علم مقاصد السور وأثره في تدبر القرآن ال كريم كتبه عبد المحسن بن زبن المطيري الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة ال كويت
عدد الصفحات ١مقاصد السور 1 المقدمة الحمد لل ه والصلاة والسلام على رسول الل ه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فمن أعظم نعم الل ه على أمة محمد نعمةُ القرآن ال كريم، كلام الل ه الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب جعله لنا شرفًا ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ 01] لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ 44] والعلو (0)، وما من شيء يكون بهذه العظمة والمنزلة إلا وله حقوق وواجبات على من أُنزل إليهم.. فواجبات الأمة تجاه هذا القرآن العظيم هي: الاستماع، والتلاوة، والحفظ، والتدبر، والعمل (2)، وأعظم هذه الواجبات: هو التدبر المورِث للعمل، كما قال سبحانه: ﴿كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك لِيَد َّب َّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَك َّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ 22] ﴿أَفَلَا يَتَدَب َّرُونَ الْقُرْآنَ...﴾ : 22.] وقد حاولت أن أحصر أهم أبواب التدبر فوجدت أنها ترجع إلى أصول، هي دلالات الألفاظ الوضعية، وعلم المناسبات، وعلم مقاصد السور، وعلوم اللغة العربية. فمن أبواب تدبر القرآن المهمة: باب (مقاصد السور)، حتى قال الفراهي: "المقصود من معرفة النظام (3) ليس إلا التدبر، فإنه الإقليد له" (4). وهو باب عظيم يعين على فهم القرآن، ومعرفة مقصد السورة وموضوعها الأهم، وإذا عرف القارئ عنوان السورة وموضوعها كان مدخلا كبيرًا لفهم السورة، ومعرفة معانيها وتدبرها، "ومن المعلوم لنا أن كل سورة من القرآن تعتبر وحدة موضوعية 1 انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للإمام السيوطي،5/716)، دار الفكر، بيروت 2 انظر: مبادئ تدبر القرآن الكريم، (ص 5). 3 يقصد بالنظام مقصد السورة كما في كتابه دلائل النظام 4 دلائل النظام، للفراهي (ص 9.)
عدد الصفحات ٢2 موحدة، ولها شخصية فريدة خاصة، وتعالج موضوعًا رئيسيًا، تندرج معه عدة موضوعات جزئية فرعية" (0). وال كثير يَعرف الإعجاز اللغوي البياني للقرآن ال كريم، ول كنه لا ينتبه للإعجاز المقاصدي لكل سورة، "فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع وا حد بطبيعته؛ فهلم إلى النظر في السورة منه، حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز" (2). "ولا شك َّ أن البحث في موضوع الوحدة الموضوعية شائق ، إلا أنه مظن َّة للتكل ُف، والقول على الل ه بغير علم، وقد تأخرت العناية بهذا الموضوع، ولم ترد فيه كتابات موضوعية سوى شذرات متفرقة في كتابات بعضهم، وهذا الموضوع جدير بالعناية، والكتابات المعاصرة عنه في تزايد، وهو يفيد الدارسين في جمع الموضوعات التي تحد َّث عنها القرآن ال كريم، وكيفية تطرقه لها، وكيفية معالجته ل كثير من هذه الموضوعات " (3). ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث في دراسة علم مقاصد السور، تأصيلا وتطبيقًا، ليعرف القارئ أهمية هذا العلم، ويعرف الوسائل التي تعينه على معرفة مقصد كل سورة؛ لينفهق (4) له باب التدبر الأكبر وقد حرصت على ذكر المبادئ العشرة لهذا العلم، وضمنتها في التمهيد وال باب الأول. وقد جاءت خطة البحث على النحو التالي: المقدمة التمهيد: التعريف بعلم مقاصد السور (الماهية والتصور): المبحث الأول: اسم العلم وتعريفه. المبحث الثاني: المصطلحات القريبة. 1 التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، لصلاح الخالدي، (ص 74.) 2 النبأ العظيم، لدراز، (ص 131.) 3 المحرر في علوم القرآن، د مساعد الطيار، (ص 212.) 4 أَيْ ين ْفَتِحُ وي َتّسِع. النهاية في غريب الحديث والأثر ( 3 /412.)
عدد الصفحات ٣مقاصد السور 3 المبحث الثالث: موضوع علم مقاصد السور المبحث الرابع: مسائل هذا العلم. المبحث الخامس: استمداد هذا العلم. المبحث السادس: نسبة علم مقاصد السور إلى العلوم. المبحث السابع: بين علم مقاصد السور وعلم مقاصد الشرع. الفصل الأول: تاريخ هذا العلم وتأصيله (التاريخ والتأصيل): المبحث الأول: الواضع لهذا العلم. المبحث الثاني: ال كتب المؤلفة فيه. المبحث الثالث: أدلة مشروعيته. المبحث الرابع: أهمية هذا العلم. المبحث الخامس: ثمرة علم مقاصد السور. الفصل الثاني: الوسائل المعينة على معرفة المقاصد (التطبيق): المبحث الأول: ضوابط ومعايير معرفة مقصد السورة. المبحث الثاني: حصر كلام العلماء (اجتهاد العلماء). المبحث الثالث: الوسائل الاجتهادية لمعرفة مقصد السورة (الاجتهاد الشخصي): المطلب الأول: الوسائل المعنوية: 0- الدعاء 2- الإخلاص 3- المعايشة 4- المدارسة المطلب الثاني: الوسائل العملية: أولا: أمور حول السورة:
عدد الصفحات ٤4 0- هل السورة مكية أم مدنية 2- فضائل السورة 3- خصائص السورة 4- أسباب النزول والأحداث التي نزلت فيها السورة. 5- مناسبة السورة لما قبلها وما بعدها ثانيا: في السورة: 0- أسماء السورة 2- مطلع السورة 3- الكلمات المكررة في السورة 4- خاتمة السورة 5- الاطلاع على تفسير السورة في أمهات كتب التفسير 6- الاستقراء لكل آيات السورة ثم خاتمة البحث، وقائمة المراجع، والمحتويات. والل هَ أسأل أن يمدنا بمدد من عنده، وأن يزيدنا من فضله، ويعيننا على طاعته، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه ال كريم.
عدد الصفحات ٥مقاصد السور 5 التمهيد التعريف بعلم مقاصد السور (الماهية والتصور) المبحث الأول: اسم العلم وتعريفه. المبحث الثاني: المصطلحات القريبة. المبحث الثالث: موضوع علم مقاصد السور. المبحث الرابع: مسائل هذا العلم. المبحث الخامس: استمداد هذا العلم. المبحث السادس: نسبة علم مقاصد السور إلى العلوم. المبحث السابع: بين علم مقاصد السور وعلم مقاصد الشرع.
عدد الصفحات ٦6 المبحث الأول اسم العلم وتعريفه "مقاصد السور" عَلَم على هذا العلم، وهو مركب من كلمتين: "مقاصد - السور": والمقاصد جمع مقصد، وهو لغة: " (ق ص د): قَصَدْتُ الش َّيْءَ وَلَهُ وَإِلَيْهِ قَصْدًا مِنْ بَابِ "ضَرَبَ" طَلَبْتُهُ بِعَيْنِهِ، وَإِلَيْهِ قَصْدِي وَمَقْصدِي بِفَتْحِ الص َّ ادِ، وَاسْمُ الْمَكَانِ بِكَسْرِهَا نَحْوُ مَقْصِدٍ مُعَي َّنٍ " (0)، ف "مقصَد بفتح الصاد هو مصدر ميمي لقصد (2)،والمقصد ما يُطلب من حق وغيره" (3)، و"مقصد الكلام مدلوله ومضمونه" (4). إذن فالمَقصَد – بفتح الصاد- المطلب ومضمون الكلام والمقصود منه، والمقصِد – بكسر الصاد- المكان المقصود، ومقصد بفتح الصاد هو مجال بحثنا. والسور: جمع سورة وهي: لغة : "الس ُورَة: سميت بذلك لِأَن َّهَا يرْتَفع فِيهَا من منزلَة إِلَى منزلَة كسُورة الْبناء، كما قال الشاعر: ألم تر أن الل ه أعطاك سورة ** ترى كل َّ مُلك دونها يتذبذب فإنك شمس والملوك كواكب ** إذا طلعت لم يَبد منهن كوكب أَي: منزلَة شرف ارْتَفَعت إِلَيْهَا عَن منَازِل الْمُلُوك، وَقيل: سميت بذلك لشرفها وارتفاعها، كَمَا يُقَال لما ارْتَفع من الأَرْض: "سُوْر"، وَقيل: سميت بذلك لِأَن َّهَا قِطْعَة من 1 المصباح المن2/524.) 2 معجم الصواب اللغوي، د. أحمد مختار،1/621)، عالم الكتب، القاهرة، ط 1،1429ه 3 معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد مختار 2/1421)، عالم الكتب، ط1،1429ه 4 المرجع السابق، 2/1716).
عدد الصفحات ٧مقاصد السور 7 الْقُرْآن على حِدة، من قَول الْ عَرَب للبقية: سُؤْر، وَجَاءَنِي سَائِر الن َّاس أَي بقاياهم أَيْضًا، فعلى هَذَا يكون الأَصْل سؤرة بِالْهَمْز، ثم َّ خف فت فأبدلت واوًا لانضمام مَا قبلهَا، وَقيل: سميت بذلك لتمامها وكمالها، من قَول الْعَرَب للناقة الت َّام َّة: سُورَة (0). وشرع ا : "قرآن يشمل على آي، ذي فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات" (2)، ولو قُيد بوجود اسم لها لكان أفضل، كما قال الزمزمي في منظومته: والسورة الطائفة المترجمة ** ثلاث آي لأقلها سِمة (3) فالأولى في تعريف السورة أن يقال: آيات من القرآن ال كريم أقلها ثلاث، لها بداية وخاتمة واسم. ول كن جرت عادة العلماء على عدم التدقيق في تعريف الأمور التي يتصورها الجميع كمال التصور. وأما تعريف العلم بلقبه المركب من الكلمتين (مقاصد السور) فهو كما يقول الإمام البقاعي: "علم يُعرف منه مقاصد السور" (4)، وهذا التعريف فيه دور وقيل: مقصد السورة هو: "المعاني والأغراض الأساسية، والموضوعات الرئيسة التي تدور عليها سورة معينة" (5)، وهذا تعريف لموضوعات السورة وليس لمقصدها. 1 البيان في عد آي القرآن، للإمام عثمان الداني (ت 444ه)، ص124. 2 مباحث في إعجاز القرآن، لمصطفى مسلم، (ص 41.) 3 انظر: منظومة الزمزمي: (ص 1)، البيت (رقم 13.) 4 مصاعد النظر للبقاعي1/155.) 5 انظر: مقاصد السور وأثر ذلك في فهم التفسير للشيخ صالح آل الشيخ، (ص: 23 .)
عدد الصفحات ٨8 وقيل: "بناء السورة ال كريمة من سور القرآن ال كريم يتناول في معظمه موضوعًا واحدًا، تقوم السورة ال كريمة على بيانه والإلحاح عليه، من أولها إلى آخرها" (0). وهذا التعريف أقرب ول كن فيه طول. و"يمكن أن نحدد مقصد السورة بأنه: مغزى السورة الذي ترجع إليه معاني السورة ومضمونها. وإذا تبين هذا فيمكن أن نعرف علم مقاصد السور بأنه: علم يعرف به مغزى السورة الجامع لمعانيها ومضمونها" (2). ولو قيل بأن مقصد السورة (هو الموضوع الرئيسي للسورة) لكان أوضح وأوجز. المبحث الثاني: المصطلحات القريبة اشتهر هذا العلم باسم علم (مقاصد السور)، وله أسماء أخرى ذكرها بعض العلماء والباحثين، ومما وقفت عليه في ذلك: 0. مغزى السورة 2. غرض السورة (3). 3. التفسير الموضوعي للسورة القرآنية (4). 4. الوحدة الموضوعية للسورة (5). 5. الموضوع الرئيسي أو العام 1 مقدمة تفسير الماتريدي، لمحقق التفسير د. مجدي باسلوم، 1/234.) 2 علم مقاصد السور، د محمد الربيعة، (ص 3.) 3 انظر: أغراض السور في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، للدكتور محمد إبراهيم الحمد 4 التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق، د صلاح عب د الفتاح الخالدي، (ص: 74)، دار النفائس، الأردن، ط 3،2212م 5 انظر: الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم، د محمد محمود حجازي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1962م
عدد الصفحات ٩مقاصد السور 9 6. عمود السورة (0). 7. نظام القرآن. كما يسميه بذلك الفراهي في كتابه (دلائل النظام). 2. شخصية السورة (2). يقول صاحب الظلال: "يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روحٍ حي ممي َّز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص، ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو" (3). ويقول في مقدمة سورةالأعراف: "وهذه القضية ال كبيرة! إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية ال كبيرة إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية، ثم تأخذ بعد ذلك سماتَها المستقلة، وطرائقها المتميزة، ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع، وتحقيق هذه الغاية، إن الشأن في سور القرآن- من هذه الوجهة - كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الل ه متميزة.. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني.. ول كنهم ب عد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع...هكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها، بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها..." (4). 2. "وقد يعبر عنه: بسياق السورة 1 دلائل النظام للفراهي، (ص 66.) 2 مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، (ص 152.) 3 في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب، 1/21.) 4 في ظلال القرآن 3/1243.)
عدد الصفحات ١٠10 01. الوحدة السياقية للسورة 00. وعمدة السورة 02. وهدف السورة 03. ومحور السورة. 04. ومضمون السورة 05. ومدار السورة 06. وفلك السورة 07. وجو السورة 02. وروح السورة" (0). 02. الخريطة الذهنية. بعض المعاصرين يكتب عنوان (الخرائط الذ هنية للسورة)، وهي عبارة عن آلية فكرية لحصر تشعب الموضوع وربطها بأصل واحد (2)، ولبعض علمائنا عليها تحفظ (3). وهذا التعدد في الأسماء يدل على شهرة الموضوع وانتشاره. 1 علم مقاصد السور، د محمد الربيعة، (ص 5.) 2 انظر: الخارطة الذهنية للقرآن الكريم لتيسير الفهم والحفظ، د شايع الشايع، مكتبة آفاق، الكويت، ط 1،2212م، والخارطة الذهنية للقرآن الكريم للدكتور إبراهيم الدويش، والخرائط الذهنية لسور القرآن الكريم لصفية السحيباني وغيرهم. 3 انظر فتوى العلامة الشيخ عبد الرحمن البراك في ذلك في موقعه
عدد الصفحات ١١مقاصد السور 11 المبحث الثالثموضوع علم مقاصد السور موضوع علم المقاصد هو: سور القرآن، كما هو ظاهر من العنوان (مقاصد السور)، فهو علم مختص بكلام الل ه سبحانه، ومعرفة مقصد كل سورة وهدفها الأكبر. قال البقاعي: "موضوعه: آيات السور، كل سورة على حيالها" (0). المبحث الرابعمسائل هذا العلم في تقديري أن مسائل هذا العلم ترجع إلى ثلاثة أصول: 0- التعريف بهذا العلم وتوضيح ماهيته وكمال تصوره 2- بيان تاريخ هذا العلم وتأصيله وأدلة مشروعيته 3- بيان الوسائل التطبيقية لاستخراج موضوع السورة وأنواعها و بناء عليه تم تقسيم هذا البحث إلى هذه الأصول الثلاثة. 1 مصاعد النظر،1/155.)
عدد الصفحات ١٢12 المبحث الخامس استمداد هذا العلم علم مقاصد السور يستمد مادته من عدة علوم، وهي: 0- علم المناسبات في القرآن ال كريم، وهو أوثق العلوم اتصالا بعلم المقاصد، حتى إن بعض العلماء يجعلها في باب واحد. 2- علم التفسير 3- علم أسباب النزول 4- علوم القرآن 5- اللغة العربية وعلومها من بلاغة ونحوها المبحث السادس: نسبة علم مقاصد السور إلى العلوم علم مقاصد السور هو من علوم القرآن.
عدد الصفحات ١٣مقاصد السور 13 المبحث السابعبين علم مقاصد السور وعلم مقاصد الشرع مما قد يشكل في فهم البعض: التفريق بين مقاصد السور ومقاصد الشريعة، ولتجلية الأمر وتوضيحه أفردت هذا المبحث، فمن تحريرِ المصطلح تمييزُه عن غيره. فعلم مقاصد الشريعة أو علم المقاصد هو لقب لعلم من علوم الشريعة المختصة ببيان مقاصد الشارع في الأحكام، وهو ألصق بعلم الفقه وأصوله، والإمام الشاطبي رحمه الل ه هو حامل راية هذا العلم، وأحد أكبر رواده، وقد ألف في ذلك كتابَه العظيم (الموافقات)، وتتابع العلماءُ بعدَه في التأليف بهذا العلم، لاسيما علماء المغرب العربي، وقد عرّف العلماء علم مقاصد الشريعة بأنه: "المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال الشريعة أو معظم ها" (0)، وقيل: "هي الغايات والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حُكم من أحكامها" (2)، والتعاريف الأخرى قريبة من هذه التعريفات، والملاحظ فيها الاتفاق على قضية عموم المقصد، بحيث لا يشمل قضية جزئية، واختصاصه بالأحكام التكليفية. وبهذا يتضح أن بين مقاصد السور ومقاصد الشرع عمومًا وخصوصًا من وجه: فعلم المقاصد أعم من جهة أخذه للمقاصد من عمومات الكتاب والسنة، ولا يقتصر على سورة واحدة من القرآن في ذلك، بينما مقاصد السور يبحث في السورة الواحدة فقط، ولا يبحث في السنة أيضًا. وعلم مقاصد السور أعم من جهة أن مقصد السورة قد يكون عامًا في جميع أمور الدين، سواء العملية أو الخ برية، في الدنيا أو الآخرة، بينما علم المقاصد مختص في البحث بمقاصد أحكام المكلفين العملية. وقد يتقاطع علم مقاصد السور مع علم المقاصد إذا كان مقصد السورة هو أحد مقاصد 1 مقاصد الشريعة لابن عاشور، (ص 51.) 2 مقاصد الشريعة الإسلامية، للفاسي، (ص 3.)
عدد الصفحات ١٤14 الشرع العملية ومن الفروق بينهما أيضًا: أن علم مقاصد السور مستمد من علوم القرآن - كالتفسير وأسباب النزول وعلم المناسبات - بينما علم مقاصد الشريعة مستمد من علم الفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والنظريات الفقهية، فهذه ثلاثة فروق رئيسية. وإذا أطلق علم المقاصد من غير أضافة، فالمقصود به علم مقاصد الشريعة. الفصل الأول: تاريخ هذا العلم وتأصيله المبحث الأول: الواضع لهذا العلم. المبحث الثاني: ال كتب المؤلفة فيه. المبحث الثالث: أدلة مشروعيته. المبحث الرابع: فضل علم مقاصد السور. غير موجود المبحث الخامس: أهمية هذا العلم. المبحث السادس: ثمرة علم مقاصد السور.
عدد الصفحات ١٥مقاصد السور 15 المبحث الأول الواضع لهذا العلم علم مقاصد السور موجود منذ نزول القرآن ال كريم – كما سيأتي ذلك في حديث القرآن عن المقاصد-، وفي السنة كما سيأتي إشارات لذلك، وفي عصر الصحابة رضي الل ه عنهم كانوا يصفون بعض السور ويذكرون لها مقصدًا عامًا، وإن لم يذكروا لفظ المقصد تحديدًا، "وذلك شأن جميع العلوم، فإن العلوم كانت ممارسة عند السلف، ل كن لم تكن التسمية موجودة" (0)، وسنفرده في مبحث خاص إن شاء الل ه وقد اعتنى العلماءُ بمعرفة مقاصد القرآن جملة، وأل فوا في ذلك المؤلفات ال ك ثيرة: فال كثير من العلماء ينص ون على أن مقا صد القرآن جملةً ثلاثة ، وهي: أثبات الت وحيد، وإثبات النبوات، وإثبات المعاد، وقلما سورة تخلو من هذه القضايا الثلاث، وألف الإمام الشوكاني كتاب (إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات). ويقول ابن القيم في (فصل فوائد القرآن وتدبره): "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تُطلع العبد على معالم الخ ير والشر بحذافيرهما،... - إلى أن قال: وبالجملة تعر ِفه (2) الرب َّ المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من ال كرامة إذا قَدِم عليه، وت عر ِفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه، فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها، ومشاهدتها ومطالعتها" (3). 1 مقاصد السور، للشيخ صالح آل الشيخ، (ص: 22.) 2 الضمير يعود على آيات القرآن 3 مدارج السالكين لابن القيم 1/452.)
عدد الصفحات ١٦