إلى القلانس - جمع القلنسوة - وعملها، ولعل بعض أجداد المنتسب إليها كانت صنعته عمل القلانس. السمعاني، الأنساب (ج10/531/ رقم 3340.) 3) )ابن حجر، تقريب التهذيب (ص 512/ رقم 6376.) 4) )البَتَلْهينسبة إلى بيت لهيا من أعمال دمشق بالغوطة ينسب إليها أبو الحسن محمد ابن بكار بن يزيد بن بكار البتلهي الدمشقي. ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب (ج1/119.) 5) )ابن عساكر، تاريخ دمشق (ج 5/468/ رقم 229.) 6) )ابن حجر، تقريب التهذيب (ص 569/ رقم 7238.) 7) )الذهبي، تاريخ الإسلام (ج 6/635/ رقم 453.) 8) )المرجع السابق (ج6/1062/ رقم 543.) 9) )المرجع نفسه (ج6/975/ رقم 277.) 10) )المرجع نفسه (ج 7/482/ رقم 152.) 11) )ابن عساكر، تاريخ دمشق (ج 6/73 /308.) 12) )المرجع السابق ج60/295/ رقم 7648.)

عدد الصفحات ٥٠

39 المطلب الرابع: أقوال العلماء فيه، ومنزلته عند المحدثين لقد كان الإمام عبد الأعلى بن مُ سْ هِ ر محدث عصره، وشيخ الشَّ ام في العصر العباسي الأول، فكانت له مكانةً علميةً عظيمة عند العلماء والمحدثين، وكان بارعاً في علم حديث رسول الله ، فكان أهل زمانه ينهلون من علمه ويأخذون عنه ، وكان محل ثقة العلماء وتقديرهم. فقال فيه يحيى بن معين: "ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحداً أشبه بالمشيخة الذين أدركت من أبي مُ سْ هِ ر، والذي يحدث وفي البلاد من هو أولى بالتحديث منه فهو أحمق"(1)، وقال في موضعٍ آخر: "ثقة، وما رأيت ممن كتبنا عنه أفصح من أبي مُ سْ هِ ر وأبى الجماهر(2)"(3)، وقال أيضاً"مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ شَيْخُ الشَّامِ بعد أبي مُسْهِر"(4)، وقال ابن حبَّان "كَانَ يحيى بن معِين يفخم من أمره"، وقال أَحْمد بن أبي الْحوَاري: سَمِعت يحيى بن معِين يَقُول: "إِذا رَأَيْتنِي أحدث فِي بَلْدَة فِيهَا مثل أبي مُ سْهر فَيَنْبَغِي للحيتي أَن تُ حلق"(5)، وَقَال فيه أَبُو زُرْعَة الد مشقي: قال مُحَمَّد بْن عُثْمَان التنوخي: "ما بالشَّ ام مثل أبي مسهر"، وذكر أبا مُسْهِر، فَقَالَ: "كَانَ أحفظ الناس"، فقلت لَهُ: قال يَحْيَى بْن مَعِين: "منذ خرجت من باب الأنبار(6)، إِلَى أن رجعت، لمأر مثل أبي مُسْهِر". قال: صدق، وجعل يثني عليه" وَقَال يَحْيَى بْن مَعِين مرةً : "من ثبَّ ت أَبُو مُسْهِر من الشَّ اميين، فهو مُ ثَ بَّ تُ "(7) . وَقَالفي موضعٍ آخر "رأيت أبا مُسْهِر يحضر المسجد الجامع بأحسن هيأة فِي البياض، والسَّ اج والخف، ويعتم عَلَى شامية طويلة بعمامة سوداء عدنية"(8). 1) )ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (ج 6/29/ رقم 153.) 2)) محمد بن عثمان التنوخي، أبو الجماهر أو أبو عبد الرحمن الكفرسوسي، ثقة من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين وله أربع وثمانون. ابن حجر، تقريب التهذيب ( ص 496/ رقم 6135.) 3) )ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل ج6/29/ رقم 153.) 4) )أبو زرعة الدمشقي، تاريخه (ص 282.) 5) )ابن حبان، المجروحين (ج2/77/ رقم 627.) 6) )الأنبارمدينة معروفة، وهى حد فارس، وا ن ما سم يت بهذا الاسم تشبيهاً لها ببيت التاجر، الذي ينض د فيه متاعه، وهى الأنبار. وقيل الأنابير بالفارسي ة: الأهراء، سم يت بذلك لأن أهراء الملك كانت فيها، ومنها كان يرزق رجاله. عبد الله الأندلسي، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع (ج 1/197.) 7) )المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال ج16/374-375/3691.) 8) )المرجع السابق(ج 16/375/3691.)

عدد الصفحات ٥١

40 وقال في موضعٍ آخر سمعت أبا مُسْهِر يَقُول: قال سعيد بن عبد العزيز: ما رأيت أحسن مسألة منك بعد سليمان بن موسى"(1). وقال أبو حاتم "ثقة، وما رأيت ممن كتبنا عنه أفصح من أبي مُسْهِر وأبي الجماهير"(2)، وقال في موضعٍ آخر"ما رأيت أحدً ا في كورة من الكور أعظم قدراً ولا أجل عند أهلها من أبي مُسْهِر بدمشق وهشام الرَّ ازي (3) بالري، وكنت أرى أبا مُسْهِر إذا خرج إلى المسجد اصطف النَّ اس له يُ منة ويُ سرة يُ سلمون عليه، ويُ قبلون يده"(4). وقال أبو عبد الله الحاكم: "إمام ثقة(5)، وقال أبو يعلى الخليلي: "ثِقَةٌ، حَافِظٌ، إِمَامٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ "(6)، وقالالعجلي: "شامي ثقة"(7). وَقَال مُحَمَّد بْن عوف الحمصي(8) :"سمعت أبامُسْهِر يَقُول: قال لي سَعِيد بْن عبد العزيز: ما شبهتك فِي الحفظ إلا بجدك أبي ذُ رامة، ما كَانَ يسمع شيئا، إلا حفظه"(9). وقال مروان الطَّاطري: "أين أنا من أبيمُسْهِر؟ كان سعيد بن عبد العزيز يسند أبا مُسْهِر معه في صدر المجلس، وأنا بين يدي سعيد، في طيلساني عشرين رقعة" (10). وقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "كَانَ عِنْدَكُمْ ثَلاَثَةٌ أَصْحَابُ حَدِيثٍ: مَرْوَانُ، وَالْوَلِيدُ، وأبو مُسْهِر"(11). 1) )الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج 12/350/ رقم 5703.) 2) )ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (ج 1/287.) 3)) هشام بن عُبَيْد الله الر ازي الفقيه، الس ن يُّ، تُوُف ي سنة إحدى وعشرين ومائتين. الذهبي، تاريخ الإسلام (ج5/719/ رقم 458.) 4) )ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (ج1/291.) 5)) أبو عبد الله الحاكم، سؤالات السجزي له (ص157/ رقم 168.) 6) )أبو يعلى الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث (ج 1/265/ رقم 265.) 7) )العجلي، تاريخ الثقات (ص285/ رقم 916.) 8)) مُحَمَّدُ بنُ عَوْفِ بنِ سُفْيَانَ الطَّائِيُّ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُجَو دُ، مُحدثُ حِمْصَ، أَبُو جَعْفَرٍ الطَّائِي ، الحِمْصِيُّ. الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج12/613/ رقم 238.) 9) )المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (ج 16/374/ رق م3691.) 10) )المرجع السابق 11) )أبو زرعة الدمشقي، تاريخه (ص 384.)

عدد الصفحات ٥٢

41 وقال أبو داود"سمعت أحمد، يقول: رحم الله أبا مُسْهِر ما كان أثبته، وجعل يطريه" (1). وَقَال أَبُو الْحَسَنِ الميموني: وذكر يوماً ، يعنى: أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ - أبا مُسْهِر الشَّ امي، فَقَالَ: "كيس، عالم بالشَّ اميين، قلت: وبالنَّ سب؟ قال: نعم، زعموا" (2)، و قال في موضعٍ آخر: "ما كان أثبته، لم أر من بلادي أحداً يشبه بالمشيخة الذين أدركتهم من أبي مُسْهِر"(3)". وقال ابن حبَّان"كان إمام أهل الشَّ ام في الحفظ والإتقان ممن عنى بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وا ليه كان يرجع أهل الشَّ ام في الجرح والتَّ عديل لشيوخهم، وكان يحيى بن معين يُ فخم في أمره" (4). وقال الذَّهبي "من أَ جَ ل العلماء وأفصحهم وأحفظهم "(5)، وقال ابن حجر: "ثقة فاضل"(6). قلت من خلال أقوال العلماء تبين لنا أنَّهم أجمعوا على توثيق الإمام أبي مُسْهِر، وأنه إمامٌ، حافظٌ، وكان من أفصح العلماء وأحفظهم، وكان عالماً لأهل بلده في الجرح والتَّعديل، وأنسابهم رحمه الله تعالى. المطلب الخامس: مؤلفاته وكتبه. مع أنَّ الإمام أبو مُسْهِر عالماً جليلاً إلا أنه ليس له إلا كتاباً واحداً فقط، وهو نسخة أبي مُسْهِر، كما ذكرت بعض كتب التَّراجم(7)، وهذه النُّسخة تحتوي على48) حديثاً يرويها أبو مُسهر عن عدة رواة، وقد قام بتحقيق هذه النُّسخة مجدي فتحي السَّيد. 1) )الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج 12/350/ رقم 5703.) 2) )المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (ج 16/373/ رقم 3691.) 3) )ابن ابن المبرد الحنبلي، بحر الدم فيمن تكلم فيه الإمام أحمد بمدح أو ذم (ص93/ رقم 580.) 4) )ابن حبَّان، الثقات (ج8/408/ رقم 14130.) 5) )الذهبي، الكاشف (ج1/611/ رقم 3082.) 6) )ابن حجر، تقريب التهذيب (ص 332/ رقم 3738.) 7) )الذَّهبي، سير أعلام النبلاء (ج1/33 .)

عدد الصفحات ٥٣

42 المطلب السادسمحنته و وفاته. أولاً - محنة الإمام أبي مُسْهِر: بموت الأمين وتولي أخيه المأمون خلافة الدَّولة العباسية في الرُّبع الأول من القرن الثالث الهجري، تفشت البدع واستقوى أهلها بدعمٍ وا سناد من المأمون، الذي فتح المجال للبدع ونصرها، فنصر مذهب الجهمية والش يعة، حتى أن بعض البدع العملية التي لم تكن تُ عرف عند الخوارج والش يعة، ولا عند المرجئة ولا القدرية، ما أظهرها إلا المأمون، بمعنى أنه تنفست الفرق التي كانت تعمل ببدعها سراً فأظهرتها، بل صدرت بعض التَّ عليمات من الخلافة في تأييد بعض البدع أي بدع الأذكار والأعمال والعقائد وكثرة الدُّ عاة إلى غير سبيل الحق؛ لأن الجهمية والمعتزلة وسائر الفرق بدأت تظهر أعناقها وترفع راياتها وتستجلب النَّ اس أو تتنافس عليهم، ووقعت المحن وعلى رأسها محنة القول بِ خَ لْ ق القرآن، محنة الجهمية والمعتزلة، ومحنة الرَّ افضة، وفي هذا الوقت كَ فَّ ر النُّ اس بعضهم بعضاً، واستهووا الجه ال والر عاع أكثر من ذي قبل، وأطمعوا النَّ اس في أمور الدُّ نيا بالتَّ رغيب والتَ رهيب، حصل هذا بشكل واضح أيام المأمون حينما كانت وزارة الدَّ ولة بأيدي الجهمية والمعتزلة (1)، وممن تعرض لهذه المحنة في آخر حياته الإمام أبو مُسْهِر رحمه الله تعالى، حيث قال عليُّ بْن عثمان النُّفَيْلي : "كن ا عَلَى باب أَبِي مُسْهِر جماعةً من أصحاب الحديث، فمرض، فدخلنا عَلَيْهِ نَعودُه، فقلنا: كيف أنت؟ كيف أصبحت؟ قَالَ: في عافيةٍ راضيًا عَنِ اللَّه، ساخطًا عَلَى ذي القرنين، حيث لم يجعل السَّ دَّ بيننا وبين أهل العراق، كما جعله بين أهلِ خُراسان وبين يأجوج ومأجوج، قَالَ: فما كَانَ بعد هذا إلا يسيرًا حتى وافى المأمون دمشقَ، ونزل بدَير مُران(2) وبنى القُبَيْبة فوق الجبل، فكان يأمر بالل يل بجمرٍ عظيم فيوقَد، ويُجعل في طُسُوتِ كِبار، ويُدلي من عند القُبَيْبَة بسلاسل وحِبال، فتضيء لَ هُ الغُوطة(3)، 1) )ينظرناصر العقل، التعليق على شرح السنة للبربهاري (ج11/9). 2)) دير مُر ان: هو دير بنواحى الشام، وهناك عقبة المر ان، سم يت بذلك، لأنها تنبت شجراً طوالاً مستوية، تشب ه بالمر ان، ومر ان، بفتح الميم: موضع آخر، لكنه ليس بالشام، وهذا الدير على تلعة مشرفة على مزارع زعفران، ورياض حسنة، نزله الرشيد، وشرب فيه ، ودير مران على الجبل المشرف على كفر طاب قرب المعر ة، به قبر عمر بن عبد العزيز مشهور يزار به. البكري الأندلسي، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع (ج2/602)، صفي الدين الحنبلي، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ج2/576.) 3) )الغوطةهى الكورة التى منها دمشق، استدارتها ثمانية عشر ميلا، يحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها، ولا سيما من شماليها فإن جبالها عالية جدا، وتمتد فيها أنهار تسقى بساتينها، وتصب فضلاتها فى بحيرة هناك. صفي الدين الحنبلي، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع ( ج2/1005- 1006.)

عدد الصفحات ٥٤

43 فيُبْصرها بالل يل، وكان لأبي مُسْهر حلقة في الجامع بين العشاءين عند حائط الشرقي ، فبينا هُوَ ليلةً إذ قد دخل الجامع ضوء عظيم، فقال أبو مُسْهِر: ما هذا؟ قالوا: النَّ ار التي تُدَل ى لأمير المؤمنين من الجبل حت ى تضيء لَهُ الغُوطة، فقال: تَ َ أِّ رِّيع آيَةً تَعْبَثُونَ بْنُونَ بِّكُل وَتَتَّخِّذُونَ مَصَانِّعَ لَعَلَّكُمْ تََْلُُُونَ  [128-129]. وكان في الحلقة صاحب خبر للمأمون، فرفع ذَلكَ إلى المأمون، فحقدها عَلَيْهِ ... وقد أُ دْ خِ ل أبو مُسْهِر عَلَى المأمون بالرَّقَّة(1)، وقد ضرب رقبة رجلٍ وهو مطروحٌ بين يديه، فأوقفا أبا مُسْهِر في الحال، فامتحنَهُ فلم يُجِبْهُ، فأمر به، فوضع في النَّ طع لتضرب رقبته، فأجاب إلى خلق القرآن، فأُخرِج من النَّ طْع، فرجع عَنْ قوله، فأُعيد إلى النَّ ط ع، فأجاب، فأمر بِهِ أن يوجَّه إلى بغداد، ولم يثق بقوله، فأحدر وأقام عند إسحاق بن إبراهيم، يعني متول ي بغداد، أي امًا لاَ تبلغ مائة يوم، ومات رحمه الله تعالى" (2). وقال الخطيب البغدادي سمعت أبو داود ، وقيل له : "إن أبا مُسْهِر عبد الأعلى بن مُسْهِر كان متكبرا في نفسه ؟، فقال: كان من ثقات النَّ اس، رحم الله أب ا مُسْهِر، لقد كان من الإسلام بمكان، حمل على المحنة فأبَى، وحمل على السَّ يف، مد رأسه وجرد السَّ يف فأبَى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى الس جن فمات"(3). يتبين لنا مما تقد م أن الإمام أبا مُسْهِر قد تعرض لمحنةٍ صعبة، وهذا هو من أنواع الابتلاء في الد ين، وأصر على رأيه ولم يُجب بدايةً، ولكنه عندما عذ ب وجاءوا لضرب عنقه أجاب لهذه المحنة وخرج من التَّعذيب فرجع بقوله، وأعيد للتعذيب مرة ثانية، ووضع في الس جن حتى توفي. 1) )الرقة مدينة بالعراق مما يلي الجزيرة، وكل أرض إلى جانب واد ينبسط عليها الماء عند المد فهي رقة، وبه سميت المدينة، والرقة واسطة بلاد مضر، ومن مدنها الرها وسروج وشمشاط ورأس العين وغيرها، والرقة على شارعة الفرات في الشمال منه، وعليها سوران، وهي في فحص يبعد عن الجبال على مسافة أكثر من يومين، وفي شرقيها جبلان يسميان المنخرين . الحِميري، الروض المعطار في خبر الأقطار (ص270.) 2) )الذهبي، تاريخ الإسلام (ج 5/363/ رقم 218)، 3) )الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج 12/350/ رقم 5703.)

عدد الصفحات ٥٥

44 ثانياً- وفاته: قضى الإمام أبو مُسْهِر حياته في خدمة القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية، فقد كان عالم الشَّام ومحدثه، وقد وافته المنية وهو في الس جن ببغداد في يوم الأربعاء من رجب سنة ثمان عشرة ومئتين (218ه، وهو ابن تسع وسبعين سنة، ودفن بباب التبن(1)، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأجزل مثوبته، ورفع درجته في عليين. 1) )الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج 12/350/ رقم 5703.) باب الت بْنبلفظ التبن الذي تأكله الدواب : اسم محلة كبيرة كانت ببغداد على الخندق بإزاء قطيعة أم جعفر، وهي الآن خراب صحراء يزرع فيها، وبها قبر عبد الله بن أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، دفن هناك بوصية منه. الحموي، معجم البلدان (ج 1/306.)

عدد الصفحات ٥٦

45 المبحث الثالث: تمهيد في علم الجرح والتَّعديل ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف علم الجرح والتعديل: أولاً: الجَرح لغة واصطلاحًا. 1- الجرح لغةً قال ابن فارس : "الجيمُ والرَّاءُ والحَاءُ أصلان: أحدهما الكَسْبُ، والثاني شَقُّ الجِلدِ ، فمن الأول: "اجْتَرَحَ " إذا عمل وكسب. قال تعالى : مْ حَسِّبَ الََِّّّينَ اجْتَََحُوا السَّي ِّئَات َ أ [21] وسمي هذا اجتراحاً؛ لأنه عمل بالجوارح، وهي الأعضاء والكواسب. والثاني جَرَحَه بحديدة جُرحَاً (1). والجَرْح مصدر جَرَح، إذا: "أَثَّرَ فِيهِ بِالس لاَحِ"، والاسم منه: الجُرْح"(2). وقال بعضُ فقهاءِ اللُّغة: "الجُرح بالضم : يكون في الأبدانِ بالحديدِ ونحوه؛ والجَرحُ بالفتح: يكون بالل سان في المعاني والأعراضِ ونحوِها. وهو المتداولُ بينهم، وا ن كانا في أصلِ اللُّغة بمعنى واحد"(3). وقالابن منظور: "جَرَح الحاكمُ الشاهدَ: إذا عثر منه على ما تسقُطُ به عدالتُه من كذبٍ وغيره؛ وقد قيل ذلك في غيرِ الحاكمِ، فقيل: جَرَحَ الرجلَ: غَضَّ شهادتَهُ؛ وقدِ اسْتَجرحَ الشاهدُ، والاستجراحُ : النقصانُ والعيبُ والفسادُ"(4). ومنه حديث بعض التابعين: "كثُرت هذه الأحاديثُ واسْتَجرَحَتْ"، أي فسدت، وقلَّ صِحَاحُها" (5). قلت: أن الجَرح المقصود هنا هو ما كان باللسان في المعاني والأعراض؛ لأنه المقصود: جرح الرُّواة في عدالتهم وضبطهم، والعدالة والضَّبط من المعاني، وليس ما كان في الأبدان. (1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ج1 /451.) (2) ابن منظور، لسان العرب (ج 2 /422.) (3) أبو الفيض الزَّبيدي، تاج العروس (ج6 /337.) (4)ابن منظور، لسان العرب (ج 2 /422.) (5)ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر (ج 1 /255.)

عدد الصفحات ٥٧

46 2- الجَرح اصطلاحاً عرفه ابن الأثير بأنه: "وصفٌ متى التحق بالرَّاوي والشَّاهد سقط الاعتبار بقوله، وبطل العمل به"(1)، وعرفه نور الد ين عِتِر بأنه: "الطَّعن في راوي الحديث بما يسلب أو يخل بعدالته أو ضبطه"(2)، وقال محمد عَجَّاج الخطيب: "هو ظهور وصف في الراوي يثلم عدالته، أو يخل بحفظه وضبطه؛ مما يترتب عليه سقوط رواي ته، أو ضعفها وردها" (3). رأيت أن هذه التَّعريفات–خصوصاً تعريف ابن الأثير وتعريف محمد عجَّاج الخطيب- قد قصرا الجرح على النَّوع الشَّديد منه، المُسقط للر واية بالكلية، ولم تتضمن الجَرح بالتَّضعيف اليسير؛ لهذا فإن أرجح التَّعريفات ما ذكره الشَّيخ عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، المتضمن لنوعي الجرح اليسير والشَّديد، حيث عرفه بقوله: "وصف الرَّاوي في عدالته أو ضبطه بما يقتضي تليين روايته، أو تضعيفها، أو رد ها"(4). ثانياً: التَّعديل لغة واصطلاحًا 1- التَّعديل لغةً: قال ابن فارس: العينُ، والدالُ واللام أصلان ص حيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: يدل أحدهما على استواء، والآخر يدل على اعوجاج، فالأول العدل من النَّاس: المَرضِيُّ المستوي الطَّريقة، يقال: هذا عَدل، وهما عَدل، وهم عَدل، والجمع عُدول. .. وأما الأصل الآخر، فيقال في الاعوجاج: عَدَلَ، وانعدل إذا انفرج(5) . والعدل: يُطلق على التَّقويم والتَّسوية، قال ابن منظور: "عَدَلت فُلاناً بفلانٍ إِذا سوَّيت بَيْنَهُمَا، وتعديلُ الشَّيءِ : تقويمُه"(6). (1)ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول (ج 1 /126.) (2) عتر، منهج النقد في علوم الحديث (ص92). (3) الخطيب، أصول الحديث علومه ومصطلحه(ص260). (4) العبد اللطيف،ضوابط الجرح والتعديل (ص7). (5) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (ج 4 /246.) (6)ابن منظور، لسان العرب (ج 11 /432.)

عدد الصفحات ٥٨

47 2- التَّعديل اصطلاحاً قال ابن الأثير: "هو وصف متى التحق بهما – أي بالشَّاهد والرَّاوي- اعتُبِرَ قولهما وأُخِذَ به"(1)،أو هو: "تزكية الرَّاوي والحُكم عليه بأنه عدل أو ضابط"(2). قلت أن التَّعريف الأول أرجح من الثَّاني، لتضمنه قول المعدَّل؛ لهذا فإن التَّعريف الرَّاجح هو: "وصف الرَّاوي في عدالته وضبطه بما يتقي قَبُول روايته"، وهو يستعمل -لفظ التَّعديل- في الاصطلاح بمعنى التَّوثيق(3). ثالثاً: تعريف علم الجرح والتَّعديل سئل الإمام عبد الرَّحمن بن أبي حاتم الرَّازي عن علم الجرح والتعديل فقال: "أُظْهِرُ أحوالَ أهلِ العلمِ مَن كان منهم ثقةً أو غيرَ ثقةٍ"(4)، وبي ن الحاكم أن الجرح والتعديل، هما في الأصل نوعان: "كل نوع منهما علم برأسه وهو ثمرة هذا العلم، والمرقاة الكبيرة منه"(5). وعلم الجرح والتَّعديل: هو "علم يبحث فيه عن جرح الرُّواة وتعديلهم، بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ"(6)، أو: "هو العلم الذي يبحث في أحوال الرُّواة من حيث قَبُول رواياتهم أو ردها" (7) . المطلب الثاني: أهمية علم الجرح والتَّعديل تظهر أهمية علم الحَرج والتَّعديل من وجوه، وهي: أولاً: من المعلوم أنَّ شرف العلم يكسبه من شرف المعلوم، وعلم الجرح والتعديل يبحث في أحوال رواة الحديث، ودرجاتهم؛ لصيانة السنة، والأحاديث النبوية، من الكذب والوضع، وحفظ السنة بمثابة حفظ القرآن الكريم. (1)ابن الأثير، جامع الأصول (ج1 /126.) (2) عتر، منهج النقد في علوم الحديث(ص92). (3) يُنظر: العبد اللطيف، ضوابط الجرح والتعديل (ص8) . (4) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية (ص38). (5) الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث (ص 52). (6) حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (ج1 /582.) (7) الخطيب، أصول الحديث علومه ومصطلحه(ص261) .

عدد الصفحات ٥٩

48 ثانياً يعد ميزانَ الرجال، وهو ميزان توزن به معادنهم، فيتميز الذهب من النحاس، والفضة من الرصاص، وهذا الفن هو عماد السنة، إذ به يتميز الصحيح من السقيم، وبه ينكشف حال الضعفاء والكذابين من الرواة، وا قامة النكير عليهم؛ صيانة للدين، وهو أمر واجب على المسلمين، والحفاظ على الشريعة فرض كفاية؛ لقوله تعالى: فَلَوْ نَفَرَ مِّنْ ِّ كُُ فِّرْقَة مِّنْهُمْ طَائِّفَة لََِّتَفَقَّهُوا فِِّ الِ ِّينِّ وَلَُِّنْذِّرُوا قَوْمَهُمْ إِّذَا رَجَعُوا إِّلََْهِّمْ لَعَلَّهُمْ يََْذَرُونَ  [ 122] لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"(1)،(2). ثالثاًقال الخطيب البغدادي: "لم ا كانَ أكثرُ الأحكامِ لا سبيلَ إلى معرفتهِ إلا من جهةِ النقلِ، لزمَ النظرُ في حالِ الناقلينَ، والبحثُ عن عدالةِ الرَّاوينَ، فمن ثبتت عدالتهُ جازت روايتُه وا لا عُدِلَ عنهُ، والتُمِسَ معرفةُ الحُكمِ من جهةِ غيرِهِ؛ لأنَّ الأخبارَ حكمها حكمُ الشَّهاداتِ: في أنَّها لا تُقبلُ إلا عنِ الثقاتِ" (3). المطلب الثالث: أهمية معرفة مدلول ألفاظ النُّقاد في الجرح والتَّعديل فمما لا يخفى على من درس علم الجرح والتعديل، أن من أهم ما يحتاج إليه أهل الشأن في هذا العلم؛ معرفة مدلول كل مصطلح من مصطلحات علماء الجرح والتعديل التي أطلقوها على الرواة، لمعرفة مُرَادهم ومقصدهم وعرفهم بها، وبالخصوص المصطلحات المتجاذبة عندهم، التي لا يُعلم مرادهم منها، هل يراد منها توثيق الراوي أم تجريحه؟ وهذا الأمر مما احتاج إليه أهل الشَّ أن من السَّ ابقين واللاحقين، وممن أكد على أهمية ذلك إمام الجرح والتَّ عديل في زمانه الإمام الذَّ هبي رحمه الله تعالى ، في قوله: "نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التَّ عديل والجرح، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة، ثم أهم من ذلك، أن نعلم بالاستقراء التاَّ م عُرْفَ ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه، ومقاصده، بعباراته الكثيرة "(4). (1) ابن الفراء، العدة في أصول الفقه (ج 2 /419.) (2) ابن حجر، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (ج 1 /27.) (3)الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (ج 2 /200.) (4)الذهبي، الموقظة في علم مصطلح الحديث (ص82.)

عدد الصفحات ٦٠

49 قال حاتم العوني معلقًا على ذلك: "وهذا يقوله الإمام الذَّهبي، ويُظهر افتقاره إلى معرفة اصطلاحات الأئمة في ألفاظهم، وبهذا يُعلم مدى الحاجة إلى خدمة قضايا ومراتب وألفاظ الجرح والتَّعديل، فلم تُخدم بما فيه الكفاية ..."(1). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: "وثم اصطلاحات لأشخاص ينبغي الوقوف عليها"(2) . ويقول الإمام السُّبكي: "ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح، حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ، فكثيرا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها. والخبرة بمدلولات الألفاظ-ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس وتكون في بعض الأزمنة مدحا وفي بعضها ذما-أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم"(3). ولأهمية معرفة مدلول ألفاظ النُّقاد في الجرح والتَّعديل، كان الحافظ ابن حجر يحث على معرفة ذلك -كما ذكره تلميذه السخاوي - حيث يقول: "فمن نظر إلى كتب الرجال، ككتاب ابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والتهذيب وغيرها، ظفر بألفاظٍ كثيرة، ولو اعتنى بارعٌ بتتبعها، ووضعَ كلَّ لفظةٍ بالمرتبة المشابهة لها، مع شرح معانيها لغةً واصطلاحاً لكان حسناً، وقد كان شيخُنا، يعني: (ا بن حجر) يلهجُ بذكرِ ذلك، فما تيسَّرَ، والواقفُ على عباراتِ القوم يفهمُ مقاصدَهُم بما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشدُ إلى ذلك"(4)، وقد وفق الله تعالى الإمام أبا الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي فجمعها، في كتاب سماه: "الرَّفع والتَّكميل في الجرح والتَّعديل"، وقد بين لنا في مقدمته سبب تأليفه له، قائلاً: "هذه رسالة رشيقة، وعجالة أنيقة، اسمها يخبر عن رسمها وفحواها، يشعر بمعناها أعني الرَّفع والتَّكميل في الجرح والتَّعديل، بعثني على تأليفها ما رأيت من علماء عصري وفضلاء دهري من ركوبهم على متن عمياء، وخبطهم كخبط العشواء، تراهم في بحث التَّعديل والجرح من أصحاب القرح، فهم كالحبارى في الصحارى، والسُّكارى في السَّحارى، وما ذلك إلا لجهلهم بمسائل الجرح والتَّعديل، وعدم وصولهم إلى منازل الرَّفع والتَّكميل، كم من فاضل قد جرح الأسانيد الصَّحيحة، وكم من كامل صحح (1)حاتم العوني، التخريج ودراسة الأسانيد (ص89.) (2)ابن كثير، مختصر علوم الحديث مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (ص13.) (3)السبكي، قاعدة في الجرح والتعديل ( ص23-24.) (4)السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث(ج 2/ص114).

عدد الصفحات ٦١

50 الأسانيد الضَّعيفة، يصححون الضَّعف ويضعفون القوي، ولا يهتدون إلى الص راط السَّوي، تراهم قد ظنوا نقل الجرح والتَّعديل من كتب نقاد الر جال، كتهذيب الكمال للحافظ المزي، وميزان الاعتدال للذهبي، وتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب، والمغني، وكامل ابن عدي، ولسان الميزان وغيرها من كتب أهل الشَّأن أمرًا يسيرًا، وما تركوا في هذا الباب قطميرًا ونقيرًا مع جهلهم باصطلاحات أئمة التَّعديل والجرح، وعدم فرقهم بين الجرح المبهم والجرح الغير المبهم، وبين ما هو مقبول وبين ما هو غير مقبول عند حملة ألوية الشَّرع، وبعد مداركهم عن إدراك مراتب الأئمة من معدلي الأمة أو ما علموا أن الدُّخول في هذه المسالك الصَّعبة التي زلَّت فيها أقدام الكملة، أمر عظيم لا يتيسر من كل حبر كريم، فضلاً عمن يتصف بالسَّالك في أودية الضَّلال، والخابط في ظلماء الليال أو ما فهمو أن لكل مقام مقال ولكل فنٍّ رجال، وأن جرح من هو خال عنه في الواقع، وتعديل من هو مجروح في الواقع، أمر ذو خطر لا يليق بالقيام به كل بشر، فأردت أن أكتب في هذا الباب رسالةً شافيةً وعجالةً كافيةً تشتمل على علالة فوائد المتقدمين، وسلالة فرائد المتأخرين، أذكر فيها مسائل متعلقة بالجرح والتَّعديل، ومناهل مربوطة بأئمة الجرح والتَّعديل؛ لتكون مفيدة وهادية إلى الطَّريقة النَّقية الصَّافية، فدونك كتابًا يروي كل غليل، ويشفي كل عليل، يرشدك إلى سواء الطَّريق، وينجيك من كل حريق، ويعلمك ما لم تكن تعلم، ويفهمك ما لم تكن تفهم، وستقول بعد الاطلاع على ما فيه من كنوز الفوائد، ودرر الفرائد، هذا بحر زاخر، كم ترك الأول للآخر ..." (1). ويبين الإمام السُّيوطي مدى ارتباط مراتب الجرح والتَّعديل بمعرفة ألفاظ النُّقاد، بقوله "مراتب الرُّواة معيار معرفتها ألفاظ الجرح والتَّعديل"(2)، وبمثل قوله يقول طاهر الجزائري في كتابه توجيه النَّظر إلى أصول الأثر(3). ويقول نور الد ين عِتِر: "و ريب أن معرفة هذه الألفاظ في غاية الأهمية لطالب الحديث، والباحث فيه، لأنها الأداة التَّعبيرية التي تعرفنا صفة الرَّاوي"(4)، ويقول حاتم العوني: (1)اللكنوي، الرفع والتكميل (ص49.) (2)السيوطي، تدريب الراوي (ج1 /128.) (3)ينظر: طاهر الجزائري، توجيه النظر إلى أصول الأثر (ج1 /342.) (4)نور الد ين عِتِر، منهج النقد في علوم الحديث (ص105.)

عدد الصفحات ٦٢

51 "إن الاصطلاحات قد يكون لها معنى خاص عند إمام، يختلف هذا المعنى عند الجمهور، كما ذكروا عن البخاري أن عبارة: "سكتوا عنه" عنده تدل على التَّضعيف الشَّديد، مع أن ظاهر العبارة أنهم ما تكلموا فيه، مع أن المراد العكس، أي أنهم تكلموا فيه كلامًا جارحاً شديداً، فقصد بتلك العبارة أنهم أصبحوا لا يعتبرونه شيئاً، وكما ذكروا أيضاً عن يحيى بن معين أنه إذا قال: "ليس بشئ"، فإنه يقصد: قليل الحديث، وا ن كان هذا القول ليس على إطلاقه، وأن الصَّواب أن يحيى بن معين يقول هذه العبارة في الغالب، والأصل أنه يقصد بها التَّضعيف الشَّديد، إلا أنه أطلقها مر ات وأراد بها قلة الحديث"(1). ومن خلال ما ذكرته من أقوال للعلماء، تبين لنا جليًا مدى أهمية معرفة مدلول مصطلحات النُّقاد التي أطلقوها على الرُّواة جرحًا أو تعديلاً . (1)الشريف، التخريج ودراسة الأسانيد (ص ص51-52).

عدد الصفحات ٦٣

الفصل الثاني: مَنهَجُ الإِمَام عَبْد الأعْلَى بن مُسْهِر الغَسَّانِي في تعديلِ الرُّواة

عدد الصفحات ٦٤

53 المبحث الأول مصطلحات الإمام أبو مُسهِر الغسَّاني في التَّعديل ومدلولاتها لكل كلمة لها تعريفها اللُغوي أو الاصطلاحي الخاص بها عند أصحاب الفن ، فلذا حري بي أن أعرف كلمة المصطلح لغة واصطلاحًا لنتعرف على معناها عند اللُغويين وأصحاب هذا الفن ، وذلك على النَّحو التَّالي: أولاً - المصطلح لغة: مُصطلَحٍ ، اسم مفعول من اصطلحَ ، والمصدر الاصطلاح(1)، (اصْطلحَ الْقَوْم): أي زَالَ مَا بَينهم من خلاف، وعَلى الأَْمر تعارفوا عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا، والاِصْطِلاَح مصدر اصْطلحَ ، واتفاق طَائِفَة على شَيْء مَخْصُوص، وَلكُل علم اصطلاحاته(2). ثانًا- المصطلح اصطلاحاً: قال الجرجاني رحمه الله تعالى : "الاصطلاح: "عبارةٌ عن اتفاق قوم على تسمية الشَّ يء باسم ما ، ينقل عن موضعه الأول "، وقال أيضًا: "إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر، لمناسبة بينهما"، وقال: "اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى "، وقال: "الاصطلاح إخراج الشَّ يء عن معنى لغوي إلى معنى آخر؛ لبيان المراد "، وقال: "لفظٌ معين بين قوم معينين"(3). وعرفه التَّهَانَوي رحمه الله تعالى، بقولههو عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم بعد نقله عن موضوعه الأول لمناسبة بينهما، كالعموم والخصوص، أو لمشاركتهما في أمر أو مشابهتهما في وصف أو غيرها "(4). قلت: وهذه التَّعريفات متشابهة في المعنى وفي اللفظ. وا نَّ النَّاظر لكتب الر جال يرى أنَّ النُّقاد قد اصطلحوا على استعمال مصطلحات وعبارات للتَّعديل، وهى عبارات ومصطلحات متنوعة في مدلولاتها باعتبار الإمام النَّاقد الذي أطلقها، ولا بدَّ للباحث في علم الجرح والتَّعديل أن يَعْرِف مصطلحاته وعباراته المختلفة ، 1)) مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة ( ج2 /1314/ رقم 3028.) 2)) مجموعة من المؤلفين، المعجم الوسيط (ج1/520.) 3)) الجرجاني، التعريفات (ص 28.) 4)) التَّهَانَوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلومج1/212.)

عدد الصفحات ٦٥