المبحث الخامس الخلاف في الأنفال والأسرى أولاً: الخلاف في الأنفال: عن عبادةَ بن الصَّامت رضي الله عنه قال: خرجنا مع النَّبيِّ (ص) ، فشهدت معه بدراً ، فالتقى النَّاس ، فهزم الله ـ تبارك وتعالى ـ العدوَّ ، فانطَلَقَتْ طائفةٌ في اثارهم يـَهْزِّمون ويقتلون ، وأكبَّت طائفةٌ على العسكر يََْوُونه ، ويجمعونه ، وأحدقت طائفةٌ برسول الله (ص) ؛ لا يصيب العدوُّ منه غِّرَّةً؛ حتََّّ إذا كان اللَّيل ، وفَاءَ1]) قال الَّذين جمعوا الغنائم: نحن حَوَيـَنْاها ، وجمعناها؛ فليس لأحدٍ فيها نصيبٌ ، وقال الَّذين خرجوا طلب العدويِّ: لستم بأحقَّ بها منَّا؛ نحن نـَفَيْنا عنها الع دوَّ ، وهزمناهم ، وقال الَّذين أحدقوا برسول الله (ص) : لستم بأحقَّ بها مِّنَّا؛ نحن أحدقنا برسول الله (ص) ، وخِّفنا أن يصيب العدوُّ منه غرَّةً ، واشتغلنا به؛ فنزلتصْلِّحُوا ذَاتَ بـَيْنِّكُمْ وَأَطِّيعُوا الِلََّّ وَرَسُولَهُ إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ [1] (5/324.]) وفي روايةٍ: قال عبادة بن الصَّامت عن الأنفال حين سُئِّلَ عن سورة الأنفال: فينا معشر أصحـاب بدرٍ نزلت حين اختلفنـا في النَّفل 2]) فجعلـه إلى رسول الله (ص) ، فقسمـه رسول الله (ص) فينا عن بواءٍ. يقول: على السَّواء (5/322.]) لقد خلَّد الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذكرى غزوة بدرٍ في سور ة الأنفال ، وجاءت مفصلةً عن أحداثها وأسبابها ، ونتائجها ، وتعرَّضت الايات الكريمة لعلاج النَّفس البشريَّة ، وتربيتها على معاني الإيمان العميق ، والتَّكوين الدَّقيق ، فبدأت السُّورة بتبيان حكم أثـرٍ من اثار القتال ، وهو الغنائـم ، فبيَّنت: أنَّ هـذه الغنائـم لله ، والرَّسول فالله هو مالـك كليِّ شيءٍ ، ورسوله (ص) هو خليفتهُ ، ثمَّ أمر الله المؤمنين ثلاثة أوامر: بالتَّقوى ، وإصلاح ذات البين ، والطَّاعة لله والرَّسول (ص) ، وهي أوامر مهمَّة جدياً في موضوع الجهاد؛ فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهاداً ، و الجهاد يَتاج إلى وحدة صفيٍ ، ومن ثمََّ فلابدَّ
عدد الصفحات ٢من إصلاح ذات البين ، والانضباط هو الأساس في الجهاد؛ إذ لا جهاد بلا انضباط ، ثمَّ بينَّ الله ـ عز وجلَّ ـ: أنَّ الطَّاعة لله ولرسوله (ص) علامةُ الإيمان. وحدَّد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ صفات المؤمنين الحقيقيين ، وهذا الوصف ، والتَّحديد مهمَّان في موضوع الجهاد الإسلامييِّ؛ لأنَّ الإيمان الحقيقي هو الَّذي يقوم به الجهاد الإسلاميُّ. لقد حدَّد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ صفات المؤمنين؛ بأنََّّم إذا ذكر الله؛ فزعت قلوبهم ، وخافت ، وفرقت ، وإذا قرأى عليهم القران ازداد إيمانَّم ، ونما. والصيِّفة الثَّالثة هي: التوكُّل على الله ، فلا يرجون سواه ، ولا يقصدون إلا إياَّه ، ولا يلوذون إلا بجنابه ، ولا يطلبون الحوائج إلا منه ، ولا يرغبون إلا إليه ، ويعلمون: أنَّ (ما شاء الله؛ كان ، وما لم يشأ؛ لم يكن) ، وأنَّه المتصريِّف في الخلق وحده لا شريك له ، ولا معقيِّب لحكمه ، وهو سريع الحساب. والصيِّفة الرَّابعة: إقامة الصَّلاة ، والمحافظة على مواقيتها ، ووضوئها ، وركوعها ، وسجودها ، ومن ذلك إسباغ الطَّهور فيها ، وتمام ركوعها ، وسجودها ، وتلاوة القران فيها ، والتشهُّد ، والصَّلاة على النَّبيِّ (ص) . والصفة الخامسة: الإنفاق ممَّا رزقهم الله ، وذلك يشمل إخراج الزَّكاة ، وسائر الحقوق للعباد من واجبٍ ، ومستحبيٍ ، والخلق كلُّهم عباد الله؛ فأحبُّهم إليه أنفعهم لخلقه ، ثمَّ بينَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أنَّ المتَّصفين بهذه الصيِّفات هم المؤمنون حقَّ الإيمان ، وأنَّ لهم عند الله منازلَ ، ومقامات ، ودرجات في الجنَّات ، وأنَّ الله يغفر لهم السَّييِّئات ، ويشكر الحسنات ، وبهذا تنتهي مقديِّمة السُّورة بعد أن رفعت الهمم لكليِّ لوازم الجهاد ، ونـَفَتْ كلَّ عوامل الخذلان؛ من اختلافٍ على غنائم ، أو خلافٍ بسبب شيءٍ ، داعيةً إلى الطَّاعة ، والارتفاع إلى منازل الإيمان الكامل3.]) قال تعا {يعُوا الِلََّّ وَرَسُولَهُ إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ * إِّنمََّا الْمُؤْ مِّنُونَ الَّذِّينَ إِّذَا ذُكِّرَ الِلّيُ وَجِّلَتْ قـُلُوبـُهُمْ وَإِّذَا تُلِّيَتْ عَلَيْهِّمْ آياَتُهُ زَادَتـْهُمْ إِّيمَانً وَعَلَى رَبهيِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ * الَّذِّينَ يُقِّيمُونَ الصَّلاَةَ وَممَِّّا رَزَقـْنَاهُمْ يُنفِّقُونَ * أُوْلَئِّكَ هُمُ الْمُؤْمِّنُونَ حَقًّا لهَُمْ دَرَجَاتٌ عِّنْدَ رَبهيِِّّمْ وَمَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ[1 ـ4.] يقول الأستاذ محمَّد أمين المصري: لم تذكر الايات شيئاً من أعمال المؤمنين في بدرٍ ، ولكن ذكرت عتاباً أليماً موجعاً ، يََْمِّلُ المؤمنين على الرُّجوع إلى أنفسهم ، والاستحياء من ربهيِّم ، وهناك نقاطٌ أرسلت
عدد الصفحات ٣الايات النُّقاط عليها ، وبيَّنت نواحي الضَّعف فيه بيانً جليياً قويايً بتصوير ما في النفوس وصفاً دقيقاً رائعاً ، تشاهد العين فيه الحركات والخلجات. وكلُّ ذلك من شأنه أن ينبه ضمير المؤمن؛ ليلمس المسافة بينه وبين درجات الإيمان؛ الَّتي يهفو قلبُه للوصول إليها ، ولقد كانت الايات من تربية الحكيم العليم ، ويشعر الذَّوق السَّليم هاهنا روعة الأسلوب في عرض العتاب بغير عتاب؛ ولكنَّه تصوير مافي النُّفوس تصويراً يوقن معه العادي من النَّاس: أنَّه ما كان لمؤمنٍ صحيح الإيمان أن يتَّصف بها ، ولذلك اقترنت الايات بتقديم خصائص الإيمان العالية ، ومييِّزاته الرَّفيعة ، الَّتي تصويِّر الفجوة البعيدة بين المؤمن وبين أييِّ إسفاف إِّنمََّا الْمُؤْمِّنُونَ الَّذِّينَ إِّذَا ذُكِّرَ الِلّيُ وَجِّلَتْ قـُلُوبـُهُمْ وَإِّذَا تُلِّيَتْ عَلَيْهِّمْ آياَتُهُ زَادَتـْهُمْ إِّيمَانً وَعَلَى رَبهيِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ * الَّذِّينَ يُقِّيمُونَ الصَّلاَةَ وَممَِّّا رَزَقـْنَاهُمْ يُنفِّقُونَ * أُوْلَئِّكَ هُمُ الْمُؤْمِّنُونَ حَقًّا لهَُمْ دَرَجَاتٌ عِّنْدَ رَبهيِِّّمْ وَمَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ * } [ 2 ـ4.] ما ذكرت الايات عتاباً ، ولكنَّها ذكرت واقعاً ، وكان ذكر الواقع أبلغ من كليِّ عتـاب ، قال تعا وفحوى الخطـاب ـ حقيقة خروجهم من المدينة ، قال تعالى: وهذا وصفٌ بالغ الغاية في تصوير والرُّعب ، صورة أنسٍ يساقون إلى الموت سوقاً لا مفرَّ منه ، وهم يـَرَوْن الموت بأميِّ أعينهم؛ وقال تعالى: وهذا تصويرٌ لضعفٍ في النُّفوس.... إلى أن يقول: دفعت الايات الكريمة عن المؤمنين أيَّ شعور { ذَاتِّ الشَّوْكَةِّ تَكُونُ لَكُمْ وبسطت أمامهم نفوسهم ، أو نفوس فريقٍ منهم ، وما بينها وبين الإيمان الصَّحيح من درجاتٍ ، وإذا جاء ذكر الثَّناء مصوَّراً بصورة المنيِّ والفضل بما أنعم الله ليس ثناءً مستقلاً ، ا لثناء عليهم: أنَّ الله منَّ عليهم ، فاستجاب دعاءهم ، ونزَّل عليهم الماء ، ليطهيِّرهم ، وأنزل الملائكة؛ لتثبيتهم، وجمع بينهم وبين عدويِّهم لأمرٍ كبير دبَّره الله ، وقدَّره4.]) بدأت السُّورة بموضوع الأنفال ، واختلافهم في قسمتها ، وسؤالهم عنها ، فساقت في ذلكأربع اياتٍ عالجت بها نفوس المؤمنين ، وطهَّرتها من الاختلاف الَّذي ينشأ عن حبيِّ المال ، والتَّطلُّع إلى المادة5.])
عدد الصفحات ٤ولأهيِّيَّة هذا الموضوع في حياة المؤمنين بدأت به السُّورة ـ وإنْ كان اختلافهم في قسمة الأنفال متأخيِّراً الوجود عن اختلافهم في الخروج إلى بدرٍ ، وقتال الأعداء ـ ومن سنَّة الله في كتابه: أنَّه في ذكر القصص والواقع لا يعرض لها مُرَتَّبةً حسب وقوعها6.]) : وأوَّل الطَّاعة هنا طاعته في حكمه الَّذي قضاه تكون لأحدٍ من الغزاة على الإطلاق ، وار تدَّت ملكيتها ابتداءً لله ، والرَّسول (ص) ، فانتهى حقُّ التَّصرُّف فيها إلى الله ورسوله (ص) ، فما على الذين امنوا إلا أن يستسلموا فيها لحكم الله ، وقَسْم رسول الله (ص) طيبةً قلوبهُم ، راضيةً نفوسُهم ، وإلا أن يصلحوا علائقهم ، ومشاعرهم ، ويصفُّوا قلوبهم بعضهم لبعضٍ7.]) وهذا العرض الرَّباَّنيُّ يؤكيِّد حقيقةً أكبر من النَّصر على المشركين ، يؤكيِّد: أنَّ صلاح ذات البين ، والانتصار الحقيقيَّ على مسارب النُّفوس ، ومشارب القلوب هو الأكبر في ميزان الله ، وهو الأعظم في ميزان الله ، ولا جدوى من نصرٍ يعقبه صراعٌ في الصَّفيِّ واختلافٌ في القلوب. وتبينيِّ الايات: أنَّ قضيَّة التَّقوى ، والإيمان ، تدخل في شؤون حياة المسلم كافَّةً ، وبها ينبع تحرُّكه في الحياة ، وجهاده لإعلاء كلمة الله تعا 8.]) لقد استجاب الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم لهذا التَّوجيه الرَّبانييِّ ، ونزلت الايات تبينيِّ لرسول الله (ص) كيف يتصرَّف في الأنفال. بعد أن أصبحت الغنائم لله ولرسوله (ص) بينَّ المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ كيف توزَّع هذه الغنائم. قال تعاوَالْيـَتَامَى وَالْمَسَاكِّينِّ وَابْنِّ السَّبِّيلِّ إِّنْ كُنـْتُمْ آمَنـْتُمْ باِّلِلَِّّّ وَمَا أَنـْزَلْنَا عَلَى عَبْدِّنَ يـَوْمَ الْفُرْقَانِّ يـَوْمَ الْتـَقَى الجَْمْعَا نِّ وَالِلَُّّ عَلَى كُليِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ[41.] وهذا بعدما طَهُرَتْ قلوبهم من الأخ ط ، وأخلصت إلى علاَّم الغيوب في الطَّاعة ، وتمثَّلت الايات ، فتحقَّقت بمعنى العبودية الخالصة لله ، وهذا الحكم صريحٌ في أنَّ أربعة أخُاس ما غنموه مقسومٌ بينهم ، والخمس لله ، ولرسوله (ص) ، وهذا الخمس نفسه مردودٌ فيهم أيضاً ، وموزَّع على الجهات المذكورة ـ كما ثبت بالسُّنَّة ـ. إنَّ التَّوجيه الترَّبويَّ في إرجاء إنزال جواب السُّؤال عن الغنائم ، يشير إلى أنَّ الأحكام الشَّرعيَّة ينبغي أن يهيَّأ لها الجوُّ النَّفسيُّ الرُّوحيُّ المناسب؛ لتحتلَّ مكانَّا اللائق في العقل ،
عدد الصفحات ٥والضَّمير ، فتثبت ، وتتمكَّن ، وتؤتي أطيبالنتائج؛ إذ يتجلَّى فيها أكمل الحلول ، وهكذا صرف المولى ـ جلَّ شأنُه ـ عباده المسلمين عن التعلُّق بالغير أوَّلاً ، وبالغنائم ثانياً؛ ليكونوا له من المخلصين الجديرين بنصره ، وإتمام نعمته ، فلمَّا تفرَّغوا للخالق ، وأخلصوا في الجهاد؛ أكرمهم بالنَّصر من لدنه ، وأسبغ عليهم من فضله بأكثر ممَّا كانوا يودُّون9]) خرج رسول الله (ص) يوم بدر في ثلاثمئة وخُسة عشر رجلاً من أصحابه ، فلما انتهى إليها قال «اللهم إنَّم جياع فأشبعهم ، اللهم إنَّم حفاة فاحملهم ، اللهم إنَّم عراة فاكْسُهُم»ففتح الله له يوم بدر ، فانقلبوا حين انقلبوا ، وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين ، واكتَسَوْا وشبعوا (2747) ، والبيهقي في السنن الكبرى9/57) ، والحاكم2/132 ـ133 ،145.]) ومن عدل النَّبيِّ (ص) في تقسيم الغنائم ، إعطاؤه من هذه الغنيمة مَنْ تخلَّف بأمر رسول الله (ص) لمهامٍ أَوْكَلَها إليهم ، فضرب لهم بسهمهم من الغنيمة ، وبأجرهم ، فكانوا كمن حضرها10]) (ص) يراعي ظروف الجنود؛ الَّتي تمنعهم من المشاركة في القتال؛ لأنَّ الله تعالى لم يكليِّف عباده شيئاً فوق طاقتهم ، قال تعا يُكَليِّفُ الِلَُّّ نـَفْسًا إِّلاَّ وُسْعَهَا [286.] ولذلك كان رسول الله (ص) لا يكليِّف المسلمين فوق طاقتهم ، سواءٌ أكان ذلك في السيِّلم ، أم الحرب ، وفي غزوة بدرٍ أعفى النَّبُّ (ص) بعض الصَّحابة؛ لأن ظروفهم الأسرية تتطلَّب منهم القيام عليها ، ورعايت ها ، فقد أعفى عثمان بن عفَّان رضي الله عنه من الخروج يوم بدرٍ؛ لأنَّ زوجته رقيَّة كانت مريضةً ، وبحاجةٍ إلى من يرعى شؤونَّا ، روى البخاريُّ في صحيحه: أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبر عن سبب تغيُّب عثمان رضي الله عنه في غزوة بدر ، فقال رضي الله عنه: وأمَّا تـَغَيـُّبُهُ عن بدرٍ ، فإنَّه كانت تحته بنتُ رسولِّ الله (ص) ، وكانت مريضةً ، فقال له رسول الله (ص) : «إنَّ لك أجرَ رجلٍ ممَّن شهد بدراً ، وسَهْمَهُ »[3699.]) وأمر (ص) أبا أمامة بالبقاء عند أميِّه؛ حيث كانت مريضةً ، وهي بحاجة إليه ، فعن أبي أمامة بن ثعلبة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله (ص) أخبرهم بالخروج إلى بدرٍ ، وأجمع الخروج معه ، فقال له خاله أبو بردة بن نيَّار: أقِّمْ على أميِّك يابن أختي! فقال له أبو أمامة: بل أنت فأقم على أختك. فذكر ذلك للنَّبيِّ (ص) ، فأمر أبا أمامة بالمقام على أميِّه ، وخرج بأبي بردة ، فقدم النَّبُّ (ص) وقد توفيِّيت فصلَّى عليها792) ، والهيثمي في مجمع الزوائد3/31 ـ32.])
عدد الصفحات ٦إنَّ هذه الأخلاق الرَّفيعة ، ومراعـاة شعـور الجنود ، وأحوالهم العائليَّة توليِّد قـوَّة ترابطٍ بين القيادة والجنود ، وتدخل تحت مفهوم فقه التَّمكين ، وقد مارسه الرَّسول (ص) في أعلى صوره. ومن الصَّحابة الَّذين كانت لهم مهمَّاتٌ خاصَّةٌ ، أو أُصيبوا أثناء الطَّريق ، فردَّهم الرَّسول (ص) : 1 ـ أبو لبابة: استخلفه (ص) على المدينة 2 ـ عاصم بن عدييٍ: أرسله (ص) في مهمَّة لأهل العاليةالمدينة. 3 ـ الحارث بن حاطب: أرسله (ص) في مهمَّةٍ إلى بني عمرو بن عوف 4 ـ الحارث بن الصيِّمَّة: وقع أثناء الطَّريق فكسر ، فرُد 5 ـ خوَّات بن جُبير: أصابه في الطَّريق حجرٌ في ساقه ، فردَّه من الصفراء11.]) وكذلك أعطى لورثة الشُّهداء، وذويهم نصيبهم من ال غنائم، وبذلك كان للإسلام السَّبق في تكريم الشُّهداء ، ورعاية أبنائهم ، وأسرهم من قرابة أربعة عشر قرنً12.]) ثانياً: الأسرى قال ابن عباس رضي الله عنه: فلمَّا أسروا الأُسارى ، قال رسول الله (ص) لأبي بكرٍ ، وعمر رضي الله عنهما: «ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبَّ الله! هم بنو العميِّ ، والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فديةً ، فتكون لنا قوَّةً على الكفَّار ، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله (ص) : «ما ترى يابن الخطاب؟ »قال: لا والله يا رسول الله! ما أرى الَّذي يراه أبو بكر ، ولكنييِّ أرى أن تمَُكِّنَّا منهم ، فنضرب أعناقهم ، فتمكيِّن عليياً من عَقِّيلٍ ، فيضرب عنقه ، وتمكنييِّ من فلانٍ (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه؛ فإنَّ هؤلاء أئمَّة الكفر ، وصناديدها ، فهوي رسولُ الله (ص) ما قال أبو بكر ، ولم يـَهْوَ ما قلتُ ، فلمَّا كان من الغد جئ ت؛ فإذا رسولُ الله (ص) ، وأبو بكر قاعدان يبكيان ، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أييِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك ، فإن وجدت بكاءً؛ بكيت ، وإن لم أجد بكاء؛ تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله (ص) : «أبكي لِّلَّذي عَرَضَ عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء ، لقد عُرِّضَ عليَّ عذابهُم أدنى من هذه الشَّجرةِّ »ـ شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله (ص) ـ وأنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ }إلى قوله {فَكُلُوا ممَِّّا غَنِّمْتُمْ حَلاَلاً طَييِّبًافأحلَّ الله الغنيمة لهم. (1/30 ـ31) ، ومسلم1763) ، وأبو داود2690) ، والترمذي (3081.]) وفي رواية عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: لمَّا كان يوم بدرٍ؛ قال رسول الله (ص
عدد الصفحات ٧«ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ »فقال أبو بكر: يا رسول الله! قومُك ، وأهلُك ، اسْتـَبْقِّهِّم ، واسْتَأْن بهم ، لعلَّ الله أن يتوب عليهم ، وقال عمر: يا رسول الله! أخرجوك ، وكذَّبوك؛ فاضرب أعناقهم ، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! انظر وادياً كثير الحطب ، فأدخلهم فيه ، ثمَّ أضرم عليهم نراً ، فقال العبَّاس: قطعت رحمك! فدخل رسول الله (ص) ولم يردَّ عليهم شيئاً ، فقال نسٌ: يأخذ بقول أبي بكرٍ ، وقال نسٌ: يأخذ بقول عمر ، وقال نس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة ، فخرج عليهم رسول الله (ص) فقال: «إنَّ الله ليُلينيِّ قلوب رجالٍ فيه؛ حتََّّ تكون ألين من اللَّبن ، وإنَّ الله لَيَشُدُّ قلوب رجالٍ فيه؛ حتََّّ تكون أشدَّ من الحج ارة ، وإنَّ مثلك يا أبا بكر! كمثل إبراهيم عليه السلام ، إذ قال تَبِّعَنيِّ فَإِّنَّهُ مِّنييِّ وَمَنْ عَصَانيِّ فَإِّنَّكَ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [36] عليه السلام؛ إذ قال تـَغْفِّرْ لهَُمْ فَإِّنَّكَ أَنْتَ الْعَزِّيزُ الحَْكِّيمُ [ 118] [26.] وإنَّ مثلك يا عمر! كمثل موسى عليه السلام؛ إذ قال عَلَى أَمْوَالهِِّّمْ وَاشْدُدْ عَلَى قـُلُوبهِِّّمْ فَلاَ يـُؤْمِّنُوا حَتََّّ يـَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِّيمَ [88.] ثمَّ قال (ص«أنتم عالة ، فلا يـَنـْفَلِّتَََّ منهم أحد إلا بفداءٍ ، أو ضربة عنقٍ» قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: فقلت: يا رسول الله! إلا سُهيل بن بيضاء؛ فإنييِّ قد سمعته يذكر الإسلام ، قال: فسكت ، قال: فما رأيتُني في يومٍ أخوف أن تقع عليَّ حجارةٌ من السَّماء في ذلك اليوم؛ حتََّّ قال: «إلا سهيل بن بيضاء»فأنزل { أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتََّّ يـُثْخِّنَ الأَرْضِّ ...} إلى اخر الاية1/383 ـ384) ، وأبو يعلى5187) ، والترمذي1714 و3085 ) ، والحاكم3/21 ـ22.]) وهذه الاية تضع قاعدةً هامَّةً في بناء الدَّولة حينما تكون في مرحلة التَّكوين ، والإعداد ، وكيف ينبغي ألا تظهرَ بمظهر الليِّين؛ حتََّّ تـُرْهَب من قِّبَلِّ أعدائها ، وفي سبيل هذه الكليِّيَّة يُطرح الاهتمام بالجزئيَّات ـ حتََّّ ولو كانت الحاجة ملحةً إليها ـ 13.]) وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه لمَّا شرع الصَّحابة في أسر المشركين كره ذلك ، ورأى رسولُ الله (ص الكراهية في وجه سعدٍ لما يصنع النَّاس؛ فقال له رسول الله (ص) : «والله! لكأنَّك يا سعدُ! تكره ما
عدد الصفحات ٨يصنعُ القوم»قال: أجل والله! يا رسول الله! كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشيِّرك ، فكان الإثخان بالقتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرَّجل 2/280 ـ281])([14.]) * كانت معاملة النَّبيِّ (ص) للأسرى تحفُّها الرَّحمة ، والعدل ، والحزم ، والأهداف الدَّعوية؛ ولذلك تعدَّدت أساليبه ، وتنوَّعت طرق تعامله (ص) ، فهناك من قتله ، وبعضهم قبل فيهم الفداء ، والبعض الاخر منَّ عليهم ، واخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنيِّ عليهم. أ ـ حفظ رسول الله (ص) لجِّوار المُطْعِّم بن عدييٍ: قال رسول الله (ص) في أُسارى بدر: «لو كان مُطْعِّمُ بن عدييٍ حيياً ، ثمَّ كلَّمني في هؤلاء النـَّتـْنىَ؛ لأطلقتُهم له»[4024) ، وأبو داود2689.]) وهذا الحديث تعبيرٌ عن الوفاء ، والاعتراف بالجميل ، فقد كان للمُطعم مواقفُ تُذكَر بخيرٍ ، فهو الَّذي دخل الرَّسول (ص) في جواره حينما عاد من الطَّائف ، كما كان من أشديِّ القائمين على نقض الصَّحيفة يوم حُصِّر المسلمون ، وبنو هاشم15.]) وهذا يدلُّ على قمَّة الوفاء لمواقف الريِّجال ـ ولو كانوا مشركين ـ 16.]) ب ـ مقتل عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ والنَّضر بن الحارث وإذا كان هذا الوفاء لرجلٍ مثل المطعم بن عدييٍ ، فلابدَّ من الحزم مع مجرمي الحرب ، ورؤوس الفتنة؛ من أمثال: عُقبة بن أبي مُعَيْط ، والنَّضر بن الحارث ، فقد كان من أكبر دُعاة الحرب ضدَّ الإسلام ، والمتربيِّصين بالمسلمين الدَّوائر ، فبقاؤها يـُعَدُّ مصدرَ خطرٍ كبيرٍ على الإسلام ، ولاسيَّما في تلك الظُّروف الحاسمة ، الَّتي تمرُّ بها الدَّعوة الإسلاميَّة ، فلو أُطلِّق سراحُهُمَا؛ لما تورَّعا عن سلوك أييِّ طريقٍ فيه كيدٌ للإسلام ، وأهله ، فـَقَ تـْلُهُمَا في هذا الظَّرف ضرورةٌ تقتضيها المصلحة العامَّة لدعوة الإسلام الفتيَّة17])18]) للمدينة ، فلمَّا سمع عُقْبَةُ بن أبي مُعَيْطٍ بأمر قـَتْلِّهِّ ، قال: يا ويلي! علام أُقْتل معشر قريش من بين ما هاهنا؟! فقال رسول الله (ص) : «لعداوتك للهِّ ولرسوله»قال: يا محمد! مَنُّك أفضل ، فاجعلني كرجلٍ من قومي ، إنْ قتلتـَهُم؛ قـَتـَلْتَني ، وإن مَنـَنْتَ عليهم؛ مَنـَنْتَ عَلَيَّ ، وإن أخذتَ منهم الفداء كنتُ كأحدِّهم ، يا محمد! من للصبيَة؟ قال رسول الله (ص) : «النَّارُ ، قديِّمْه يا عاصم! فاضربْ عُنـُقَه »[2/124)، ومجمع الزوائد (6/89])19.])
عدد الصفحات ٩وأمَّا النَّضر بن الحارث ، فقد كان من شياطين قريشٍ ، وممَّن يؤذي رسول الله (ص) ، وينصِّبُ له العداوة ، وكان قد قدِّم الحيرة ، وتعلَّم بها أحاديث ملوك الفرس ، وأحاديث رستم واسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله (ص) مجلساً ، فذكَّر فيه بالله ، وحذَّر قومه ما أصاب قبلهم من الأمم مِّنْ نِّقْمَةِّ الله؛ خلفه في مجلسه إذا قام ، ثمَّ قال: أن والله يا معشر قريش! أحسنُ حديثاً منه ، فهلُ مُّوا إليَّ ، فأن أحديِّثكم أحسن مِّنْ حديثه ، ثمَّ يَديِّثُهم عن ملوك فارس ، ورستم واسفنديار ، ثمَّ يقول: بماذا محمَّد أحسنُ حديثاً منييِّ؟ 20.]) إنَّ هذا الرَّجل المتعالي على الله ، والمتألييِّ عليه ، والَّذي يزعم: أنَّه سينزل أحسن ممَّا أنزل الله ، وال ذي يزعم: أنَّه أحسنُ حديثاً من محمَّد ، لابدَّ لمثل مَنْ يمثيِّل هذا التَّيار ـ وقد أصبح بين يدي رسول رب العالمين ـ لابدَّ أن يُثأرَ لله ، ولرسوله (ص) منه ، ومن أجل هذا لم يُدْخِّلْهُ رسول الله (ص) ضمن نطاق الاستشارة 21])عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه 22.]) وبمقتل هَذَيْنِّ المُجرِّمَينِّْ تعلَّم المسلمون: أنَّ بعض الطُّغاة العُتاة المُعادين لا مجال للتَّساهل معهم ، فهم زعماءُ الشَّريِّ ، وقادة الضَّلال ، فلا هوادة 23])24 ]) بأعمالهم الشَّنيعة، فقد كان هذان الرَّجلان مِّنْ شريِّ عباد الله، وأكثرهم كفراً، وعناداً، وبغياً، وحسداً، وهجاءً للإسلام وأهله25.]) ج ـ الوصيَّةُ بإكرام الأسرى جانبٌ من المنهج النَّبوييِّ الكر ولمَّا رجع (ص) إلى المدينة فرَّق الأسرى بين أصحابه ، وقال لهم: «استوصوا بهم خيراً [»26]) التَّوصيَة النَّبويَّة الكريمة ، ظهر تحقيق قوله الله تعاسِّيرًا }*[8.] فهذا أبو عزيز بن عُمَيرْ أخو مُصعب بن عمير ، يَديِّثنا عمَّا رأى ، قال: كنتُ في الأسرى يوم بدرٍ ، فقال رسول الله (ص) : «استوصوا بالأُسارى خيراً»، وكنتُ في نفرٍ من الأنصار ، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم ، وعشاءهم ، أكلوا التَّمر ، وأطعموني البـُر27]) الصغ401) ، وفي الكب22/393) ، والطي في تاريخه (2/460) ، ومجمع الزوائد6/86.]) وهذا أبو العاص بن الرَّبيع يَديِّثنا ، قال: كنت في رَهْطٍ من الأنصار جزاهم الله خيراً ، كنَّا إذا تعشَّينا ، أو تغدَّينا ، اثروني بالخُبْزِّ ، وأكلوا التَّمْرَ ، والخبزُ معهم قليلٌ ، والتَّمْرُ زادُهم ، حتََّّ إنَّ الرَّجل لتقع في
عدد الصفحات ١٠يده كِّسْرَةٌ فيدفعها إليَّ ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثلَ ذلك ، ويزيد«وكانوا يَملوننا ، ويمشون[»28.]) كان هذا الخُلُق الرَّحيم الَّذي وضع أساسه القران الكريم في ثنائه على المؤمنين ، وذكَّر به النَّبُّ (ص أصحابَه؛ فاتخَّذ وه خُلقاً ، وكان لهم طبيعةً ، قد أثر في إسراع مجموعة مِّنْ أشراف الأسرى ، وأفاضلهم إلى الإسلام ، فأسلم أبو عزيز عُقَيْبَ بدرٍ ، بُعيْد وصول الأسرى إلى المدينة ، وتنفيذ وصيَّة رسول الله (ص) ، وأسلم معه السَّائب بن عبيدٍ29])لإسلام إلى قلوبهم ، وطهَّرت نفوسَهم ، وعاد الأسرى إلى بلادِّهم وأهليهم ، يتحدَّثون عن محمَّدٍ (ص) ، ومكارم أخلاقه ، وعن محبَّته، وسماحته، وعن دعوته ، وما فيها من البرِّيِّ والتَّقوى ، والإصلاح وا30.]) إنَّ هذه المعاملة الكريمة للأسرى ، شاهدٌ على سمويِّ ا لإسلام في المجال الأخلاقييِّ ، حيث نل أعداءُ الإسلام من معاملة الصَّحابة أعلى درجات مكارم الأخلاق؛ الَّتي تتمثَّل في خُلُق الإيثار31.]) د ـ فداء العباس عميِّ النَّبيِّ (ص بعثت قريش إلى رسول الله (ص) في فداء أسراهم ، ففدى كلُّ قوم أسيرهم بما رضوا ، وقال العبَّاس: يا رسول الله! قد كنتُ مسلماً ، فقال رسول الله (ص) : «الله أعلم بإسلامك ، فإن يكن كما تقول؛ فإن الله يجزيك ، وأمَّا ظاهرك ، فقد كان علينا ، فافتدِّ نفسَك ، وابني أخويك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وعَقِّيل بن أبي طالب بن عبد المطَّلب ، وحليفَك عتبةَ بن عمرٍو أخي ابن الحارث بن فهرٍ »قال: ما ذاك عندي يا رسول الله! قال «فأين المال الَّذي دفنته أنت وأم الفَضْل ، فقلتَ لها: إن أُصِّبْتُ في سفري هذا؛ فهذا المال الَّذي دفنتُه لبني الفَضْل ، وعبد الله ، وقـُثَم؟!»قال: والله يا رسول الله! إنييِّ لأعلم أن ك رسولُ الله ، إنَّ هذا الشَّيءَ ما علمه أحدٌ غيري ، وغير أميِّ الفضل ، فاحسب لي يا رسول الله! ما أصبتم منييِّ عشرين أوقيَّة من مالٍ كان معي. فقال رسول الله (ص) : «ذاك شيءٌ أعطان الله تعالى منك»ففدى نفسه ، وابني أخويه ، وحليفه؛ فأنزل ـ عزَّ وجلَّ ـ فيهمْ خَيـْرًا ممَِّّا أُخِّذَ مِّنْكُمْ وَيـَغْفِّرْ لَكُمْ وَالِلَُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ *وَإِّنْ يُرِّيدُوا خِّيَانـَتَكَ فـَقَدْ خَانُوا الِلََّّ مِّنْ قـَبْلُ فَأَمْكَنَ مِّنـْهُمْ وَالِلَُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ[70 ـ71.]
عدد الصفحات ١١قال العبَّاس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقيَّةً في الإسلام عشرين عبداً ، كلُّهم في يده مالٌ يَضْرِّبُ به ، مع ما أرجو من مغفرة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ 3/142 ـ 143) ، وبنحوه أحمد (1/353([])32.]) هذا ، والعبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب ، فهذه الاية الكريمة؛ وإن كانت نزلت في العباس إ أنََّّا عامَّةٌ في جميع الأسرى. استأذن بعضُ الأنصار رسولَ الله (ص) ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العبَّاس فداءه. فقال: «والله! لا تذرون منه درهاً»[1/2537 و3048 و4018) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/142([])33]) ويظهر أدب الأنصار مع رسول الله (ص) في قولهم لرسول الله: ابن أختنا 34]) في إطلاقه ، بخلاف لو قالوا: عمَّك؛ لكانت المنَّة عليه (ص) ، وهذا من قوَّة الذَّكاء وحسن الأدب في الخطاب ، وإنمَّا امتنع النَّبُّ (ص) عن إجابتهم؛ لئلا يكون في الديِّين نوعُ محاباة35.]) وهنا يتعلَّم الأسرى ، والمسلمون أيضاً درساً بليغاً في عدم محاباة ذوي القُربَ ، بل كان امر على خلاف ذلك؛ فقد أغلى رسولُ الله الفداء على عميِّه العباس 36.]) ورجع العبَّاس لمكَّة ، وقد دفع فداءه ، وفداء ابنيْ أخويه ، وأخفى إسلامه ، وأصبح يقود جهاز استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة بمكَّة بمهارةٍ فائقةٍ ، وقدرةٍ ندرةٍ ، حتََّّ انتهى دوره عند فتح مكَّ ة ، فأعلن إسلامه قبلها بساعاتٍ37.]) هـ أبو العاص بنُ الرَّبيع زوجُ زينب رضي الله عنها بنتِّ رسول الله (ص قالت عائشـة رضي الله عنها: لمَّا بعث أهل مكَّـة في فـداء أسراهم؛ بعثت زينب بـنتُ رسول الله (ص) في فـداء أبي العاص بـن الرَّبيـع بمالٍ ، وبعثت فيـ ه بِّقِّلادةٍ38]) أبي العاص حين بنى عليها39]) «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردُّوا عليها الَّذي لها ، فافعلوا»فقالوا: نعم ، فأطلقوه ، وردُّوا عليها الَّذي لها2692) ، وأحمد6/276) ، والبيهقي في الدلائل3/154) ، والطبرا الكبير (22/428) ، ومجمع الزوائد9/214([])40.])
عدد الصفحات ١٢وكان رسول الله (ص) أخذ عليه ، أو وعده أن يخَُليِّيَ سبيل زينب إليه ، وبعث رسولُ الله (ص) زيد بن حارثة ، ورجلاً من الأنصار ، فقال: «كون ببطن يأْجَج41]) حتََّّ تأتيا بها »[ إنَّ أبا العاص بن الرَّبيع زوجَ زينب رضي الله عنها بنتِّ الرَّسول (ص) لم يُعرف عنه قطُّ موقفٌ مقاومة الدَّعوة بأييِّ لونٍ من ألوانَّا ، وقد كفَّ يده ، ولسانه عن أصحاب رسول الله (ص) ، وشغَله مالهُ وتجارتهُ ، وحياؤه من رسول الله (ص) عن مواقفِّ الشَّراسة القرشيَّة في مقاومة الدَّعوة إلى الله ، وفي بدرٍ كان أبو العاص صِّهْرُ رسول الله (ص) من بين الأسرى؛ الَّذين لم يُسمع لهم في المعركة صوتٌ ، ولم يُعرف لهم رأيٌ ، ولا شُوهدتْ لهم في قتالٍ جولةٌ ، وبعد أن بدأت قريش تفدي أسراها؛ أرسلت السَّيدة زينب بنت رسول الله (ص) ، وزوجة أبي العاص بمالٍ تفديه به ، ومع المال قلادةٌ كانت أمُّها السَّيدة خديجة رضي الله عنها ، أهدتها إليها ، فأدخلتها بها على زوجها لتتحَلَّى بها ، فلمَّا رأى رسول الله (ص) قِّلادَةَ ابنته؛ رقَّ لها رقَّةً شديدةً ، إذ كانت هذه القلادةُ الكريمة مبعثَ ذكرياتٍ أبَويَّةٍ عنده (ص) ، وذكرياتٍ زوجيَّةٍ ، وذكرياتٍ أُسرِّيَّةٍ ، وذكريات عاطفيَّةٍ؛ فالنَّبُّ (ص) أبٌ ، له من عواطف الأبوَّة أرفع منازلها في سجليِّ المكارم الإنسانيَّة ، وأشرفُها في فضائل الحياة ، فتواثبت إلى خبايا نفسه الكريمة المكرَّمة أسمى مشاعر الرَّحمة ، وتزاحمت على فؤاده الأطهر عواطفُ الحنان ، والحنين ، فتوجَّه إلى أصحابه رضي الله عنهم متلطيِّفاً ، يطلب إليهم في رجاء الأعزيِّ الأكرم ، رجاءً يدفعهم إلى العطاء ، ولا يسلبهم حقَّهم في الفداء؛ لو أنََّّم أرادوا الاحتفاظ بهذا الحقيِّ؛ وهو في أيديهم ، يملكون التَّصرُّف فيه ، فقال لهم: «إنْ رأيتُم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردُّوا عليها الَّذي هو لها» وهذا أسلوبٌ من أبلغ ، وألطف ما يسري في حنا النُّفوس الكريمة ، فيطويِّعها إلى الاستجابة الرَّاغبة الرَّاضية ، رضاءً يَنمُّ عن الغِّبْطَة ، والبـَهْجَة42.]) إنَّ هذا الموقف ، وما يظهر منه من مظاهر الرَّحمة ، والعطف منه (ص) على ابنته، يَمل في طيَّاته مقصداً اخر ، وهو أنَّه كان يتألَّف صِّهْرَه للإسلام بذلك؛ لِّمَا عَـرَفَ عنه من العقل السَّديد ، والرَّأي الرَّشيد ، فقد كان (ص) يُثني عليه ، وهو على شِّرْكِّهِّ بحسن المعاملة 43.]) و ـ أبو عزَّة عمرُو بن عبد الله الجُمَحِّيُّ بين الرَّحمة ، والحزم النَّبويي
عدد الصفحات ١٣كان محتاجاً ذا بناتٍ ، قال: يا رسول الله! لقد عرفت ما لي مِّنْ مالٍ ، وإنييِّ لذو حاجةٍ ، وذو عيالٍ ، فامنُنْ عليَّ! فمنَّ عليه رسولُ الله (ص) ، وأخذ عليه ألا يُظاهرَ عليه أحداً ، فقال أبو عزَّةَ يمدح رسول الله (ص) على ذلك: مَنْ مُبْلِّغٌ عَنييِّ الرَّسُوْلَ محَُمَّداً بأنَّكَ حَقٌّ والمَلِّيْكُ حمَِّيْدُ وأَنْ تَ امْرُؤٌ بـُويِّئْتَ فِّيـْنَا مبَاءَةً 44]) لهََا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعودُ فإنَّكَ مَنْ حَارَبـْتَهُ لَمُحَارَبٌ شَقِّيٌّ ومَنْ سالمْتَهُ لَسَعِّيدُ ولَكِّنْ إِّذَا ذُكيِّرْتُ بَدْراً وأَهْلَهُ تأوَّبَ مَا بيِّ حَسْرَةً وَقـُعُوْدُ قال ابن كثير: ثمَّ إنَّ أبا عزَّةَ هذا نقض ما كان عاهد الرَّسول (ص) عليه ، ولعب المشركون بعقله ، فرجع إليهم ، فلمَّا كان يومَ أحدٍ؛ أُسر أيضاً ، فسأل النَّبَّ (ص) أن يمَُنَّ عليه أيضاً ، فقال النَّبُّ (ص) « :لا أدعك تمسح عارِّضَيْكَ بمكَّةَ ، وتقولُ: خدعتُ محمَّداً مرَّت »ثمُ أَمَرَ به ، فَضُرِّبَتْ عنقهُ. [3/280 ـ281) ، وابن هشام3/110([])45.]) فكان النَّب (ص) به رحيماً ، وعفا عنه ، وأطلق سراحه بدون فداءٍ لَمَّا ذكر أبو عزَّة فقره ، وما لديه مِّنْ بناتٍ يعولهنَّ؛ ولكنَّه لم يفِّ لرسول الله (ص) بما عاهده ع ليه مِّنْ لزوم السيِّلم ، وعدم إثارة الحرب ضدَّه ، فوقع أسيراً في معركة أُحدٍ ، فكان موقفُ النَّبيِّ (ص) منه الحزم ، فأمر بضرْب عنُقِّه. ز ـ سهيلُ بن عمرٍو ، ووقوعُه في الأسر ، وماذا قالت سودةُ رضي الله عنها: قال عبد الرَّحمن بن أسعد بن زرارة رضي الله عنه: قُ دِّم بالأُسارى حين قُدِّم بهم المدينة؛ وسودةُ بنت زمعة زوج النَّبيِّ (ص) عند ال عفراء في مناحتهم على عَوْفٍ، ومعويِّذ ابني عفراء ـ وذلك قبل أن يُضْرَب الحجاب ـ ، قالت سودة: فوالله إنييِّ لَعِّنْدهم؛ إذ أتينا فقيل: هؤلاء الأُسارى قد أُتيَِّ بهم ، فرجعتُ إلى بيتي؛ ورسول الله (ص) فيه؛ فإذا أبو يزيد سهيلُ بنُ عمرٍو في نحية الحُجْرَة ، ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبلٍ، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيدٍ كذلك أن قُلتُ: أبا يزيد! أعطيتُم بأيديكم؟ ألا مُتُّم كراماً؟! فما انتبهت إلا بقول رسول الله (ص) من البيت: «يا سودةُ! أعَلَى الله ورسوله تحَُريِّضين؟!»فقلت رسول الله! والَّذي بعثك بالحقيِّ ، ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعةً يداه إلى عنقه بالحبل أن قلتُ ما قلتُ 9/89) ، والحاكم 3/22) ، وابن أبي شيبة في المصنف (14/369 ـ370) ، والطبري في تاريخه(2/460([])46.])
عدد الصفحات ١٤وقدم مِّكْرَزُ بن حفص بن الأخْيَف في فداء سهيل بن عمرو ، فلمَّا فاوض المسلمين ، وانتهى إلـى رضائهم ، قالوا: هاتِّ الَّذي لنـا ، قال لهم مِّكْرَز بن حفص: اجعلوا رجلي مكان رجله ، وخلُّوا سبيله حتََّّ يَبعث إليكم بفدائه ، فخلُّوا سبيل سُهيل، وحبسو ا مِّكْرزاً عندهم ، وجاء في حديثٍ مُرْسَلٍ: أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرسول الله (ص) : دعني أنزع ثَنِّيَّة سهيل بن عمرٍو ، يدلع لسانه ، فلا يـقوم عليـك خطيباً فـي موطنٍ اخـر ! فقـال رسول الله (ص) : «لا أمثيِّل بـه ، فيمثيِّل الله بي؛ وإن كنتُ نبيَّاً »[14/387([])47])«إنَّه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمُّه[»48.]) قال ابن كثير: وهذا هو المقام الَّذي قامه سهيل بمكَّة حين مات رسول الله (ص) وارتدَّ العرب ، ونجم النيِّفاق بالمدينة وغيرها ، فقام بمكَّة ، فخطب في النَّاس ، وثبَّتهم على الديِّين الحنيف49]) في ذلك«يا معشر قريش! لا تكونوا اخر النَّاس إسلاماً ، وأوَّلهم ردَّةً ، مَنْ رَابنَا ضربنا عنـُقَه[»50.]) فقد أبَ رسول الله (ص) أن ينزع ثنيَّة سُهيلٍ ، ورأى: أنَّ ذلك من باب التَّمثيل وتشويه خلقة الإنسان ، وقال لعمر: «لا أمثيِّل به ، فيمثيِّل الله بي! وإن كنت نبيياً»وهذا نموذجٌ من منهج رسالته (ص) ، وضعه؛ ليكون نبراساً لأمَّته في انتصاراتها على أعدائها51.]) ح ـ التَّعليم مقابل الفداء قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه: كان نسٌ من الأُسارى يوم بدرٍ ليس لهم فداءٌ ، فجعل رسولُ الله (ص) فداءهم أن يـُعَليِّموا أولاد الأنصار الكتابة52]) والكتابة ، وكلُّ مَنْ يـُعَليِّم عشَرةً من الغلمان يفدي نفسه 53]) والكتابة بدل الفداء ذلك الوقت الَّذي كانوا فيه في أشديِّ الحاجة إلى المال ، يُرينا سموَّ الإسلام في نظرته إلى العلم ، والمعرفة ، وإزالة الأميَّة ، وليس هذا بعجيبٍ مِّنْ دينٍ كان أوَّل ما نزل من كتابه الكرقٍ *اقـْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكَرَمُ *الَّذِّي عَلَّمَ باِّلْقَلَم [1 ـ4] وبهذا العمل الجليل يُعتبر النَّبُّ (ص) أوَّل من وضع حجر الأساس في إزالة الأمِّيَّة ، وإشاعة القراءة ، والكتابة ، وأنَّ السَّبق في هذا للإسلام54.]) ط ـ حكم الأسرى
عدد الصفحات ١٥إنَّ حكم الأسرى في الإسلام مفوَّضٌ إلى رأي الإمام؛ ليختار حُكْماً من أربعةٍ ، وعلى الإمام أن يراعي مصلحة المسلمين العامَّة؛ والأحكام الأربعة هي: 1 ـ القتلُ: وقد قتل رسول الله (ص) عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ ، والنَّضْر بن الحارث. 2 ـ المنُّ: وهو إطلاق الأسير بدون مقابلٍ ، وهذا ما فعله رسول الله (ص) مع أبي عَزَّةَ الجُمَحِّيي 3 ـ الفداءُ: إطلاق سراح الأسير مقابل مبلغٍ من المال ، وهذا ما حدث مع العبَّاس عميِّ النَّبيِّ (ص) ، ونوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالبٍ ، وغيرهم. 4 ـ الاسترقاق: وقد حكم سعدُ بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريظة أن يُقتل المحارَبون ، وتقسم الأموالُ ، وتُسْبََ الذَّراري والنيِّساء 55.]) * * * المبحث السَّادس نتائج غزوة بدرٍ ومحاولة اغتيال النَّبيِّ (ص) أولاً: نتائج غزوة بدرٍ: 1 ـ كان من نتائج غزوة بدرٍ أن قويت شوكة المسلمين ، وأصبحوا مرهوبين في المدينة ، وما جاورها ، وأصبح مَنْ يريد أن يغزو المدينة ، أو ينال من المسلمين عليه أن يفكيِّر ، ويفكيِّر قبل أن يُقدِّم على فـَعْلته ، وتعزَّزت مكانة الرَّسول (ص) في المدينة ، وارتفع نجم الإسلام فيها ، ولم يعد المتشكيِّكون في الدَّعوة الجديدة ، والمشركون في المدينة يتجرَّؤون على إظهار كفرهم ، وعداوتهم للإسلام؛ لذا ظهر النيِّفاق ، والمكر ، والخداع ، فأعلنوا إسلامهم ظاهراً أمام النَّبيِّ (ص) ، وأصحابه ، فدخلوا في عداد المسلمين ، وأبقَوا على الكفر باطناً ، فظلُّوا في عداد الكفار ، فلا هم مسلمون مخلصون في إسلامهم ، ولا هم
عدد الصفحات ١٦كافرون ظاهرون بكفرهم ، وعداوتهم للمسلمين ، قال تعا هَؤُلاَءِّ وَمَنْ يُضْلِّلِّ الِلَُّّ فـَلَنْ تجَِّ دَ لَهُ سَبِّيلاً[143.] ومن أجل هذا الموقف المتذبذب شنَّع الله عليهم ، وسمَّع بهم في كثيرٍ من اياته ، وتوعَّدهم بأشديِّ أنواع العذاب ، قال تعا[لنساء 145.] ومن نتائج موقعة بدر ازدياد ثقة المسلمين بالله ـ سبحانه وتعالى ـ ، وبرسوله الكريم (ص) ، واشتداد ساعدهم ، وقوَّتهم ، ودخول عددٍ كبيرٍ من مشركي قريشٍ في الإسلام ، وقد ساعد ذلك على رفع معنويات المسلمين المستضعفين الَّذين كانوا لا يزالون في مكَّة ، فاغتبطت نفوسهم بنصر الله ، واطمأنَّت قلوبهم إلى أن يوم الفرج قريب ، فازدادوا إيمانً على إيمانَّم ، وثباتاً على عقيدتهم. وإلى جانب ذلك ، فقد كسب المسلمون مهارةً عسكريَّةً ، وأساليبَ جديدةً في الحرب ، وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة ، وخارجها؛ إذ أصبحو ا قوَّةً يَسب لها حسابهُا في بلاد العرب ، فلا تهديِّد زعامة قريش وحدَها ، بل زعامةَ جميع القبائل العربية المنتشرة في مختلف الأَصْقَاع56]) انتعش حال المسلمين الماديِّييِّ والاقتصاديي بما أفاء الله عليهم من غنائم ، بعد بؤسٍ ، وفقرٍ شديدين ، داما تسعةَ عَشَرَ شهراً57.]) 2 ـ أمَّا قريش ، فكانت خسارتها فادحةً ، فإضافةً إلى أنَّ مقتل أبي جهل بن هشام ، وأميَّة بن خلف ، وعتبة بن ربيعة ، وغيرِّهم من زعماء الكفر؛ الَّذين كانوا من أشد القرشييِّ ين شجاعةً ، وقوةً ، وبأساً لم يكن خسارةً حربيَّةً لقريشٍ فحسب ، بل كان خسارةً معنويَّةً أيضاً؛ ذلك: أنَّ المدينة لم تعد تـُهَديِّدُ تجارتهَا فقط ، بل أصبحت تهديِّد أيضاً سيادتها ونفوذها في الحجاز كليِّه58.]) كان خبر الهزيمة على أهل مكَّة كالصَّاعقة ، ويصديِّقوا ذلك في بداية الأمر ، قال ابن إسحاق ـ رحمه الله ـ: «وكان أوَّل من قدِّم مكَّةَ بمصابِّ قريش الحَيْسُمان بن عبد الله الخزاعي ، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قُتِّل عُتبةُ بن ربيعة ، وشيبةُ بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأميَّة بن خلف، وزَمعةُ بن الأسود، ونُبيه، ومنبَّه ابنا الحجَّاج، وأبو البَخْترييِّ بن هشام ، فلمَّا جعل يـُعَديِّد أشراف قريش ، قال صفوان بن أميَّة: والله إن يعقل هذا! فسلوه عنييِّ! فقالوا: ما فعل صفوان بن أميَّة؟
عدد الصفحات ١٧