المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البلاغي في آيات الخوف والرجاء سورة التوبة نموذجا

جيلالي أمينة حورية

صفحة ١ من ١٥

ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭﻴﺔ ﺍﻟﺠﺯﺍﺌﺭﻴﺔ ﺍﻟﺩﻴﻤﻘﺭﺍﻁﻴﺔ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ﻭﺯﺍﺭﺓ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﺒﺤﺙ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﺠﺎﻤﻌﺔ ﻭﻫﺭﺍﻥ ـ ﺍﻟﺴﺎﻨﻴﺎ ﻜﻠﻴﺔ ﺍﻵﺩﺍﺏ ﻭﺍﻟﻔﻨﻭﻥ ﻗﺴﻡ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺭﺒﻴﺔ ﻭﺁﺩﺍﺒﻬﺎ ﻤﺫﻜﺭﺓ ﺘﺨﺭﺝ ﻟﻨﻴل ﺸﻬﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺎﺠﺴﺘﻴﺭ ﺍﻟﻤﻭﺴﻭﻤﺔ ﺒــ: اﻹﻋﺠﺎز اﻟﺒﻼﻏﻲ ﻓﻲ آﯾﺎت اﻟﺨﻮف واﻟﺮﺟﺎء "ﺳﻮرة اﻟﺘﻮﺑﺔ ﻧﻤﻮذﺟﺎ" ﻣﺸﺮوع اﻟﺒﻼﻏﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ﺑﯿﻦ اﻟﺘﻄﻮر واﻟﺘﺠﺪﯾﺪ ـﻓﻲ إﻃﺎر ـ ﻤﻥ ﺇﻋﺩﺍﺩ ﺍﻟﻁﺎﻟﺒﺔ:ﺇﺸﺭﺍﻑ ﺍﻷﺴﺘﺎﺫ ﺍﻟﺩﻜﺘﻭﺭ: ﺠﻴﻼﻟﻲ ﺃﻤﻴﻨﺔ ﺤﻭﺭﻴﺔ ﻗﺩﻭﺭ ﺇﺒﺭﺍﻫﻴﻡ ﻋﻤﺎﺭ ﺍﻟﻤﻬﺎﺠﻲ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺍﻟﺠﺎﻤﻌﻴﺔ 2013-2014

عدد الصفحات ١

إهـــــــــــــــــــــــــــــداء إلى روح والدي الغالي الذي علمني حب الله وحب العلم وحب العمل رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه. إلى أمي الغالية التي أفنت العمر لتشهد فرحة نجاحي، وفقني الله للإحسان إليها. إلى أستاذي الغالي الذي لم يبخل عليّ بعلمه بكل حب ونزاهة ، أطال الله عمره وأثابه خير الثّواب. إلى صديق أحترم فيه احترامه لشخصي ياسين إلى كل من يحبّ ني ...

عدد الصفحات ٢

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة

عدد الصفحات ٣

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌أ بسم الله الرحمن الرحيم ا نّ الحمد لله نحمده ونس تعينه ونس تغفره ونتوب ا ليه، ونعوذ بالله من شرور أ نفس نا ومن سيئات أ عمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له،وأ شهد أ ن لا ا له ا لاّ الله وحده لا شريك له ، وأ شهد أ ن محمدا عبده ورسوله . يقول الله عزّوجلّ في سورة الا سراء : ﴿ قُل لَّئِنن اجْتَمَعَتن الاِنسُ وَالْجننُّ عَلََ أَن يَأْتُواْ بنمنثْلن هَذَا الْقُرْأ نن لاَ يَأْتُونَ بنمنثْلِنن وَلَوْ كََنَ بَعْضُهُمْ لنبَعْضٍ ظَهنيرًا ﴾ [88 ] فتبارك الذي نزّل هذا الفرقان علَ عبده ليكون للعالمين نذيرا، والحمد لله الذي هدانا به وأ خرجنا من الظّلمات ا لى النّور، وصلََّ الله علَ س يّدنا محمّد وعلَ أ بويه ا براهيم و ا سماعيل وسلّّ تسليما كثيراً . أ مّا بعد : فا نَّ أ نفع ما تفنى فيه ال عمار، وأ ولى ما تُصرَف ا ليه الهمم ، وتُعمَر به ساعات الليل والنهار، كتاب الله المجيد ، الذي لا يأ تيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،تنـزيل من حكيم حميد، فهو دس تور ال مة، وينبوع الهدى والرشاد، وهو تاج العربية ال علَ ومثَل بيانها ال سمى. بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته علَ كّن مقول، وتظافر ا يجازه وا عجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارَن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كَّ البيان جوامعه وبدائعه... فس بحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرَّفه بأ بدع معنىً وأ غرب أ سلوب! لا يس تقصي معانيه فَهم الخلق، ولا يحيط بوصفه علَ الا طلاق ذو اللسان الطلق، فالسعيد من صرف همَّته ا ليه، ووقف فكره وعزمه عليه .1 1 بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ، البرهان في علوم القرأ ن ،ج 1 ،ص 4 / 5 .

عدد الصفحات ٤

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ب وا نَّ من المقاصد التي عالجها القرأ ن وأ فاض فيها الخوف والرجاء . وكم يشعر المرء بهزَّة عند الوقوف بين يدي أ يات الخـوف والرجاء ، فيحسّ بهيبة أ لفاظـها ومعانيها، وتتـوق نفسـه ا لى الطُّمأ نينة في الدنيا وال خرة وال من يوم الفزع ال كبر. كيف لا وانتقاء أ لفاظها وا بداع س بكها وروعة تصويرها لمعانيها بلغ غايات البلاغة والبيان.من هنا نشأ ت فكرة الموضوع (الا عجاز البلاغي في أ يات ا لخوف والرجاء) رغبة في الاقتراب أ كثر من تلمُّس بلاغة الا عجاز فيها. وقد دعاني ا لى اختيار هذا الموضوع أ مور منها : ــ أ وّلا ابتغاء مرضاة الله عزّ وجلّ . ــ رغبتي في نيل شـرف التدبُّر في أ ي الكتاب ونظمه وتصريف بيانه. قال العلاّمة الجليل ابن عاشور (ت1131هـ رحمه الله : « حس بك أ نه حوى من العلوم والمعارف ما لا يفي العقل بالا حاطة به. فكم غاصت فيه أ فهام العلماء من فقهاء ومتكّنمين وبلغاء ولغويّنين وحكماء، فشابه الشيء الثقيل في أ نَّه لا يقوى الواحد علَ الاس تقلال بمعانيه » 2 ــرجائي في بيان قيمة علوم البلاغة العربية ، وأ ثرها في تنمية الذوق والا حساس بالجمال، وميلي ا لى قراءة ما يتَّصل به من فنون التعبير البياني . ــ توجيـه ال نظار ا لى اتخاذ القرأ ن منهجًا في فهم ما تنطـوي عليه الطبائع البشـريَّة المختلفـة في ش تََّّ جوانب الحياة، فا نَّ منـزل القرأ ن هو الله عزّ وعلا خالق البشـر، وهو أ علّ بطبائعـهم . ــ ا براز ال ثر الكبير ل حوال الخوف والرجاء علَ حياة الناس، ففي ظلّن الرجاء يرغد العيش وينبت الهناء ، وفي ظل الخوف يسعى المؤمن للاجتهاد في العبادة والطّاعة للفوز بمرضاة الله تعالى، وهذا مطلب كّ ا نسان في الدن يا وال خرة، يمتاز فيه المؤمن عن غيره بالنظر البعيد نحو أ فاقه ال خرويَّة 2 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير، الجزء 11 ، ص 444 .

عدد الصفحات ٥

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ج الخالدة. والخوف ركيزة مهمَّة من ركَئز العبوديَّة تنبني عليها علاقة المؤمن بربّنه. ــ وما أ بدع ما قـاله ابن القيمّن (ت 151هـ) في منـزلة الخـوف من العبادة : « القلب في سيره ا لى الله تعالى بمنـزلة الطائر، فامحببَّة رأ سه، والخوف والرجاء جناحاه، متتَّ سلّن الرأ س والجناحان فالطائر جيّند الطيران، ومتَّ قُطع الرأ س مات الطائر، ومتَّ فُقد الجناحان فهو عُرضة لكّن صائد وكَسر»3 . ولذلك كّنه اخترتُ الخوف والرجاء ل نهما معنيان متقابلان ومتلازمان ــ أ ما سبب اختياري لسورة التوبة هو لما فيها من ال غراض البلاغية المتنوع ـــــة من تحري ــــض للمسلمين علَ القتال في سبيل الله ، وتذكيرهم بنصر الله ، وترغيبهم في الجنة ووعدهم بالفوز في الدنيا وال خرة ثمّ ذم ،وترهيب ،وزجر،ووعيد لمشركين والمنافقين المتثاقلين والمعتذرين والمس تأ ذنين في التخلف بلا عذر عن الغزو مع رسول الله . ولما فيها أ يضا من أ ساليب ال مر والنهيي الاس تفهام ، ومن صور التشبيه والمجاز والاس تعارة و الكناية ، في تصوير فنيّ بلاغيّ دقيق تتفاوت فيه درجات البلاغة من أ ية ا لى أ خرى. واقتضت طبيعة البحث أ ن ينتظم في مدخل، ثلاثة فصول وخاتمة .تكفَّل المدخل بتجلية مفردات العنوان وفق مباحثَ ثلاث : ال ول : مفهوم الا عجاز وتطوره عبر العصور. الثاني : مفهوم الخوف والرجاء . الثالث : التعريف بسورة التوبة وسبب نزولها . الرابع : حصر أ يات الخوف والرجاء (ال ية و رقمها ) . 3 أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ص 454 .

عدد الصفحات ٦

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌د و تناول الفصل ال ول جهود العلماء في الا عجاز ، وحوى ثلاثة مباحث : أ ولها : جهود علماء الفكر الا سلامي القديم . الثاني: جهود علماء الفكر الا سلامي الحديث . الثالث: نشأ ة البحث البلاغي وتطوره. وتناول الفصل الثاني البلاغة الا عجازية ل يات الخوف في سورة التوبة ، وحوى ثلاثة مباحث : ال ول : علّ المعاني وأ سراره البلاغية . الثاني : علّ البيان وأ سراره البلاغية. الثالث : علّ البديع وأ سراره البلاغية. أ ما الفصل الثالث فتناول البلاغة الا عجازية ل يات الرجاء في سورة التوبة ، وحوى ثلاثة مباحث : ال ول : علّ المعاني وأ سراره البلاغية . الثاني : علّ البيان وأ سراره البلاغية. الثالث : علّ البديع وأ سراره البلاغية. وقد حفل الفصلان ال خيران بكنوز من الصور الفنية، وأ بانا عمَّا أ فاض به الفتَّاح العليم من أ سـرار بلاغيـَّة لتصـريف المعاني والبيان والبديع في عرض صـور الخوف والرجاء بطرق الحقيقة والبيان المعجز. وذُيّنلت الرسالة بعدئذ بخاتمة ضمَّت أ برز النتائج ، تلاها ثبت المصـادر والمراجع و فهـرس الموضوعات.

عدد الصفحات ٧

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ه وكَن منهجي في البحث كما يلي : ــ جمع المادة من مرجعها ال وّل القرأ ن الكريم بحصر أ يات الخوف والرجاء حصرًا أ وليًّا ، ثمَُّ انتقاء أ قربها دلالة للموضوع . ــ الرجوع ا لى ما تيسََّّ من كتب التفسير خاصَّة ذات النـزعة البلاغيّة ، وكتب علوم القرأ ن، ومعاجم لغـويَّة في المفردات والمعاني ، وقليـل من كتب النحو وا عراب القرأ ن لتح قيق المسائل التي يحتاجها المعنى ، وكتب الا عجاز من لغويّة وبلاغيّة ، بالا ضافة ا لى كتب البلاغة خاصّـة بعلومها الثلاثة المعاني والبيان والبديع ، للوقوف علَ بعض التعريفات والمسائل والتحليلات البلاغيَّة ، وتحرير ما قد يرد من أ قوال حول ال يات موضع الدراسة . ــ ا براز القيمة البلاغيـة لك فصل بالتعريف بموضوعه ، مع التركيز علَ القضـايا التي لا منـاص من الوقوف عليها ، وحرصـتُ علَ نقل كلام العلماء حسب التسلسل الزمني ، وتتـبَّعت ما أ مكن من أ رائهم . كما عزوتُ ال يات الواردة في البحث ا لى مواضعها في القرأ ن . ــ السير في تحليل ال يات علَ المنهج التارخيي الوصفيّن ، القائم علَ تحليل ال يات موضع الدراسة ، باس تقراء القضايا البلاغية ورصدها، ومن ثم تصنيفها وتحليلها ومناقش تها وقياسها بما ورد عند العلماء . ــ ا س تحضار الغرض من س ياق ال يات ، ثمَُّ تتبّع الصور التعبيريَّة الفنية فيها بالنظر ا لى مفرداتها ، مع تحليل الصور الواردة فيها تحليلاً بيانيـًّا يكشـف عن أ غراضها البلاغيّة، ومعانيـها العميقة وفـق ما رسمه عبد القاهر الجرجاني (ت111هـ) وك علماء البلاغة ، دون الاقتصـار علَ عنصر واحد في ا يراد الصورة .

عدد الصفحات ٨

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌و ــ اعتماد الفنون البيانية البارزة في ا دراج ال ية ضمن الفصلين ال خيرين للبحث . وفي بعض ال حيان أ ضطر ا لى التوسُّع في الفنّن البيـانيّ البارز فيها مع ا شـارات سريعة ا لى غيره من فنون البيـان لا براز جمال النظم وبلاغة الا عجاز. ــ العناية باس تجلاء اللطائف البيانيَّة في الس ياق القرأ نيّن واعتما د الصّنبغة الفنّنيـَّة التذوُّقية في ا براز ما في ال يات من نكتات بلاغيَّة . واحتكمتُ عند الاختلاف بين المفسّنـرين والبلاغيين حول جـانب من جوانب ال ية ا لى النظر في ال دلة والس ياق . ــ ا براز فاعلية الصور البيانيَّة من تشبيه واس تعارة وكناية، وامحبس نات البدي عية ولم أُغفل الصور الحقيقيَّة ، فكلاهما حاز أ علَ مراتب البـلاغة . وقد اسـتبعدتُ كثيرًا النصوص التي ذهب بعض أ نصار التأ ويل ا لى تلمُّس المجاز والكنايات فيها ، و الرأ ي الذي ملتُ ا ليه هو أ خذ الن صوص علَ ظاهرها الذي فسََّّها به السلف دون تأ ويل ا لاَّ بد ليل من النصّن نفسه أ و من خارجه ، ل نَّ ال صل في كلام الله الحقيقة . ــ الحرص علَ بيان ال سرار البلاغيَّة با براز ظاهرة التحوُّل ال سلوبّن في اتّنفاق المعاني أ و تقابُلها أ و التغاير الزمنيّ، وتجلية الفوا رق بينها بتأ مُّل أ فانين النظم القرأ نيّن ، وأ ثرها في ا يصال المعانى . ــ العناية بالشواهد سواء كَنت شعرًا أ م كلامًا منثـورًا ل حد العلماء ، وعزوتها ا لى مصادرها ، وذكرتُ أ صحابها وما يتَّصـل بها. ولم خيل الموضوع من جملة من الصـعوبات كَن أ شـدّها علَ النفـس الخو ف من الزلل، والقصور عن فهم أ سرار البيان المعجز، لكن حس بي في ذلك أ ن أ تمثَّل قول العلامة الطاهر بن عاشـور: « لم أ ر غرضًا تناضلت له سهام ال فهام ، و لا غاية تسابقت ا ليها جياد الهمم فرجعت دونها

عدد الصفحات ٩

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ز حسَّى ، و اقتنعت من صُبابة نزْرًا ، مثل الخوض في وجوه ا عجاز القرأ ن الكريم »4. ناهيك عن صـ عوبة حصر ال يات في هذا الموضـوع ، متجال النفس رحب تتشـابه فيه الانفعالات، فيرتبط الذلُّ والندم والحز ن بالخوف خاصَّـة في بعض ال يات ، مما يجعـل ال مر يحتاج ا لى صـفاء ذهن وطول فكر وعمُق فحص فيما ورد عند ا لمفسّنـرين وأ هل اللغـة والبلاغة. ومن الصعوبات أ يضًا ما يحتاجه تأ مُّل النصوص وتطبيق الفنون البلاغيَّة من ا معان فكر، وطول مراجعة لكلام أ هل العلّ . فضلاً عن كثرة المراجع وتفـرُّق مادة البحث في كتب البلاغة ، و اللغة ، و التفسير . وما كَن لهذه الرسـالة أ ن تكتمل لولا فضـل الله ، ثمَُّ توجيهات المشرف الدكتور قدو ر ا براهيم عمار المهاجي ، فكم سخا بعلمه ووقته الثمين حاثًًّّ خطاي ، حريصًا علَ خروج البحث في أ حسـن صورة صيـاغة ومضـموناً ومنهجًا . وليس أ مـامي ا لاَّ أ ن أ توجَّـه ا لى الله أ ن يجـزيَه خير ما يجـزَى به العلمـاء المخلصين وأ ن يبـارك في علمه ووقته وأ هلِ. كما أ زجي صادق الشـكر مكَّلاً بالدعاء ا لى والدتي الحبيبة التي ما فتئت تدعو لي، وتسـتحثُّني علَ ا كمال رحلتي العلميّة ، وتعينني بتوجيهاتها السديدة . أ سأ ل الله أ ن يجزيها خير ما جزى به والدًا عن ولده . وأ ترحم علَ أ وَّل من غرس في نفسي حبّ القرأ ن والا حساس ببلاغته، فكم اس تمعتُ ا ليه تارة يرتلِ في أ رجاء منـزلنا العامر بصوته العذب ، وتارة يدعو الواحد ال حد أ ن يجعل القرأ ن العظيم ربيـع قلوبنا . ا نَّه والدي الحبيب - رحمـه الله - ما زال صوته يرنّ في أ ذنيّ و تتـردّد أ صـداؤه في جنباتي ، 4 محمد الطاهر ابن عاشور ، التحرير و التنوير، ج 1 ،ص 99 .

عدد الصفحات ١٠

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ح فاللهم ارحمه رحمة واسعة، وأ سكنه فس يح جنّاتك. والشكر بعد لا خوتي ال عزَّاء ولكّن قلب نبض لهذا البحث ا حساسًا وأ ملاً ودعاء. فاللهم اجزهم جميعًا، وكَّ من أ هداني علمًا نافعًا خير الجزاء ، اللهم ثقـّل موازينهم وقولهم بفضلك ، ا نك وليّ ذلك والقادر عليه. وفي الختام أ سأ ل المولى عزّ وجلّ أ ن يتجاوز عن تقصيري ، متا قصدت من موضوعي هذا ا لاَّ أ ن أ نال رشفة من أ عذب منهل ، وحس بي أ ن أ قف خاشعة أ مام ا عجازه الرباّنيّن أ متّع البصر بلطائف نظمه ، وأ رهف السمع لعظيم بيانه . و أ حمـد الله علَ ما منَّ به من فضـل وكرم ، وأ توب ا ليه مم ا نـدَّ به الفَهم، أ و زلَّ به القلّ ، وأ صلي وأ سلّّن علَ خير خلقه، وأ شدّنهم خش ية له وأ عظمهم طمأ نينة بربّنه ، نبيّننا محمد وعلَ أ له وصحبه أ جمعين .

عدد الصفحات ١١

المقـــــــدّمـــــــــــــــــــــة ‌ط

عدد الصفحات ١٢

المدخـــــــل 1 مفهوم الإعجاز وتطوره عبر العصور الإعجاز هو الفوت والس بق ،ويطلق على الفائز السابق لخصمه ، الذي جعل خصمه عاجزا عن اإدراكه 5 .والإعجاز البلاغي هو الذي ذهب اإليه الأكثرون من علماء أأهل النظر وس يطر ع مباحث المتكلمين في الإعجاز ،سواء منهم من جعلوه الوجه الذي يصحّ به التحدي بالسورة الواحدة من القرأ ن. والإعجاز عند الجرجاني (174ه هو حسن النظم والتأأليف ، و النظم هو توخي معاني النحو وأأحكامه فيما بين الكلمات الجمل .6 واإعجاز القرأ ن هو أأنه أأعجز الكافرين عن أأن يأأتوا بمثله ، فكذبوا رسول الله ،وزعموا أأنّ القرأ ن الذي معه ليس كلام الله ، واإنّما هو كلام بشر أ خر.كما زعموا القدرة على معارضته ، فتحداهم الله تعالى أأن يؤلفوا مثله ، ولكنهم لم يس تطيعوا وعجزوا ، فصار القرأ ن معجزا لهم ، وأأوقع بهم العجز والضعف والقصور والتأأخّر. فاإعجاز القرأ ن اإذن هو عدم قدرة الكافرين على معارضة القرأ ن ، وقصورهم عن الإتيان بمثله ، رغم توفر ملكتهم البيانية ، وتقرير عجزهم . كما تتعلق باإعجاز القرأ ن أأمور هامة تتمثل في كون قليل القرأ ن وكثيره في شأأن الإعجاز سواء ، وفي كون الإعجاز في بيان القرأ ن ونظمه ومباينة خصائص بيانه لخصائص بيان لغة العرب ، وفي قدرة العرب على الفصل بين كلام البشر وكلام غيرهم ، وفي معرفتهم أأن المطلوب منهم في التحدي هو مثل هذا البيان القرأ ني ، وفي أأنه لم يكن المطلوب منهم في التحدي الإتيان بمثل القرأ ن مطابقا لمعانيه ،واإنما المطلوب مثله في البيان فقط ، وأأنّ التحدي في القرأ ن مس تمر اإلى يوم الدين للكافرين المنكرين الزاعمين القدرة على المعارضة .7 5 صلاح عبد الفتاح الخالدي ، اإعجاز القرأ ن البيا، ص 41 . 6 عبد القاهر الجرجاني ، دلئل الإعجاز ،ص 11 . 7 انظر مقدمة تحقيق محمود شاكر في كتاب دلئل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ، ص 6 .

عدد الصفحات ١٣

المدخـــــــل 2 والواقع أأن المصنفات الأولى في الإعجاز على اختلاف مذاهب أأصحابها كانت أأش به بمباحث بلاغية . وبعد أأن اس تقلت البلاغة بالتأأليف والتصنيف ، وجّ ت اإلى ددمة الإعجاز البلاغي ، يقول الزمخشري : «ل بد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول الله ومعرفة لطائف حجته.»8. لقد جاء العلماء بأ راء مختلفة فى الوجوه التى جعلت القرأ ن الكريم معجزا اإلى يوم القيامة وسأأذكرها فيما يلى بالختصار الشديد: من هذه الأقوال القول بالرففة ، ومعناه أأن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم ، وكان من الممكن أأن يعارضوا القرأ ن، ولكن الله تعالى سلب صلاحيتهم فرففهم عن المعارضة. فشأأن هذا الإعجاز مثل سائر المعجزات للأنبياء . ولكن هذا القول فاسد للوجوه ال تية: منها أأن تحدي الله تعالى يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، لأن الله تعالى لو سلبهم القدرة لم يبق فائدة لجتماعهم. ومنها أأن الإجماع منعقد على اإضافة الإعجاز اإلى القرأ ن وفى القول بالرففة يضاف الإعجاز اإلى الله تعالى بأأنه أأعجز الناس كافة عن معارضته ، وهذا الإعجاز غير راجع اإلى القرأ ن الكريم ول اإلى حس نه واإلى مزاياه وهذا القول مردود . ومنها أأنه يلزم من القول بالرففة فساد أ خر وهو زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي، لأن الرفف كان راجعا اإلى الناس الذين كانوا موجودين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاإذا انتقلوا من هذه الدنيا انتهى الرفف فلم يبق الإعجاز القرأ ني، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة على بقاء معجزة الرسول العظم ول معجزة له باقية سوى القرأ ن ودلوه من الإعجاز يبطل كونه معجزة . 8 جار الله الزمخشري ، الكشاف، الجزء الثّاني ، ص 3.

عدد الصفحات ١٤

المدخـــــــل 3 يقول الباق«الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة اإعجاز القرأ ن ، أأنّ نبوّة نبيّنا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة . فأأما دللة القرأ ن فهىي عن معجزة تامة ، عمّت الثّقلين ، وبق يت بقاء العرفين ، ولزوم الحجة بها في أأول وقت ورودها اإلى يوم القيامة اإلى حد واحد.»9 ومنها أأن من وجوه كون القرأ ن معجزا ، هو أأن وجه الإعجاز راجع اإلى التأأليف الخاص به ل مطلق التأأليف ، وهو بأأن اعتدلت مفرداته ترك يبا وزنة ، وعلت مرك باته معنى ، بأأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى . فالإعجاز راجع اإلى حسن الكلمات وحسن الترك يب بعضها مع بعض وحسن المعاني الموجودة في مرك باتها. ومنها أأن الإعجاز في ما فيه من الإخبار عن الغيوب المس تقبلة . و فى ما تضمن من اإخبار عن قصص الأولين وسائر المتقدمين . ومنها أأن التحدي اإنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة أألفاظه ، اإعجازه أأن الله أأحاط بكل شيء علما وأأحاط بالكلام كله علما ،وبهذا جاء نظم القرأ ن في الغاية القصوى من الفصاحة.ومنها أأن وجه الإعجاز في الفصاحة و في ما فيه من النظم والتأأليف والترصيف ،وأأنه دارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب ومباين لأساليب خطاباتهم . ومنها أأنه شيء يوجد بالحس والذوق ولكن ل يمكن التعبير عنه .ومنها أأن لإعجاز القرأ ن وجا أ خر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه اإل الشاذ فى أ حادهم ، وهو صنيعه بالقلوب وتأأثيره في النفوس ، وهذا يدل على كمال أأثر القرأ ن في القلوب ، حتى في قلوب الذين أأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها وهو قول أأهل التحقيق أأ ن الإعجاز وقع بجميع ما س بق من الأقوال ل بكل واحد عن انفراده. 9 أأبو بكر الباقلاّ ، اإعجاز القرأ ن ، ص41.

عدد الصفحات ١٥

المدخـــــــل 4 لقدكان أأول اس تعمال لمصطلح الإعجاز في القرن الثالث الهجري ، على يد علي بن ربن الطبري ( 717ھ) في كتابه ( أ ية النبيّ)10 ، واإبراهيم بن س يار النظام (734ه ، وأأقرّ بالرففة أأي أأن الله صرف الكفار عن معارضة القرأ ن ، ثم الجاحظ (711 ه في كتابه ( نظم القرأ ن ) وقال بالإعجاز البياني ، وابن قتيبة (776ه في كتابه ( تأأويل مشكل القرأ ن ) . وفي القرن الرابع الهجري شهد الإعجاز نهضة كبيرة ، فبدأأ الكلام عنه يأأدذ طابع التقعيد والتنظيم والترتيب ، وشهد تأأسيس أأفكار وأ راء أأصيلة على أأيدي : الرماني (381ه في كتابه (النكت في اإعجاز القرأ ن) ، و الخطابي (388ه في كتابه (البيان في اإعجاز القرأ ن). أأمّا القرن الخامس الهجري ، فقد شهد توس يع القول في اإعجاز القرأ ن وبسط الأدلة عليه ، وتفصيل القول في وجوهه ، وتم ذلك على يد الباقلاني (113ه في كتابه (اإعجاز القرأ ن) ، و الجرجاني (174ه في كتابه ( دلئل الإعجاز ). وفي القرن الرابع عشر الهجري شهد الإعجاز انطلاقة واسعة على أأيدي علماء وباحثين فصلوا القول في حقيقته ، وفي وجوهه وأألوانه ، وفي أأمثلته وتطبيقاته.11 وبهذا انتقلت دراسة اإعجاز القرأ ن من نظرات مجملة اإلى دراسة مفصلة ، وتحول النظر اإ الإعجاز من كونه وس يلة اإلى غاية سامية هي اإثبات النبوة والمصدر الرباني للقرأ ن ،لتكون الدراسة غاية بحد ذاتها ،أأمام التعبير القرأ ني نفسه ، وأأساليب البيان المعجز فيه ، ومظاهر النظم الدقيق السامي فيه، وأأصبح علما مس تقلا هو علم البلاغة القرأ نية ، أأو علم أأساليب البيان في القرأ ن ، أأو علم النظم القرأ ني الرائع .12 يقول الإمام الش يخ أأبو بكر الباقلاني (113ھ) : «والوجه الثالث أأنه بديع النظم ،عجيب التأأليف، متناه في البلاغة اإلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.وما يش تمل عليه بديع نظمه 10 أأبو بكر الباقلاّ ، اإعجاز القرأ ن ، ص 84 . 11 صلاح عبد الفتاح الخالدي ،اإعجاز القرأ ن البياني ، ص 81 . 12 صلاح عبد الفتاح الخالدي، ص 418 .

عدد الصفحات ١٦