المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المحاسن والأضداد تحميل PDF

الجاحظ

صفحة ١ من ٢٤

مامأ 5 0 1ف 44 ا كاسوع راض مام سلف سنا كوي بجاح ظ البق المتتوق سَّنة 040كه ذبن إرل 0 م دم له وحققته 4 فى 37 .و يو ٍ ينج سوير تالآل ؤالحكنة التق السنيّة المنيًا بَيرّوت - لبكنان لصي للنام

عدد الصفحات ١

01م م 1[ رم - ا لداراحيّاءا م تلفو 045 ‎١١‏ ‏وا كم احانمنة ٍ با وولاة- بر ب

عدد الصفحات ٢

الحمد لله رب العالمين» والصلاة والسلام على محمد خير المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين. وبعدء فهذا كنز آخر من كنوز العلم والمعرفة التي خلفها لنا من بعض ما خلف شيخ أدباء العرب عمروبن بحر بن محبوب أبوعثمان الجاحظ المولود فى البصرة عام ‎١6١‏ هجرية أي عام ه/لام من أبوين فقيرين لم يأت التاريخ على ذكرهماء غير أن ما أجمع عليه المؤرخون أن الجاحظ نشأ فقيرا معدما لا يجد ما يعتاش منه فاضطر إلى بيع السمك والخبز على ضفاف نهر البصرة» ولهذا لم يستطع أن يتفرغ للعلم الذي شعر منذ صغره بميل جارف إليه وتلهف شديد للحصول عليه فقاده تفكيره إلى اكتراء دكان لأحد الورّاقين حيث كان ينام فيه ليلا فيطالع ما يجد من كتب أو ينسخها فتعلق في ذهنه ويستوعبها بسهولة ويسر ثم ينهض نهارا إلى العمل والكسب ومخالطة الناس وكثيرا ما كان ينقطع إلى الدكان في النهار ثم يرجع إلى أمه تعباً مكدوداً ليتناول طعامه وحدث مرة أنه عاد وانتظر الغداء وإذا ياأمه تحير صحتاً مملودا بالأوراق وتضعه أمامه فاستغخرب وسألها: ما هذا يا أماه؟ فقالت: هذا هو الطعام الذي تأتينا به يا بني . غير أن الجاحظ بجده وعمله هذا استطاع أن يحصل على معرفتين

عدد الصفحات ٣

لا بد منهما لتكوين شخصية أي أديب أولاهما: احتكاكه بسائر طبقات الشعب والتعرف على عاداتهم وميولهم وأعمالهم. وثانيهما: وقوفه على ما كتبه الأدباء السابقون أو المعاصرون من شعر وأدب, ولم يكتف الجاحظ بذلك بل أضاف إلى عمله هذا اختلافه إلى حلقات العلم والأدب, والدين واللغة» والشعر والفقه والحديث والمناظرات في القضايا المستجدة في عصره بين علماء الكلام والمذاهب التي كانت تقام في المساجد فاكتسب من ذلك الكثير» ثم انتقل من البصرة إلى بغداد التي كانت محجة الأدب والأدباء في العصرين العباسيين الأول والثاني اللذين قدّر للجاحظ أن يعيشهماء وعندما بدأت باكورة أدبه تخرج كتباً للناس لمع نجمه الأدبي , واتسعت شهرته العلمية بين أدباء عصره. وتحدث الناس بفضله وغزارة علمه. وكان اتصاله بالخليفة المأمون, وابن الزيات. والقاضي ابن أبي دواد» والفتح بن خاقان, وإبراهيم بن عباس الصولي فأهدى إلى بعضهم كتبه وارتفعت منزلته وعلا ذكره وطار صيته في الأقطارء وشاء الله أن يمد في عمره ليعاصر أحد عشر خليفة من خلفاء المسلمين من (المهدي حتى المهتدي) كما شاء الله له أن يشهد الصراع الفكري والديني والسياسي في هذين العصرين, لا سيما ذلك التنافس والتنافر الناتجين عن التفاعل بين العرب والعجم وهوما أطلق عليه اسم «الشعوبية») وكان للجاحظ فى ذلك كله موقف بارز بالانتصار للعرب . واتصاله هذا بالخلفاء والقادة والأدباء الكبار منهم والصغارء ولعامة الشعب من النخبة والسوقة أنضج مواهبه فراح يتحف المكتبة العربية بالكثير من مؤلفاته وكتبه المتوجة باسمه بعد أن كان في بدء حياته الأدبية ينتتحل لها بعض أسماء الأدباء المشهورين الذين سبقوه كابن المقفع وسهل بن هارون وسواهما فيقرأ الناس تلك الكتب ويستسيغونها ويقدّرون ما فيها من أدب وفن عاليين ثم يكيلون لمؤلفيها المديح والثناء.

عدد الصفحات ٤

بعد أن انتقل الجاحظ من وضعه المادي المتردي إلى الغنى والشبع واقتناء الخدم والعبيد أخذ يتنقل في البلدان المجاورة كدمشق واللاذقية وأنطاكية وسواها فصقلت تلك الرحلات نفسه. وأرهفت حسه وزادته معرفة على معرفة بالناس وطبائعهم وتقاليدهم الحسن منها والسيىء والمضحك والمبكي فكان أن ملأ المكتبة العربية. وأتحفها بما لا يقل عن المئة والسبعين كتاباً في مختلف العلوم من فلسفة وأدب. واجتماع ودين» وصناعة وسياسة» وتاريخ إنسان وبلدان» وحياة حيوان ونبات ومذاهب وأجناس . وطبائع وعادات عربية وأعجمية إلى غير ذلك من علوم وفنون» غير أن معظم هذه الكتب لم يصل إلينا بسبب عوامل كثيرة منها الحروب التي شاهدتها بلاد العرب ودمرت كثيراً من مكاتبهم. ومنها الجهل فقد أحرق «هولاكو» كثيراً من المكتبات وللجاحظ كما لغيره من الأدباء الكثير من المؤلفات ‏ كما أتلف الإإهمال وعدم الصيانة تلك الكنوز الفكرية الثمينة. أما الذي نجا منها فنشر, ولا يزال قسم كبير منها موزعاً في المكتبات لم تصل إليه أيدي الناشرين والمحققين بعد. ومن أجل هذا كله بقي الكثير من آثار الجاحظ وسواه من أدباء العرب وشعرائهم ومفكريهم غير معروف حتى الآن . لقد كان الجاحظ دميم الخلقة قبيح المنظر وقد سمي بالجاحظ لجحوظ عينيه وبروزهما ومع ذلك فقد كان خخفيف الظل» » سريع النكتة لأن الله عوض عليه فوهبه نفساً مرحة وذكاءً متوقداًء وقدرة على الفهم والاستيعاب فكان في كل ما كتبه محبباً إلى نفس القارىء. عظيم التأثير فيه ومع ما كان عليه من دمامة وقبح وفقر مدقع في أول نشأته فقد كانت البسمة لا تفارق كلمته بالإضافة إلى واقعيته وجديته حيث كان ينظر حوله بعينين نافذتين إلى عمق الأشياء فبراها على حقيقتهاء ‎٠‏ فيرى في الألم عزاءً» وفي الشدة رخاءً. وفي الجد هزلا وكانت هذه الرؤية تنعكس على ١

عدد الصفحات ٥

قلمه فيمزج الجد بالهزل والضحك بالبكاء حتى يحمل القارىء على الضحك في موضع البكاء. وإلى ذلك كله كان ذا شخصية قوية وعقل كبير لا يقتنع إلا بما يقبله عقله بعد مناقشة علمية صحيحة حتى قال فيه ابن العميد: كتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيا. لقد عاش الجاحظ في العصر العباسي وكانت المعرفة والعلم سيماء هذا العصر وكان التفاعل على أشده بين العرب وغيرهم من الشعوب الغريبة التي اعتنقت الإسلام فاستطاع بما أوتيه من ذكاء خارق وحب للاطلاع أن يستوعب علوم العرب والعجم جميعاً: ولذلك كان إنتاجه الأدبي غزيراً ومؤلفاته أكثر من أن تحصى ومنها هذا الكتاب «المحاسن والأضداد» الذي نحن بصدهه وإن كان بعض كناب العرب ونقادهم يستبعدون نسبته إليه . لقد سبق لي أن حققت كتاباً بهذا الاسم «المحاسن والمساوىء» للشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي وأقول بهذا الاسم لأن المساوىء هي نفسها أضداد المحاسن. وقد اكتشفت فى ذلك الكتاب ما يقرب من ثلاثين صفحة كانت موضع تساؤل واستغراب محفقفه الأول العالم الألماني (فريدريك شفالي) الذي يقول في مقدمته : إنه عثر على نسختين من كتاب المحاسن والمساوىء إحداهما فى «كلكوتا» بالهند. والثانية فى جامعة «لايدن» في هولنده وأنه وجد في النسخة الأولى ثلاثين صفحة زائدة غير موجودة في النسخة الثانية وأنه لا يعلم من أين أتت. وأثناء تحقيقي الكتاب المذكور رأيت أن البيهقي متأثر إلى حد كبير بأدب الجاحظ فأجريت مقابلة بين كتابه وبين المحاسن والأضداد فوجدت أن الموضوعات الزائدة فى نسخة كلكوتا منقولة كلها عن كتاب المحاسن والأضداد وقد أشرت إلى ذلك فى الكتاب المشار إليه .

عدد الصفحات ٦

إن المؤرخين يتفقون على أن البيهقي عاش مابين 570 و١٠"‏ هجرية أي 1774م والجاحظ ولد عام ‎١1١‏ ه أي هلالام فيكون البيهقي الذي جاء بعد الجاحظ أو أحد الذين حققوا كتابه هو الذي أضاف القطع التي تبلغ بمجموعها ثلاثين صفحة إلى كتابه نقلاً عن كتاب «المحاسن والأضداد)» . وإذا كان العصر العباسي كما قيل فيه بحق هو عصر الأدب الذهبي. فمن الطبيعي أن يكون التنافس على أشده بين أدبائه يومذاك. وأن يبذل كل منهم قصارى جهده وطاقته ليرى نفسه متفوقاً على منافسيه. وبما أن الجاحظ كان أقدرهم على تصوير الأشياء بحيث يزوج الكلمة الكلمة فتلدان الصور الملوّنة والأفكار الرائعة. والكلمة وضدها كالقبح والحسن, والصدق والكذب. والوفاء والخيانة مثلاً حتى ليختلط عليك الأمر بتساوي الضدد ين بالرغم من إيمانك بتفضيل أحدهما على الآخر. هذه المقدرة الأدبية لا نجد لها مثيلاً إلا فيما تركه الجاحظ في الحيوان والبخلاء وغيرهماء ودليلذا على أن المنافسة بلغت ذروتها في ذلك العصر هو رد الجاحظ في مقدمة كتابه الحيوان على منتقدي كتبه: كالصرحاء والهخباء. والقحطانية والعدنانية» والعرب والموالي» وغيرها. بنفس الأسلوب الذي يتميز به أبو عثمان فدعا لمنتقديه بالهداية والرشد دعاء ظاهره الرحمة وباطنه العذاب والسخرية والهجاء المرير . واستناداً لهذا كله. وللأسلوب المميز الجدي الساخخرء ومقارنة الأشياء بأضدادها يمكنني القول بأن الجاحظ هو صاحب كتاب «المحاسن والأضداد». بالأعلام, والأماكن. وتصحيح بعضص الكلمات. من حيث اللغة. أو وضع بديل عنها يتناسب مع الجملة والمعنى. ووضعت ذلك بين [معقفين] 8

عدد الصفحات ٧

إشارة إلى أنه منى وليس من الكاتب»؛ كما شرحت بعض معاني الجمل المبهمة» وس قت وشكلت كلمات الأشعار الواردة فيه» وتخرّجت الآيات القرانية فأعدتها إلى سورها وأرقامهاء والأحاديث النبوية إلى مراجعها ورواتها بقدرما تيسرلي من مراجع . والله الكريم أسأل أن يكون عملي هذا مفيداً لشباب أمتنا الصاعد وفي خدمة لغتنا العربية المجيدة وهو ولي التوفيق والسداد. /اارجب ‎١1١١‏ ‏؟ كانون الثانى ‎١9191١‏

عدد الصفحات ٨

الحمد لله رب العالمين وصلَى الله على رسوله سيدنا محمد وآله أجمعين . قال أبوعثمان عمروبن بحر الجاحظ: إني ربما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه. والرسائلء. والسيرة» والخطب» والخراج, والأحكام, وسار فول الحكمة وأنسبه إلى نفسي . فيتواطا على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركب فيهم» وهم يعرفون براعته وفصاحته. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفاً لملك معه المقدرة على التقديم والتأخيرء والحط والرفع» والترهيب والترغيب» فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة(2, فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي أُلّف له. فهو الذي قصدده وأرادوى وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريراً نقاباً» ونقريساً"2 بليغاً. وحاذقاً فطناًء وأعجزتهم الحيلة. سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه ‎)١(‏ الإبل المغتلمة: المنقادة, الهائجة بالشهوة. ‎(١‏ النحرير: الحاذق الفطن. ؛ العالم بالشيء. المجرب.». والنقاب : النافذ. المبالغ فى البحث» والنقريس : الداهية العظيم . والطبيب الماهر النظّار المدقق. الحاذق. ‎١

عدد الصفحات ٩

وحواشيه كتاباً وأهدوه إلى ملك آخرء ومنوا إليه به("2. وهم ذمُوه وثلبوه9) لما رأوه متسوبا إل وموسوما بى . . وربما ألّفت الكتاب الذي هودونه فى معانيه وألفاظه. فأترجمه باسم غيري وأحيله على من تقدّمني عصره مثل : ابن المقفع” "©. والخليل2»9. وسلم صاحب بيت الحكمة؛ ويحيى بن9) خالد. والعتابي' 1 ومن أشبه 0 من مؤلفي | الكتب. فيأتيني أولئك لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته على . ويكتيونه م ويصير ونه إماماً يقتدون به ويتدارسونه بينهم ويتأذبون نه ويستعملون ألفاظه ومعانيه فى به رياسة أن بهم قوم فبه لنه لم يترجم باسمي ولم ينسب إلى تأليفي . . وهذا كتاب وَسَمْتَه ( بالمحاسن والأضداد ) لم أسبق إلى نحلته. وله يسالتى أحد صنعه . . . ابتدأته بذكر محاسن الكتابة والكتب. وختمته فى ذكر شيءٍ من محاسن الموت والله يكلؤه من حاسد إذا حسد . المؤلف 0غ( مَنُوا به إليه : المنّ كل ما ينعم بهء يعني : أنعموا عليه به. (7) ثلبوه: من ثلب: عاب» لام. ز[فة ابن ا لمقفع : عبد الله بن | لمقفع : كاتب عباسي من أصل فارسي له كتاب كليلة ودمنة . وغيرهما من أئمة العربية واكتشف علم العروض توفي في البصرة (5١/8-1لالا)‏ . () يحيى بن خالد البرمكى : وزير الخليفة هارون الرشيد وزعيم البرامكة . (5) العتابي : كلثوم بن عمرو بن أيوب : شاعر عربي عباسي من بني تغلب. ١

عدد الصفحات ١٠

محاسن الكتابة والكتب كانت العجم تقيّد ماثرها بالبنيان والمدن والحصون. مثل بناء أردشير('2 وبناء اصطخر”" وبناء المدائن والسدير”” والمدن والحصون. . . ثم إن العرب شاركت العجم في البنيان» وتفردت بالكتب والأخبار والشعر والآثار. فلها من البنيان غمدان2*0 وكعبة نجران.» وقصر مأرس». وقصر مارد. وقصر شعوبء. والأبلق الفرد» وغير ذلك من البنيان . وتصنيف الكتب أشدٌّ تقييداً للمآثر على ممر الأيام والدهور من البنيان. لأن البناء لا محالة يدرس وتعفى رسومه. والكتاب باق يقع من قرن إلى قرنء ‎)١(‏ أردشير: هو أردشير بن بابك مؤسس الطبقة الرابعة من ملوك الفرس (ال ساسان) أو الأكاسرة . ‏(؟) اصطخر: مدينة في إيران كانت قديماً عاصمة الساسانيين فتحها أبوموسى الأشعري وعثمان بن العاص . وتُعرف اليوم باسم « مشهد » . ‏(”) المدائن: مجموعة مدن في العراق جنوبي بغداد, والسدير: قصر في الحيرة قريب من الخورنق اتخذه النعمان الأكبر لبعض ملوك العجم وسمي كذلك لكثرة شجره ونخله . ‏(:) غمدان: قصر في صنعاء اليمن كان يعتبر من عجائب الدنيا. وكعبة نجران: اسم البيعة التى بناها النصارى فى نجران لمضاهاة الكعبة المشرفة (ياقوت) وقصر مأرب: هو قصر مللكة سيا فى اليمن وقصر عازد : حصن يدومة الجندل» والأبلق حصن بتيماء قصدتهما الزّيّاء لعجت فقالت: «تمرد ماردٌ وعزّ الأبلقٌ» وقصر شعوب: قصر في اليمن معروف بالارتفاع . ‎1١

عدد الصفحات ١١

ومن أمّة إلى أمة . فهو أيدا ديف والناظر فيه مستفيدء وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير. وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور» ونقشاً في الحجارة» وخبلقة مركبة في البنيان» فربما كان الكتاب هو الناتىء. وربما كان هوالمحفور إذا كان ذلك تاريفاً لأمر جسيمء أو عهداً لأمر عظيم» أو موعظة يرتجى نفعهاء أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكرهء كما كتبوا على قبّة غمدان». وعلى باب القيروان2'7. وعلى باب سمرقند. وعلى عمود مأرب» وعلى ركن المشقر. وعلى الأبلق الفرد. وعلى باب الرهاء يعمدون إلى المواضع المشهورة, والأماكن المذكورة, فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور”2 وأمنعها من الدروس» وأجدر أن يراه من مر به ولا يُنسى على وجه الدهور. ولولا الجحكم المحفوظة والكتب المدونة لبطل أكثر العلم» ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر. ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكارء ولولم يعم ذلك لحرمنا أكثر النفع. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبهاء وخلّدت من عجيب حكمتهاء ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عناء وفتحنا بها كل مستغلقٍ فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم. وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم. لقد كان بخس حظنا منه. وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل. وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء. يكتبون كتب الظرفاء. والصلحاء. وكتب الملاهي. وكتب أعوان الصلحاء. وكتب أصحاب المراء والخصومات. وكتب السخفاء وحمية (1) القيروان: مدينة في تونس. وسمرقند: مدينة في خراسان بناها الملك الحميري شمر يرعش مكان مدينة (صغد) التي خرّبها. وعمود مأرب: بين صنعاء وحضرموت في اليمن» وركن المشقر: حصن كان في البحرين. والرها: مدينة بين النهرين في تركيا. (؟) الدثور: الانمحاء. والدروس : من درس : عفى » انمحى . 1١:

عدد الصفحات ١٢

الجاهلية». ومنهم من يفرط في العلم أيام خموله وترك ذكره وحداثة سنه ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم. ونازعت إلى حب الكتب, وأنفت من حال الجهل وأن يكونوا في غمار الوحش» ولدخل عليهم من الضرر والمشقة وسوء الحال ما عسى أن يكون لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير» وسمعت محمد بن الجهم يقول: «إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابا فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية التي تعتريني من سرور الاستنباه أشد إيقاظأ من نهيق الحمار وهدّة(١)‏ الهدم فإني إذا استحسنت كتابأ واستجدته ورجوت فائدته لم أوثر عليه عوضاً ولم أبغ به بدلاً. فلا أزال أنظر فيه ساعةً بعد ساعة كم بقي من ورقه مخافة استنفاده وانقطاع المادة من قبله» وقال ابن داحة: «كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس. فنزل مقبرة من المقابر وكان لا يزال في يده كتاب يقرؤه فسئل عن ذلك فقال: لم أر أوعظ من قبر. ولا انس من كتاب, ولا أسلم من الوحدة». وأهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب معه: هديتي هذه أعرّك الله تزكو على الإنفاق وتربو على الكد, لا تفسدها العواري( ولا تخلقها كثرة التقليب» وهي إنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة تؤنس في الخلوة وتمنع من الوحدة. مسامر مساعد ومحدث مطاوع ونديم صدق. وقال بعض الحكماء : « الكتب بساتين العلماء » . وقال اخر : الكتاب جليس لا مؤونة له . وقال اخر : الكتاب جليسٌ بلا مؤونة » وقال آخر : ذهبت المكارم إلا من الكتب . ‎)١(‏ الهَدّة: المرة من هدٌّ: صوت وقع الحائط ونحوه. 2( العارية » والعارة » والعارية بتشديد الياء ج : عواري . وعوار . والإعارة ما تعطيه غيرك شرط أن يعيده لك . ‎١6ه‎

عدد الصفحات ١٣

قال الجاحظ: وأنا أحفظ وأقول: الكتاب نِعَمَ الذخحر والعقدة. والجليس والعمدة('. وَنِعمَ النشرة ونِعَمَ النزهة, ونِعم المشتغل والحرفة. ونِعُمَ الأنيس ساعة الوحدة, ونِعُمَ المعرفة ببلاد الغربة, ونِعُمَ القرين والدخيل( والزميل» ونِعُمّ الوزير والنزيل. والكتاب وعاءٌ ملىء علماً وظرفٌ حشي ظرفاً وإناءٌ شحن مزاحاً.إن شكت كان أعبى من باقل". وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل 29 وإن شئت سرتك نوادره وشجتك مواعظه. ومن لك بواعظ مله "© وبناسك فاتك0© وناطق أ خرس؟ ومن لك بطبيب أعرابي ورومي هندي وفارسي يوناني ونديم مولاد: "© ونجيب ممتع؟ ومن لَك بشيء يجمع الأوّل والآخرء والناقص والوافرء والشاهد”») والغائب, والرفيع والوضيع, والغث والسمين» والشكل وخلافه» والجنس وضده؟ وبعدء فما رأيت بستاناً يحمل في ردن( . وروضة تنقل في حجرء ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء. ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك» ولا ينطق إلا بما تهوى؟ أمنُ من الأرضء» وأكتم للسر من صاحب ‎)١(‏ العمدة: ما يعتمد عليه, أي يتكأ عليه يقال: «أنت عمدتنا في الشدائد». ‏(9) الدخيل: من دخل في قوم وانتسب إليهم وهو ليس منهم» أو دخل في شيءٍ ليس منه. ‏(") أعيى من باقل : باقل : هو باقل الربعي ابن عمرو بن ربيعة الإيادي يضرب به المثل في البلاهة والعي . ‏(4) سحبان: هو سحبان وائل خطيب يضرب به المثل في الفصاحة والبلاغة . ‏(5) واعظ مله: الواعظ : الناصح . الداعي إلى إصلاح السيرة» واللهو: ما لهوت به من هوى وطرب وألهاك : شغلكء أنساك . ‏3( ناسك فاتك : الناسك : هو العابد المنقطع للعبادة» والفاتك : هنا بمعنى : الماجن. ‏0) المولّد: المحدّث من كل شيء ومنه المولّدون من الشعراء أو الأدباء سموا بذلك لأنهم ولدوا من أب عربي وأم أعجمية . ‏(8) الشاهد : الحاضر. ‏(9) ردن: جمع أردان: طرف الكمٌ الواسع كانت العرب تضع فيه الدراهم والدنائير. ‎1

عدد الصفحات ١٤

السرء وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة, ولا أعلم جاراً أمن. ولا ليطا أنصف, ولا رفيقاً أطوع , ولا معلماً أخضع, ولا صاحباً أظهر كفاية وعناية, ولا أقل إملال ولا إبراما: ولا أبعد من مراءء ولا أترك لشغب». ولا أزهد في جدال, ولا أكف عن قتال من كتاب . ولا أعمّ بياناً ولا أحسن مواتاة ولا أعجل مكافاة, ولا شجرة أطول عمراً ولا أطيب ثمراً ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكاً ولا أوجد في كل إان من كتاب . ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده. يجمع من السَيّر العجيبة والعلوم الغريبة واثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الجكم الرفيعة والمذاهب القويمة والتجارب الحميدة والأخبار عن القرون الماضية والبلاد النازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمعه كقاى . ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غِبّا وورده خمسا("©. وإن شئت لزمك لزوم ظلّك وكان منك كبعضك. والكتاب هو الجليس الذي لاايطريك. والصديق الذي لا يقليك”". والرفيق الذي لا يملّك. والمستمع الذي لا يستزيدك, والجار الذي لا يستبطئك,. والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق ولا يعاملك بالمكر ولا يخدعك بالنفاق. والكتاب هو الذي إِنْ نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجوّد بيانك وفخم ألفاظك وبججح نفسك ”2 وعمّر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك. يطيعك بالليل طاعته بالنهار»ء وفي السفر طاعته في الحضرء وهو المعلّم إن افتقرت إليه لم يحقرك, وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة. وإن عزلت لم يدع طاعتك, وإن هبّت ريح أعدائك لم )01( غًا: أتاه توا وتركه آخر ومنه الحديث «زر غباً تزدد حباً» والخمس : بكسر الخاء وهو أن ترعى الإبل يوماً وتترك الماء ثلاثة أيام ثم ترد في اليوم الخامس . (؟) يقليك: من قلى : أبغعض (0) بجح نفسَّك: زاد نفسك غنىّ وفرحاً وتفاخراً بالمعرفة . 1١ا7/‎

عدد الصفحات ١٥

ينقلب عليك». ومتى كنت متعلقاً منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء. وإِنْ أمثلَ مايقطع به الفرّاغ20 نهارهم وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم نظر في كتاب لا يزال لهم فيه ازدياد في تجربة وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين وتثمير مال. ورب صنيعة9") وابتداء إنعام. ولولم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك والنظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم ومن فضول النظر وملاسة صغار الناس ومن حضور ألفاظهم الساقطة ومعانيهم الفاسدة وأخلاقهم الردية وجهالتهم المذمومة لكان في ذلك السلامة والغنيمة وإحراز الأصل مع استفادة الفرع. ولولم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى واعتياد الراحة وعن اللعب وكل ما تشتهيه» لقد كان له في ذلك على صاحبه أسبغ النعم وأعظم المنة. وجملة الكتاب وإن كثر ورقه فليس مما يمل لأنه وإن كان كتابا واحداً فإنه كتبٌ كثيرة في خطابه والعلم بالشريعة والأحكام والمعرفة بالسياسة والتدبير. وقال مصعب بن الزبير: «إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون ويحفظون أحسن ما يكتبون ويكتبون أحسن ما يسمعون فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه الرجال فإنك لا ترى ولا تسمع إلا مختاراً ولَؤْلَوا منظوما». وقال لقمان لابنه: «يا بني نافس في طلب العلم فإنه ميراث غير مسلوب وقرين غير مغلوب ونفيس حظ من الناس وفي الناس مطلوب». وقال الزهري: «الأدب ذكرٌ لا يحبّه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا مؤنثهم) . وقال: «إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو ففى حائط») . وقال منصور بن المهدي للمأمون : «أيحسن بنا طلب العلم والأدب ؟ (1) الفرّاغ : الذين لا عمل لهم . فرغ فروغاً وفراغاً من العمل: خلا منه. (؟) الصنيعة : الإحسان. 1748

عدد الصفحات ١٦