المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تمييز الرجال ويليه تمييز ثقات المحدثين وضعفائهم وأسمائهم وكناهم

أحمد بن عبد الله صالح العجلي الكوفي

صفحة ١ من ٣٣

الطبعة الأولى 1435 ص.ب www.hcia.gov.bhالموقع الإلكتروني

عدد الصفحات ٣

4 الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، والصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدنا مُحَمَّدٍ، الذِي أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ، فأَدَّى الأَمَانَةَ، وبَلَّغَ الرِّسَالةَ، ونَصَحَ الأُمَّةَ، وتَرَكَها عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِها، لا يَزِيغُ عَنْها إلاَّ هَالِكٌ. ورَضِيَ اللهُ عَنْ أَصْحَابهِ الأَخْيَارِ، وآلهِ الأَطْهَارِ، الذينَ آمنُوا بهِ، وعَزَّرُوهُ، ونَصَرُوهُ، واتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وعَن الذِينَ اتَّبَعُوهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ. وبَعْدُ: فإنَّ اللهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى هَذِه الأُمَّةِ الـمُبَاركَةِ بنِعَمٍ كَثِيرةٍ، وخَيْرَاتٍ وَفِيرَةٍ، ومِنْ تِلْكَ النِّعَمِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَها خَيْرَ الأُمَمِ الَّتي أُخرِجتْ للنَّاسِ، وجَعَلَ دِينَها خَاتَمَ الأَدْيانِ وأَكْمَلَها، ونبيَّها خَاتَمَ الأَنبياءِ وسيِّدَهُم، وتَكَفَّلَ عَزَّ وَجَلَّ لوَحْيها كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولهِ ﷺ- بِحِفْظهِ مِن التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، فَقَالَ –السَّمَاوِيِّ [ ﱫﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﱪ تَعَالَى: ﱫﭛ القُرآنَ والسُّنَّةَ، لأَنَّ السُّنَّةَ وَحِيٌّ مُنَزَّلٌ مِن اللهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ سُبْحَانُه: [ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤﱪ ﱫ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ للقُرآنِ، فَقَالَ تَعَالَى: وَهُو القُرْآنُ- إلاَّ –[ ﭮﱪ بِحِفْظِ الـمُبيِّنِ الـمُفَسِّرِ-وَهِيَ السُّنَّةُ- فَكَانتِ السُنَّةُ هِي الـمُبيِّنةُ لِمُرادِ اللهِ عزَّ وجَلَّ مِنْ مُجْمَلاَتِ كِتَابهِ، وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلى حُدُودهِ، والـمُيسِّرةُ له، والـمُقرِّرةُ لأَحْكَامٍ لم تَرِدْ في الكِتَابِ العَزِيزِ، ولأَجْل ِهَذهِ الأَهميَّةِ البَالِغةِ للسُّنَّةِ، فَقَدْ عَنِيَ

عدد الصفحات ٥

5 حُفَّاظُ الأُمَّةِ وأَسَاطِينُها مِنْ جَهَابِذةِ العُلَمَاءِ الأَعْلاَمِ بِحفْظِها وصِيانَتِها، فَرَحلُوا في طَلَبِها وسَمَاعِها، وذَادُوا عنها بأَلْسِنتِهم وأَقْلاَمِهم في كُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ، ونَفَوا عَنْهَا تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وانْتحِالَ الـمُبْطِلينَ، وتأْويلَ الجَاهِلينَ، وبَذَلُوا وِسْعَهُم في رِوَايتِها، وضَبْطِها، وبيانِ رُوَاتِها، وأَسَانِيدِها، ومُتُونِها، وعِلَلِها، وتَحَمَّلُوا مِنْ وَعْثَاءِ الأَسْفَارِ، وعَنَاءِ الاغْتِرَابِ مَا تَحَمَّلُوا، حَتَّى غَدَت السُّنَّةُ بِفَضْلِ هَذِه الجُهُودِ العَظِيمةِ مَحْفُوظةً مِنَ النَّقْصِ والزِّيادَةِ والتَّحْرِيفِ، وبِذَلِكَ أَتَمَّ اللهُ بِهم النِّعْمَةَ، وحَفِظَ بِهم الدِّينَ حَتَّى اسْتَقَرَّ وشَادَ، قَالَ الإمامُ الحَافِظُ أَبو حَاتِمٍ بنُ حِبَّانَ البُسْتِيُّ في مُقَدِّمةِ صَحِيحهِ وهو يَتَحدَّثُ عَنْ مَنِّ اللهِ تَعَالَى لهذِه الأُمَّةِ: (ثُمَّ اخْتَارَ طَائِفةً لِصَفْوتهِ، وهَدَاهُم لُزُومَ طَاعَتهِ، مِن اتِّباعِ سُبُلِ الأَبْرَارِ، في لُزُومِ السُّننِ والآثَارِ، فزيَّنَ قُلُوبَهُم بالإيمانِ، وأَنْطَقَ أَلْسِنَتَهم بالبَيَانِ، مِنْ كَشْفِ أَعْلامِ دِينهِ، واتِّباعِ سَنَنِ نبيِّه بالدَّؤُوبِ في الرَّحْلِ والأَسْفَارِ، وفِرَاقِ الأَهْلِ والأَوْطَارِ، في جَمْعِ السُّنَنِ، ورَفْضِ الأَهْواءِ، والتَّفقُّه فِيها بِتَرْكِ الآراءِ، فَتَجرَّدَ القَوْمُ للحَدِيثِ وطَلَبُوهُ، ورَحَلُوا فِيه وكَتَبُوهُ... حَتَّى حَفِظَ اللهُ بِهم الدِّينَ على الـمُسْلِمينَ، وصَانَهُ مِنْ ثَلْبِ القَادِحينَ، وجَعَلَهُم عندَ التَّنَازُعِ أئمَّةَ الهُدَى، وفي النَّوازلِ مَصَابِيحَ الدُّجَى، فَهُم وَرثةُ الأَنْبِياءِ، ومأْنَسُ الأَصْفِياءِ، ومَلْجأُ الأَتْقِياءِ، ومَرْكزُ الأَوْلِياءِ، فَلَهُ الحَمْدُ عَلَى قَدَرهِ وقَضَائهِ، وتَفَضُلِّه بِعَطَائهِ، وبرِّه ونِعْمَائهِ، (.ومَنِّه بآلائهِ)(( وقَد أَنْتَجتْ جُهُودُ أُولَئكَ العُلَماءِ الأَفْذَاذِ مِنْ أَسْلاَفِنا الكِرَامِ- في خِدْمةِ السُّنَّةِ، والعِنَايةِ بها- عُلُوماً كَثِيرةً في حِفْظِها، مِنْ أَجلِّها مَكَانةً، وأَحْمَدِها في صَحِيحُ ابنِ حِبَّانَ الـمُسَمَّى بـ(التَّقَاسِيمِ والأَنْوَاعِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَطْعٍ في سَنَدِها، ولا ((( 62-6(/ثُبُوتِ جَرْحٍ في نَاقِليها قَطَر. تَمْهِيْدٌ

عدد الصفحات ٦

6 الأُمَّةِ أَثَراً، وأَدلِّها عَلَى عِنَايةِ اللهِ تَعَالى بِهذا الدِّينِ، عِلْمُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وَهُو العِلْمُ الذي يَخْتَصُّ بِدِرَاسةِ أَحْوَالِ الرُّواةِ نَقَلةِ السُّنَّةِ وحَمَلَتِها مِنَ الصَّحَابةِ وتَابِعِيهم، فَوَقَفُوا على أَحْوَالِهم وأَخْبَارِهم بِدقَّةٍ، مُتَجرِّدينَ للحَقِّ، لاَ تَأْخُذُهُمْ في اللهِ لَوْمةَ لاَئمٍ، وَلاَ يَصْرِفُهُم عَنِ الْحَقِّ صَارِفٌ، فوَضَعُوا لِهذا العِلْمِ عَشَراتِ القَوَاعِدِ والضَّوابطِ الِّتي تَحْفَظُهُ وتَضْبِطُهُ، وسَوْفَ نَذْكُرُ طَرَفاً مِنْهَا عَمَّا قَلِيلٍ، فَجَزاهُم اللهُ عَنْ هذا الدِّينِ وأَهْله خَيْرَ الجَزَاءِ. وقَدْ وَفَّقَنِي اللهُ تَعَالى إلى خِدْمَةِ كِتَابَيْنِ جَلِيلَيْنِ نَادِرَيْنِ في هَذا العِلْمِ الـمُسْتَطابِ، وَهُما: الكِتَابُ الأَوَّلُ: (تَمْيِيزُ الرِّجَالِ) للإمَامِ أَبي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ صَالِحٍ العِجْلِيِّ الكُوْفِيِّ، الـمُتَوفَّى سَنَة والكِتَابُ الثَّاني: (تَمْييزُ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وضُعَفَائِهم وأَسْمَائِهِمْ وكُنَاهُم)، للإمامِ الحَافِظِ أَبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ المِصْرِيِّ، المَعْرُوفِ بابنِ البَرْقِيِّ، الـمُتَوفَّى سَنَة يأْخُذْ حَقَّهُ في الانْتِشَارِ، وقَدْ أَدْخَلْتُ عَلَيْه بَعْضَ التَّعْدِيلاتِ والإضَافَاتِ. وكِلاَهُمَا بِخَطِّ وتَعْلِيقَاتِ الحَافِظِ المُؤرِّخ الفَقِيه أَبي العَرَبِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ ابنِ تَمِيمٍ التَّمِيميِّ القَيْرَوَانِيِّ، المتوفَّى سَنَة إلى إخْرَاجِ هَذَيْنِ العِلْقَيْنِ النَّفِيْسَيْنِ، والجَوْهَرَينِ الأَنِيسَيْنِ، والتَّعْلِيقِ عَلَيْهِما بِمَا يُقَرِّبهُما إلى البَاحِثِينَ الـمُتَخَصِّصينَ، والـمُحَقِّقينَ في التُّراثِ الإسْلاَمِيِّ. ولا يَفُوتُني أنْ أُقَدِّمَ شُكْرِي وتَقْدِيري إلى كُلِّ مَنْ أَسْدَى إليَّ عَوْناً خِلاَلَ عَمَلِي في تَحْقِيقِ هَذا الكِتَابِ، ومَنْ شَجَّعَنِي عَلَيْهِ، وأَخُصُّ بالذِكْر سَعَادةَ الأُستاذِ خَالِدَ الشُّومَلِيَّ الأَمِينَ العَام للمَجْلِسِ الأَعْلَى للشُّؤونِ الإسْلاَميَّةِ،

عدد الصفحات ٧

7 وإلى الأُخْوةِ الكِرَامِ في الـمَجْلِسِ وغَيْرِه واللهَ أَسْأَلُ أنْ يَنْفَعَ بهِما، وأنْ يَكْتُبَ الأَجْرَ والمَثُوبَةَ لمُؤَلِّفَيْهِمَا، ونَاسِخهِما، ومُحَقِّقهِما، وقَارِئهِما، وآخِرُ دَعْوَانَا أن الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى سَيِّدنا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلهِ، وصَحْبهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ. وكَتَبَهُ الفَقِيرُ إلى عَفْو الله ورَحْمَتهِ أَبو حَارِثٍ عَامِرُ بن حَسن صَبْرِي التَّمِيميُّ البَغْدَادِيُّ ثُمَّ البَحْرَينيُّ عفَا الله عنه ووَالِديه والمُسْلِمين مَمْلَكَةُ البَحْرَينِ، حَرَسَها اللهُ تَعَالَى وسَائِرَ بِلاَدِ المُسْلِمينَ في الثَّالِث عَشَر مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ الأَصَمِّ سَنَة الموافقُ الثَّاني عَشَر مِنْ شَهْر مَايو E-mail: amersabri7@gmail.com تَمْهِيْدٌ

عدد الصفحات ٨

8 دِرَاسَةُ الكِتَابِ وَتَتَضَمَّنُ الفُصُولَ الآتِيَةَ: الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وفيه عَشْرُ مَبَاحِثَ. الفَصْلُ الثَّانِي: تَرْجَمَةُ الإمَامِ أَبي الحَسَنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ ابنِ صَالِحٍ العِجْلِيِّ، وفيه سَبْعَةُ مَبَاحِثَ. الفَصْلُ الثَّالِثُ: رَدُّ دَعْــوَى تَسَاهُلِ العِجْلِيِّ في الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، ونَمَاذِجُ مِن اعْتِمَادِ العُلَماءِ عَلَى نَقْدِه، وَفِيهِ مَبْحَثَانِ. الفَصْلُ الرَّابِعُ: وَصْفٌ لِكِتَابِ (تَمْيِيزِ الرِّجَالِ)، وفِيه ثَمَانِيةُ مَبَاحِثَ. * * *

عدد الصفحات ٩

9 الفَصْلُ الأَوَّلُ مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ هذه نُبَذٌ لَطِيفةٌ تَتعلَّقُ بهذا العِلْمِ الجَلِيلِ، انْتَظَمَتْ في عَشْرِ مَبَاحِثَ، عَلَى النَّحْو الآتي: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ الثَّاني: هَدَفُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ الثَّالِـثُ: نَشْأةُ وتَطَوُّرُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ الرَّابعُ: شُرُوطُ الجَارِحِ والمُعَدِّلِ. المَبْحَثُ الخَامِسُ: طَبَقَاتُ النُّقَّادِ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَرَاتِبُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَنْهَجُ عُلَمَاءِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ في النَّقْدِ. المَبْحَثُ الثَّامِنُ: النَّزَاهةُ والأَمَانةُ لَدَى عُلَمَاءِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ التَّاسِعُ: أَهمُّ المُؤَلَّفاتِ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. المَبْحَثُ العَاشِرُ: قَوَاعِدُ في المَنْهَجِ الشَّرْعِيِّ في الحُكْمِ عَلَى الآخَرِينَ بَعْدَ عَصْرِ الرِّوايةِ. * * *

عدد الصفحات ١٠

10 المَبْحَثُ الأَوَّلُ تَعْرِيفُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ الجرْحُ في اصْطِلاَحِ الـمُحَدِّثينَ: وَصْفُ الرَّاوي بِما يَثْلِمُ عَدَالَتهُ، أَو بِما يَخِلُّ بِحِفْظهِ وضَبْطِه، أو بِمِهمَا جَمِيعاً، مِمَّا يَتَرتَّبُ عَلَيْه رَدُّ رِوَايتهِ، أَو ضَعْفِها. أَمَّا التَّعْدِيلُ فَهُو خِلاَفهُ، ويُرِيدُون به: وَصْفُ الرَّاوِي بِما يَقْتَضِي قَبولَ رِوَايتِه. فَعِلْمُ الجَرْح والتَّعْدِيلِ إذنْ هُو: العِلْمُ الذي يَبْحَثُ في مَعْرِفةِ أَحْوَالِ رُواةِ الحَدِيْثِ النَّبَوِيِّ مِنْ حَيْثُ قَبُولُ رِوَاياتِهم أَو رَدِّها، بأَلْفَاظٍ مَخْصُوصةٍ، لَها دِلاَلاَتها وأَبْعَادُها الدَّقِيقةُ. المَبْحَثُ الثَّاني هَدْفُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ الغَايةُ مِنْ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ الذَّبُّ عَن الشَّرِيعةِ، وصَوْنِها وحِمَايَتِها ممَّن يَطْعَنُ فِيها، أَو يُشَوِّه سُمْعَتَها، وَذَلِكَ بِالْتَّعَرُّفِ عَلَى نَقَلَتِهَا، وَالتَّأَكُّدِ مِن عَدَالتِهِمْ وَدَرَجَةِ حِفْظِهِم، وَقَد زَعَم بَعْضُ الـمُتَعالِمينَ بأَنَّ جَرْحَ الرُّواةِ بابٌ مِنْ أَبْوابِ الغِيْبةِ الـمُحَرَّمةِ، ورَدَّ هذا الدَّعْوى كَثِيرٌ مِن العُلَمَاءِ، وأَثْبَتُوا بأَدِلَّةٍ قَاطِعةٍ بأَنَّه لَيْس مِن الغِيْبةِ، بلْ هُو مِن النَّصِيحةِ للهِ ورَسُولهِ، وإنَّهُ شُرِعَ صِيَانةً للدِّينِ، وتَعْظِيماً لِشَعَائِرِ اللهِ تَعَالَى، وفُرْقَاناً بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، فلاَ يَتَأتَّى حِفْظُ السُّنَّةِ إلاَّ بهِ، ومَا لاَ يَتُمُّ الوَاجِبُ إلاَّ به فَهُو وَاجِبٌ، قالَ الإمامُ الحَافِظُ أَبو عِيْسَى التِّرْمذِيُّ: (وقَد عَابَ بَعْضُ مَنْ لاَ يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الحَدِيثِ الكَلاَمَ في الرِّجالِ، وقَدْ وَجَدْنا غَيْرَ وَاحِدٍ مِن الأئمَّةِ مِن التَّابِعينَ قَدْ تَكلَّمُوا في الرِّجَالِ... وَضعَّفُوا، وإنَّما حَمَلَهُم عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنا - واللهُ أَعْلَمُ- النَّصِيحةُ للمُسْلِمينَ، لاَ يُظَنُّ بِهم

عدد الصفحات ١١

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 11 أَنَّهُم أَرَادُوا الطَّعْنَ علَى النَّاسِ والغِيْبةَ، إنَّما أَرَادُوا عِنْدَنا أَنْ يُبيِّنوا ضَعْفَ هَؤُلاءِ لِكَيْ يُعْرَفُوا، لأَنَّ بَعْضَ الَّذينَ ضُعِّفُوا كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، وبَعْضَهُم كَانَ مُتَّهَما في الحَدِيثِ، وبَعْضَهُم كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ وكَثْرَةِ خَطأ، فأَرادَ هَؤُلاءِ الأئمَّةُ أَنْ يُبيِّنُوا أَحْوَالَهُم شَفَقةً على الدِّينِ وتثبُّتاً، لأَنَّ الشَّهَادةَ في الدِّينِ أَحقُّ أَنْ يُتَثَبَّتَ (.فِيها مِن الشَّهَادةِ في الحُقُوقِ والأَمْوالِ)(( وقالَ الإمامُ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ صَاحِبُ الصَّحِيحِ: (وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَْخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ، إِذِ الأَْخْبَارُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأْتِي بِتَحْلِيلٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، أَوْ تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأَْمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفَتَهُ كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لاَ يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَْخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا وَلَعَلَّهَا، أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ لاَ أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَْخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ (.يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلاَ مَقْنَعٍ قلتُ: ومَعَ أَنَّ عُلَمَاءَ النَّقْدِ يَعْتَبِرُون نَقْدَ الرُّواةِ وبَيَانَ أَحْوَالِهم قُرْبَةً يُتَقَرَّبُ بها إلى اللهِ تَعَالى، فَإنَّهم كَانُوا يَتَهيَّبُون منهُ، فَقَدْ رَوَى الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ بإسنادِه إلى مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْعَبَّاسِيِّ، قالَ: (كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا كِتَابَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ 233/ سُنَنُ التِّرْمِذي ((( 28/ مُقَدِّمةُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (2( حِفْظِهم وإتَّقْانِهم وعَدَالَتِهم

عدد الصفحات ١٢

12 فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ؟ فَقَالَ: كِتَابٌ صَنَّفْتُهُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَقَالَ: وَمَا الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ؟ فَقَالَ: أُظْهِرُ أَحْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثِقَةً أَوْ غَيْرَ ثِقَةٍ، فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اسْتَحْيَيْتُ لَكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، كَمْ مِنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ قَدْ حَطُّوا رَوَاحِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ وَمِائَتَيْ سَنَةٍ، وَأَنْتَ تَذْكُرُهُمْ وَتَغْتَابُهُمْ عَلَى أَدِيمِ الأَْرْضِ، فَبَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ: يَا ، (أَبَا يَعْقُوبَ، لَوْ سَمِعْتُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ قَبْلَ تَصْنِيفِي هَذَا الْكِتَابَ لَمَا صَنَّفْتُهُ)(( وعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ عَلَى هَذِه الحِكَايةِ، فَقَالَ: (أَصَابَهُ عَلَى طَرِيقِ الوَجَلِ وخَوْفِ العَاقِبةِ، وإلاَّ فَكَلاَمُ النَّاقِدِ الوَرِعِ في الضُّعَفاءِ مِنَ النُّصْحِ لِدينِ الله، والذَّبِّ عَنِ (.السُّنَّةِ المَبْحَثُ الثَّالِـثُ نَشْأةُ وتَطَوُّرُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ تَعُودُ نَشأَةُ عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ إلى وَقْتٍ مُبَكِّرٍ مِنْ تَارِيخِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، فَهِي تَعُودُ إلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ تَتَابعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، ومَنْ جَاءَ بَعْدَهُم عَلَى ذَلِكَ، قالَ الحَافِظُ أَبو عَمْرو بنُ الصَّلاَحِ: (فَالكَلاَمُ فِيه جَرْحاً وتَعْدِيلاً مُتَقَدِّمٌ . الكِفَايةُ في عِلْمِ الرِّوايةِ للخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ ص ((( .268/ سِيرُ أَعْلاَمِ النُّبلاَءِ للذَّهَبِي (2( ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ الإمَامُ ابنُ أَبي حَاتِمٍ في طَلِيعَةِ مَنْ قَامَ بِفَحْصِ الرُّواةِ وتَمْيِيزِهم، فَقَدْ 5/قَالَ في مُقَدِّمةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ كِتَابِ اللهِ ولاَ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الاَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ والرِّوايةِ، وَجَبَ أَنْ نُميِّزَ بَيْنَ عُدُولِ النَّاقِلةِ والرُّواةِ وثِقَاتِهم وأَهْلِ الحِفْظِ والثَبَتِ والإتْقَانِ مِنْهُم، وبينَ أَهْلِ الغَفْلَةِ والوَهْمِ وسُوءِ الحِفْظِ، والكَذِبِ،واخْتِرَاعِ الأَحَادِيثِ الكَاذِبةِ).

عدد الصفحات ١٣

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 13 .(ثَابِتٌ عَن رَسُولِ الله ﷺ، ثُمَّ عَنْ كَثِيرٍ مِن الصَّحَابةِ والتَّابِعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم والنَّاظِرُ في نَشْأةِ هَذا العِلْمِ يَجِد أَنَّهُ مَرَّ بِخَمْسِ مَرَاحِلَ يُكَمِّلُ الَّلاَحِقُ السَّابِقَ، ويُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضاً عَلى النَّحْو الآتي: المَرْحَلةُ الأُولَى: في عَهْدِ النُّبُّوةِ، فَقَدْ وَرَدتْ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بَعْضُ الأَلْفَاظِ الَّتي فيها تَعْدِيلُ بَعْضِ الأَشْخَاصِ وتَجْرِيحهِم. ، يَعْني عَبْدَ (مِمَّا جَاءَ عَنْهُ في التَّعْدِيلِ أَنَّهُ ﷺ قالَ: (إِنَّ عَبْدَ اللهَِّ رَجُلٌ صَالِحٌ اللهِ بنَ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، ومِنْ ذَلِكَ أَيْضاً مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَظَلَّتِ (.الخَضْرَاءُ، وَلاَ أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ، أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَر وفي التَّجْرِيحِ أَنَّ أُمَّ الـمُؤْمِنينَ عَائِشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالتْ: (إنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهَِّ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهَِّ ﷺ: يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ ، ومِنْ ذَلِكَ أَيضاً (النَّاسِ عِنْدَ اللهَِّ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ مَا جَاءَ في حَدِيثِ فَاطِمةَ بنتِ قَيْسٍ أَنَّها خُطِبتْ مِنْ قِبَلِ مُعَاويةَ بنِ أَبي سُفْيانَ . مُقَدِّمةُ ابنِ الصَّلاَحِ ص ((( رَوَاهُ البُخَارِي (2( 206/ رَوَاهُ التِّرْمِذي (3( .( رَوَاهُ البُخَارِي (4(

عدد الصفحات ١٤

14 ومِنْ قِبَلِ أَبي جَهْمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، فأَتتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْتَشِيرهُ فَقالَ: (أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، انْكِحِي (.أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ...الحديثَ)(( ووَجْهُ الدِّلالةِ مِن هَذِه الأَحَادِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ تَعَرَّضَ للكَلاَمِ عَلَى الرِّجَالِ بَوْجهٍ عَامٍّ جَرْحاً وتَعْدِيلاً. المَرْحَلةُ الثَّانيةُ: في عَهْدِ كِبَارِ الصَّحَابةِ رَضِي اللهُ عَنْهُم، وكانَ البَحْثُ والتَّحَرِّي عَنْ رُوَاةِ الحَدِيثِ قد بَدَتْ بَوَادِرهُ في هذه الـمَرْحَلةِ، فكَانَ أَبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ أوَّلَ مَنْ فتَّشَ عَن الرِّجَالِ مِن الصَّحَابةِ، وقِصَّتهُ مَعَ الجَدَّةِ في طَلَبِ مِيْرَاثِها ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَه الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وأَخْبَارهُ (مَشْهُورةٌ في التَّثَبُّتِ في الحَدِيثِ مَعْرُوفةٌ، ووَرَدَ التَّثَبُّتُ والاحْتِياطُ في قَبُولِ الأَخْبَارِ ورِوَايَتِها عَنْ عُثْمَانَ وعُلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، وعَنْ غَيْرِهما مِنْ كِبَارِ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، ولم يَكُن هَذا التَّثَبُّتُ سَبَبهُ الشَّكُ في عَدَالةِ الصَّحَابةِ، بلْ كانَ تَأْكيداً على ضَرُورةِ التَّثَبُّتِ والتَّحْرِّي في حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهذا مَا عَبَّر عنهُ أَمِيرُ الـمُؤْمِنينَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِيْنَما قالَ لأَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ ، فَكَانُوا رَضِيَ اللهُ عَنْهُم يتَّخِذُونَ الضَّوَابِطَ اللاَزِمةَ لِصيَانةِ حَدِيثِ (اللهَِّ ﷺ رَسُولِ اللهِ ﷺ. (. رَوَاهُ مُسْلِمٌ ((( (. رَوَاها التِّرْمِذي (2( .( رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ (3(

عدد الصفحات ١٥

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 15 المَرْحَلةُ الثَّالِثةُ في عَهْدِ صِغَارِ الصَّحَابةِ ومَنْ بَعْدَهُم مِن التَّابِعينَ، وَهُو العَهْدُ الذِي ظَهَرتْ فيه بَعْضُ أَهْلِ الأَهْواءِ والبِدَعِ، قالَ الحَافِظُ أَبو الخَيْرِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّخَّاوِيُّ: (وَتَكَلَّمَ فِي الرِّجَالِ -كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ- جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ مِنَ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَلَكِنَّهُ فِي التَّابِعِينَ -أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ- بِقِلَّةٍ، لِقِلَّةِ الضَّعْفِ فِي مَتْبُوعِيهِمْ، إِذْ أكْثَرُهُمْ صَحَابَةٌ عُدُولٌ، وَغَيْرُ الصَّحَابَةِ مِنَ المَتْبُوعِينَ أَكْثَرُهُمْ ثِقَاتٌ، وَلاَ يَكَادُ يُوجَدُ فِي القَرْنِ الأَوَّلِ الذِي انْقَرَضَ فِي الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ ضَعِيفٌ إِلاَّ الوَاحِدَ بَعْدَ الوَاحِدِ، كَالحَارِثِ الأَعْوَرِ، (.وَالمُخْتَارِ الكَذَّابِ...)(( ونَلْمَسُ في هَذِه الـمَرْحَلةِ قَوْلَ حَبْرِ الأُمَّةِ وتُرْجُمَانِ القُرآنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما وقَدْ جَاءَهُ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لاَ أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلاَ تَسْمَعُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، ، وهَذا فيه إشَارَةٌ إلى ظُهُورِ (، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ مَا نَعْرِفُ (وَالذَّلُولَ البِدَعِ، وحُدُوثِ الاخْتِلاَفِ والفِتَنِ، والتَّقَوُّلِ على رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهَذا مَا عَبَّرَ . 352/ فَتْحُ الـمُغِيثِ بِشَرْحِ أَلْفِيِّة الحَدِيثِ للسَّخَّاوِي ((( قَوْلهُ: (الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ) أَصْلُ الصَّعْبِ والذَّلُولِ في الإبلِ، فَالْصَعْبُ: العَسِرُ الـمَرْغُوبُ (2( عَنْهُ، والذَّلُولُ: الطَّيِّبُ السَّهْلُ الـمَحْبُوبُ، فَالْمَعْنَى سَلَكَ النَّاسُ كُلَّ مَسْلَكٍ مِمَّا يُحْمَدُ .80/ويُذَمُّ، أَفَادَهُ الإمَامُ النَّووِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . 3/ رَوَاهُ مُسْلِمٌ في مُقَدِّمةِ صَحِيحِه (3(

عدد الصفحات ١٦

16 عَنْهُ التَّابِعيُّ الجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرينَ بِوُضوحٍ حِيْنما قالَ: (لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِْسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ ، وفي رِوَايةٍ أُخْرَى (فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ)(( للخَبَرِ: (لَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وَمَا يُسْأَلُ عَنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ حَتَّى وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فلما وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ سُئِلَ عَنْ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ، لِيُنْظَرَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ (.أُخِذَ بِحَدِيثِهِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ تُرِكَ حَدِيثُهُ وقد وَرَد الكَلاَمُ في الرِّجَالِ عَنْ بَعْضِ أَئمَّةِ التَّابِعينَ، كَسِعيدِ بنِ الـمُسيَّبِ، وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وعَامِرٍ الشَّعْبيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ سِيْرِينَ، وعَطَاءِ بنِ أَبي رَبَاحٍ وغَيْرِهم مِمَّن هُم مِن الطَّبقةِ العُلْيا مِن التَّابِعينَ، ومِن الطَّبَقةِ الوُسْطَى مِنْهُم، قالَ الحَافِظُ أَبو الخَيْرِ السَّخَّاوِيُّ: (فَلَمَّا مَضَى القَرْنُ الأَوَّلُ وَدَخَلَ الثَّانِي كَانَ فِي أَوَائِلِهِ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، الذِينَ ضُعِّفُوا غَالِبًا مِنْ قِبَلِ تَحَمُّلِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ، فَتَرَاهُمْ يَرْفَعُونَ المَوْقُوفَ، (وَيُرْسِلُونَ كَثِيرًا، وَلَهُمْ غَلَطٌ،كَأَبِي هَارُونَ العَبْدِي المَرْحَلةُ الرَّابِعَةُ: في أَواخِر عَهْدِ التَّابِعينَ، وبِدَايةِ عَهْدِ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعينَ، وهَذِه الـمَرْحَلةُ بَدَأَتْ في حُدُودِ العَقْدِ الخَامِسِ للقَرْنِ الثَّاني، واسْتَمرتْ إلى نِهَايةِ هَذا القَرْنِ 5/ رَوَاهُ مُسْلِمٌ في مُقَدِّمةِ صَحِيحِه ((( وانْتِحَالُ الكَذِبِ على رَسُولِ اللهِ ﷺ، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ بأَنَّ الفِتْنَةَ هِي مَقْتَلُ سَيِّدنا عُثْمَانَ ومَا صَاحَبَها مِنْ مَصَائِبَ ومِحَنٍ. 28/ رَوَاهُ ابنُ أَبي حَاتِمٍ في مُقَدِّمةِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ (2( .2(4/( .352/ فَتْحُ الـمُغِيثِ بِشَرْحِ أَلْفِيِّة الحَدِيثِ للسَّخَّاوِي (3(

عدد الصفحات ١٧

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مُقَدِّماتٌ في عِلْمِ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ 17 تَقْريباً، وفي هَذه الـمَرْحَلةِ ظَهَرتْ بِوُضوحٍ عِبَاراتُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، واتَّسَعَ نِطَاقُها، وازْدَادَ عَدَدُ الـمَعْنِّيينَ بِها، وذَلِكَ بِسَببِ شُيُوعِ الكَذِبِ في الرِّوايةِ، قالَ الحَافِظُ السَّخَّاوِيُّ: (فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ - وَهُوَ حُدُودُ الخَمْسِينَ وَمِائَةٍ - تَكَلَّمَ فِي التَّوْثِيقِ وَالتَّضْعِيفِ طَائِفَةٌ مِنْ الأَئِمَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا رَأَيْتُ أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ، وَضَعَّفَ الأَعْمَشُ جَمَاعَةً، وَوَثَّقَ آخَرِينَ، وَنَظَرَ فِي الرِّجَالِ شُعْبَةُ -وَكَانَ مُتَثَبِّتًا لاَ يَكَادُ يَرْوِي إِلاَّ عَنْ ثِقَةٍ- وَكَذَا كَانَ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، وَمِمَّنْ إِذا قَالَ فِي هَذَا الْعَصْر قُبِلَ قَوْلُهُ: مَعْمَرُ بنُ رَاشِدٍ، وَهِشَامُ الدُّسْتُوَائيُّ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْريُّ، وَابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَحَمَّادُ بنُ سَلمَةَ، وَاللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ وَغَيرُهم. ثمَّ طبقَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هَؤُلاَءِ كَعَبْدِ اللهِ بنِ الْمُبَاركِ، وهُشَيْمِ بنِ بَشِيرٍ، وَأَبي إِسْحَاقَ الْفَزارِيِّ، والمُعَافَى بنِ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيِّ، وبِشْرِ بنِ الْمُفَضَّلِ، وَابْنِ ( عُيَيْنَة وَغَيرِهم...).(( وقالَ الإمَامُ الحَافِظُ النَّاقِدُ أَبو حَاتِمِ بنُ حِبَّانَ وَهُو يَتَحدَّثُ عَنْ هَذِه الـمَرْحَلةِ، وعَنْ بَعْضِ أَعْيَانِها مِن النُّقَادِ: (إلاَّ أَنَّ مِنْ أَشَدِّهِم انْتِقَاءً للسُنَنِ، وأَكْثَرِهِم مُوَاظبةً عَلَيْهَا، حَتَّى جَعَلُوا ذَلِكَ صِنَاعةً لَهُم لاَ يَشُوبُونَها بِشيءٍ آخَرَ ثَلاَثةُ أَنْفُسٍ: مَالِكٌ، (.والثَّوْرِيُّ، وشُعْبةُ المَرْحَلةُ الخَامِسَةُ: مَرْحَلةُ التَّصْنِيفِ والتَّدْوينِ في هَذِا العِلْمِ، وبَدأَتْ مِنْ أَوَاخِر عَهْدِ الطَّبقَةِ الوُسْطَى مِنْ أَتبَاعِ التَّابِعينَ، وكانَ جُلُّهم في نِهَايةِ القَرْنِ الثَّانِي، فكانَ أَوَّلَ . 352/ فَتْحُ الـمُغِيثِ بِشَرْحِ أَلْفِيِّة الحَدِيثِ للسَّخَّاوِي ((( . 4(/ مُقَدِّمةُ كِتَابِ الـمَجْرُوحِينَ لابنِ حِبَّانَ (2(

عدد الصفحات ١٨

18 مَنْ جُمِعَ كَلاَمهُ في هَذا العِلْمِ الإمَامُ الحَافِظُ يَحْيى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، والإمَامُ الحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ - وَهُما مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِ شُعْبَةَ بنِ الحجَّاجِ، وكانَ هَذا الإمَامُ مِنْ أَوَائِلِ مَنْ تَصَدَّى للرِّجَالِ في العِرَاقِ- وذَكَر الإمَامُ ابنُ حِبَّانَ مَكَانةَ هَذَيْن الإمَامَيْنِ الجَلِيْلَيْنِ، والعَلَمَيْنِ الشَّهِيْرَيْنِ، فَقَالَ: (إلاَّ أنَّ مِنْ أَكْثَرِهم تَنْقِيراً عَنْ شَأْنِ الـمُحَدِّثينَ، وأَتْرَكَهُم للضُعَفَاءِ والـمَتْرُوكِينَ، حَتَّى جَعَلُوا هَذا الشَّأنَ صِنَاعةً لهم لم يَتَعدُّوها إلى غَيْرِها، مَعَ لُزُومِ الدِّينِ والوَرَعِ الشَّدِيدِ، والتَّفَقُّةِ في السُّننِ، رَجُلانِ: يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، وعَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ (.مَهْدِيٍّ)(( ثُمَّ تَبِعَهُمَا جَمَاعةٌ مِنْ أَصْحَابِهِما مِنْ نُبَلاءِ الـمُحَدِّثينَ، وكِبَارِ النُّقَادِ، عَلَى رأْسِهِم: يَحْيى بنُ مَعِينٍ، وعَلِيُّ بنُ الـمَدِينيِّ، وأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهُم، قَالَ ابنُ حِبَّانَ: (ثُمَّ أَخَذَ عَنْ هَؤُلاَءِ مَسْلكَ الحَدِيثِ والاخْتِبَارِ، وانْتِقَاءِ الرِّجَالِ في الآثارِ، حَتَّى رَحَلُوا في جَمْعِ السُّنَنِ إلى الأَمْصَارِ، وفتَّشُوا الـمُدنَ والأَقْطَارَ، وأَطْلَقُوا عَلَى الـمَتْرُوكينَ الجَرْحَ، وعَلَى الضُّعَفاءِ القَدْحَ، وبيَّنُوا كَيْفِيَّةَ أَحْوَالِ الثِّقَاتِ، والـمُدلِّسينَ، والأَئمَّة، والـمَتْرُوكينَ، حَتَّى صَارُوا يُقْتدَى بِهم في الآثارِ، وأَئمَّةً يُسْلَكُ مَسْلَكَهُم في الأَخْبَارِ- جَمَاعةٌ، مِنْهُم: أَحْمَدُ بنُ حَنْبلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ويَحْيَى بنُ مَعِينٍ، وعَلِيُّ بنُ عَبْدِالله الـمَدِينيُّ، وأَبو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبةَ، وإسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ القَوَارِيريُّ، وزُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ أَبو خَيْثَمَةَ، في جَمَاعةٍ مِنْ أَقْرَانِهم، إلاَّ أنَّ مِنْ أَوْرَعِهم في الدِّينِ، وأَكْثَرِهِم تَفْتِيشًا عَلَى الـمَتْرُوكِينَ، وأَلْزَمِهم لِهذه الصِّنَاعةِ عَلَى دَائِمِ الأَوْقَاتِ،مِنْهُم: كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، ويحيى بنُ مَعِينٍ، وعَلِيُّ بنُ الـمَدِينيِّ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِم . 49/ مُقَدِّمةُ كِتَابِ الـمَجْرُوحِينَ لابنِ حِبَّانَ (((

عدد الصفحات ١٩