المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روحانيات حاج

أحمد خضر حسنين الحسن

صفحة ١ من ٥

1 روحانيات حاج تأليف د. أحمد خضر حسنين الحسن

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لﻠﻪ رﺏ الﻌالمين والﺼﻼﺓ والسﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﺳيدنا ﻣحمد وﻋﻠﻰ ﺁلﻪ وﺻحﺒﻪ وﻣن واﻻﻩ واﻫﺘدﻯ ﺑﻬداﻩ . فالحج ركن ﻣن أركان الإﺳﻼﻡ وشﻌيرﺓ ﻣن الشﻌائر الﻌظاﻡ تﻬفوا إليﻪ الأفئدﺓ وتحنو إليﻪ القﻠوﺏ، وتﺘوق في أشﻬرﻩ النفوس إلﻰ زيارﻩ تﻠك الﺒقاع الطاﻫرﺓ تحقيقا لقول الله ﻋز وجل (وَإِذ جَﻌَﻠ نَا ال ﺒَي تَ ﻣَثَاﺑَة لِﻠنَّاسِ وَأَﻣ ن ا) وقولﻪ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ ﺑِال حَجِّ يَأ تُوكَ رِجَاﻻ وَﻋَﻠَﻰ كُلِّ ضَاﻣِر يَأ تِينَ ﻣِن كُلِّ فَج ﻋَمِ يق ، لِيَش ﻬَدُوا ﻣَنَافِعَ لَﻬُم ). يﺘدافع الحجاج كل ﻋاﻡ يحدوﻫم الشوق إلﻰ تﻠك الﺒقاع الطاﻫرﺓ وكﻠﻬم أﻣل في أن يرجﻌوا ﻣن ذنوﺑﻬم كاليوﻡ الذي خرجوا فيﻪ ﻣن ﺑطون أﻣﻬاتﻬم ؛ (فالحج يﻬدﻡ ﻣا كان قﺒﻠﻪ) كما في ﺻحيح ﻣسﻠم ، و( ﻣن حج فﻠم يرفث ولم يفسق خرج ﻣن ذنوﺑﻪ كيوﻡ ولدتﻪ أﻣﻪ) كما في ﺻحيح الﺒخاري، و(الحج والﻌمرﺓ ينفيان الفقر والذنوﺏ، كما ينفي الكير خﺒث الحديد والذﻫب ) كما في ﺳنن الﺘرﻣذي والنسائي واﺑن ﻣاجة . وﻣن لم يوفق لﻠحج ولم يسﺘطع السير إليﻪ فإنﻪ يودع الحجيج ﺑدﻣع جار وقﻠب ﻣﺘﻠﻬف ويﺘاﺑع ﻣناﺳكﻬم ولسان حالﻪ : يا سائرين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوما و سرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر و قد رحلوا و من أقام على عذر كمن راحا وﺑﻌد: فإن أداء الحج ﺑﺼورتﻪ المﻌﻠوﻣة ﺳﻬل ﻣيسور لدﻯ كثير ﻣن الحجاج ولكن قل ﻣن يﻠﺘفت إلﻰ ﺻورتﻪ الﺒاﻃنة شأنﻪ في ذلك شأن الﺼﻼﺓ والذكر وﻏيرﻫا ﻣن الﻌﺒادات ﻫذا ﻣما أدﻯ إلﻰ ﻋدﻡ اﻻﺳﺘفادﺓ ﻣن الحج أﻋني ﺑإﻋمار القﻠب ﺑالإيمان وﺑحﺼول اﻻخﺒات المشار إليﻪ في ﺳياق اﻵيات القرﺁنية الﺘي تﺘحدﺙ ﻋن الحج في ﺳورﺓ الحج وﻫي قولﻪ تﻌالﻰ "ولكل أﻣة جﻌﻠنا ﻣنسكا ليذكروا اﺳم الﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻣا رزقﻬم ﻣن ﺑﻬيمة الأنﻌاﻡ فإلﻬكم إلﻪ واحد فﻠﻪ أﺳﻠموا وﺑشر المخﺒﺘين "

عدد الصفحات ٢

3 ﺛم وﺻفﻬم ﺑقولﻪ " الذين إذا ذكر الﻠﻪ وجﻠت قﻠوﺑﻬم ... الﺦ اﻻية ،وﻫذﻩ اﻵيات قال السﻌدي في تفسيرﻫا ﻣانﺼﻪ : ( تﻠك اﻵيات ﻫي الﺘي وضحت الﺼورﺓ الﺒاﻃنة لﻠحج ) أو ﺑﻌﺒارﺓ أخرﯼ ﻣا يشﻌر ﺑﻪ الحاج في ﺑاﻃنﻪ وﺳنﺘناول ذلك ﺑالﺘفﺼيل في الﺼفحات الﺘالية وذلك ﻣن خﻼل ﻋدد ﻣن الوقفات الﺘي تأخذ كل ﻣنسك ﻣن ﻣناﺳك الحج ﻋﻠﻰ حدتﻪ أﻋني ﻣن الناحية الروحية وليست الفقﻬية ، إذ الكﺘب الﺘي شرحت أحكاﻡ الحج الفقﻬية ﻻ تكاد تحﺼﻰ ﻣن كثرتﻬا ، وأﻣا ﻣﻌالجﺘﻬا ﻣن الناحية الروحية والمقاﺻدية والحكمة الﺘشريﻌية فقﻠما تجد ﻣن أفردﻫا ﺑالﺘأليف . فﻬا ﻫنا ﺛﻼﺛة ﻋﻠوﻡ ﻣﺘﻌﻠقة ﺑالحج - ﺑل وكذلك ﺳائر الﻌﺒادات - : 1 /معرفة أحكامه من الناحية الفقهية وهذا ضروري لأنﻪ ﺑدونﻪ ﻻ يﺼح الحج أﺻﻼَ ، وﻫذا الﻌﻠم ﻋﻠيﻪ تنﺒني الﻌﺒادﺓ وﺑﻪ تقوﻡ أركانﻬا وواجﺒاتﻬا وﺳننﻬا وفضائﻠﻬا فالذي يأتي ﺑالحج ﻋﻠﻰ ﻣا ﺑينﻪ الفقﻬاء يكون كمن ﺑني ﺑيﺘا ولكن ﺑقي ﻋﻠيﻪ توﺻيل الماء والكﻬرﺑاء ليﺘﻬنﻰ ﺑسكناﻩ . 2 /ومعرفة الحكمة من فرضه على العباد أو معرفة مقاصده الشرعيةـ كﻼﻫما ﺑمﻌنﻰ واحد ـ وﻫذا ﻣما يﻌطي الحاج دفﻌة قوية لأداء المناﺳك ، فمن فﻬم ذلك كان كمن قاﻡ ﺑﺘوﺻيل الماء والكﻬرﺑاء لﺒيﺘﻪ وﺳكن فيﻪ . 3 /وأما معرفة الروحانيات فﻬي شئ ﺁخر يخﺘﻠف ﻋما تقدﻡ لأن تﻠك الروحانيات تجمع ﺑين الأحكاﻡ الفقﻬية والمقاﺻد الشرﻋية إذ الحاج ﺳوف يسﺘﺼحب المقاﺻد ولكن ﺑذﻫن حاضر وقﻠب ﻣﺘيقظ وفؤاد ﻣﺘأﺛر وحينﻬا ﺳيجد طﻌما لﻠمناﺳك رﺑما ﻻ يظفر ﺑﻪ ﻏيرﻩ ﻣن الحجاج الذين ﻏفﻠوا ﻋن إحياء روح الﻌﺒودية لله تﻌالﻰ في كل ﻣنسك يؤدونﻪ . وﻣا أجمل ﻣا قالﻪ الإﻣاﻡ فخر الدين الرازي رحمﻪ الله : "اﻋﻠم أن ﻣن ﻋرف فوائد الﻌﺒادﺓ طاﺏ لﻪ اﻻشﺘغال ﺑﻬا، وﺛقل ﻋﻠيﻪ اﻻشﺘغال ﺑغيرﻫا. وﺑيانﻪ ﻣن وجﻬين: الأول: أن الكمال ﻣحﺒوﺏ ﺑالذات، وأكمل أحوال الإنسان اشﺘغالﻪ ﺑﻌﺒادﺓ الله، فإنﻪ يسﺘنير قﻠﺒﻪ ﺑنور الإلﻬية، ويﺘشرف لسانﻪ ﺑشرف الذكر والقراءﺓ، وتﺘجمل أﻋضاؤﻩ ﺑجمال خدﻣة الله، وﻫذﻩ الأحوال أشرف المراتب الإنسانية، والدرجات الﺒشرية. فإذا كان حﺼول ﻫذﻩ الأحوال أﻋظم السﻌادات الإنسانية في الحال، وﻫي ﻣوجﺒة أيضا لأكمل السﻌادات في الزﻣان المسﺘقﺒل، فمن وقف ﻋﻠﻰ ﻫذﻩ الأحوال، زال ﻋنﻪ ﺛقل الطاﻋات، وﻋظمت حﻼوتﻬا في قﻠﺒﻪ.

عدد الصفحات ٣

4 الثاني: أن اﻻشﺘغال ﺑالﻌﺒادﺓ انﺘقال ﻣن ﻋالم الغرور إلﻰ ﻋالم السرور، وﻣن اﻻشﺘغال ﺑالخﻠق إلﻰ حضرﺓ الحق، وذلك يوجب كمال الﻠذﺓ والﺒﻬجة" وقد عبر أحد الدعاة عن حاجة الحاج إلى تلك الروحانيات بقوله : ( إنسان ذﻫبَ إلﻰ الحج , أقول لكم ﺑﺼراحة دون ﻣجاﻣﻠة : واحد ﺳُمِحَ لﻪ أن يذﻫبَ إلﻰ الحج ودفع ﻣﺒالغ طائﻠة, وركب الطائرﺓ, وﻏادر ﺑﻠدﻩ, وترك ﻣحﻠﻪ, وترك أﻫﻠﻪ, وترك أوﻻدﻩ ازدحاﻡ, وحر ونفقات وانﺘظار ﺑالمطار ﺳﺒﻌة أياﻡ أو ﺳﺒع ﺳاﻋات, أو ﻋشر ﺳاﻋات, يﻌني ﻻ أُﺻدق أنَّ الحاج طافَ حولَ الكﻌﺒة وﻣا شﻌرَ ﺑشيء، ذﻫبَ إلﻰ ﻋرفات, وأقاﻡ ﺳاﻋات طويﻠة جﻠس ﻣثل السائح, والله الخيمة حر أين الطﻌاﻡ؟ أين يوجد ﻣكيف؟ جﻠس وناﻡ قﻠيﻼ وارتاح, حﺘﻰ ﻏاﺑت الشمس, ﺛم جاء إلﻰ ﻣِنﻰ . يﻌني أنا ﻻ أُﺻدق أنَّ خالقَ الكون أﻣركَ أن تﺘرك ﺑﻠدك وأن تركب الطائرﺓ أو أن تمشي ﻋﻠﻰ قدﻣيك أو أن تركب الجمل، وأن تقطع المسافات الشاﺳﻌة وأن تُنفق ﻋشرات الألوف، وأن تﺘحمل ﻣشاق السفر لﻠﺘواجد في ﻣكان اﺳمﻪ الكﻌﺒة، والله ﻻ أُﺻدق ذلك إﻻ أن يكون في ﻫذا الطواف الخشوع والإقﺒال والشﻌور ﺑالقرﺏ والشﻌور ﺑﺘﻠقي الﺘجﻠي ﻣن الله ﻋز وجل أن تذﻫبَ إلﻰ ﻋرفات دونَ أن تشﻌرَ ﺑشيء إﻻ أنكَ وُجِدتَ في ﻋرفات ). ويصيح باحث (أﻣ ا أن يذﻫب - الحاج - ﻋﻠﻰ ﻣا كان ﻋﻠيﻪ ﻣن ﺳوء الخﻠق وفظاظة الطﺒع وكثرﺓ الجدال والخﺼاﻡ والأذﻯ والفسوق، ﺛم يمكث ﻫناك وﻋود ﻋﻠﻰ ﻣا كان ﻋﻠيﻪ، فما اﺳﺘفاد ﻣن حجﻪ، وﻣا ضمنﻪ حجا ﻣﺒرورا ﻣﺘقﺒﻼ ، ﺑل "ﻣا حج ﻫو، وإنما حج الجمل" ) وقد يسر الله كﺘاﺑة تﻠك الروحانيات ﻣن خﻼل ﻫذﻩ الوقفات ﻋﻠﻰ النحو الﺘالي : تمهيد : قصة مؤثرة بين يدي هذه الروحانيات . الوقفة الأولى : روحانيات الحاج عند خروجه للسفر صوب البيت العتيق . الوقفة الثانية : روحانيات الحاج عند وصوله للميقات ولبسه لملابس الإحرام . الوقفة الثالثة : روحانيات الحاج في التلبية . الوقفة الرابعة : روحانيات الحاج عند رؤية الكعبة والطواف بالبيت العتيق . الوقفة الخامسة : روحانيات الحاج في السعي بين الصفا والمروة .

عدد الصفحات ٤

5 الوقفة السادسة : روحانيات الحاج عند نﺰوله بمنى يوم التروية . الوقفة السابعة : روحانيات الحاج في عرفات . الوقفة الثامنة :روحانيات الحاج عند حلق رأسه ورميه للجمرات في أيام التشريق. الوقفة التاسعة : روحانيات الحاج عند التكبير في أيام التشريق . الوقفة العاشرة : روحانيات الحاج في طواف الوداع . الوقفة الحادية عشرة : روحانيات الحاج عند زيارة المدينة النبوية المنورة . الوقفة الثانية عشرة :روحانيات الحاج في الدعو إلى الله تعالى . خاتمة الروحانيات : شئ من العقل والفكر . وأنا إذ أقدﻡ ﻫذﻩ الروحانيات لﻠحجاج رجاﻻ ونساءا أرجو أن ينفﻌﻬم الله ﺑﻬا وأن تكون ﺳﺒﺒا في أدائﻬم لحج ﻣﺒرور، يخرجون ﺑﻪ ﻣن ذنوﺑﻬم كما ولدتﻬم أﻣﻬاتﻬم تحقيقا لقول الحﺒيب ﺻَﻠَّﻰ اللهَُّ ﻋَﻠَي ﻪِ وَﺳَﻠَّمَ : (ﻣَن حَجَّ فَﻠَم يَر فُث وَلَم يَف سُق رَجَ عَ كَمَا وَلَدَت ﻪُ أُﻣُّﻪُ ) ﻣﺘفق ﻋﻠيﻪ . وخﺘاﻣا أﺳأل الله أن يخﺘم لي ﺑالحسنﻰ وأن يكﺘب لﻬذﻩ الروحانيات القﺒول ﺑالحسنﻰ وأن يجﻌﻠﻬا في ﻣيزان حسناتي في الأخرﻯ . وﺁخر دﻋوانا أن الحمد لﻠﻪ رﺏ الﻌالمين وﺻﻠﻰ الله وﺳﻠم ﻋﻠﻰ ﺳيدنا ﻣحمد وﻋﻠﻰ ﺁلﻪ وﺻحﺒﻪ أجمﻌين . أخوكم / أحمد خضر حسنين الدوحة 13/رمضان / 1437 جوال0097433027886 إيميلdoctorahmed33027886@gmail.com

عدد الصفحات ٥

6 تمهيد قصة مؤثرة بين يدي الروحانيات وإنما اخﺘرت ﻫذﻩ القﺼة ورﺑما ﻫناك الﻌشرات ﻣن القﺼص إﻻ أن ﻫذﻩ القﺼة تﻌﺘﺒر - في ظني – حجة ﻋﻠﻰ كل ﻣن يؤجل الحج تكاﺳﻼ وﻣا أكثر القدرين ﻋﻠﻰ الحج ويؤجﻠونﻪ دون ﻋذر ظاﻫر ﺑل الﺒﻌض يؤجﻠﻪ ﺑخﻼ ﺑالنفقة الﺘي يﺘطﻠﺒﻬا الحج ، وﻣا ﻋﻠم المسكين أن الله وﻋدﻩ ﺑالﺒركة وﻋظيم الأجر . ولنشرع اﻵن في ذكر القﺼة وﻫي : قﺼة الحاج ﻋثمان داﺑو رحمﻪ الله تﻌالﻰ ﻣن جمﻬورية جاﻣﺒا في أقﺼﻰ المغرﺏ الإفريقي وقد تجاوز الثمانين ﻣن ﻋمرﻩ، قﺼة قﺼ ﻬا الداﻋية ﻋﺒد الرحمن الﺼوي ان.( ﻣن ﻣوقع ﺻيد الفوائد ) الشيﺦ الحاج ﻋثمان داﺑو رحمﻪ الله ﻣن جمﻬورية جاﻣﺒيا في أقﺼﻰ الغرﺏ الإفريقي، تجاوز الثمانين ﻣن ﻋمرﻩ، زرتﻪ قﺒل ﻣوتﻪ في ﻣنزلﻪ المﺘواضع في قريﺘﻪ الﺼغيرﺓ قرﺏ الﻌاﺻمة ﺑانجول، وحدﺛني ﻋن رحﻠﺘﻪ الطويﻠة قﺒل خمسين ﻋاﻣا إلﻰ الﺒيت الﻌﺘيق، ﻣاشيا ﻋﻠﻰ قدﻣيﻪ ﻣع أرﺑﻌة ﻣن ﺻحﺒﻪ ﻣن ﺑانجول إلﻰ ﻣكة قاطﻌين قارﺓ إفريقيا ﻣن ﻏرﺑﻬا إلﻰ شرقﻬا، لم يركﺒوا فيﻬا إﻻ فﺘرات يسيرﺓ ﻣﺘقطﻌة ﻋﻠﻰ ﺑﻌض الدواﺏ، إلﻰ أن وﺻﻠوا إلﻰ الﺒحر الأحمر ﺛم ركﺒوا السفينة إلﻰ ﻣيناء جدﺓ. رحﻠة ﻣﻠيئة ﺑالﻌجائب والمواقف الغريﺒة الﺘي لو دُوِّنت لكانت ﻣن أكثر كﺘب الرحﻼت إﺛارﺓ وﻋﺒرﺓ، اﺳﺘمرت الرحﻠة أكثر ﻣن ﺳنﺘين، ينزلون أحيانا في ﺑﻌض المدن لﻠﺘكسب والراحة والﺘزود لنفقات الرحﻠة، ﺛم يواﺻﻠون المسير. ﺳألﺘﻪ: أليس حج الﺒيت الحراﻡ فُرض ﻋﻠﻰ المسﺘطيع، وأنﺘم في ذلك الوقت ﻏير ﻣسﺘطيﻌين؟! قال: نﻌم، ولكننا تذاكرنا ذات يوﻡ قﺼة إﺑراﻫيم الخﻠيل ﻋﻠيﻪ الﺼﻼﺓ والسﻼﻡ ﻋندﻣا ذﻫب ﺑأﻫﻠﻪ إلﻰ واد ﻏير ذي زرع ﻋند ﺑيت الله المحرﻡ، فقال أحدنا: نحن اﻵن شﺒاﺏ أقوياء أﺻحاء، فما ﻋذرنا ﻋند الله تﻌالﻰ إن نحن قﺼَّرنا في المسير إلﻰ ﺑيﺘﻪ المحرﻡ، خاﺻة أننا نظن أن الأياﻡ لن تزيدنا إﻻ ضﻌفا ، فﻠماذا الﺘأخير؟! فﻬيَّجَنا واﺳﺘحثنا ﻋﻠﻰ السفر ﻣسﺘﻌينين ﺑالله تﻌالﻰ. خرج الخمسة ﻣن دُورﻫم، وليس ﻣﻌﻬم إﻻ قوت ﻻ يكفيﻬم أكثر ﻣن أﺳﺒوع واحد فقط، والدافع الرئيس لذلك ﻫو تحقيق أﻣر الله تﻌالﻰ لﻬم ﺑحج ﺑيﺘﻪ الﻌﺘيق، وأﺻاﺑﻬم في طريقﻬم

عدد الصفحات ٦

7 ﻣن المشقة والضيق والكرﺏ ﻣا الله ﺑﻪ ﻋﻠيم؛ فكم ﻣن ليﻠة ﺑاتوا فيﻬا ﻋﻠﻰ الجوع حﺘﻰ كادوا يﻬﻠكون؟! وكم ﻣن ليﻠة طاردتﻬم السﺒاع، وفارقﻬم لذيذ المناﻡ؟! وكم ﻣن ليﻠة أحاط ﺑﻬم الخوف ﻣن كل ﻣكان؛ فقُطَّاع الطرق يﻌرضون لﻠمسافرين في كل واد؟! رُب ليل بكيت منه فلمَّا صرتُ في غيره بكيت عليه قال الشيﺦ ﻋثمان: لُدﻏت ذات ليﻠة في أﺛناء السفر، فأﺻاﺑﺘني حمَّﻰ شديدﺓ وألم ﻋظيم أقﻌدني وأﺳﻬرني، وشممت رائحة الموت تسري في ﻋروقي: وإني لأرعى النجم حتى كأنني على كل نجم في السماء رقيب فكان أﺻحاﺑي يذﻫﺒون لﻠﻌمل، وكنت أﻣكث تحت ظل شجرﺓ إلﻰ أن يأتوا في ﺁخر النﻬار، فكان الشيطان يوﺳوس في ﺻدري : أَﻣَا كان الأَو لﻰ أن تﺒقﻰ في أرضك؟! لماذا تكﻠف نفسك ﻣا ﻻ تطيق؟! ألم يفرض الله الحج ﻋﻠﻰ المسﺘطيع فقط؟! فثقﻠت نفسي وكدت أضﻌف، فﻠما جاء أﺻحاﺑي نظر أحدﻫم إلﻰ وجﻬي وﺳألني ﻋن حالي، فالﺘفتُّ ﻋنﻪ وﻣسحت دﻣﻌة ﻏﻠﺒﺘني، فكأنﻪ أحس ﻣا ﺑي! فقال: قم فﺘوضأ وﺻلِّ، ولن تجد إﻻ خيرا ﺑإذن الله {واﺳﺘﻌينوا ﺑالﺼﺒر والﺼﻼﺓ وإنﻬا لكﺒيرﺓ إﻻ ﻋﻠﻰ الخاشﻌين الذين يظنون أنﻬم ﻣﻼقوا رﺑﻬم وأنﻬم إليﻪ راجﻌون [}الﺒقرﺓ: 45، 46 .]فانشرح ﺻدري ، وأذﻫب الله ﻋني الحزن، ولله الحمد. كان الشوق لﻠوﺻول إلﻰ الحرﻣين الشريفين يحدوﻫم في كل أحوالﻬم، ويخفف ﻋنﻬم ﺁﻻﻡ السفر وﻣشاق الطريق وﻣخاطرﻩ، ﻣات ﺛﻼﺛة ﻣنﻬم في الطريق، كان ﺁخرﻫم في ﻋرض الﺒحر، والﻠطيف في أﻣرﻩ أن وﺻيﺘﻪ لﺼاحﺒيﻪ قال لﻬما فيﻬا: إذا وﺻﻠﺘما إلﻰ المسجد الحراﻡ، فأخﺒرا الله تﻌالﻰ شوقي لﻠقائﻪ، واﺳأﻻﻩ أن يجمﻌني ووالدتي في الجنة ﻣع النﺒي ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم . قال الشيﺦ ﻋثمان: لما ﻣات ﺻاحﺒنا الثالث نزلني ﻫم شديد وﻏم ﻋظيم، وكان ذلك أشد ﻣا ﻻقيت في رحﻠﺘي؛ فقد كان أكثرنا ﺻﺒرا وقوﺓ، وخشيت أن أﻣوت قﺒل أن أنﻌم ﺑالوﺻول إلﻰ المسجد الحراﻡ، فكنت أحسب الأياﻡ والساﻋات ﻋﻠﻰ أحرِّ ﻣن الجمر. إذا برقت نحو الحجاز سحابة دعا الشوق مني برقها المتطامن

عدد الصفحات ٧

8 فﻠما وﺻﻠنا إلﻰ جدﺓ ﻣرضت ﻣرضا شديدا وخشيت أن أﻣوت قﺒل أﺻل إلﻰ ﻣكة المكرﻣة، فأوﺻيت ﺻاحﺒي أنني إذا ﻣت أن يكفنني في إحراﻣي، ويقرﺑني قدر طاقﺘﻪ إلﻰ ﻣكة، لﻌل الله أن يضاﻋف لي الأجر، ويﺘقﺒﻠني في الﺼالحين. فيوشك أن يحول الموت بيني وبين جوار بيتك والطواف فكم من سائل لك رب رغبا ورهبا بين منتعل وحافي أتاك الراغبون إليك شعثا يسوقون المُقلَّدة الصَّ وافي ﻣكثنا في جدﺓ أياﻣا ، ﺛم واﺻﻠنا طريقنا إلﻰ ﻣكة، كانت أنفاﺳي تﺘسارع والﺒِش ر يملأ وجﻬي، والشوق يﻬزني ويشدني، إلﻰ أن وﺻﻠنا إلﻰ المسجد الحراﻡ. وﺳكت الشيﺦ قﻠيﻼ .. وأخذ يكفكف ﻋﺒراتﻪ، وأقسم ﺑالله تﻌالﻰ أنﻪ لم ير لذﺓ في حياتﻪ كﺘﻠك الﻠذﺓ الﺘي ﻋمرت قﻠﺒﻪ لمَّا رأﻯ الكﻌﺒة المشرَّفة! ﺛم قال: لما رأيت الكﻌﺒة ﺳجدت لله شكرا ، وأخذت أﺑكي ﻣن شدﺓ الرﻫﺒة والﻬيﺒة كما يﺒكي الأطفال، فما أشرفﻪ ﻣن ﺑيت وأﻋظمﻪ ﻣن ﻣكان! ﺛم تذكرت أﺻحاﺑي الذين لم يﺘيسر لﻬم الوﺻول إلﻰ المسجد الحراﻡ، فحمدت الله تﻌالﻰ ﻋﻠﻰ نﻌمﺘﻪ وفضﻠﻪ ﻋﻠيَّ، ﺛم ﺳألﺘﻪ ﺳﺒحانﻪ أن يكﺘب خطواتﻬم وأﻻ يحرﻣﻬم الأجر، وأن يجمﻌنا ﺑﻬم في ﻣقﻌد ﺻدق ﻋند ﻣﻠيك ﻣقﺘدر. خرجت ﻣن ﺑيت الشيﺦ وأنا أردد قول الله تﻌالﻰ { :وﺳارﻋوا إلﻰ" ﻣغفرﺓ ﻣن رﺑكم وجنة ﻋرضﻬا السموات والأرض أﻋدت لﻠمﺘقين [}ﺁل ﻋمران: 133 .]إقﺒال جاد ﻋﻠﻰ الطاﻋة، إقﺒال ﻻ يﻌرض ﻋﻠيﻪ الﺘكاﺳل أو الﺘسويف، إقﺒال تﻬون فيﻪ اﻵﻻﻡ والأكدار، إقﺒال تﺘساقط تحﺘﻪ كافة الﻌراقيل والﻌقﺒات.. إقﺒال ﺑﻬمة ﺻادقة وﻋزيمة ﻋالية تنﺒع ﻣن قﻠب ﻣﺘﻌﻠق ﺑمحﺒة الله واﻻﻣﺘثال لأﻣرﻩ. خرجت وأنا أردد قول الله تﻌالﻰ { :وأذن في الناس ﺑالحج يأتوك رجاﻻ وﻋﻠﻰ" كل ضاﻣر يأتين ﻣن كل فج ﻋميق [}الحج: 27]. ﺛم تأﻣﻠت في حال كثير ﻣن المسﻠمين في ﻫذا الﻌﺼر ﻣمن تحققت فيﻬم الشروط الشرﻋية الموجﺒة لحج ﺑيت الله الحراﻡ، وﻣع ذلك يُسوِّفون ويﺘﺒاطؤون ﻋن الحج..! أﻻ فﻠيﺘذكر أولئك قول النﺒي ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم : " ﻣن أراد الحج فﻠيﺘﻌجل؛ فإنﻪ قد يمرض

عدد الصفحات ٨

9 المريض، وتضل الضالة، وتﻌرض الحاجة" . أخرجﻪ: أحمد (3-332 )رقم (1833، 1843)، واﺑن ﻣاجﻪ، في كﺘاﺏ المناﺳك رقم (2883)، وحسنﻪ الألﺒاني في الإرواء رقم (990)، والأرناؤوط في تخريجﻪ لمسند الإﻣاﻡ أحمد. جزﻯ الله خيرا الداﻋية ﻋﺒد الرحمن الﺼوي ان ، وأنا أضم ﺻوتي إلﻰ ﺻوتﻪ وأقول ﻻ ﺑد لﻠمسﻠم أن يرفع ﻫمﺘﻪ لإﺻﻼح دينﻪ والقياﻡ ﺑأركانﻪ كﻠﻬا ﻣا داﻡ يسطيع ذلك ، فﻬو الأجدر ﺑﻪ والأﺻﻠح لدينﻪ والأرضﻰ لرﺑﻪ تﻌالﻰ ... وﻣن ناحية أخرﻯ – ﻋﻠﻰ رأي ﺑﻌض الفقﻬاء فإن تأخير الحج ﻣع القدرﺓ ﻋﻠيﻪ كﺒيرﺓ ﻣن الكﺒائر ، فﻬل يرضﻰ ﻣسﻠم أن يﻌيش أياﻣﻪ ولياليﻪ ﻋاﺻيا لرﺑﻪ وﻫو يغدو ويروح يأكل ويشرﺏ ويسمﺘع ﺑمﺘع الدنيا فأين إيمانﻪ ؟؟ وأين ﻏيرتﻪ ﻋﻠﻰ دينﻪ ؟؟

عدد الصفحات ٩

10 الوقفة الأولى روحانيات الحاج عند خروجه للسفر صوب البيت العتيق من روحانيات الحاج عند سفره : ﻣا كثر تردادﻩ في ﻫذا المقاﻡ أن ﺳفر الحج يذكر ﺑسفر اﻵخرﺓ ولكن ﻫل ﻫذا واقﻌي أﻡ فكرﺓ تدور في الذﻫن ﺛم تﺘﻼشﻰ .. دﻋونا نحﻠل ﻫذﻩ الﻌﺒارﺓ أو ﺑالأحرﻯ نﻌقد ﻣقارنة ﺑين ﻣا يسﺘثيرﻩ السفر إلﻰ اﻵخرﺓ في نفسك وﺑين ﻣا يجول ﺑخاطرك وأنت ﻣسافر لﻠحج : ﺑالنسﺒة للآخرﺓ فذكرﻫا يجﻌﻠك تﺘخيل الحشر والنشر والفزع والأﻫوال ونﺼب الﺼراط ووضع الميزان وتطاير الﺼحف وأخذ الكﺘب ﺑاليمين أو ﺑالشمال وﻣا إلﻰ ذلك ، فﻬل ذلك الﺘذكر أو الﺘخيل ﻻ يجول ﺑخاطر المسﻠم إﻻ ﻋند إرادﺓ الحج ؟؟ ﻻ .. ﻻ ينﺒغي أن يكون المؤﻣن ﺑﻬذﻩ الدرجة ﻣن الغفﻠة ﻋن ﺁخرتﻪ إلﻰ ﻫذا الحد لأنﻪ رﺑما ﻻ يسافر إلأﻯ الحج إﻻ وﻫو ﻋﻠﻰ ﻣشارف الخمسين أو السﺘين ﻣن ﻋمرﻩ ، فﻠو ظل ﻏافﻼ ﻋن ﺁخرت إلﻰ أن يحين ﻣوﻋد ﺳفرﻩ إلﻰ الحج فإنﻪ ﺳيظل ﻏافﻼ في أداء ﻋﺒاداتﻪ ﻣن ﺻﻼﺓ وذكر وتﻼوﺓ لﻠقرﺁن ونحوﻫا فﻼ يكاد يرق لﻪ قﻠب أو تدﻣع لﻪ ﻋين . إذن ﻫذا اﻻحﺘمال لمﻌنﻰ ( أن ﺳفر الحج يذكر ﺑسفر اﻵخرﺓ )ﻏير ﺻحيح و ﻻ يؤدي ﻏرضا ﺑل يدل ﻋﻠﻰ ﻏفﻠة ﻋظيمة ﻋن الله تﻌالﻰ. ﻫناك احﺘمال ﺁخر أﻻ وﻫو أن المسافر إلﻰ الحج ﺳيحزن حزنا شديدا ﺑالطﺒع الﺒشري ويركﺒﻪ ﻣن الﻬموﻡ الشئ الكثير ،لأنﻪ ﺳيفارق أﻫﻠﻪ وولدﻩ وأقارﺑﻪ وﻣﻌارفﻪ ووطنﻪ لمدﺓ تطول أو تقﺼر كما أن ﺳيﺘﻌب ﺑدنيا في قطع ﻣسافة السفر كما أنﻪ ﺳﺘحيط ﺑﻪ الﻬموﻡ إذ ﻻ يدري ﻣا ﺳيﻼقيﻪ في ﺳفرﻩ ﻣن ﻣﺘاﻋب وﻣن الناس ﻣن ياخﻠﻪ الرﻋب لمجرد كﻠمة ﺳفر. لكن السؤال ﻫل المسافر إلﻰ اﻵخرﺓ يحمل ﻣن الﻬموﻡ ﻣا يحمﻠﻪ المسافر ؟ ﺑﻠﻰ .. وأشد لأنﻪ ﺳيفارق كل ﻣا أشرنا إليﻪ ﻣفارقة طويﻠة إن لم تكن أﺑدية ... وﺳيﻼقي ﻣن المﺘاﻋب الﺒدنية ﻣا ﻻ يوﺻف ، إن لم يكن ﻣن أﻫل الﺘقوﻯ في الدنيا . من روحانيات الحاج عند سفره : ﻣا جاءت ﺑﻪ اﻵية القرﺁنية لﺘزيل ﻋنك أيﻬا الحاج تﻠك الﻬموﻡ والغموﻡ وترشدك إلﻰ أﺳﺒاﺏ الراحة والفرح والسرور ، فقال تﻌالﻰ : ( وتزودوا فإن خير الزاد الﺘقوﻯ ) فقد قال ﺑﻌض أﻫل الﺘفسير : في ﺑيان ﻣﻌناﻫا :

عدد الصفحات ١٠

11 أن المراد : وتزودوا ﻣن الﺘقوﻯ ، والدليل ﻋﻠيﻪ قولﻪ ﺑﻌد ذلك : ( فإن خير الزاد الﺘقوﻯ ) وتحقيق الكﻼﻡ فيﻪ أن الإنسان لﻪ ﺳفران : ﺳفر في الدنيا ، وﺳفر ﻣن الدنيا ، فالسفر في الدنيا ﻻ ﺑد لﻪ ﻣن زاد ، وﻫو الطﻌاﻡ والشراﺏ والمركب والمال ، والسفر ﻣن الدنيا - إلﻰ اﻵخرﺓ - ﻻ ﺑد فيﻪ أيضا ﻣن زاد ، وﻫو ﻣﻌرفة الله وﻣحﺒﺘﻪ والإﻋراض ﻋما ﺳواﻩ ، وﻫذا الزاد خير ﻣن الزاد الأول لوجوﻩ : الأول : أن زاد الدنيا يخﻠﺼك ﻣن ﻋذاﺏ ﻣوﻫوﻡ ، وزاد اﻵخرﺓ يخﻠﺼك ﻣن ﻋذاﺏ ﻣﺘيقن ( إن لم تكن ﻣن الأتقياء ) . وثانيها : أن زاد الدنيا يخﻠﺼك ﻣن ﻋذاﺏ ﻣنقطع ، وزاد اﻵخرﺓ يخﻠﺼك ﻣن ﻋذاﺏ دائم . وثالثها : أن زاد الدنيا يوﺻﻠك إلﻰ لذﺓ ﻣمزوجة ﺑاﻵﻻﻡ والأﺳقاﻡ والﺒﻠيات ، وزاد اﻵخرﺓ يوﺻﻠك إلﻰ لذات ﺑاقية خالﺼة ﻋن شوائب المضرﺓ ، ﺁﻣنة ﻣن اﻻنقطاع والزوال . ورابعها : أن زاد الدنيا وﻫي كل ﺳاﻋة في الإدﺑار واﻻنقضاء ، وزاد اﻵخرﺓ يوﺻﻠك إلﻰ اﻵخرﺓ ، وﻫي كل ﺳاﻋة في الإقﺒال والقرﺏ والوﺻول . وخامسها : أن زاد الدنيا يوﺻﻠك إلﻰ ﻣنﺼة الشﻬوﺓ والنفس ، وزاد اﻵخرﺓ يوﺻﻠك إلﻰ ﻋﺘﺒة الجﻼل والقدس ، فثﺒت ﺑمجموع ﻣا ذكرنا أن خير الزاد الﺘقوﻯ . إذا ﻋرفت ﻫذا فﻠنرجع إلﻰ تفسير اﻵية ، فكأنﻪ تﻌالﻰ قال : لما ﺛﺒت أن خير الزاد الﺘقوﻯ فاشﺘغﻠوا ﺑﺘقواي يا أولي الألﺒاﺏ ، يﻌني إن كنﺘم ﻣن أرﺑاﺏ الألﺒاﺏ الذين يﻌﻠمون حقائق الأﻣور وجب ﻋﻠيكم ﺑحكم ﻋقﻠكم ولﺒكم أن تشﺘغﻠوا ﺑﺘحﺼيل ﻫذا الزاد لما فيﻪ ﻣن كثرﺓ المنافع ، وقال الأﻋشﻰ في تقرير ﻫذا المﻌنﻰ : إذا أنت لم ترحل بﺰاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تﺰودا ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وأنا أقول : لكي ﻻ يكون ﺳفر الحاج إلﻰ ﻣكة ﻣماﺛﻼ لأي ﺳفر ﺁخر، ﻣن كونﻪ ﻻ يؤجر ﻋﻠيﻪ ، فﻌﻠيﻪ أن يسﺘحضر ﻣا قالﻪ الغزالي رحمﻪ الله ( وأﻣا الخروج ﻣن ﺑﻠدﻩ: فﻠيﻌﻠم ﻋندﻩ أنﻪ ﻣفارق الأﻫل والوطن، ﻣﺘوجﻪ إلﻰ الله ﻋز وجل في ﺳفر ﻻ يضاﻫي أﺳفار الدنيا ، فﻠيحضر في قﻠﺒﻪ ﻣاذا يريد، وأين يﺘوجﻪ، وزيارﺓ ﻣن يقﺼد؟ وليﻌﻠم أنﻪ ﻣﺘوجﻪ إلﻰ ﻣﻠك

عدد الصفحات ١١

12 المﻠوك في زﻣرﺓ الزائرين لﻪ، الذين نودوا فأجاﺑوا، واﺳﺘُنﻬضوا فنﻬضوا، وقطﻌوا الﻌﻼئق، وفارقوا الخﻼئق، واقﺒﻠوا ﻋﻠﻰ الله، ﺳائﻠين إياﻩ أن يرزقوا ﻣنﺘﻬﻰ ﻣناﻫم، ويسﻌدوا ﺑالنظر إلﻰ وجﻬﻪ الكريم. وليسﺘحضر في قﻠﺒﻪ رجاء الوﺻول والقﺒول ﻻ اتكاﻻ ﻋﻠﻰ أﻋمالﻪ في اﻻرتحال وﻣفارقة الأﻫل والمال، ولكن ﺛقة ﺑفضل الله ﻋز وجل، وافدا إليﻪ؛ إذ قال جل جﻼلﻪ{ :وﻣن يخرج ﻣن ﺑيﺘﻪ ﻣﻬاجرا إلﻰ الله ورﺳولﻪ ﺛم يدركﻪ الموت فقد وقع أجرﻩ ﻋﻠﻰ الله}النساء:100.) فمن روحانيات الحاج عند سفره : ﻣا ﻻحظﺘﻪ في نفسي ﻋندﻣا أريد السفرإلﻰ ﻣكان فﻬناك أﻣور كثيرﺓ ﻻ ﺑد ﻣن تسويﺘﻬا والإطمئنان ﻋﻠيﻬا ، وﻋﻠﻰ ﺳﺒيل المثال أوﺻي زوجﺘي ﻋﻠﻰ الأوﻻد ، وأوﺻي الجيران ﻋﻠﻰ الأﺳرﺓ الكريمة،وأتأكد ﻣن الوضع السﻠيم لسيارتي ، وأرد الديون الﺘي ﻋﻠي أو أﻋفو ﻣن لي دين ﻋﻠيﻪ ... أذﻫب إلﻰ فﻼن لﺘسوية الخﻼف الذي لﻪ ﺳنوات .. اﺳﺘرضي ﺑﻌض الأقارﺏ وأودﻋﻬم .. وﻻ أنسﻰ توديع زﻣﻼئي في الﻌمل .. وﻏير ذلك كثير ... كل ﻫذا لأنني ﺳوف أﺳافر وأﻋود ﺑﻌد أياﻡ قﻼئل وكأنني لن أراﻫم ﺑﻌد ذلك أﺑدا .. وفي ﻫذا المقاﻡ يردد المسافر ( الموت ﻣن الحياﺓ ﻣا ﻣﻌروف ) ... فكيف إذا كان السفر ﺑﻼ ﻋودﺓ وﻫو ﺳفر اﻵخرﺓ ؟؟؟ ومن هنا كانت من روحانيات الحاج عند سفره قولهم : (أن ﺳفر الحج يذكر ﺑسفر اﻵخرﺓ ) أﻻَّ أذﻫب ﻵخرتي وﻫناك ﻣن يطالﺒني ﺑشئ .. ﻻ ﻣادي وﻻ ﻣﻌنوي وﻫذا الذي ﺳماﻩ الغزالي ﺑقطع الﻌﻼئق يﻌني حسم الﻌﻼقات الﺘي فيﻬا شئ ﻣن المطالﺒات في اﻵخرﺓ .. ولﻪ كﻼﻡ حسن جميل حيث يقول : ( وأﻣا قطع الﻌﻼئق: فمﻌناﻩ رد المظالم، والﺘوﺑة الخالﺼة لله تﻌالﻰ ﻋن جمﻠة المﻌاﺻي. فإن كنت راﻏﺒا في قﺒول زيارتك، فنفذ أواﻣرﻩ - الله ﺳﺒحان - ورد المظالم، وتب إليﻪ أوﻻ ﻣن جميع المﻌاﺻي، واقطع ﻋﻼقة قﻠﺒك ﻋن اﻻلﺘفات إلﻰ ﻣا وراءك؛ لﺘكون ﻣﺘوجﻬا إليﻪ ﺑقﻠﺒك، كما أنك ﻣﺘوجﻪ إلﻰ ﺑيﺘﻪ ﺑظاﻫرك. فإن لم تفﻌل ذلك، لم يكن لك ﻣن ﺳفرك أوﻻ إﻻ النﺼب والشقاء، وﺁخرا إﻻ الطرد والرد. وليقطع الﻌﻼئق ﻋن وطنﻪ انقطاع ﻣن قُطع ﻋنﻪ، وقُدِّر لﻪ أن ﻻ يﻌود إليﻪ. وليكﺘب وﺻيﺘﻪ لأوﻻدﻩ وأﻫﻠﻪ، فإن المسافر وﻣالﻪ لﻌﻠﻰ خطر إﻻ ﻣن وقﻰ الله ﺳﺒحانﻪ. وليﺘذكر ﻋند قطﻌﻪ الﻌﻼئق لسفر الحج قطع الﻌﻼئق لسفر اﻵخرﺓ، فإن ذلك ﺑين يديﻪ ﻋﻠﻰ القرﺏ، وﻣا يقدﻣﻪ ﻣن ﻫذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر، فﻬو المسﺘَقَر وإليﻪ المﺼير. فﻼ ينﺒغي أن يغفل ﻋن ذاك السفر، ﻋند اﻻﺳﺘﻌداد لﻬذا السف ).

عدد الصفحات ١٢

13 الوقفة الثانية روحانيات الحاج عند وصوله الميقات ولبسه لملابس الإحرام تأﻣل أخي الحاج تﻠك الجموع الغفيرﺓ الﺘي وﺻﻠت إلﻰ الميقات ﺛم وقد لﺒست ﻣﻼﺑس الإحراﻡ ﺑيضاء ناﺻﻌة الﺒياض كقﻠوﺑﻬم في تﻠك الﻠحظات .. ﺛم تأﻣل الأفواج الﺘي وﺻﻠت لﺘوﻫا أنظر إلﻰ الحجاج وﻫم ينزلون ﻣن ﺑاﺻاتﻬم وﺳياراتﻬم الخاﺻة وﻫم يﺘجﻬون إلﻰ ﻣسجد الميقات وﻫو يحمﻠون ﻣﻼﺑس الأحراﻡ تﻌﻠوﻫم اﻻﺑﺘساﻣة وقد نسوا تﻌب السفر وطول الطريق وشدﺓ المﻌاناﺓ .. ﻣن ﻫنا تﻌﻠم أن الروح قد ﺳمت وأن الحب قد ظﻬر فخﻠطوا ﻣرارﺓ السفر ﺑحﻼوﺓ الإيمان فطغت حﻼوﺓ الإيمان ﻋﻠﻰ ﻣرارﺓ السفر فﺘم لﻬم الفرح والسرور ﺑسسﻼﺓ الوﺻول ... ﻫل تريد روحانية أﻋظم ﻣن ﻫذﻩ .. ﻣا ﻫو شﻌورك وأنت ﺑين تﻠك الجموع الﺘي أرحرﻣت أو في طريقﻬا إلﻰ الإحراﻡ . ذاك ﻣيقات واحد ﻫو الذي نزلت فيﻪ أريدك اﻵن أن تﺘخيل جميع المواقيت يحدﺙ فيﻬا ﻣا تراﻩ ﺑﻌينك وكﻠﻬم ﻋﻠﻰ تﻠك الدرجة ﻣن الحيوية والنشاط والشوق إلأﻯ الوﺻول إلﻰ الﺒيت الﻌﺘيق ﺑل ﻣرادﻫم إرضاء رﺏ الﺒيت الغفور الرحيم واﻻﻋﺘذار إليﻪ ﻋما ﺳﻠف ﻣن خطايا وذنوﺏ وﻏفﻠة اﺳﺘمرت ﺳنين ﻋددا . لقد ﺻور الﻌﻼﻣة ﻣجد الدين أﺑو ﻋﺒد الله ﻣحمد ﺑن ﻣحمد ﺑن أﺑي ﺑكر ﺑن رشيد الﺒغدادي الوتري( توفي 662 ﻫـ) – رحمﻪ الله - ذلك المشﻬد وأفﺼح ﻋما في ﺑواطن الحجاج ﺑقولﻪ : ونـادى منـاد للحجـيـج ليحـرمـوا فلـم يبـق إلا مـن أجــاب ولـبـاه وجـردت القمصـان والكـل أحرمـوا ولا لبـس لا طيـب جميعـا هجرنـاه ولا لهو ولا صيـد ولا نقـرب النسـا ولا رفـث لا فسـق كُـلا رفضـنـاه وصرنـا كأمـوات لففنـا جسومـنـا بأكفانـنـا كــل ذلـيـل لـمــولاه لعـل يـرى ذل العـبـاد وكسـرهـم فيرحمـهـم رب يـرجـون رحـمـاه ينادونـه : لبيـك لبـيـك ذا الـعـلا وسعديك كـل الشـرك عنـك نفينـاه فلو كنـت يـا هـذا تشاهـد حالهـم لأبكاك ذاك الحـال فـي حـال مـرآه وجوههـم غبـر وشعـث رءوسهـم فــلا رأس إلا لـلإلـه كشـفـنـاه

عدد الصفحات ١٣

14 لبسنـا دروعـا مـن خضـوع لربنـا وما كان من درع المعاصـي خلعنـاه وذاك قليـل فــي كثـيـر ذنوبـنـا فيـا طالمـا رب العـبـاد عصيـنـاه وأدلﻰ اﺑن القيم – رحمﻪ الله - ﺑدلوﻩ في تﺼوير ذات المشﻬد في أﺑيات لطاف فقال : أمَا وَالذ ي حَجَّ الْمُح بُّونَ بَيْتَهُ وَلبُّوا لهُ عندَ المَهَل وَأحْرَمُوا وقدْ كَشفُوا ت لكَ الرُّؤوسَ توَاضُع ا ل ع ﺰَّة مَن تعْنو الوُجوهُ وتُسل مُ يُهلُّونَ بالبيداء لبيك ربَّنا لكَ المُلكُ والحَمْدُ الذي أنتَ تَعْلمُ دعاهُمْ فلبَّوْهُ ر ض ا ومَحَبَّة فلمَّا دَعَوهُ كان أقربَ منهمُ ترَاهُمْ على الأنضاء شُعْث ا رؤوسُهُمْ وغُبْر ا وهُمْ فيها أسَرُّ وأنْعَمُ وَقدْ فارَقوا الأوطانَ والأهلَ رغبة ولم يُثن ه مْ لذَّاتُهُمْ والتَّنَعُّمُ يَس يرونَ م ن أقطار ها وف جاج ها ر جالا ورُكْبانا ولله أسْلمُوا لقد ذكر الﻌﻼﻣﺘان اﺑن القيم وأﺑو ﺑكر الﺒغدادي رحمﻬما الله تﻌالﻰ في تﻠك الأﺑيات الﺘﻠﺒية وﻫي ﻋندي لﻬا شأن ﺁخر يطول ذكرﻩ ، ولﻬذا ﺳيأتي الحديث ﻋنﻬا في وقفة تخﺼﻬا ﺑكﻠمات تكشف ﻋن حقيقﺘﻬا . ومن روحانيات الحاج عند إحرامه : أن يﻠفت إلﻰ أن أول ﻣا يجب فﻌﻠﻪ ﻣن أفﻌال الحج ﻫو الﺘجرد ﻣن ﻣﻼﺑسﻪ الﻌادية وﻣن ﻫذا الﺘجرد أفﻬمُ إشارﺓ وﻫي أن أتجرد ﻣن الﻬوﻯ واتﺒاع المزاجية في حياتي ،لأن ذلك ﻫو السﺒب في المخالفات الشرﻋية وﻣما يدل ﻋﻠﻰ ﻫذﻩ الإشارﺓ ﻣايﺘﺒع الإحراﻡ ﻣن ﻣحظورات ﻫي ﻣﺒاحة قﺒل الإحراﻡ ولكنﻬا حُرﻣت ﺑسﺒب الإحراﻡ في إشارﺓ واضحة إلﻰ وجوﺏ الﺘجرد ﻣن ﻫوﻯ النفس وﻋدﻡ تﻠﺒية ﻣطالﺒﻬا ،وأيضا اخﺘيار الإزار والرداء يشيران إلﻰ الﺘجرد ﻇاﻫرا وﺑاﻃنا . فمن روحانيات الحاج ﻣن تﻠك الإشارﺓ أنﻪ يمكنﻪ أن يطرح ﻋنﻪ الرداء وفي ﻫذا لقت انﺘﺒاﻩ إلﻰ أن الظاﻫر أي أن ﻣاﻇﻬر ﻣن أﻋمالﻪ لﻠناس ﻻ يﻌيﺒﻪ رؤيﺘﻬم إياﻩ ، ولكن الإزار ﻻ يمكن أن يخﻠﻌﻪ والناس ينظرون ذلك ﻫو الﺒاﻃن... تﻠك ﻫي الﻌورات الﺒاﻃنة الﺘي ﻻ يمكن أن يقﺒل أحد أن يطﻠع ﻋﻠيﻬا اﻵخرون كما ﻻ يرضﻰ أحدا أن يرﻯ ﻋورتﻪ الﺘي تسﺘر جسدﻩ .

عدد الصفحات ١٤

15 ومن روحانيات الحاج في بقائه على تلك الهيئة أنﻪ يسﺘمر ﻣن ﺳاﻋة الدخول في الحج إلﻰ ﺻﺒيحة يوﻡ الﻌيد ورﺑما يسﺘمر إلﻰ المساء حيث يﺘحﻠل ﺑالرﻣي وﻃواف الإفاضة أو الحﻠق ﻃوال ﻫذﻩ المدﺓ والرداء والإزار يناديان ﻋﻠيﻪ انﺘﺒﻪ أيﻬا الحاج إلﻰ ﻇاﻫر ﻋمﻠك و ﺑاﻃنﻪ ﻣدﺓ ليست ﺑالقﺼيرﺓ يُدﻋﻰ فيﻬا الحاج إلﻰ تجريد أﻋمالﻪ لﻠﻪ كما تجرد ﺑإحراﻣﻪ لﻠﻪ ... وﻫل الﻠﻪ يريد ﻣني تجريد الظاﻫر دون الﺒاﻃن ؟؟ نسمع في ﻫذا قول ﺳيد الأناﻡ ﻋﻠيﻪ الﺼﻼﺓ والسﻼﻡ : ( إن الله لاينﻈر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينﻈر إلى قلوبكم وأعمالكم) وﻫل الﻠﻪ يريد ﻣنا لﺒاس الإحراﻡ دون لﺒاس الﺘقوﻯ اﺳﺘمع إلﻰ قولﻪ تﻌالﻰ : ( ولﺒاس الﺘقوﻯ ذلك خير ) فﻼ يزال الحاج ﻣسﺘحضرا لمﻌاني الﺘقوﻯ والإخﻼص لله تﻌالﻰ وكﻠما زاد إخﻼﺻﻪ زاد شوقﻪ لله تﻌالﻰ . تلك هي إشارة الإحرام من حيث الملبس .. وتلك هي روحانياته من تلك الإشارة . وللأستاذ : يحيى رضا جاد كلام طيب في هذا المقام، حيث يقول ( من أسرار ثياب الإحرام : - إن ﺛياﺏ الإحراﻡ الﺒيضاء الﺘي نرتديﻬا ﻋﻠﻰ الﻠحم، والﺘي يشﺘرط أن تكون ﻏير ﻣخيطة، ﻫي رﻣز الوحدﺓ الكﺒرﻯ الﺘي تذوﺏ فيﻬا الأجناس، ويﺘساوﻯ فيﻬا الفقير والغني ؛ لأن في ﻫذا الثوﺏ الﺒسيط ﻣﻌنﻰ الأخوﺓ والمساواﺓ ﺑرﻏم تفاوت المراتب والثروات. - وﻫي رﻣز لﻠخروج ﻣن زينة الحياﺓ الدنيا.. تماﻣا كما نأتي إلﻰ الدنيا في لفة، ونخرج ﻣنﻬا في لفة. - وﻫي رﻣز لﻠﺘجرد الﺘاﻡ أﻣاﻡ حضرﺓ الخالق؛ لأننا أﻣاﻡ الله ﻻ نكاد نساوي شيئا ، ﺑل نحن ﺑالنسﺒة لﻪ ﺳﺒحانﻪ: ﻻ شيء، فﻌﻠينا أن نخﻠع كل ﺛياﺏ الغرور والزينة، ﻣﺘجردين ﻣن شﻬوات النفس والﻬوﻯ، حاﺑسين إياﻫا: ﻋن كل ﻣا ﺳوﻯ الله، وﻋﻠﻰ الﺘفكير في جﻼلﻪ ،وﻣا الﺘﻠﺒية ﺑﻌد الإحراﻡ إﻻ شﻬادﺓ ﻋﻠﻰ النفس ﺑﻬذا الﺘجرد، وﺑالﺘزاﻡ الطاﻋة لله، واﻻﻣﺘثال لأواﻣرﻩ. - وﺛياﺏ الإحراﻡ ﺛوﺏ ﻣن قطﻌﺘين؛ رﻣزا لسﺘر الﻌورﺓ الظاﻫرﺓ، وﺳﺘر الﻌورﺓ الﺒاطنة.. الأولﻰ: حياء ﻣن الخﻠق، والثانية: حياء ﻣن الخالق.. حياء ﻣن ﺳوء الخﻠق الظاﻫر الذي تﻌرفﻪ الناس، وحياء ﻣن الﻌورﺓ الﺒاطنة -ﻋورﺓ القﻠوﺏ والنفوس والشﻬوات- الﺘي ﻻ يراﻫا، وﻻ يطﻠع ﻋﻠيﻬا، إﻻ الله ).

عدد الصفحات ١٥

16 وﻫناك إشارﺓ ﺛانية ﻣن حيث المكان فﻬو يدخل في أﻋظم الﺒقاع قدرا وأشدﻫا قداﺳة وأحﺒﻬا إلﻰ الﻠﻪ تﻌالﻰ وﻣن ﻫنا كان ﻣن الواجب ﻋﻠي أن اﺳﺘشﻌر ﻋظمة الﻠﻪ تﻌالﻰ فاجﺘنب ﻣا يغضﺒﻪ ﻇاﻫراﹰ وﺑاﻃنا وﻫناك إشارﺓ ﺛالثة ﻣن حيث الزﻣان أﻻ وﻫي أياﻡ الﻌشر الأول ﻣن شﻬر ذي الحجة والﺘي ﻻ يخفﻰ ﻋﻠﻰ أحد أنﻬا أفضل أياﻡ الدنيا والﻠﻪ تﻌالﻰ أقسم ﺑﻬا فقال ( والفجر وليال عشر ). لﻬذا حثنا ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم ﻋﻠﻰ اﻏﺘناﻡ ﻫذﻩ النفحات حيث قال:”اطﻠﺒوا الخير دﻫركم، وتﻌرضوا لنفحات رحمة رﺑكم، فإن لله نفحات ﻣن رحمﺘﻪ يﺼيب ﺑﻬا ﻣن يشاء ﻣن ﻋﺒادﻩ، فاﺳألوا الله أن يسﺘر ﻋوراتكم ويُؤﻣِّن روﻋاتكم”( أخرجﻪ اﺑن أﺑي الدنيا والطﺒراني) ، وقال أيضا ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠيﻪ وﺳﻠم:”إن لله في أياﻡ الدﻫر نفحات فﺘﻌرضوا لﻬا، فﻠﻌل أحدكم أن تﺼيﺒﻪ نفحة فﻼ يشقﻰ ﺑﻌدﻫا أﺑدا “( أخرجﻪ الطﺒراني). فاجﺘمع لﻠمحرﻡ ﺛﻼﺛة أشياء كﻠﻬا تدﻋوﻩ إلﻰ تﻌظيم الﻠﻪ والسﻌي إلﻰ ﻣرضاتﻪ فﻬو ﺑﻠسان حالﻪ يقول : ( وعجلت إليك رب لترضى ) .

عدد الصفحات ١٦