المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أثر البلاغة في التغير الدلالي للكلمات سورة البقرة نموذجا

عيسى بن الطيب

صفحة ١ من ٩

1 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة أبي بكر بلقايد –تلمسان- كلية الآداب واللغات قسم اللغة والأدب العربي مشروع الدراسات الدلالية العربية مذكرة التخرج لنيل شهادة الماجستير الموسومة : أثــر البلاغـة فـي التغـيــر الدلالـي للكلمات ســــورة البقـــرة -نمــــــــوذجــا- إعداد الطالب: إشــــــــــــراف : عيسـى بن الطـيـب د.أحمد قريش أعضاء لجنة المناقشة ة أ.د. عبد الجليل مرتاض أستاذ التعليم العالي جامعة تلمسان رئيسا د . أحمـــد قريش أستاذ محاضر "أ" جامعة تلمسان مشرفا أ د.خالدي هشام أستاذ التعليم العالي جامعة تلمسان عضوا أ.د.مصطفاوي عبد الجليل أستاذ التعليم العالي جامعة تلمسان عضوا د.عبد الناصر بوعلي أستاذ محاضر "أ" جامعة تلمسان عضوا السنة الجامعـيـــة: 3416.3415 //1035.1034

عدد الصفحات ١

2

عدد الصفحات ٢

3 إهـــــداء إلى من أوصى الله بهما خيرا كثيرا، وطاعة أبدية فقال : وَقَضَى رَبُّكَ أَلاا تـَعْبُدُوا إِلاا إِيااهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا  (الإسراء11.) إلى والديعبد القادر رحمه الله -رحمة واسعة – وقداس روحه وطياب ثراه الذي تمنى وأحب لي النجاح والفلاح والصلاح . وإلى قرة العين ومنبع الحنان، ومعراج الحب، إلى الوالدة الحبيبة الغالية المعطاءة التي ما بخلت عليا يوما بدعواتها المباركة الطيبة أطال الله بقاءها في كنف ا لعمل الصالح، وبارك فيها. إلى إخوتي وأخواتي والزوجة الكريمة وأبنائي مالك، فاطنة قطر الندى، جوهر. إلى كل الأهل والأقارب من أعمام وعمات وأخوال وخالات وجميع الأصهار والأصحاب من قريب وبعيد.

عدد الصفحات ٣

4 أهدي ثمرة هذا الجهدالمتواضع. قال الله تعالى: َ ومَن شَكرَ فإنِّمَا يَشْكُرُ لِنـَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنا ربِّي غَنِيٌّ كَرِيم ) النامل :40( وقال النبي الكريم:(مَنْ لاَيَشْكُر النااس لاَيَشْكُرِ اللهَ (. وإنني لأتقدم بخالص الشُّكر وعظيم الامتنان لمن لم يدخر في دعمي لإتمام هذا البحث جهداً أو وقتاً مبتدئاً بأستاذي المشرف الدكتور :أحمد قريش حفظه الله ورعاه على نصحه وإرشاده حتى خرجت هذه المذكرة على أفضل صورة ووجه. ثم الشُّكر موصول لكل من الأستاذ:عبد الناصر بوعلي صاحب المشروع،وكل أساتذتي الذين نهلت من علمهم وكل الأساتذة الفضلاء بالجامعة عل ى تكرمهم وعلى تفضلهم بقبول مناقشة هذه المذكرة وعلى كل إفادة، أو نصيحة،أو توجيه،قدموها لي. كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من ساهم ولو بالدعاء لإتمام هذه المذكرة. وأخيراً كل الـــشكر إلى قسم اللغة والأدب العربي أساتذةً وعاملين.

عدد الصفحات ٤

5 الحمدعلى كل النعم ، و أفضل نعمه أن هدانا للإسلام، وأنزل إلينا كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم، وهو الحقل الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي أسراره. و إن الدارس للبحوث اللغوية عند العرب قديما وحديثا يجد أنها كانت ولا تزال تسعى جاهدة لخدمة أقدس وأفضل كتاب وأشرفه وهو القرآن الكريم. و قد كان العمد الكبير في الدراسة بالرجوع إلى التراث العربي شعرا ونثرا لفهم كتاب الله عزول، الذي نزل بلغة العرب وعلى عاداتهم وفي استعمالاتهم وحياتهم وشؤونهم اليومية. وخير دليل على ذلك أن التفاسير الأولى كان السند الأول والأ خير وبه البدء كلام العرب في ذلك، والشعر الأصيل الذي هو ديوانهم. بيد أن البحث البلاغي تطور وازدهر في كنف الدراسات والبحوث اللغوية في عدة ميادين وكانت تحوم حول النحو والدلالة ، حيث ما لبث إلى أن صارت الدلالة ركيزة أساسية بل فرعا يلتقي إلى حد كبير مع البلاغة في علم المعاني. ومع هذا فلا تكاد العلاقة تنفك بين الدلالة والبلاغة، حيث إن الدلالة تدرج ضمن علم المعاني بالخصوص إذا تتبعنا نقاط اللقاء ومجال البحث. و لعل أهم استثمار للبلاغة والدلالة من الجانب التنظيري وبالأخص التطبيقي القرآن الكريم كلام الله المنزل على أشرف الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. مقــــــــــــــــــــــدمـــــــــــــــــــــــــة

عدد الصفحات ٥

6 ومع هذا فهناك مقولة مشهورة يعلمها القاصي والداني وهي (الألفاظ قبور المعاني) ، التي يستشف منها: أن المعاني مترامية هنا وهناك علمها من علمها وجهلها من جهل. والقرآن الكريم إعجازه البياني وسحر كلماته أربك الكثير م ن الدارسين البلغاء المتضلعين في فهم معانيه ومكنوناته. وهو ماجرني إلى عدة إشكاليات أهمها: هل القارئ لكتاب الله على علم بالمعاني حين القراءة ؟، وهل البلاغة التي حدد معالمها علماؤنا الأجلاء قادرة على حصر إن لم نقل تحديد المعاني لفهم هذا الكتاب العزيز الذي لا ي أتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟، وهل دلالة الكلمات في القرآن واحدة أم متعددة؟ وما سر هذه الدلالة القرآنية ؟، وكيف يمكننا تبيان أثر البلاغة في تغيير دلالة الكلمات في القرآن الكريم؟ . وأملا مني في خدمة للقرآن الكريم وحرصا على إبراز بعض جوانب إعجازه ا لتي كشف عنها الأقدمون والمحدثون، ولا يزالون يكشفونه ، ويبقى البحث مستمرا ، إذ يسعى ويجتهد الباحثون للتنقيب عن خبايا الوحي المنزل وبيان أسراره ، حتى وضعوا علم البلاغة إلى جانب علم الدلالة، لإعطاء وجه هذا السحر البياني والرونق السليم والجزالة ومنتهى الفصاحة ومبلغ الفهم. و يعد مجال البحث في القرآن الكريم من أهم الاستثمار المعرفي الموضح بالحجج الدامغة والمعارف القطعية، وهو ما جعلني أختار البحث في جانب البلاغة ووجه الدلالة في القرآن الكريم بالخصوص في سورة البقرة ليكون مسرح الدراسة بالتنظير والتطبيق ، والتي نسأل المولى القدير أن أوفق و أحيط بجوانب البحث و أعطيه حقه ولو بالنزر القليل. أ

عدد الصفحات ٦

7 ومن جملة أهداف اختيار الموضوع ما يلي:  العناية ببلاغة القرآن الكريم وإعجازه وبيانه.  تأصيل العلاقة بين البلاغة وعلم الدلالة وتأثرهما ببلاغة الوحي.  الإحاطة بأهم القضايا البلاغية وبالخصوص علم اعاني لصلتها بالدلالة.  صقل الذوق البلاغي والدلالي لفهم النصوص وتذوقها والحكمعليها.  بيان أثر القرآن الكريم في نشأة علمي البلاغة والدلالة وتطورهما.  استنباط الخصائص البلاغية من خلال القرآن الكريم.  التمكن من الفهم الصحيح للقرآن الكريم بإتقان دراسة الأساليب ال عربية البليغة ومدى تغيرها دلاليا. وعليه ففي المدخل ذكرت بداية الدراسات الأولى للبلاغة والدلالة، وهو ما مكنني من الولوج إلى الفصل الأول والموسوم بأثر البلاغة في المعنى والذي تضمن تعريفا للبلاغة وأهميتها ثم فروعها الثلاثة (علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع)، وتحدثت عن أهم المباحث البلاغية من تقديم وتأخير، وفصل ووصل، وتعريف وتنكير، وإظهار وإضمار، وقصر وإيجاز وإطناب ومساواة ومجاز. ب

عدد الصفحات ٧

8 أما الفصل الثاني فقد عنون بالتغير الدلالي للكلمات، وكان مضمونه تعريف الدلالة وأثرها في فهم النصوص، ثم علاقة اللفظ بالمعنى، ثم مظاهر التغير الدلالي (انتقال الدلالة من عام إلى خاص انتقال الدلالة من خاص إلى عام، رقي الدلالة، هبوط الدلالة)، بالإضافة المشترك اللفظي، الأضداد حروف المعاني، وختمته بالفروق اللغوية. والفصل الثالث وهو الجزء التطبيقي فتحدثت عن سورة البقرة، وسبب تسميتها ونزوله ا وفضلها، وعرجت إلى المفسرين البلاغيين، ثم بينت تغير الدلالة في السورة بدءا بالتقديم والتأخير والمشترك اللفظي، والتضاد، وأخيرا حروف المعاني. وختاما كانت الخاتمة وهي خلاصة وحوصلة بحثي، وفيها عرضت أهم النتائج الموصل إليها. وقد اعتمدت كتبا منوعة، منها ما هو م ن أمات الكتب العتيقة، ومنها ما هو حديث ومعاصر. والله نسأل السداد والتوفيق إنه ولي ذلك والقادر عليه. تلمسان في :10 أفريل 1035 عيسى بن الطيب ج

عدد الصفحات ٨

9 مدخـــــــــــــــــــــــــــــــل د

عدد الصفحات ٩

1 في بحثي هذا كان مدار الدراسة على شقين ه امين هما:الدراسات البلاغية والدلالية وميدانهما. فالدراسة البلاغية نالت اهتمام الكثير قديما وحديثا، و "قد قدم علماؤنا القدماء خدمات جليلة، وعظيمة، وكانوا يتوزعون على ثغور متعددة كل منهم يحاول أن يسد ثغرة وكان توفيق الله يحالفهم، نظرا التي ظهرت في علومهم الغزيرة، وظهرت كذلك في قبول الناس لذلك التراث العظيم الذي خلفوه. واحتلت الأمة تلك المكانة العظيمة بفعل الإسلام، حيث انتشل الناس من حياة الضياع والضلال، حياة الطاقات المهدرة إلى حيا ة الإيمان والاستقرار، حياة العلم، حياة البذل في كل الميادين. وليس ذلك بأمر مستخف، فلقد انبثقت جل العلوم التي خلفها علماؤنا بباعث إيماني وانتشرت دراسات متعددة حول القرآن الكريم، وينشئون من حوله العلوم التي تساعد على فهمه، وعلى استنباط معانيه، وكل ما يكفل الا ستفادة العظمى من كلام الله تعالى. وكانت البلاغة العربية من هذه العلوم، منذ أن كانت بدايات متواضعة إلى أن مخضتها التجارب، من خلال تتابع نظر العلماء الأفذاذ فيها، تحدوهم العزيمة والإرادة، فأصبح للبلاغة شأن عظيم، عرف قدرها كل من اشتغل بتفسير القرآن الكريم، ح تى وجد أن العلماء يجعلونها من الأعمدة الأساسية لكل طامح إلى تفسير كلام الله تعالى. هذا وقد ارتبطت البلاغة العربية تاريخيا بأمرين هامين هما: الأول: كونها أداة للتعبير الجميل في كل نص أدبي رفيع، سواء كان هذا النص من نتاج البيئة الجاهلية أم بعد ظهور الإسلام. الثاني: تلك الصلة العظيمة – حقا – بين البلاغة، وبين الكشف عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

عدد الصفحات ١٠

2 وكون الإعجاز القرآني إعجازا يرجع إلى فصاحته، وبلاغته ونظمه يكاد يكون موضع إجماع ب من كتبوا في الإعجاز قديما وحديثا إضافات أخرى كالإخبار عن الغيوب، وصدق الوع د، والوعيد والخبر قديما، وكالإعجاز العلمي حديثا. ورغم هذا كله، فإن المذهب المختار في الكشف عن وجوه الإعجاز القرآني هو المذهب البلاغي بما تحمله من معان تدخل تحت مفهوم البلاغة أو النظم. و"بهذا اكتسبت البلاغة العربية منزلة رفيعة بين العلوم الإسلامية، وارتبطت بكتاب الله العزيز، توضيحا وتفسيرا وبيانا وإعجازا ". 1 ومع هذه المكانة الرفيعة للبلاغة، فإنها قد أصبحت دعامة أساسية للعديد من العلوم اللغوية الأخرى، وباعتبارها ركنا ركينا فقد "اتسعت سرادقات هذا العلم العربي الأصيل، ليتجاوز القرآن، وقضية الإعجاز، إلى وضع معالم ومنارات للبيان الرفيع، يهتدي بها أولئك الذين يتطلعون إلى أن يسلكوا في سلك الأدباء الصناع ... ولم تكن الفنون البلاغية التي يقوم عليها هذا العلم إلا ثمرة بحث، وخلاصة استقراء طويل، وهداهم ذلك النظر والتأمل والتذوق إلى مواضع الإحسان، وعناصر الجمال التي يمتاز بها التعبير الفني الممتاز، فحصروا تلك المواضع، وحددوا معالم بيانية، ثم صبوها في قوالب العلم، والمعرفة المستنيرة، التي تلتقي فيها الحدود والتعريفات بالمصطلحات والتقسيمات. وأصبحت البلاغة بذلك علما من علوم الأدب، بل لقد كانت البلاغة أول علم استقل وتميزت مباحثه من بين العلوم الأدبية أو العلوم الجمالية، ثم انقسم هذا العلم الواحد إلى ثلاثة علوم، كما هو معلوم، وتحددت معالم كل علم منها،وتميزت مباحثه، وتعددت روافده، حتى كان ذلك التراث الهائل من البحوث البلاغية التي زخرت بها المكتبة العربية. 1 دور البلاغة العرب ية في دراسة النص الأدبي وتقويمه، سعيد بن طيب المطرقي ، جامعة أم القرى، 6991،السعودية، ص7-8.

عدد الصفحات ١١

3 وقد تأثر البحث البلاغي أثناء مسيرته الطويلة بكثير من العوامل التي أثرت في حياة هذه الأمة، وساعدت على تكوين مزاجها الفني، فقد غلب الطابع الأدبي والمزاج الذوقي ببساطته في القرون الأولى، ثم جنح إلى التأمل العميق، وقياس الأشباه والنظائر، والإفادة من النظرات الجديدة الوافدة على البيئات العربية والإسلامية في عصور الحضارة الزاهرة ". 1 إلى أن قال: " فما أبعد الفراق بين بلاغة الأمس تذب عن القرآن، وتنبه إلى وجوه الإعجاز البياني فيه، وتحكم في الآداب، وتوجهها إلى حيث ينبغي أن تكون، وبلاغة اليوم، وهي في أحسن أحوالها عند نابتة هذا الزمان حدود تذكر، وأقسام تحصر، وشواهد تستظهر ". 2 ومع هذا الزخم من البحث والدراسة، إلا أن البلاغة تبقى بضوابطها وقوانينها، ولها فضائل جمة، في إعطاء دفع قوي للمعاني، وللألفاظ. ولزاما مني -بعد الخوض في غمار البلاغة –أنني إذا تحدثت عن المعاني، وجب الحديث عن الدلالة والدرا سة في هذا الميدان، فقد نشطت هذه الدراسات الدلالية على نحو بارز قديما وحديثا. "وامتدت البحوث الدلالية العربية من القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية إلى سائر القرون التالية لها، وهذا التأريخ المبكر إنما يعني نضجا أحرزته العربية وأصله الدارسون في جوانبها، وغايتنا من تناول الدرس الدلالي على هذا النهج التأصيلي هي: أن تشكل الدلالة علما عربيا له شخصيته مما يساعد على إنجاز تطبيقات حديثة بوضوح ووعي لدى اللغويين ...". 3 إلى جانب ذلك " كان البحث في دلالات الكلمات من أهم ما لفت اللغويين العرب، وأثار اهتمامهم، وتعد الأ عمال اللغوية المبكرة عند العرب من مباحث علم الدلالة مثل تسجيل معاني الغريب في القرآن الكريم، ومثل التأليف في الوجوه والنظائر في القرآن، ومثل إنتاج المعاجم الموضوعية ومعاجم الألفاظ، وحتى ضبط المصحف بالشكل يعد في حقيقته عملا دلاليا لأن تغيير الضبط يؤدي إلى تغيير وظيفة الكلمة، وبالتالي إلى تغيير المعنى .... 1معجم البلاغة العربية ، بدوي طبانة، دار المنارة للنشر والتوزيع ، ط3، 6988، جدة -السعودية، ص 7-8. 2 المرجع نفسه، ص9. 3علم الدلالة العر، فايز الداية، دار الفكر، ط6،6981،بيروت -لبنان،ص7.

عدد الصفحات ١٢

4 وتنوعت اهتمامات اللغويين التي تمثلت فيما يأ أ – محاولة ابن فارس الرائدة – في معجمه المقاييس – ربط المعاني الجزئية للمادة بمعنى عام يجمعها. ب– محاولة ابن جني ربط تقلبات المادة الممكنة بمعنى واحد .... . ج– البحوث الدلالية التي امتلأت بها كتب مثل: المقاييس لابن فارس – الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس -الخصائص لابن جني – المزهر للسيوطي". 1 بالرغم من هذا فقد (امتاز الدرس اللغوي الحديث بالابتعاد عن الحدس والتخمين، والتوجه نحو الموضوعية العلمية البحتة التي لا تتأثر بالآراء الفردية ولا التصورات الجاهزة، وقد اتخذ من الملاحظة والاستقراء والاستنباط قاعدة يسير عليها، وهذا ما أكسبه الاحترام من قبل الدارسين. والبحث اللغوي عند العرب منذ بداياته تركز على تحديد المعنى وما يحتويه القرآن الكريم من معان ومقاصد، فلقد كان هم ال دراسات العربية بمختلف فروعها ومسمياتها نحوا وصرفا وبلاغة ولغة ومعاجم، " معرفة المعنى "،وكان النقاش والتوجيهات للمسائل التي دارت بين العلماء تصب في خانة المعنى وقرروا أن " كل ما صلح به المعنى فهو جيد وكل ما فسد به المعنى فمردود "، وهذا أقوى دليل على المكانة التي يحتلها علم المعنى. وقد كان علم الدلالة جزءا ملازما لعلوم العربية لم ينفصل عنها، إلا أنه اتخذ مسارا مستقلا ومتكاملا قائما بذاته عند علماء الأصول ... وإن علم الدلالة علم قديم وإن بدا أنه حديث، فما من أمة من الأمم إلا وبحثت في ألفاظ لغتها، محاولة تحديد المعنى الذي يحمله اللفظ عندما يكون مفردا، وبيان ما يؤول إليه المعنى عندما يوضع في تركيب، هو علم قديم باعتبار أن البحث في المعنى من حيث الوضوح والغموض والصحة 1علم الدلالة، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، ط1 ،6988، القاهرة -مصر، ص02 –06.

عدد الصفحات ١٣

5 وعدمها والاحتمال والفساد، وما تتعرض له دلالة الألفاظ من تحول في المعنى إلى معنى آخر وأسباب هذا التحول ومظاهر مشاهد وملاحظ في أقدم ما وصل إلينا من تراث الأمم. والعلماء العرب جاءت مباحث الدلالة عندهم موزعة في مختلف علومها وتراثها، حيث كان المعنى هو الوجهة والأساس الذي إليه يقصدون وبه كانوا معنيين، لذا لا نعدم أن نرى أسسا وأصولا تشبه وتضارع ما توصل إليه عل م الدلالة بمفهومه الحديث، تنثر هنا وهناك في التراث العربي ...).1 والذي يلاحظ أن الكثير من الباحثين، بينوا ما للبلاغة والدلالة من أثر في تغير المعنى، وهو ما سيطرح في الفصول الآتية بدءا بالبلاغة والعناية بها في أن يكون المعنى هو قطب رحى النشأة والبحث والدراس ة. 1علم الدلالة عند العرب ، عليان بن محمد الحازمي ، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج61، ع07،0220، السعودية، ص721.

عدد الصفحات ١٤

6 *الفصل الأول : أثر البلاغة في المعنى توطئـــــــــــــــــــــة : جعل الله لغة العرب طريقا إلى تدبر القرآن الكريم وفهمه ، فقال عز من قائل: إِنَّا جَعَلْنَاه ق رْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّك مْ ت َعْقِل ونَ (الزخرف 3)، أي من سلك هذا السبيل بلغ من كتاب الله عز وجل مبلغا عظيما، ومن أعرض عنه أضاع سبيل الرشاد. وقد كثرت العلوم وحامت حول مكامن هذا الوحي الشريف، وهو ما لمسناه في علم البلاغة (كعلم قائم بذاته)، الذي اهتم بمعنى المادة في الكلمة المفردة، وبمعنى صيغتها، وبالمعاني التي تنشأ م ن حركات تركيب الكلمات ومواقع الكلمات في الجمل ، وبالمعاني التي تتأثر دلالة ألفاظها بالسياق، وبكيفية دلالتها من حقيقة ومجاز وكناية وتعريض وت نظيم للكلام على ما يقتضيه العقل، وبأثر أصوات الحروف في نفس السامع. و في الجملة فعلم البلاغة يهتم بكل ما ي بْلِغ به المتكلم قلب السامع بالمعنى المراد إقناعاً وتأثراً بحيث يوافق ما يقتضيه حال المخاطب، ولذلك عرف بأنه ( مطابقة الكلام الفصيح ل مقتضى الحال) والمراد أن حال الشخص الذي تخاطبه يتطلب أن يصاغ له الكلام صياغة تناسبه، وتبلغ المعنى إلى قلبه فإذا جاء المتكلم بما يطابق هذا المطلوب كان كلامه بليغاً. وهذه التوطئة مدعاة إلى معرفة ماهية البلاغة لغة واصطلاحا وأهميتها. تعريف البلاغة وأهميتها: (إن الحديث عن البلاغة العر بية، هو حديث عن الحياة العربية، ومناط الوجه العقلي للعرب، ثم للإسلام بعد ذلك، ولهذا فإن البلاغة العربية في صورتها الأولى ، وجه من وج وه الثقافة التي تترجم عن أمة معروفة بين الناس، غير منقورة بجهدها، وفضلها).(1) (1)البلاغة العربية في ضوء منهج متكامل، محمد بركات حمدي، دار البشير، ط 6، 6990، عمان -الأردن ، ص 61.

عدد الصفحات ١٥

7 ومنه كان ولا بد أن أشير إلى ماهية البلاغة في اللغة والاصطلاح. البلاغـــــة في اللغـــــة: يكاد يجمع كل البلاغيين على تعريف لغوي واحد متقارب ومتشابه للبلاغة، وهو ما سأعرضه في هذه التعريفات. (بلغ: بلغ الشيء بلوغا وبلاغا وصل وانتهى، و أبلغه هو إبلاغا وبلغه تبليغا ... وتبلغ بالشيء وصل إلى مراده، وبلغ مبلغ فلان ومبلغته، وفي حديث الاستسقاء قوله صلى الله عليه وسلم: وَاجْعَلْ مَا أَن ْزَلْتَ لَنَا ق وَّةً وَبَلاَغًا إِلىَ حِين البَلاَغ ،أي ما يتبلغ به ويتوصل إلى الشيء المطلوب، والبلاغ ما بلغك والبلاغ الكفاية ... وتقول له في هذا بلاغ وب لْغة وت َب َل غٌ أي كفاية ، والإبلاغ الإيصال، وكذلك التبليغ والاسم منه البلاغ). (1) فأصل مادة الكلمة في اللغة تدور حول وصول الشيء إلى غايته ونهايته، أو إيصال الشيء إلى غايته ونهايته. (تقول لغة: بلغ الشيء يبلغ بلوغا وإبلاغا، إذا وصل وانتهى إلى غايته. وتقول: أبلغت الشيء إبلاغا وبلاغا، وبلغته تبليغا، إذا وصل وانتهى إلى غايته ونهايته. ).(2) (ب ل غ: بلغ المكان وصل إليه، وكذا إذا شارف عليه، ومنه قوله تعالى : فَإِذَا ب َلَغْنَ أَجَلَه نَّ  (الطلاق: 0.) أي قاربنه، وبلغ الغلام أدرك، وبابهما دخل ، والإبلاغ والتبليغ الإيصال، والاسم منه البلاغ، والبلاغ أيضا الكفاية، وشيء بالغ أي جيد، والبلاغة الفصاحة، وبلغ الرجل صار بليغا وبابه ظرف، والبلاغات كالوشايات، والبلغين الداهية، وبالغ في الأمر إذا لم يقصر فيه، والبلغة ما يتبلغ به من العيش، وتبلغ بكذا أي اكتفى). (3) (1) لسانالعرب، ابن منظور، ت: إبراهيم اليازجي، دار صادر، ط 3،6993، بيروت -لبنان، مادة بلغ. (2) البلاغة العربية أسسها وعلومها، عبد الرحمن حبنكة الميداني، ج6، ط6،6991،دار القلم، دمشق، ص 608. (3) مختارالصحاح، زين الدين الرازي، ت: يوسف الشيخ، المكتبة العصرية، ط 1، 6999، صيدا، باب الباء.

عدد الصفحات ١٦