المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دين الموتى عبدالله بن صالح.1

غير معروف

صفحة ٦ من ١٣

89 إن مــا يلفــت النظــر أن الاختــلاف فــي التفســير يعــود إلــى أيام الصحابــة والتابعيــن مــن بعدهــم، ومن ثــم تتالــت الاختلافات. وفــي مراجعــة خاطفــة لعناويــن هــذه الاختلافــات نســجل: اختــلاف فــي التعابيــر وفــي تفســير الألفاظ ببعــض متضمناتها والاختــلاف فــي أســباب النــزول وفــي حــروف المعانــي وفــي الإعــراب وفــي الخــاص والعــام وفــي المطلــق والمقيــد. قــد يكــون التعصــب المذهبــي واتبــاع الأهــواء والاعتمــاد علــى الإســرائيليات ثــم الاختلافــات العقديــة والفقهيــة بيــن المفســرين وراء كل هــذه الاختلافــات، لكــن الســؤال الــذي يُطــرح، هــل يصــح أن يكــون كل ذلــك علــى حســاب القــرآن الكريــم؟َ!

عدد الصفحات ٨٩

90 آية واحدة تعكس المدى التي بلغته الاختلافات وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ ﴿ نزِلَ عَلَى ُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أ حَدٍ حَتَّٰ يَقُولَآ َ ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أ حۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ َ إِنَّمَا ن حَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَِّۚ َ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا نفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ َ لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا َرَوۡاْ بِهِۦٓ أ ﴾يَعۡلَمُونَ 102سُورَةُ البَقَرَةِ لقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية اختلافا عجيبًا. اختلفــوا فــي مرجــع ضميــر قولــه: اتبعــوا، أهــم اليهــود الذيــن كانــوا فــي عهــد ســليمان، أو الذيــن فــي عهــد رســول اللــه؟ واختلفــوا فــي قولــه، تتلــوا، هــل هــو بمعنــى تتبــع الشــياطين، أو بمعنــى تكــذب؟

عدد الصفحات ٩٠

91 واختلفــوا فــي قولــه، الشــياطين، فقيــل هــم شــياطين الجــن وقيــل شــياطين الإنــس وقيــل همــا معــا. واختلفــوا فــي قولــه، علــى ملــك ســليمان، فقيــل معنــاه فــي ملــك ســليمان، وقيــل معنــاه فــي عهــد ملــك ســليمان. واختلفــوا فــي قولــه، ولكــن الشــياطين كفــروا، فقيــل إنهــم كفــروا بمــا اســتخرجوه مــن الســحر إلــى النــاس وقيــل إنهــم كفــروا بمــا نســبوه إلــى ســليمان مــن الســحر. واختلفــوا فــي قولــه، يعلمــون النــاس الســحر، فقيــل إنهــم ألقــوا الســحر إليهــم فتعلمــوه، وقيــل إنهــم دلــوا النــاس علــى اســتخراج الســحر. واختلفــوا فــي قولــه، ومــا أنــزل علــى الملكيــن فقيــل مــا موصولــة والعطــف علــى قولــه مــا تتلــوا، وقيــل مــا موصولــة والعطــف علــى قولــه الســحر. واختلفــوا فــي معنــى الإنــزال فقيــل إنــزال مــن الســماء وقيــل بــل مــن نجــود الأرض وأعاليهــا. واختلفــوا فــي قولــه، الملكيــن، فقيــل كانــا مــن ملائكة الســماء، وقيــل بــل كانا إنســانين.

عدد الصفحات ٩١

92 واختلفــوا فــي قولــه، ببابــل، فقيــل هــي بابــل العــراق وقيــل بابــل نهاونــد، وقيــل، مــن نصيبيــن إلــى رأس العيــن. واختلفــوا فــي قولــه، ومــا يعلمــان، فقيــل علــم بمعنــاه الظاهر، وقيــل علــم بمعنــى أعلم. واختلفــوا فــي قولــه، فــلا تكفــر، فقيــل، لا تكفــر بالعمــل بالســحر، وقيــل لا تكفــر بتعلمــه. واختلفــوا فــي قولــه، فيتعلمــون منهمــا، فقيــل أي مــن هــاروت ومــاروت، وقيــل أي مــن الســحر والكفــر. واختلفــوا فــي قولــه، مــا يفرقــون بــه بيــن المــرء وزوجــه، فقيــل أي يوجــدون بــه حبــا وبغضــا بينهمــا، وقيــل إنهــم يغــرون أحــد الزوجيــن ويحملونــه علــى الكفــر والشــرك فيفــرق بينهمــا اختــلاف الملــة والنحلــة وقيــل إنهــم يســعون بينهمــا بالنميمــة والوشــاية. فهــذه نبــذة مــن الاختــلاف فــي تفســير كلمــات مــا يشــتمل علــى القصــة مــن هــذه الآيــة. مــن أقــوال المفســرين (أيضــاً) فــي قولــه تعالــى: (واتبعــوا مــا تتلــوا الشــياطين علــى ملــك ســليمان)

عدد الصفحات ٩٢

93 قول للفخر الرازي قولــه تعالــى (واتبعــوا) حكايــة عمــن تقــدّم ذكــره وهــم اليهود، ثــم فيه أقــوال: أحدهــا: أنهــم اليهــود الذيــن كانــوا فــي زمــان محمــد عليــه الصــلاة والســلام، وثانيهــا: أنهــم الذيــن تقدمــوا مــن اليهــود، وثالثهــا: أنهــم الذيــن كانــوا فــي زمــن ســليمان عليــه الســلام مــن الســحرة لأن أكثــر اليهــود ينكــرون نبــوة ســليمان عليــه الســلام ويعدونــه مــن جملــة الملــوك فــي الدنيــا، فالذيــن كانــوا منهــم فــي زمانــه لا يمتنــع أن يعتقــدوا فيــه أنــه إنمــا وجــد ذلــك الملــك العظيــم بســبب الســحر، ورابعهــا: أنــه يتنــاول الــكل وهــذا أولــى لأنــه ليــس صــرف اللفــظ إلــى البعــض أولــى مــن صرفــه إلــى غيــره، إذ لا دليــل علــى التخصيــص. قــال الســدي لمــا جاءهــم محمــد عليــه الصــلاة والســلام عارضــوه بالتــوراة فخاصمــوه بهــا فاتفقــت التــوراة والقــرآن فنبــذوا التــوراة وأخــذوا بكتــاب آصــف وســحر هــاروت ومــاروت فلــم يوافــق القــرآن، فهــذا قولــه تعالــى: وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَِّ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ ﴿ ﴾وتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَِّ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ ُ مِّنَ ٱلَّذِينَ أ 101سُورَةُ البَقَرَةِ ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر".

عدد الصفحات ٩٣

94 قول للطبري "والصــواب مــن القــول فــي تأويــل قولــه: (واتبعــوا مــا تتلــوا الشــياطين علــى ملــك ســليمان)، أن ذلــك توبيــخ مــن اللــه لأحبــار اليهــود الذيــن أدركــوا رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وســلم، فجحــدوا نبوتــه، وهــم يعلمــون أنــه للــه رســول مرســل، وتأنيــب منــه لهــم فــي رفضهــم تنزيلــه، وهجرهــم العمــل بــه، وهــو فــي أيديهــم يعلمونــه ويعرفــون أنــه كتــاب اللــه، واتباعهــم واتبــاع أوائلهــم وأســلافهم مــا تلتــه الشــياطين فــي عهــد ســليمان. وقــد بينــا وجــه جــواز إضافــة أفعــال أســلافهم إليهــم فيمــا مضــى، فأغنــى ذلــك عــن إعادتــه فــي هــذا الموضــع.

عدد الصفحات ٩٤

95 وإنمــا اخترنــا هــذا التأويــل، لأن المتبــع مــا تلتــه الشــياطين، فــي عهــد ســليمان وبعــده إلــى أن بعــث اللــه نبيــه بالحــق، وأمــر الســحر لــم يــزل فــي اليهــود. ولا دلالــة فــي الآيــة أن اللــه تعالــى أراد بقولــه: (واتبعــوا) بعضــا منهــم دون بعــض. إذْ كان جائــزا فصيحــا فــي كلام العــرب إضافــة مــا وصفنــا- مــن اتبــاع أســلاف المخبــر عنهــم بقولــه: (واتبعــوا مــا تتلــوا الشــياطين) إلــى أخلافهــم بعدهــم، ولــم يكــن بخصــوص ذلــك عــن رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وســلم أثــر منقــول، ولا حجــة تــدل عليــه. فــكان الواجــب مــن القــول فــي ذلــك أن يقــال: كل متبــع مــا تلتــه الشــياطين علــى عهــد ســليمان مــن اليهــود، داخــل فــي معنــى الآيــة، علــى النحــو الــذي قلنــا".

عدد الصفحات ٩٥

96 اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره: إن أهــم أســباب وقــوع الخــلاف بيــن المفســرين قديمًــا وحديثًــا يتمثــل فــي: أولا: القــراءات المتواتــرة للقــرآن الكريــم، واختــلاف مقاييــس قبــول القــراءة عنــد كل مفســر، واعتمــاد بعــض المفســرين علــى قــراءة متواتــرة تخالــف أغلــب مــا اعتمــد عليــه المفســرين وهــي روايــة حفــص. ثانــي هــذه الأســباب: المباحــث البيانيــة واللغويــة والنحويــة، ومــدى مطالعــة كل مفســر وتمكنــه مــن مفــردات اللغــة وتراكيبهــا المتعــددة وأثــر هــذا التبايــن فــي فهــم مفــردات اللغــة، وأثــر البيئــة اللغويــة المحيطــة بالمفســر فــي اختــلاف التفســير. ثالــث هــذه الأســباب هــو: دعــاوى النســخ والاختــلاف فــي الناســخ والمنســوخ، وعــدم تمكــن بعــض المفســرين مــن معرفــة زمــن النــزول أو ســببه والــذي يعــد المبحــث الرئيــس فــي معرفــة الناســخ والمنســوخ مــن آي القــرآن. رابــع هــذه الأســباب العامــة عنــد المفســرين والداعيــة إلــى اختلافهــم فــي تفاســيرهم هــو: موقــف المفســرين مــن القضايــا العقليــة وفهــم هــؤلاء المفســرين للمحكــم والمتشــابه مــن آي القــرآن الكريــم.

عدد الصفحات ٩٦

97 أما الأسباب الخاصة لاختلاف المفسرين فأهمها الاختــلاف فــي مقاييــس وقواعــد الحكــم علــى ســند أولً: الروايــات المفســرة لآي القــرآن الكريــم. الاختــلاف فــي مقاييــس وقواعــد نقــد المتــن لروايــات ثانيــا: تفســير القــرآن الكريــم. الاختــلاف العقــدي والانتمــاء الفكــري لــكل مفســر، ثالثــا: فتفســيرات المعتزلــة تختلــف عــن تفســيرات الأشــعرية وهــذه تختلــف عــن تفســيرات الآخذيــن بمنهــج الســلف الصالــح مــن المفســرين. الانتمــاء المذهبــي والاختــلاف الفقهــي، فتفســيرات رابعــا: المالكيــة تختلــف ولــو قليــلا عــن تفســيرات الشــافعية عــن تفســيرات الظاهرييــن، وخصوصًــا فيمــا يتعلــق بآيــات الأحــكام وأدلتهــا التفصيليــة. الاختــلاف فــي مصــادر التشــريع فيما ليــس فيه نص خامســا: محكــم، فبعــض المفســرين يقــدم قــول الصحابــي والبعــض الآخــر يأخــذ بالقيــاس أو الاستحســان أو الاســتصحاب، وكلهــا فيمــا ليــس فيــه نــص صحيــح صريــح.

عدد الصفحات ٩٧

98 علم رباني أم إسرائيليات كانت متداولة؟ في تفسير قوله تعالى: رۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ َ ِي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنّ ﴿ حۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ َ تَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَن َ أ ﴾عۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ َ ِيٓ أ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنّ 30سُورَةُ البَقَرَةِ

عدد الصفحات ٩٨

99 عند ابن كثير "يخبــر تعالــى بامتنانــه علــى بنــي آدم، بتنويهــه بذكرهــم فــي المــأ الأعلــى قبــل إيجادهــم، فقــال تعالــى: (وإذ قــال ربــك للملائكــة) أي: واذكــر يــا محمــد إذ قــال ربــك للملائكــة، واقصــص علــى قومــك ذلــك. وحكــى ابــن جريــر عــن بعــض أهــل العربيــة زائــدة، وأن تقديــر الــكلام: وقــال ربــك. ورده ابــن جريــر. قــال القرطبــي: وكــذا رده جميــع المفســرين حتــى قــال الزجــاج: هــذا اجتــراء مــن أبــي عبيــدة. (إنــي جاعــل فــي الأرض خليفــة) أي: قومــا يخلــف بعضهــم بعضــا قرنــا بعــد قــرن وجيــلا بعــد جيــل، كمــا قــال تعالــى: ﴾رۡضِ َ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأ ﴿ 165نۡعَامِ َ سُورَةُ الأ ﴾رۡضِۗ َ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأ ﴿وقال 62سُورَةُ النَّمۡلِ ﴾رۡضِ يَخۡلُفُونَ َ وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأ ﴿وقال 60سُورَةُ الزُّخۡرُفِ ﴾فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ ﴿وقال 59سُورَةُ مَرۡيَمَ

عدد الصفحات ٩٩

100 [ الزمخشــري وغيــره ونقلهــا القرطبــي عــن زيــد بــن علــي وليــس المــراد هاهنــا بالخليفــة آدم - عليــه الســلام - فقــط، كمــا يقولــه طائفــة مــن المفســرين، وعــزاه القرطبــي إلــى ابــن مســعود وابــن عبــاس وجميــع أهــل التأويــل، وفــي ذلــك نظر، بــل الخــلاف فــي ذلــك كثيــر، حــكاه فخــر الديــن الــرازي فــي تفســيره وغيــره، والظاهــر أنــه لــم يــرد آدم عينــا إذ لــو كان كذلــك لمــا حســن قــول الملائكــة: أتجعــل فيهــا مــن يفســد فيهــا ويســفك الدمــاء) فإنهــم إنمــا أرادوا أن مــن هــذا الجنــس مــن يفعــل ذلــك، وكأنهــم علمــوا ذلــك بعلــم خــاص، أو بمــا فهمــوه مــن الطبيعــة البشــرية فإنــه أخبرهــم أنــه يخلــق هــذا الصنــف مــن صلصــال مــن حمــإ مســنون الــذي يفصــل بيــن النــاس فيمــا يقــع بينهــم مــن المظالــم، ويــرد عنهــم المحــارم والمآثــم، قالــه القرطبــي علــى مــن ســبق، كمــا ســنذكر أقــوال المفســرين فــي ذلــك.

عدد الصفحات ١٠٠

101 وقــول الملائكــة هــذا ليــس علــى وجــه الاعتــراض علــى اللــه، ولا علــى وجــه الحســد لبنــي آدم، كمــا قــد يتوهمــه بعــض المفســرين بالقــول، أي: لا يســألونه شــيئا لــم يــأذن لهــم فيــه وهاهنــا لمــا أعلمهــم بأنــه ســيخلق فــي الأرض خلقــا. قــال قتــادة: وقــد تقــدم إليهــم أنهــم يفســدون فيهــا فقالــوا: أتجعــل فيهــا الآيــة وإنمــا هــو ســؤال اســتعلام واستكشــاف عــن الحكمــة فــي ذلــك، يقولــون: يــا ربنــا، مــا الحكمــة فــي خلــق هــؤلاء مــع أن منهــم مــن يفســد فــي الأرض ويســفك الدمــاء، فــإن كان المراد عبادتــك، فنحــن نســبح بحمــدك ونقــدس لــك، أي: نصلــي لــك كمــا ســيأتي، أي: ولا يصــدر منــا شــيء مــن ذلــك، وهــلا وقــع الاقتصــار علينــا؟ قــال اللــه تعالــى مجيبــا لهــم عــن هــذا الســؤال: (إنــي أعلــم مــا لا تعلمــون) أي: إنــي أعلــم مــن المصلحــة الراجحــة فــي خلــق هــذا الصنــف علــى المفاســد التــي ذكرتموهــا مــا لا تعلمــون أنتــم، فإنــي ســأجعل فيهــم الأنبيــاء، وأرســل فيهــم الرســل، ويوجــد فيهــم الصديقــون والشــهداء، والصالحــون والعبــاد، والزهــاد والأوليــاء، والأبــرار والمقربــون، والعلمــاء العاملــون والخاشــعون، والمحبــون لــه تبــارك وتعالــى المتبعــون رســله، صلــوات اللــه وســلامه عليهــم ".

عدد الصفحات ١٠١

102 بذل الجهد في الاختلاف في لون البقرة قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ ﴿في قوله تعالي ﴾إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ 69سُورَةُ البَقَرَةِ عنــد الطبــري: واختلــف أهــل التأويــل فــي معنــى قولــه: (صفــراء). فقــال بعضهــم: معنــى ذلك ســوداء شــديدة الســواد. ذكر من قال ذلك منهم: - حدثنــي أبــو مســعود إســماعيل بــن مســعود الجحــدري قــال، حدثنــا نــوح بــن قيــس، عــن محمــد بــن ســيف، عــن الحســن: صفــراء فاقــع لونهــا، قــال: ســوداء شــديدة الســواد. حدثنــي أبــو زائــدة زكريــا بــن يحيــى بن أبــي زائــدة. والمثنى بــن إبراهيــم قــالا حدثنــا مســلم بــن إبراهيــم قــال، حدثنــا نــوح بــن قيــس، عــن محمــد بــن ســيف، عــن أبــي رجــاء، عــن الحســن مثلــه. وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف.

عدد الصفحات ١٠٢

103 ذكر من قال ذلك حدثنــي هشــام بــن يونــس النهشــلي قــال، حدثنــا حفــص بــن غيــاث، عــن أشــعث، عــن الحســن فــي قولــه: صفــراء فاقــع لونهــا، قــال: صفــراء القــرن والظلــف. حدثنــي يعقــوب بــن إبراهيــم قــال، حدثنــي هشــيم قــال، أخبرنا جويبــر، عــن كثيــر بــن زيــاد، عن الحســن فــي قولــه: صفراء فاقــع لونهــا، قــال: كانت وحشــية. حدثنــي يعقــوب قــال، حدثنــا مــروان بــن معاويــة، عــن إبراهيــم، عــن أبــي حفــص، عــن مغــراء - أو عــن رجــل -عــن ســعيد بــن جبيــر: بقــرة صفــراء فاقــع لونهــا، قــال: صفــراء القــرن والظلــف. حدثنــي يونــس قــال، أخبرنــا ابــن وهــب قــال، قــال ابــن زيــد: هــي صفــراء. حدثنــي محمــد بــن عمــرو قــال، حدثنــا الضحــاك بــن مخلــد، عــن عيســى، عــن ابــن أبــي نجيــح، عــن مجاهــد: إنهــا بقــرة صفــراء فاقــع لونهــا، قــال: لــو أخــذوا بقــرة صفــراء لأجــزأت عنهــم.

عدد الصفحات ١٠٣

104 قــال أبــو جعفــر: وأحســب أن الــذي قــال فــي قولــه: صفــراء، يعنــي بــه ســوداء، ذهــب إلــى قولــه فــي نعــت الإبــل الســود " هــذه إبــل صفــر، وهــذه ناقــة صفــراء " يعنــي بهــا ســوداء. وإنمــا قيــل ذلــك فــي الإبــل لأن ســوادها يضــرب إلــى الصفــرة، ومنــه قــول الشــاعر: تلــك خـيلي منـه وتلـك ركـابي هــن صفــر أولادهــا كـالزبيب يعنــي بقولــه: " هــن صفــر " هــن ســود وذلــك إن وصفــت الإبــل بــه، فليــس ممــا توصــف بــه البقــر. مــع أن العــرب لا تصــف الســواد بالفقــوع، وإنمــا تصــف الســواد -إذا وصفتــه- بالشــدة بالحلوكــة ونحوهــا، فتقــول: " هــو أســود حالــك وحانــك وحُلكــوك، وأســود غِربيــب ودَجوجــي" - ولا تقــول: هــو أســود فاقــع. وإنمــا تقــول: " هــو أصفــر فاقــع ". فوصفــه إيــاه بالفقــوع، مــن الدليــل البيــن علــى خــلاف التأويــل الــذي تــأول قولــه: إنهــا بقــرة صفــراء فاقــع المتــأول، بــأن معنــاه ســوداء شــديدة الســواد. القول في تأويل قوله تعالى: فَاقِعٌ لَوْنُهَا قــال أبــو جعفــر: يعنــي خالــص لونهــا. و " الفقــوع " فــي الصفــر، نظيــر النصــوع فــي البيــاض، وهــو شــدته وصفــاؤه، كمــا:

عدد الصفحات ١٠٤