1 دار المعـرفة بيروت - لبنان
عدد الصفحات ١2 الإهداء إلى الشعوب التي حط مت أغلال عبودية البشر، وقد مت قوافل الشهداء، ودفعت الثمن غالياً من دماء أبنائها وابتُليت بالجوع والخوف والفزع، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله وما ضعفت وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها ولسان حال مواطنيها قول الشاعر: الهول في دربي وفي هدفي وأظل أمضي غير مضطرب ما كنت من نفسي على خور أو كنت من ربي على ريب ما في المنايا ما أحاذره الله ملء القصــد والأرَب أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، قال تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلََ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف، آية: 110.)
عدد الصفحات ٢3 المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لَ إله إلَ الله وحده لَ شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ـ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلََ تَمُوتُنَّ إِلََّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ (آل عمران، آية : 102.) ـقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًَ كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ (النساء، آية : 1.) ـقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْلًَ سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ (الأحزاب، آية: 70 ـ71.) أما بعد فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى. هذا الكتاب حلقة مهمة من حلقات المشروع الفكري السياسي الذي تحدثت عنه في كتبي السابقة، الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها، والبرلمان في الدولة الحديثة، وقد صدرت عدة كتب تخدم هذا التوجه منها: ـ الشورى فريضة إسلامية. ـ الحريات من القرآن الكريم حرية التفكير والتعبير والَعتقاد والحريات الشخصية. ـ العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية. وهذا الكتاب يتناول التداول على السلطة التنفيذية وقد قسمته إلى مباحث:
عدد الصفحات ٣4 المبحث الأول السلطة التنفيذية ، يتحدث عن تعريفها في اللغة والَ صطلاح والمفهوم السياسي والإسلامي ولدى الفقهاء المعاصرين ومما تتكون السلطة التنفيذية وتعريف الخليفة "الرئيس" وألقاب من يتولى السلطة التنفيذية وجذورها التاريخية كالخليفة وأمير المؤمنين، والإمام، والسلطان، والملك، والرئيس، ووجوب الرئيس والأدلة من القرآن الكريم والسنة القولية والفعلية، والإجماع، وما لَ يتم الواجب إلَ به فهو واجب، ودفع أضرار الفوضى وأن الرئاسة مما تقتضيها الفطرة وعادات الناس. المبحث الثاني: التداول على الحكم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الحديث في هذا المبحث عن ا نتقال الرئاسة لأبي بكر الص دِّيق بالشورى والتحليل السياسي للأحداث في سقيفة بني ساعدة، كموقف الأنصار وترشيحهم لسعد بن عبادة، وخشيتهم من الَنشقاقات السياسية على كيان الدولة الوليدة، وكيف تغير موقفهم لصالح أبي بكر الص دِّيق صاحب المواهب المتميزة والقدرات العالية في الإقناع والتعامل مع النفو س، وكيف تمت بيعته الخاصة ثم العامة وحرص الجميع على وحدة الأمة، وتم شرح الحديث النبوي الشريف: «الأئمة من قريش»، وبي نت أهم المبادئ التي أفرزتها الحوارات الجادة في سقيفة بني ساعدة منها: أن قيام الأمة لَ تقام إلَ بالَختيار وأن البيعة هي أصل من أصول الَختيار وشرعية القيادة وأن الخلافة لَ يتولَها إلَ الأصلب ديناً والأكفأ إدارة . فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية، وأن تول ي السلطة التنفيذية لَ يدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن إشارة "قريش" في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضاً مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لَ هرج ولَ مرج، ولَ تكذيب ولَ مؤامرات، ولَ نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية. وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية:
عدد الصفحات ٤5 ـأول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن: نظام الحكم ودستور الدولة يقرر بالشورى الحرة تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى الملزمة وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلَ تأييداً وتطبيقاً لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى. ـ تَقَرَّ ر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى، أي البيعة الحرة التي تمنحه تفويضاً ليتولى الولَية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الَختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقر ها الإجماع وكان قراراً إجماعياً كالقرار السابق. ـ تطبيقاً للمبدأين السابقين قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الرئيس الأول للدولة الإسلامية، ثم أن هذا الترشيح لم يصح نهائياً إلَ بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومفهوم البيعة: العهد على الطاعة لولي الأمر، العقد الَجتماعي. وفي المبحث الثاني: تم الحديث عن نظرية العقد الَجتماعي لجان جاك روسو وبي نت الفروق الأساسية بين العقد الَجتماعي والبيعة في الإسلام ووضحت طرق اختيار الحاكم بطريقة الَنتخاب المباشر وغير المباشر وشرحت خطاب أبي بكر رضي الله عنه بعد البيعة العامة وأهم الأسس والمبادئ التي جاء ذكرها في الخطاب: ـ كحق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته. ـ الصدق أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم. ـ إقرار مبدأ العدل والمساواة بين الناس. ـ إعلان مبدأ التمسك بالجهاد وإعداد الأمة لذلك. ـ رئيس الدولة وتطبيق الشريعة. وكان الحديث عن إقرار مشروع توثيق دستور الأمة وتحديد مدة الرئاسة وأن التوقيت لَ ينافي طبيعة العقد، وكيف تحدد مدة الرئاسة؟ وتكلمت عن مدنية دولة الص دِّيق وتحديد
عدد الصفحات ٥6 مسؤولية الحاكم وعن تولي عمر بن الخطاب للرئاسة وانعقاد الإجماع على خلافته وخطبة الفاروق لما تولى الخلافة وعن تولي عثمان بن عفان الرئاسة. والفقه العمري في الَستخلاف. ـ كالعدد الذي حدده للشورى وأسماؤهم. ـ طريقة اختيار الخليفة. ـ مدة الَنتخابات أو المشاورة. ـ عدد الأصوات الكافية لَختيار الخليفة. ـ الحكم في حال الَختلاف. ـ جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل. ـ جمع عمر بين التعيين وعدمه. ـ الشورى ليست بين الستة فقط. ـ أهل الشورى أعلى هيئة سياسية. ـ وصية عمر رضي الله عنه للخليفة الذي بعده. وبيَّ نت منهج عبد الرحم ن عوف رضي الله عنه إدارة الشورى وحكمته في تنفيذ خطة الشورى، وانعقاد الإجماع على خلافة عثمان ومنهجه في الحكم، وذكرت الكتب التي كتبها عثمان إلى جميع ولَته وقادة جنده، وعمَّال الخراج، وإلى العامة وكيف ت مت بيعة علي رضي الله عنه وانعقا د الإجماع على بيعته وشروطه في بيعته وخطبته الأولى، وكيف تولى الحسن بن علي بن أبي طالب الرئاسة؛ وبيعته وبطلان قضية النص على خلافة الحسن وتطور الفكر السياسي الشيعي وكيف تولى معاوية بن أبي سفيان الحكم، وما هو الصلح الذي تمَّ بينه وبين الحسن بن علي؟ وكانت الإشارة في هذا الكتاب إلى انتهاء عهد الخلافة الراشدة وبداية المُ لك العضوض والجبري. ووضحت فكرة ولَية العهد وكيف تولى يزيد بن معاوية؛ وما هي الَنتقادات التي وُ جهت لمعاوية بشأن البيعة ليزيد، وكان الحديث عن خلافة معاوية بن يزيد ثم بيعة عبد الله بن الزبير وخروج مروان بن الحكم على ابن الزبير وانعقاد مؤتمر الجابية بالشام وزعامة
عدد الصفحات ٦7 مروان بن الحكم لمعارضي أهل الشام ومعركة مرج راهط ونتائجها وبيعة عبد الملك بن مروان بعد وفاة أبيه واجتماع الأمة عليه بعد مقتل عبد الله بن الزبير وهو أول حاكم ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال مما أثر على الفقه السياسي بعد ذلك أكبر الأثر وبدأ عصر الخليفة المتغلب، وهو ما لم يكن للأمة به عهد من قبل. وبدأ هذا الأمر يفرض نفسه، وصار بعض الفقهاء ـ بحكم الضرورة ـ يتأولون النصوص لإضفاء الشرعية على توريثها وأخذها بالقوة لتصبح هاتان الصورتان بعد مرور الزمن هما الأصل الذي يمارس على أرض الواقع وما عداهما نظريات لَحظ لها من الواقع التطبيقي العملي إلَ في حالَت نادرة وأصبح الفقه الفقه السياسي الهرقلي والقيصري بديلاً عن الفقه الراشدي في تولي رئاسة الدولة. واليوم تتطلع الشعوب إلى حقها الطبيعي لَختيار حكامها بإرادة ح ر ة وعن طريق صندوق الَقتراع والتداول السلمي ونجحت شعوب أوروبا وأمريكا وغيرها وأصبحت الشعوب العربية، والإسلامية من مطالبها التي خرجت من أجلها إلَ إن محاولة منع الشعوب من حقها في اختيار حكامها ما زالت مستمرة، وهذا تدافع طبيعي بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل، وفي النهاية تنتصر إرادة الشعوب على إرادة الطغاة، وهذا من سنن الله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهَِّ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهَِّ تَحْوِيلاً ﴾ (فاطر، آية: 43.) هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم الجمعة28/2/2014م الموافق28/4/1435هـ الساعة الواحدة والنصف بعد صلاة الجمعة، والفضل لله مِ ن قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولًَ حسناً، وأن يكرمنا برفقة النبيين و الص دِّيق ين والشهداء والصالحين، قال تعالى: ﴿ مَايَفْتَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَة فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (فاطر ، آية : 2.)
عدد الصفحات ٧8 ولَ يسعني في نهاية هذا الكتاب إلَ أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم وإلهي الكريم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده، متبرئاً من حولي، وقوتي ملتجئاً إليه في كل حركاتي وسكناتي، وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضل، وربي الكريم هو المعين، وإلهي العظيم هو الموفق، فلو تخلى عني ووكلني إلى عقلي ونفسي، لتبلد مني العقل ولغابت الذاكرة وليبست الأصابع ولجفت العواطف، ولتحجرت المشاعر، ولعجز القلم عن البيان. اللهمَّ بصِّرني بما يرضيك، واشرح لي صدري وجن بني اللهمَّ ما لَ يرضيك، واصرفه عن قلبي وتفكيري وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل عملي لوجهك خالصاً ولعبادك نافعاً، وأن تثيبني على كل حرف كتبته وتجعله في ميزان حسناتي، وأن تثيب إخواني الذين أعانوني على إتمام هذا الجهد الذي لولَك ما كان له وجود، ولَ انتشار بين الناس، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألَ ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه. قال تعالى: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ (النمل ، آية : 19.) وأختم هذه المقدمة بقول الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ وَلََ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً ل لَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَّحِيم ﴾ (الحشر ، آية : 10.) الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد محمد الصَّلاَّبي غفر له ولوالديه ولجميع المسلمين
عدد الصفحات ٨9 المبحث الأول السلطة التنفيذية أولاً : تعريف السلطة التنفيذية: يقول ابن خلدون: إن الإجماع الإنساني ضروري ، ويعب ر الحكماء عن هذا بقولهم : الإنسان مدني بالطبع، أي لَبُ د له من الَجتماع .. ثم إن هذا الَجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم .. ثم بيَّ ن ذلك الوازع أنه: واحد منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لَ يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك1. وهكذا يبي ن ابن خلدون أهمية السلطة في حياة البشر، وأن أمور الناس لَ تستقيم إلَ بوجودها. 1 ـ السلطة فياللغة: وردت مادة هذه اللفظة في القرآن الكريم على صيغة الفعل والسلطان لعدة معان ـ منها : القهر والغلبة، قال تعالى: ﴿ وَلَو ْ ْشَاءْاللّهُْلَسَلَّطَهُم ْعَلَي كُم ﴾ (النساء، آية: 90 .) ـ وقال تعالى ﴿وَلَكِنَّْاللَّهَْيُسَلِّطُْرُسُلَهُْعَلَىْمَنْيَشَاء ﴾ (الحشر، آية: 6.) ومنها: الحجة والبرهان كقوله تعالى ﴿ وَلَقَد ْأَر سَلْنَاْمُوسَىْبِآيَاتِنَاْوَسُلْطَانٍْمُّبِينٍ﴾ (هود، آية: 96.) قال الدامغاني: وكل سلطان في القرآن في أمر موسى أراد به حجة موسى2. 1 مقدمة ابن خلدون، ص41 ـ44. 2 قاموس القرآن، ص242.
عدد الصفحات ٩10 وقال الراغب الأصفهاني: سمى الحجة سلطاناً وذلك لما يلحق من الهجوم على القلوب، لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَْيُجَادِلُونَْفِيْآيَاتِْ ْ اللَّهِْبِغَي رِْسُلْطَانٍْأَتَاهُم ﴾ (غافر، آية: 35)، وقال تعالى ﴿فَأْتُونَاْبِسُلْطَانٍْمُّبِينٍ﴾(إبراهيم، آية: 10.) ومنها: المِلك ـ بكسر الميم ـ كما قال تعالى ﴿مَاْكَانَْلِيَْعَلَي كُمْمِّنْسُلْطَانٍ﴾ (إبراهيم، آية: 22.) يعني: من ملك فأقهركم على الشرك1. والسلطان: الوالي وبالنظر في المعاني الواردة لكلمة (السلطة والسلطان) نجد أنها على معنى القوة والقهر والغلبة والحجة والقدرة، والتمكين. ومن هذه المعاني أخذ المعنى الَصطلاحي إذ أن صاحب السلطة تكون لديه المكنة على حمل الغير حسب ما يراه بمقتضى القوة الممنوحة له من لدن مانح هذه السلطة على من سلط عليهم2. 2ـ السلطة في المفهومالإسلامي: الشعب هو الذي يختارال حاكم وهو مفوض من قبله بتنفيذ أوامر الله تعالى، فالسلطة الإسلامية ليست سلطة (ثيوقراطية) وهي التي تجعل ا لحاكم يستمد سلطته من الإله، ويضفي عليه التقديس والتفوق على البشر بحيث لَ يعارض حكمه ولو استبد بالأمر، بل الحاكم المختار مقيد بالكتاب والسنة ومن حق المواطنين النقد والمعارضة والنصيحة . 1 السلطة التنفيذية، محمد يعقوب الدهلوي1 /34.) 2 المصدر نفسه1 /35.)
عدد الصفحات ١٠11 روى ابن إسحاق في خطبة أبي بكر رضي الله عنه حين وُ لِّي الخلافة أنه قال: «أما بعد .. أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّ موني .. أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»1 3ـ التنفيذ لغة مأخوذ من مادة (نفذ) وبابه (دخل) ويأتي نفذ لمعان كثيرة متقاربة منها: الجواز، تقول نفذت، أي جزت، ونفذ، ينفذ، نفاذً ا ونفوذاً . وفي حديث عمر بن الخطاب أنه طاف بالبيت مع فلان، فلما انتهى إلى الركن الغربي الذي يلي الأسود قال له: ألَ تستلم؟ فقال له: انفذ عنك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يستلمه، أي: دعه يتجاوزه. يقال: سر عنك وانفُذ عنك، أي امضِ عن مكانك وجُزه 2. ووردت مادة "نفذ" في الكتاب بمعنى الجواز والخلوص والهروب كما في قوله تعالى: ﴿يَاْمَع شَرَْالْجِنِّْوَالْإِنسِْإِنِْ ْاس تَطَع تُم ْأَنْتَنفُذُواْمِن ْأَقْطَارِْالسَّمَاوَاتِْوَالْأَر ضِْفَانفُذُواْلَاْتَنفُذُونَْإِلَّاْ بِسُلْطَانٍ﴾(الرحم ن، آية: 33.) قال الشوكاني أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض ونواحيها هرباً من قضاء الله وقدره " فَانفُذُوا " منها وخلصوا أنفسكم، يقال: نفذ الشيء من الشيء، إذا خلص منه كما يخلص السهم3. ومنها: الإمضاء: تقول انفذ بكذا. أي امض به وفي حديث بر الوالدين "الَستغفار لهما وإنفاذ عهدهما، أي: إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما1. 1 البداية والنهاية5 /248) إسناده صحيح 2 النهاية لَبن الأثير5 /91.) 3 فتح القدير5 /137.)
عدد الصفحات ١١12 ومنها مخالطة الشيء لجوف شيء آخر وخروج بعضه عنه يقال نفذ السهم الرمية، ونفذ فيها ينفذها نفذاً ونفاذا: خالط جوفها ثم خرج طرفه الشق الآخر وسائره فيه. ــ ومنها: الجريان إلى الشيء: قال في اللسان: ونفوذ الشيء إلى الشيء نحو في المعنى من جريانه نحوه. ــ ومنها: أنفذه بمعنى قضاه. ــ ومنها: المخرج والمخلص وهو النفذ بالتحريك، ويقال لمنفذ الجراحة نفذ2. ــومنها: الخرق والمشي في وسط القوم. يقال: أنفذت القوم إذا خرقتهم، ومشيت في وسطهم فإن جزتهم حتى تخلفهم، قلت: نفذتهم بلا ألف، وقيل فيها بالألف. ــ ومنها: السلوك، يقال طريق نافذ: أي سالك وقد نفذ إلى موضع كذا ينفذ، والطريق النافذ الذي يسلك وليس بمسدود بين خاصة دون عامة يسلكونه، ويقال: هذا الطريق ينفذ إلى مكان كذا وكذا، وفيه منفذ للقوم، أي: مجاز3. - ومنها: المحاكمة، يقال: نافذت الرجل إذا حاكمته، ومنه حديث عبدالرحم ن بن الأزرق: ألَ رجل ينفذ بيننا4، أي: يحكم ويمضي أمره فينا والخلاصة: أن مادة نفذ تدل على الجواز، والإمضاء والمخالطة، الجريان إلى الشيء والقضاء، والمخرج، والمخلص، والخرق والمشي وسط القوم، والسلوك والمحاكمة. ولو نظرنا إلى هذه المعاني مجملة نجد أن المعنى الَصطلاحي للسلطة التنفيذية أخذ من مدلولين من معاني كلمة "نفذ" فباعتبار أ ن السلطة التنفيذية إنما تنفذ أوامر السلطة التشريعية فقد ناسبها المعنى اللغوي الذي هو الإمضاء أي إمضاء أوامر السلطة 1 سنن أبي داود، رقم5142. 2 لسان العرب5 /51،52.) 3 المصدر نفسه5 /52.) 4 السلطة التنفيذية (1 /72) للدهلوي
عدد الصفحات ١٢13 التشريعية، وباعتبار أن السلطة التنفيذية تؤثر بسلطاتها على المحكومين فقد ناسبها المعنى اللغوي الذي هو "السلوك" ومخالطة الشيء لجوف شيء آخر كما ينفذ السهم الرمية1. 4 ـ السلطة التنفيذية اصطلاحاً إن اصطلاح السلطة التنفيذية وإن لم يكن معروفاً في الفقه الإسلامي من قبل إلَ أن محتواه ومضمونه موجود منذ بداية العهد الإسلامي، حيث خاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم بصيغة الأمر المحتوية على طلب التنفيذ، فقد وردت آيات كثيرة تفيد ذلك. ــ قال عز وجل: ﴿وَأَنِْاح كُمْبَي نَهُمْبِمَآْأَنزَلَْاللّهُ﴾ (المائدة، آية: 49) وهذا أمر بتنفيذ حكم ا بينهم. ــ وقال تعالى: ﴿وَأْمُر ْأَه لَكَْبِالصَّلَاةِْوَاص طَبِر ْعَلَي هَا﴾ (طه، آية: 132) وهذا أمر بتنفيذ أمر الله بإقامة الصلاة والَصطبار عليها. وقال تعالى: ﴿يَاْأَيُّهَاْالنَّبِيُّْ ْجَاهِدِْالْكُفَّارَْوَالْمُنَافِقِينَْوَاغْلُظْْ ْعَلَي هِم ﴾ (التوبة، آية: 73.) وهذا أمر بتنفيذ جهاد الكفار والمنافقين، والتغليظ عليهم2. وكذلك وردت أحاديث وآثار مختلفة تدل على مفهوم التنفيذ، كقوله صلى الله عليه واسلم «انفذوا جيش أسامة»3. وقال أبو بكر رضي الله عنه وهو يشيع أسامة وجيشه: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لست آمرك ولَ أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمَ رَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم4. 1 السلطة التنفيذية1 /72.) 2 المصدر نفسه1 /72.) 3 صحيح البخاري مع فتح الباري8 /152)، رقم4469. 4 السلطة التنفيذية1 /75.)
عدد الصفحات ١٣14 وقال عمر بن عبد العزيز: ألَ وإني لست بقاض، ولكني منفذ1. 1 سنن الدارمي1 /115.)
عدد الصفحات ١٤15 5ـ تعريف السلطة التنفيذية لدى الفقهاء والمعاصرين عرف الفقهاء المعاصرون السلطة التنفيذية بتعريفات توضح وظيفتها وتكوينها العنصري فقال بعضهم: سلطة التنفيذ: هي السلطة المختصة بتنفيذ الشريعة، وهي التي تعمل على تيسير المرافق العامة وانتظامها بحيث تكفل إشباع حاجات المسلمين1. وقال بعضهم: السلطة التنفيذية كما يتبين من اسمها هي: السلطة المنوط بها تنفيذ القوانين التي تضعها السلطة التشريعية2. وقال بعضهم: يُ راد بالسلطة التنفيذية مجموع الموظفين الذين يقومون بتنفيذ إرادة الدولة فتشمل رئيس الدولة وجميع أعوانه من وزراء وموظفين وجميع القائمين بالأعمال العامة عدا رجال السلطتين التشريعية والقضائية3. خلاصة القول: أن السلطة التنفيذية في الدولة الحديثة المسلمة: هي الهيئة الحاكمة التي تقوم بتنفيذ القوانين وتيسير الإدارة والمرافق العامة، وهي تتكو ن من جميع المسؤولين في الدولة من رئيس الدولة والوزراء والموظفين4. وتُعتبر السلطة التنفيذية أكبر مؤسسات السلطة الحاكمة في الأمة الإسلامية، وهي في الحقيقية تتكون من مؤسستين غير منفصلتين: الأولى: مؤسسة الخلافة "الرئاسة". والثانية: الجهاز الإداري والثانية منهما منضوية تحت لواء الأولى، وداخلة تحت سلطانها، بل ومنبثقة عنها. ويطلق الفقهاء المسلمون عبارة "الولَية العامة" على جميع سلطات الدولة التي يمارسها الخلفاء والوزراء، والولَة والقضاة والأعوان، وقد استعملوا هذه العبارة للدلَلة على السلطة التنفيذية أو الحكومة بوجه خاص. 1 الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، ص252 فتحي عثمان 2 نظام الحكم الإسلامي، د. محمود حلمي، ص:243. 3 معالم الدولة الإسلامية محمد مدكور، ص371. 4 النظم السياسية، د. ثروت بدوي1 /153.)
عدد الصفحات ١٥16 وقد كان الخلفاء الراشدون، لَسيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، من واضعي أسس ومبادئ السلطة التنفيذية في الإسلام1. ولميضع الإسلام شكلاً محدداً للسلطة التنفيذية، فالحكومة في الدولة الحديثة المسلمة تشكل وفق رغبات الشعب ومقتضيات العصر، وقد تكون حكومة دستورية برلمانية، أو دستورية غير برلمانية أو نظاماً رئاسياً ، أو غير ذلك من الأشكال بشرط أن تكون حكومة شورية غير دكتاتورية أو متسلطة طاغية باغية، ونحو ذلك من الأشكال القائمة على الظلم، والَستبداد والتعسف، مم ا يرفضه الإسلام وسلطان الحكومة الشورية في الدولة الحديثة المسلمة هي تلك السلطات المعترف بها في كافة الدول المعاصرة، ولكن ثمة ضوابط تحكم السلطات في الدولة الحديثة المسلمة تستلزم أن تمارس الدولة سلطاتها المختلفة على مستوى أخلاقي سام، بما يحقق مصلحة المواطنين وفي إطار العدل الإسلامي الذي لَ يفرق بين مواطني الدولة بسبب أصل أول لون أو جنس أو عقيده2. ولَ تختلف السلطة التنفيذية في الدولة الإسلامية عن مثيلتها في النظم الوضعية المعاصرة؛ حيث تتكون من جميع المسؤولين والعاملين في الدولة، وفي مقدمة هؤلَء: رئيس الدولة سواء سمي خليفة أم إماماً أم أمير اً للمؤمنين أم سلطاناً أم ملكاً أم سمي بأي اسم آخر، مثل ما أطلق عليه بعد ذلك، ومن أعضاء السلطة التنفيذية: الوزراء والولَة على الإقليم، وقواد الجيوش، والعمال والمحتسبون ورجال الشرطة، وسائر الموظفين في الدولة الإسلامية3. ثانياً: تكوين السلطة التنفيذية تتكون السلطة التنفيذية من جميع الرجال العاملين بالدولة بدءاً من الخليفة، والوزراء والأمراء، وقواد الجيش، وجُ باة الضرائب، ورجال الشرطة وجميع عمال الحكومة وقد تولى الرسول صلى الله عليه وسلم تنفيذ أحكام الله تعالى في العبادات والمعاملات والأخلاق ورد الحقوق إلى أصحابها. 1 الأحلاف العسكرية والسياسية المعاصرة، د. هشام محمد برغش2 /1099.) 2 الأحلاف العسكرية والسياسية2 /1100.) 3 المصدر نفسه2 /1100.)
عدد الصفحات ١٦