المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المتكلمون في المهد

غانم غالب غانم

صفحة ٩ من ١٤

129 فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِي أَحَدًا إِنََّا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ. فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، تتوالى الكرامات على يد الغلام من الله تعالى، تثبيتا لفؤاده، ودلالة على صدق دعوته، فإن الشيء العجيب الذي يصاحب أهل الإيمان كرامة من كرامات الصالحين، وأما الذي يصاحب الطغاة فإما سحرا ، وإما كهانة وشعوذة. انتقل الغلام من الدعوة السرية إلى الدعوة العلنية الغلام يستخدم السلوب المثل في الدعوة إلى الله: خدمة الناس، فلا بد للداعية أن يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويخدمهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم رواه ابن ماجه الصحيحة رفض الغلام لهدايا جليس الملك يدل على صدق دينه وزهده في الدنيا، ولنه أدعى لمحبة الناس له وقبولهم لدعوته،

عدد الصفحات ١٢٩

130 فالزهد مما في أيدي الناس سبب لمحبة الله للزاهد رد الغلام على جليس الملك بأنه لا يشفي إنما يشفي الله يعرف الجليس على الله، وهذا واجب الجميع فالإسلام ليس للشيخ فقط كما يظن الناس. فالطبيب داعية، والمهندس داعية، والمحاسب داعية، والمدرس مهما كانت المادة التي يدرسها داعية. وقد حدثنا عن بعض التجار في أمريكا وأوربا أنه قد أسلم على أيديهم المئات من الكفار. ويا ليت المسلمين الذين يذهبون إلى تلك البلاد أن يكونوا خير دعاة إلى الله لسلم كل من في تلك البلاد. وقد حدثني رجل زار أمريكا، أنه التقى برجل عنده محل تحل تجاري، فأخبره أنه لا يتكلم مع من يشتري منه عن الإسلام بشيء ، ولكن عنده ورقة صغيرة فيها تعريف بالإسلام، فيضع هذه الورقة مع المشتريات، فمن يرغب منهم في الإسلام يرجع إليه ويستفسر عن هذا الدين الذي لا يعرفه، فأخبره أنه قد أسلم على يديه: ألف وخمسمائة شخص. استغل الغلام حاجة الجليس ودعاه إلى الله، وفي هذا دليل أن الإنسان إذا كان محتاجا لشيء فإن استجابته تكون أسرع. ولو نظرنا إلى مسلمي أفريقيا اليوم وقد تنصر منهم

عدد الصفحات ١٣٠

131 الآلاف، وكيف استغل المبشرون حاجتهم للمال والطعام ، فاستغلوهم أبشع استغلال لاتباع باطلهم. بينما لم يجدوا أحدا من أغنياء المسلمين ينفق عليهم ولو القليل. الداعية الناجح المؤثر سرعان ما يكون لكلامه الثر البالغ، لن الإيمان كامن في النفوس، وموافق للفطرة، ولكن يحتاج إلى من يحرك هذا الإيمان. فجليس الملك بمجرد دعوته من الغلام أعلن إسلامه. لم يخبر الغلام جليس الملك أن لا يدل عليه، لنه يريد من الدعوة أن تنتقل إلى المجال العلني، حتى يسمع الناس بها فيدخلوا في دين الله. فَأَتَى المَْلِكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ المَْلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّى. قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلاَمِ.

عدد الصفحات ١٣١

132 دخل الإيمان في قلب جليس الملك سريعا، وتكن منه، وما أروع الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب. لقد تحول الجليس من عدو لله إلى داعية إليه، ومن عابد للملك إلى عابد لرب الملك، وفيه ذكرى لنا أن لا ييأس المسلم من دعوة أحد، فقد سجل الإسلام نماذج رائعة: خالد بن الوليد، عكرمة بن أبي جهل وغيرهم الكثير ، في كل عصر ، وفي كل مصر. لقد اختار الجليس أن يبدأ دعوته بأعتى رجل، وهذا يدل على أن الإيمان بالله واليوم الآخر يولد عند المسلم شجاعة وحبا للآخرة. رأى الملك في كلام الجليس بوادر تهدد ملكه وسلطانه، لنهم يعلمون أن دعوة الحق تحول بينهم وبين رغباتهم الباطلة وشهواتهم المنحرفة. لقد ادعى الملك الربوبية: وهذا أعتى ما يصل إليه الظلمة والكفرة ، ورغم كل هذا فلا يزداد المؤمن إلا ثقة بالله ووعده، كما حصل مع الجليس الذي لم يخف من تلك الكلمة. يصيب الجليس ما يصيب كل داعية، حيث عذبه الملك لنه قال: لا إله إلا الله.

عدد الصفحات ١٣٢

133 قد يضعف رجل العقيدة عن احتمال الذى ، ويبوح بأسرار لا يجوز البوح بها ، ولكن: من شدة العذاب، فالجليس دل على الغلام، والغلام فيما بعد دل على الراهب، والكل فيهم معذور، وعلى الدعاة أن يعذر بعضهم بعضا ، إن حل بهم مثل ما حل بهؤلاء. فجيء بِالْغُلاَمِ فَقَالَ لَهُ المَْلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ. فَقَالَ: إِنِّي لاَ أَشْفِى أَحَدًا إِنََّا يَشْفِى اللَّهُ. فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ. يخاطب الملك الغلام بقوله: أي بني: والكلمة في ظاهرها حنان، ولكنها تحمل في ثناياها مكر واستهزاء لنه أعقبها باتهامه أنه ساحر. ينجح الغلام في مخاطبة الملك بكل جرأة: إني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله ، وما أعظم كلمة الحق عندما تقال لسلطان جائر. يعذب الملك الغلام ، ويثبت على دينه ، ولكنه لا يثبت على سر معلمه: الراهب، ويدل عليه، ولا شك أن العذاب الذي

عدد الصفحات ١٣٣

134 استخدمه الملك حتى دل الغلام المؤمن على الراهب قد أفقده وعيه حتى نطق بهذا السر العظيم. وفي هذا درس للدعاة أن لا يكثروا من السرار، لنه في أي لحظة قد يقع في مصيدة الظلمة فيبوح بتلك السرار. على القيادة أن تعطي عذرا لولئك المعذبين، لنه ما باح بتلك السرار المؤلمة التي قد تؤدي إلى قتل مؤمنين إلا تحت العذاب الشديد. فجيء بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَعَا بِالمِْئْشَارِ، فَوَضَعَ المِْئْشَارَ فِى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. ثُمَّ جيء بِجَلِيسِ المَْلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ المِْئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. كان الملك حريصا على ارتداد هؤلاء عن دينهما حتى يفشو المر بين الناس، فيكون ما حدث سرا قد دفن، ولم يعلم به أحد. قتلهما بوساطة المنشار يدل على مدى الحقد الذي وصل إليه وَممَما نَمقَممُوا مِنْهُمْ ” الملك على المؤمنين، لذلك قال الله عنهم: (البروج” إِلاَّ أَمن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَمزِيزِ الحَْممِيدِ

عدد الصفحات ١٣٤

135 ولا شك أنه في كل عصر يبتكر الظلمة من وسائل التعذيب غير الإنسانية التي لا يتصورها العقل. وهذا في حد ذاته يدل على أن أهل الباطل لا يقبلون الحوار، لن الحوار سيهزمهم لقلة حجتهم، فيواجهونه بالباطل. الموت في سبيل الله نصرة لهل الحق، لن الدنيا متاعها قليل، وسرعان ما يذهب المسلم المقتول ظلما إلى جنة عرضها السموات والرض. وجوب الصبر على الذى في الله، فقد صبر الجليس والراهب ما لا يصبره إلا القليل. لقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه اللوان من العذاب الذي كان يعانيه القدامى المؤمنون من الجبابرة الطغاة، فقد جاء في الحديث: عَمنْ خَمبَّابِ بْنِ الَْمرَمتِّ قَمال عَملَميْهِ وَمسَملَّمَم وَمهُوَم مُتَموَمسِّدٌ بُرْدَمةً لَمهُ فِي ظِلِّ الْكَمعْبَمةِ. قُلْنَما لَمهُ: أَملاَم تَمسْتَمنْصِرُ لَمنَما؟ أَملاَم تَمدْعُو اللَّهَم لَمنَما؟ قَمالَم: كَمانَم الرَّجُلُ فِيمَمنْ قَمبْلَمكُمْ يُحْفَمرُ لَمهُ فِي الَْمرْضِ فَميُجْعَملُ فِيهِ فَميُجَماءُ بِالمِْنْشَمارِ فَميُوضَمعُ عَملَمى رَمأْسِهِ فَميُشَمقُّ بِاثْنَمتَمينِْ، وَممَما يَمصُدُّهُ ذَملِكَم عَمنْ دِينِهِ، وَميمُْشَمطُ بِأَممْشَماطِ الحَْمدِيدِ مَما دُونَم لحَمْمِهِ مِنْ عَمظْمٍ أَموْ عَمصَمبٍ وَممَما يَمصُدُّهُ ذَملِكَم عَمنْ دِينِهِ.

عدد الصفحات ١٣٥

136 وَماللَّهِ لَميُتِمَّنَّ هَمذَما الَْممْرَم حَمتَّى يَمسِيرَم الرَّاكِبُ مِنْ صَمنْعَماءَم إِلَمى حَمضْرَممَموْتَم لاَم يَمخَمافُ إِلاَّ اللَّهَم أَموْ الذِّئْبَم عَملَمى غَمنَممِهِ وَملَمكِنَّكُمْ .”تَمسْتَمعْجِلُونَم رواه البخاري ثُمَّ جيء بِالْغُلاَمِ فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا فَاصْعَدُوا بِهِ الَْبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلاَّ فَاطْرَحُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الَْبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بَِا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الَْبَلُ فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَْشِى إِلَى المَْلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَْلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِى قُرْقُورٍ(سفينة صغيرة) فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلاَّ فَاقْذِفُوهُ. فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بَِا شِئْتَ. فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَْشِى إِلَى المَْلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَْلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ.

عدد الصفحات ١٣٦

137 كان الملك يعتبر الغلام القائد الفعلي للدعوة، لنه هو المعروف بين الناس، والمحبوب من قبلهم، فالتخلص منه تخلص من الدعوة وأهلها. أراد الملك أن ينظر الغلام إلى مقتل الراهب والجليس ، لعله يرجع عن دينه، لنه إن رجع فإن الشعب كله سيعلم أن الحق ما عليه الملك وحاشيته. لعل في عدم قتل الغلام كما قتل الراهب والجليس فرصة للتفكير وحرص من الملك أن يرجع الغلام عن دينه. الغلام متوكل على ربه مفوض أمره إليه، ويظهر هذا من خلال دعائه. وفي الحديث فضل الدعاء، وأنه سلاح عظيم قال النَّبِيِّ صَملَّى اللَّهُ عَملَميْهِ وَمسَملَّم رواه أبو داود الجامع الصغير فكيف إذا كان الداعي مظلوما ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري يظهر الله سبحانه كرامة أخرى على يد الغلام، بأن انكفأت

عدد الصفحات ١٣٧

138 السفينة ورجف الجبل، وهذا في حد ذاته يدل على صدق الغلام ، ونصرة الله له. لم يكن الغلام حريصا على حياته البتة لنه في كل مرة كان بإمكانه الهرب، ولكنه أراد أن يضحي بنفسه لجل إسلام الناس. اعتبر الغلام أن اختفاءه هزيمة لدعوته، فأراد للدعوة الظهور مهما حدث. وهنا يظهر الفرق بين التهور والشجاعة، فالتهور: هو التضحية بلا ضرورة، وأما الشجاعة: فهي التضحية للضرورة. في قول الملك للغلام: ما فعل أصحابك ؟ حيث نسب الصحبة إليه، مع أنهم أصحاب الملك: فيبدو أن عودة الغلام بدونهم كانت كافية لاعتقاد الملك أن الجنود: إما أسلموا مع الغلام، فصاروا صحبة له. وإما أنه هزمهم فلا يريد أن ينسب الهزيمة لنفسه أمام الغلام، وهذا يدل على حكمة الملك الكافر وسرعة تذكره. فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟

عدد الصفحات ١٣٨

139 الموت والحياة بيد الله سبحانه، لقد أراد الملك قتل الغلام مرتين، ولكن ما جاء أجل الغلام الذي كتبه الله له، وفي هذا درس عظيم أن يطمئن المسلم على أجله لنه مكتوب، فقد يعمل الإنسان العمل الخطير الذي يظن أن فيه الموت ولا يموت، وقد يعمل العمل البسيط الآمن فيكن فيه هلاكه. أيقن الملك أنه عاجز عن قتل الغلام، فصار الغلام يصدر الوامر والملك ينفذ، لنه وصل إلى طريق مسدود يريد أن يتخلص من الغلام بأية وسيلة. وفي هذا الموقف ذل من الله تعالى لهذا الملك الكافر: فقد كان بالمس هو المتكبر الآمر الناهي، ويزعم أنه رب الناس، فصار يتلقى الوامر من الغلام، فالغلام يقول: حتى تفعل ما آمرك به، والملك يقول: وما هو؟ قَالَ تَْمَعُ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. الغلام يدل على قتله ويبذل نفسه لتحيا الدعوة، وهذا مثال

عدد الصفحات ١٣٩

140 للتضحية في سبيل الله، وهذا ليس من باب الانتحار أبدا، فلم يكن الغلام غبيا يطلب الموت ، ولكنه كان يطلب إيمان الناس. في قول الغلام:( تجمع الناس في صعيد واحد) : حرص الغلام على حضور الجماهير لسماع كلمة الحق، فيؤمنوا بها. دل الغلام على طريقة قتله ليكتمل ضعف الغلام أمام الجماهير المحتشدة، فتثار العواطف للإيمان برب هذا الغلام، وفي هذا درس للدعاة أن يستثيروا عواطف الناس في توجيههم إلى الله تعالى واليوم الآخر، وقد خاطب الله في كتابه عواطف الإنسان للدلالة على أمور كثيرة ، منها: التوحيد ، والإيمان. توجيه الغلام لطريقة قتله، وأن يأخذ سهما من كنانته، فيه إهانة للملك وأنه عاجز أمام الناس، وأن الذي يملك الموت ليس الملك ، فليس عنده أدوات الموت، وأن الذي يملكها هو الله. أصر الغلام أن يقول الملك قبل قتله: بسم الله رب الغلام، حتى يقدم للناس العقيدة الصحيحة في الله، وأن الملك ليس ربا.

عدد الصفحات ١٤٠

141 فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ(الصدغ: جانب الوجه بين العين والأذن) فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. لقد جعل الغلام عمره وقفا على دعوته، ولذلك بذله في سبيلها. لا شك أن الحداث المؤلمة للدعاة تؤتي الثر المطلوب في قلوب العباد، فكيف إذا كان الدعاة ممن يقدمون الخدمة للمجتمع مثل: الغلام، ولو علم الطغاة كم يترك تعذيب الدعاة من أثر في نفوس الناس، وكم يمتلئون عليهم حقدا، لتركوهم يدعون كما يشاؤون لن تأثير الدعوة بدون هذا سيكون أقل تأثيرا. علم الناس أن الدعوة التي يقدم أصحابها أنفسهم لها، بد وأنها صحيحة. قيمة العلم عظيمة، فمتى علم الناس بالحق آمنوا به، وهتفوا: آمنا برب الغلام.

عدد الصفحات ١٤١

142 فَأُتِىَ المَْلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ: يَا أُمَّهِ اصْبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الَْقّ يهيئ الله سبحانه بين الفينة والخرى من يعلي منار الدين ، ومن يجدد الإسلام ، ويقوم عليه، فقد آمن الناس على يد الغلام، الذي لربما ظنه الكثيرون أنه بسيط لا يستطيع حمل أعباء الدعوة. وقع ما كان يحذر الملك، وهكذا كما قال سبحانه (النفال” وَميمَمْكُرُونَم وَميمَمْكُرُ اللَّهُ وَماللَّهُ خَميْرُ المَْماكِرِينَم “ لم يجد الملك إلا الاضطهاد والتعذيب في مواجهة الحق فأمر بإضرام النيران في الطرق، فمن عاد عن دينه تركه، ومن لم يعد ألقاه في النار. وهكذا الباطل لا يستخدم أسلوب النقاش والحجة، لنه ليس عنده حجة يحتج بها، ولا يملك منطقا، فلا يجد مسلكا

عدد الصفحات ١٤٢

143 لباطله أمام الناس إلا التنكيل والتعذيب لم توقف الخاديد زحف المؤمنين ولم تثنهم عن العقيدة الصافية، ولنتعلم درسا من إيمان هؤلاء الذي كان في لحظة واحدة ، واستعد الواحد منهم بالتضحية بأعز ما يملك لجله، ولا يستعد الواحد منا أن يضحي بشيء يسير من وقته وماله، ونرى الناس يعيشون السنوات الطوال: السبعين والثمانين، ولا يتقدم الواحد منهم في الإسلام شبرا واحدا، حتى ترى منهم من يعادي الإسلام وهو يرى أنه ينتصر له، ومن يرتضي لنفسه من المناهج الرضية التي تخالف زعمه الباهت أنه مؤمن برب البشرية. حقيقة إنه الإيمان الصادق عندما يخالط القلب فليس هناك ما هو ألذ منه. كلما زاد ابتلاء العبد زادت حسناته عند الله، وزادت أسهمه عند الناس، وصار كلامه مسموعا، مع أن الابتلاء شديد وَمعَمسَمى أَمن ” على النفس، ولكن كما قال ربنا سبحانه: تَمكْرَمهُواْ شَميْئًا وَمهُوَم خَميْرٌ لَّكُمْ واصلت الجماهير اندفاعها نحو الخاديد، لنها آثرت ما عند ربها، وفازوا بالشهادة، ولم يتأسفوا على هذه الدنيا التي يتقاتل الناس اليوم عليها من أجل دريهمات معدودة.

عدد الصفحات ١٤٣

144 أخبر الله سبحانه أنه لعن أصحاب الخدود: بمعنى طردهم من رحمته، فالحياة قصيرة مهما تتع بها الطغاة والجبارون. ماذا يصبح الإنسان عندما يفقد الرحمة من قلبه، كيف جلس هؤلاء يتلذذون بمنظر النار وهي تأكل الحياة؟ كيف يتلهون بمنظر الجساد الكريمة من شيوخ كبار ، ونساء وأطفال، وهي تتحول إلى وقود وتراب؟ كيف ترتفع النشوة الخسيسة في نفوس هؤلاء الطغاة وهم ينظرون إلى عذاب المؤمنين، ولربما كان الكثير منهم لهم أقارب من هؤلاء، لن الظن أنهم من بلد واحد؟ وحتى الوحوش في الغابات تفترس لتأكل، لا تفترس لتتلذذ على الافتراس، فكان هؤلاء أخس من هذه الوحوش. الحسابات الرضية حسابات مؤلمة، والحسابات الحقيقية الخروية مفرحة: فالبعض لنه لم ير في القصة أن الله قد أخذ الفئة الباغية كما أخذ فرعون وجنوده ، وقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح، يظن وهو يقرأ القصة ويتصور: أن الفئة الباغية الآن تقر في ملكها فرحة بنصرها الوهمي، ولكن أنى ذلك؟ لقد انتهى كل شيء فالقصة لها مئات وربما آلاف السنين، والطغاة منذ نهاية حياتهم مشغولون في عذابهم، ويوم

عدد الصفحات ١٤٤