المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسة مخبرية للأداءات الصوتية في القراءات القرآنية

فضيلة مسعودي

صفحة ١ من ١٩

الجمهـوريـة الجزائريــة الديمقراطيـة الشعبيـة وزارة التعليـم العـالــي والبحـث العلمـي كلية الآداب و اللغات قسم اللغة العربية و آدابها تخصص لغة أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه بعنوان إعداد الطالبة إشراف فضيلة مسعودي أ. د سيدي محمد غيتري لجنة المناقشة: أ.د سلامي عبــــد القادر أستاذ التعليم العالــــي جامعة تلمســــــــــان رئيســا أ.د سيدي محمد غيتري أستاذ التعليم العالـــــي جامعة تلمســــــــــان مشرفا و مقررا أ.د بلبشير لحســــــــــن أستاذ التعليم العالـــــي جامعة سيدي بلعباس عضـوا د حفار عز الديـــــــــــن أستاذ محاضـــــر "أ" جامعة مستغانــــــــم عضـوا د شارف عبــد القــــادر أستاذ محاضـــــر "أ" جامعة شـلــــــــــــف عضـوا أ.د الشيخ محمد الأمين أستاذ التعليم العالــــي جامعة تلمســـــــــــان عضـــوا خبيرا السنة الجامعية: 3102- 3102

عدد الصفحات ١

إهداء إ لى إلتي حملتني وهنا على وهن... س ندي في إلحياة أ مي إلحبيبة و إ لى إلروح إلطيبة أ هدي أ جر هذإ إلعمل بعدما جعلته خالصا لوجه الله تعالى

عدد الصفحات ٢

أ حمد الله وأ شكره أ ن أ وجدني وغمرني بنعيمه شكري الجزيل ل س تاذي المشرف ال س تاذ الدكتور س يدي محمد غيث ي ممتنة أ نا لعائلتي الكريمة التي كانت لي معينا في ا نجاز هذا العمل الشكر موصول لكل من ساهم من قريب أ و من بعيد في ا خراج عملي هذا على أ حسن وجه وأ خص ذكرا الش يخ المقرئ ،وال س تاذ رياض بن عمار .

عدد الصفحات ٣

مقدمة ‌أ بسم الله الرحمن الرحيم الصلاة و السلام على خير المرسلين سيدنا محمد الصادق الأمين، من حمل الرسالة الربانية إلى الخلق أجمعين، و بلغهم القرآن بلسان عربي مبين، فجاء فصيحا واضحا خاليا من كل مبهم مشين. و بعد؛ فقد اهتمت الشعوب بلغاتها منذ القدم ، فاللغة ثابت من ثوابت الأمم و أحد مقومات الشخصية الوطنية، و لا ضير إن أخذت مجالا واسعا من الدراسة والتحليل و التمحيص. و لعل عناية العرب بلغتهم خير شاهد على ذلك؛ إذ تزخر أمهات الكتب بمختلف الدراسات اللغوية التي دلّت على سبقهم إلى عدد من العلوم بل و تميزهم فيها و من ذلك ما نجده في مجا الدر الصوي الذ تطنن ل العلماء العرب منذ القدم، حي اهتم وا بالأصوات العربية بشكل مباشر لما تحدثوا عنها لذاتها، أو بشكل عرضي لما شرحوا من خلاله ا ظواهر لغوية شتى. و قد انصب اهتمام الدراسات العربية القديمة على الجانب الطيزيولوجي للأصوات اللغوية، فتحدثوا عن أعضاء الننق في معرض حديثهم عن إنتاج الأصوات و ما يعتر هذه الأعضاء من تغيرات من شأنها أن تعني أثرا وا ضحا في الأصوات الناتجة. و كانت وسيلتهم إلى ذلك الملاحظة الذاتية المعتمدة على الحس و التجربة و الممارسة الشخصية . فأثناء الننق المتكرر يتمكن الدار من تحديد حركات أعضاء الجهاز الصوي لدي و باستعما السمع يستنيع وصف الأصوات المنتجة.

عدد الصفحات ٤

مقدمة ‌ب و كان الخليل بن أحمد الطراهيد أو من تنب إلى المسألة فأسس لها، و تبع سبوي فسار على نهج كما فعل ابن جني من بعده، و هذا لا ينطي اجتهاد كل من سيبوي و ا بن جني فكلاماا زاد على ما أثره و فصل في بقدر ملاحظات و ما توفر لدي من علم حطظ ل التاريخ. وجاء ابن سينا ليتناو المسألة بشكل أكثر دقة و علمية كون طبيبا فأفاد من علم التشريح ليثبت ما قال سابقوه و يعني حق من الشرح و التعليل و الإضافات. و قد كان ت كل تلك الجهود بمثابة الأرضية و النواة التي اننلق منها الغرب في دراساتهم للأصوات اللغوية. و قد توفرت في عصرنا الحالي كل الوسائل ال علمية التي تساعد على دراسة الأص وات اللغوية بشكل يجعل الشرح و التحليل أكثر سلاسة و دقة و من ثم يسهل عمل الباح في هذا الميدان، ويسهل أيضا على المتعلم أن يأخذ ما شاء من التقنيات التي تمكن من بلوغ مقصده في العلم. إن تسخير التكنولوجيات الحديثة و ما تتيح من وسائل و تجهيزات متنورة جعل الدر اللغو يكتسي طابعا خاصا تميزه الدقة و الموضوعية، إذ أن أصبح من الممكن بل و من الضرور إخضاع ما كان حبيس الملاحظة الذاتية والاجتهادات الشخصية إلى حكم الآلة و التقنية التكنولوجية حتى تقو كلمتها العلمية المحضة ، فإما أن تثبت ما قيل في مجا اللغة قديما و تدعم بالحجة و البرهان، و إما أن تنطي أو أن تصحح مع إعناء الرأ البديل الذ يح تكم إلى الموضوعية و دقة القيا . و هذا بالطعل ما حدث في مجا علم الأصوات بطروع الننقي و السمعي و الطيزيائي. و نحن إذ نصرّ على عصر نة البح اللغو فإننا لا ننطي إطلاقا جهود القدماء و لا ما قدموه للغة العربية في كل دروسها سيما ما تعلق بالدر الصوي . فلا يمكن بأ حا من الأحوا التنكر

عدد الصفحات ٥

مقدمة ‌ج لهؤلاء العلماء الأجلاء و نقصد في هذا المقام علماء اللغة و علماء التجويد ، فهم من أسسوا لهذا العلم فزادوا و تعمقوا و نقبوا في أصول إلى أن صار علما مستقلا و قائما بذات ، إلا أننا نشيد بالعلم الحدي و بطضل الآلات المتنورة في زيادة الشرح و ال تطصيل و التمحيص. و تندرج هذه المقاربة التي نحن بصدد تقديمها ضمن حقل الدراسات اللغوية المعتمدة بالدرجة الأولى على الوصف وفق منهج علمي تملي الحاجة إلى وضع معايير معينة لمحاولة ضبط و تبيان الخصائص الطيزيائية للمدود باعتبارها أداء صوتيا ينجلي في إطار القراءات القرآنية. و يبقى القرآن الكريم خير مدونة على مر العصور لدراسة مختلف الظواهر اللغوية ، لأن يمثل اللغة العربية الأصلية والأصيلة التي لم يعتريها التغيير، فجمع اللهجات العربية على ا ختلافها عندما جاء على سبعة أحرف، ومن هذا المننلق اخترت أن يكون بحثي في مجا القراءات القرآنية، و كانت عينات من القرآن الكريم بصوت مقرئ مجاز في محاولة مني إلى احترام المقاييس العلمية في البح ، فالقاعدة إنما تستقى من الصطوة، و صطوة ناطقي اللغة العربية هم القراء المجازون في قراءة و إقراء القرآن الكريم لحطاظهم على الننق الصحيح لأصوات ، و بالتالي ليتسنى لنا الوصف الطيزيائي الصحيح للمد. من أجل هذا ارتأيت أن أعنون بحثي بــ "دراسة مخبرية للأداءات الصوتية في القراءات القرآنية"، و اخترت قراءة ورش برواية نافع من طريق الأزرق. و قد وقع اختيار على هذا الموضوع تحديدا لأسباب منها: الرغبة في كسب ر ضا الله تعالى من خلا محاولة خدمة كتاب الشريف، إلى جانب ميولي إلى الدر اللغو العلمي الذ يتحقق بإخضاع اللغة إلى الآلة. بالإضافة إلى أن ظاهرة المدود في القراءات القرآنية من أهم الظواهر و أبرزها

عدد الصفحات ٦

مقدمة ‌د التي يتعين على قارئ القرآن أن يدركها و يتحكم في زمامها فحاولت أن أخضع بعض العينات للتجريب قصد وضع ضوابط زم نية بالدرجة الأولى للمد بأنواع ، ثم إنني لنالما حلمت بتقديم شيء ولو يسير لمدرسة النور لتحطيظ و تلقين و قراءة القرآن الكريم ، و هي مدرسة للنسوة و الأططا أسستها بعض الزميلات و طلبن مني تقديم يد المساعدة في هذا الإطار، و كثيرا ما كن يشتكين من صعوبة تلقين المد و إدراك فأردت أن أعالج المسألة آليا في هذا البح راجية أن أزيل اللبس، وأسهم في إبراز غنى لغتنا العربية . و قد اننلقت من إشكالية مدى إمكانية إخضاع اللغة العربية للدراسة العلمية المخبرية، و ما جدو ى هذا النوع من الدراسات؟ و هل ستتنابق النتائج المخبرية مع الموروث؟ وقع بحثي في مدخل و أربعة فصو و خاتمة. تناولت في المدخل التأصيل لعلم القراءات القرآنية ، و هو عرض تاريخي للقراءات القرآنية فتكلمت عن مطهوم القراءة القرآنية و أدرجت حدي الأحرف السبعة، و فرقت بين القراءة و الرواية و النريق . و تنرقت إلى الإمام نافع و راوي ورش، و أشرت إلى طريق الأزرق . كما أنني تحدثت عن علم التجويد و علاقت بالقراءة القرآنية والدر الصوي . أما الطصل الأو فعنونت بـ "الأصوات اللغوية بين القدمى و المحدثين"، تعرضت في إلى ماهية الصوت و الحرف ، و تناولت في أيضا الأصوات اللغوية بين القدامى و المحدثين من حي التصنيف و معاييره.

عدد الصفحات ٧

مقدمة ‌ه و جاء الطصل الثاني للحدي عن "المدود" موضوع الدراسة و تناولت عن اللغويين و عند المقرئين بشيء من التطصيل. أما الطصل الثال فخصصت "للظواهر التطريزية" أو فونيمات ما فوق التركيب ، و التي نعني بها المقنع و النبر و النتغيم و الإيقاع لما لها من صلة مباشرة بالدر الصوي سيما ما تعلق بالصوائت النويلة منها والقصيرة. و خصصت الطصل الرابع للدراسة الأكوستيكية لوصف الخصائص الطيزيائية لأحرف الم د واللين إلى جانب الدراسة المخبرية التي تعد أساسا لهذا البح . فحاولت إنشاء برنامج خاص للتعرف الآلي على المدود بأنواعها باعتبار الزمن أو الم دة، مستندة إلى برنامج Java و سلاسل ماركوف الخطية. و نظرا للتب اين الواضح بين مادة الطصو كان لز اما أن أنتهج في كل مرة منهجا خاصا يتلا ءم و طبيعة الموضوع ، حي لجأت إلى المنهج الوصطي، و الاستقرائي ،و التجريبي العلمي. وقد أفدت في عملي هذا من مجموعة من المصادر و المراجع بعد القرآن الكريم الذ انتقيت من بعض آيات المحكمات عينة لبحثي، ومن بين تلك المصادر و المراجع نذكر مثلا لا حصرا كتاب سيبوي ، و سر صناعة الإعراب لابن جني ، و النشر لابن الجزر ، و الأصوات اللغوية لإبراهيم أنيس ، و غيرها من أمهات الكتب التي لا غنى عنها للدار إلى جانب بعض مؤلطات دانيا جونز باللغة الإنجليزية مثل : An ont line of Englisth phonetics.

عدد الصفحات ٨

مقدمة ‌و و أ شير أخيرا إلى أنني واجهت عددا من الصعوبات في إنجاز هذا العمل، من ها صعوبة الحصو على دراسة حديثة متكاملة باللغة العربية في هذا المجا ، بالإضافة إلى الصعوبة اللامتناهية التي وجدتها في إنجاز العمل المخبر ، فالبرمجة الآلية تستوجب تكوينا علميا دقيقا في ميدان الإلكترونيات و الإعلام الآلي، و هو الأمر الذ ينقصنا كالنلبة بقسم اللغة العربية و آدابها، إلا أن هذه العقبات و غيرها زادتني إصرارا و رغبة في التحصيل العلمي قدر المستناع ، و في بلوغ غايتي الأسمى و هي خدمة القرآن الكريم ، فإن أصبت فمن الله وحده و إن أخنأت فمن نطسي و من الشينان و حسبي أني حاولت و اجتهدت. فضيلة مسعودي ‌‌‌‌‌‌‌تلمسان‌في: ‌50‌جوان3502‌

عدد الصفحات ٩

مدخل 1 اهتم العلماء العرب بدقائق اللغة العربية خدمة للقرآن الكريم و حفاظا له من الضياع بفعل التأثر بلغات مختلف الشعوب التي دخلت الإسلام، فظهر الدرس الصوتي بارزا استجابة لما تتطلبه قراءة القرآن من تحقيق صوتي صحيح لألفاظه و حروفه، و نحن إذ نقول قراءة القرآن الكريم وفق مقاييس و معايير معنية فإننا حتما نقصد علم التجويد الذي كان له "الأثر الكبير في انتعاش الدّرس الصوتي عند علماء العربية، ففي ظلّه تحدّدت معالمه، و توحدت مصطلحاته فكوّنت منه علما قائما بذاته، شأنه في ذلك شأن ما دأبت عليه لغات أخرى في عنايتها بعلم الأصوات لقدسية اللغة التي كانت بها كتبهم "1 . والتجويد هو الأداء الصحيح لألفاظ القرآن الكريم، و هو بمعنى الإتقان نقول جود يُ وّد جوويد ا إذا عمل عملا بوجه حسن، و جاد الشيء إذا صار جيدا، و جود إذا أتى بالشيء على صورة جيدة 2 . و"جوويد القرآن هو إعطاء الحروف حقوقه ا، و ترتيبها مراتبها ورد الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه و أصله وإلحاقه بنظير و شكله، و إشباع لفظه ، و تمكين النطق به على حال صيغته و هيئته من غير إسراف و لا تعسف، و لا إفراط و لا تكلّف، و ليس بين التجويد و تركه إلا رياضة من تدبره بفكه" 3. 1 أحمد مختار عمر، البحث الصوتي عند العرب، عالم الكتب، ط 2، القاهرة، 6791، ص61. 2 ينظر جمال الدين محمد بن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي ،بيروت، د ط ، د ت، مادة (ج. و .د 3 أبو عمروعثمان بن سعيد الداني، التحديد في الإتقان و التجويد، تحقيق غانم قدوري الحمد، دار عمار، ط6، عمان،2222، ص 16.

عدد الصفحات ١٠

مدخل 2 و لا بدّ في هذا المقام من التفريق بين علم القراءات القرآنية و علم التجويد، فعلى الرغم من أن ميدانهما واحد و من أنهما يشتركان في نقاط عدّة إلا أنها مختلفان، يقول المرع شي:" إن قلت ما الفرق بين علمي التجو يد و القراءات؟ قلت: علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية الحروف فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به، أما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم"1. و يؤكد المرعشي الفرق بين العلمين حين يقول اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلا يعرف في علم التجويد أن حقي قية التفخيم ك ذا، و حقيقة الترقيق كذا، و في القراءة يعرف فخمها فلان ورققها فلان "2 . و إذا جئنا للحديث عن القراءة القرآنية فإننا نقول بأن قراءة القرآن الكريم من أشرف الأشياء التي يمكن للإنسان أن يقوم بها، و القراءة لغة لفظ مفرد يمع على قراءات، و هي مصدر الفعل قرأ يقرأ قرآنا أو قراءة بمعنى تلا 3، فهو قارئ . غير أن السيوطي يرى " أن القرآن اسم علم مشتق خاص بكلام الله تعالى "4.أمااصطلاحا، فالقراءة " علم يعرف به كيفية أداء كلمات القرآن و اختلافها معزوا لناقلة، و موضوعه الكلمات القرآنية من حيث أحوالها التي يبحث عنها فيه كالمد و القصر 1 محمد بن أبي بكرالمرع شي، جهد المقل، دراسة و تحقيق، سالم قدوري الحمد، دار عمار للنشر و التوزيع، ط 2، عمان، الأردن، 2226، ص662. 2 ينظر، غانم قدوري الحمد، محاضرات في علوم القرآن، دار عمار للنشر و التوزيع، عمان، ط 6،2222، ص619. 3 ابن منظور، لسان العرب، مادة قرأ، ص 626. 4 جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مطبعة مصطفى الثاني حلبي و أولاده، ط 6716، ج6، ص12.

عدد الصفحات ١١

مدخل 3 وغيرهما، وله فوائد كثيرة منها صيانة كتاب الله تعالى من التحريف والتغي ، ومنها معرفة ما يقرأ به كل واحد من الأئمة القراء ، ومنها تمييز ما يقرأ به وما لا يقرأ به. والمقرئ بضم الميم وكسر الراء من علم القراءة أداء و رواها مشافهة. والقارئ مبتدئ ومتوسط ومنته، فالمبتدئ من أفرد إلى ثلاث روايات، والمتوسط إلى أربع أو خمس ، والمنتهي من عرف من القراءات أكثرها وأشهرها. و حفظ القرآن فرض كفاية... وكذا تعلم القراءات "1. فعلم القراءات القرآنية على هذا الأساس، هو "علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقا واختلافا مع عزو كل وجه لناقله "2. وقد يحدث اللبس بين مفهومي القرآن والقراءات القرآنية إلا أنهما حقيقتان م تغايرتان: فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها وهي مشهورة ومتواترة عند الجمهور 3. نشأتها:إذا تكلمنا عن القراءات القرآنية فلا مندوحة عن الكلام عن م وضوع القراءة القرآنية ، ونعني في هذا الموضع كلام الله تعالى المنزل على نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، المنقول إلينا بالتواتر والمتعبد بتلاوته. 1 المارغني، النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع، د ط، د ت، ص 26-22 2 عبد الفتاح القاضي، البدور الزاهرة في القراءات العشرة المتواترة من طريقي الشاطبية و الدري، دار الكتاب العربي، لبنان، بيروت، ط 6،6766، ص9. 3 3- الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية ،دط ، 6719،ج6، ص299.

عدد الصفحات ١٢

مدخل 4 وفي شأن نزول القرآن الكريم، روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال "سمعت هشام بن حكيم يقرأ سو رة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أنزلت، ثم قال: اقر أ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه "1. ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف"2. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" 3. وأخبر معمر عن قتادة قال:" قال لي أبي بن كعب: اختلفت أنا ورجال من أصحابي في آية فترافعنا إلى رسول الله صلى الله 1 ينظر أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، دار المعرفة للطباعة و النشر، بيروت، د.ط ، د.ت، ج 7،ص22. 2 ينظر أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي بنالجزري، النشر في القراءات العشر، دار الكتب العلمية، لبنان، ج 6 ، ص26. 3 العسقلاني، فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، ،ج7 ،ص22

عدد الصفحات ١٣

مدخل 5 عليه وسلم فقال: اقرأ يا أبي فقرأت، قال لآخخر: اقرأ، فقرأ، فقال: كلاكما محسن مجمل، فقلت: ما كلانا محسن مجمل، قال: فدفع النبي صلى الله عليه وسلم في صدري وقال: أي أُبي إن القرآن أنزل علي فقيل لي أَعَلى حرف أم حرفين؟ فقلت بل على حرفين، ثم قيل لي أعلى حرفين أم على أربعة أحرف، فقلت على أربعة أ حرف، فلم يزل بي حتى انتهى إلى سبعة أحرف كلها كاف شاف ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، وإذا كانت عزيز حكيم فقلت سميع عليم فإن الله سميع عليم" 1. ولا يتمارى اثنان في أن الأحاديث الواردة تتميز بدلالة واضحة المعالم تحيل على أن "الحكمة من نزول القرآن الكريم على سب عة أحرف هي التيسير على الأمة الإسلامية جميعا وبخاصة العرب الذين شرفوا بهذا الكتاب الكريم فقد كان فيهم من الاختلافات اللهجية ونبرات الأصوات وطريقة الأداء والاختلاف في مدلولات بعض الألفاظ ...ما يشق معه الأداء الواحد... فكان نزول القرآن على سبعة أحرف لونا من ألوان التيسير والتسهيل و رفع الحرج" 2. إذن تتفق الأحاديث السابقة على أن القرآن الكريم قد أنزل على سبعة أحرف وجميع الروايات التي صاحبت هذا الحديث تؤيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلا أن يمنع الناس من القدح في قراءة غيرهم وإنكارها عليهم 3،لأن أي قدح أو تقطيب حاجب أمام قارئي القرآن الكريم الذين لم 1 مقدمتان في علوم القرآن وهما مقدمة كتاب الباني ومقدمة ابن عطية، تحقيق آرثر جفري تصويب عبد الله إسماعيل الصاوي، مكتبة الخانجي، القاهرة، دط، دت ، ص229. 2 عدنان محمد زرزور، علوم القرآن مدخل إلى تفسير القرآن و بيان إعجازه، المكتب الإسلام، بيروت، ط 6 ،6766، ص662. 3 إبراهيم أنيس، اللهجات العربية، مطبعة الرسالة، د ط، د ت، ص 11.

عدد الصفحات ١٤

مدخل 6 يكونوا قد تعودوا بعد على اللسان العربي الفصيح قد يؤدي إلى الاشمئزاز وبالتالي العدول عن قراءة القرآن الكريم من قبل هؤلاء. وإذا كان العربي بليونة طبعه وسرعة بديهته قادرا على فهم كل ما جاء في النص القرآني بما في ذلك اللفظ الغريب والمعنى المستور ، فإن غيره لم يكن بإمكانه حتى التحقيق الصوتي لألفاظ القرآن الكريم. ولما كانت لغات العرب مختلفة ومتعددة تبعا للتعدد القبلي ، صعب عليهم الانتقال من لهجة إلى أخرى خاصة إذا تعلق الأمر بالشيخ المسن الذي جبل على التكلم باللهجة الوا حدة، والمرأة التي لم تكن لتجرأ على تخطي ديار قبيلتها فتستفيد من الاحتكاك اللساني بين القبائل، لما كان الأمر كذلك وجب التخفيف على الأمة، ونذكر هنا ما حدث مع الرسول صلى الله عليه و سلم عندما جاءه جبريل عليه السلام قائلا:" إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن عل ى حرف، فقال صلى الله عليه وسلم أسأل الله معافاته ومعونته، إن أمتي لا تطيق ذلك "ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف. فلو كلفوا العدول عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يستطاع 1. ولأن رحمة الله وسعت كل شيء يسر على عباده أمور دينهم. "فكان من تيسيره أن أمر ن بيه صلى الله عليه و سلم بأن يقرئ كل قوم بلغتهم و ما جرت عليه عاداتهم، فالهذلي يقرأ(عتى حين) يريد (حتى حين) لأنه هكذا 1 ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج6 ،ص21.

عدد الصفحات ١٥

مدخل 7 يلفظ بها ويستعملها، و الأسدي يقرأ (تِعْلمون) و (ت َعْلم) و(تِسود وجوه) و (ألم أعهد إليكم)، والتميمي يهمز و القرشي لا يهمز....إلخ" 1. و إذا عدنا للحديث عن اللهجة فإننا لا نقصد لهجة العرب وحدهم، فالقرآن الكريم كتاب سماوي أنزل لكافة المسلمين في أنحاء المعمورة ولم يكن حكرا على العرب بل ينضاف إليهم العجم ومن لا يمتون للعرب بصلة، "فإذا قرأ الهندي المسلم القرآن الكريم أمامنا ولاحظنا بعض الاختلافات الصوتية في نطقه وجب ألاّ ننكر عليه قراءته، فهي غاية جهده ولا يقدر على غيرها، ويب ألا تعدو تلك الأحرف النواحي الصوتية من اختلاف في مخرج الصوت، وتباين في صفته بين جهر وهمس أو شدة ورخاوة أو تباين في موضع النبر من الكلمة، أو مقاييس أصوات اللين إلى غير ذلك من الموضوعات التي يعرض لها علم الأصوات اللغوية لأن لكل شعب من الشعوب صفات صوتية تميزه عن غيره وتكون جزءا هاما مما يسميه المحدثون بالعادات الكلامية" 2. ويلاحظ وجود اختلاف بينّ بين العلماء في تفسير معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، و"لعل السر في اضطراب المفسرين لهذا الحديث (حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف) أنهم خلطوا بينه وبين القراءات السبع التي رواها وأسسها ابن مجاهد فظن بعض الشّراح أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع، وما كانت كلمة السبع في كل من الأمرين إلا مجرد مصادفة، وقد اختلف معناها في الحديث عن المعنى الذي أرا ده ابن مجاهد، ولو أن ابن مجاهد عالج القراءات النموذجية على أنها عشر 1 ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، تحقيق أحمد صقر ،دار إحياء الكتب العربية، دط، دت، ص27. 2 إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، مطبعة دار نهضة مصر ،جمهورية مصر العربية،دط،دت ، ص19.

عدد الصفحات ١٦