المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الايمان بالقضاء و القدر

عبد الله سراج الدين

صفحة ١ من ٦

1 محاضرات حول الإيمان بالقضاء والقدر ألقاها الإمام العارف المفس ر المحد ث الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني رضي الله تعالى عنه جمع وتقديم و ل د ه الدكتور المهندس محمد م حيي الدين سراج الدين اعتنى بتخريج أحاديثه وضبط ألفاظه خادم العلم الشرعي بكري بريمو السمان

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم أيها القارىء الكريم هب ثواب قراءتك سورة الفاتحة إلى العلامة الكبير والعارف الشهير الإمام الحافظ المفس ر الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني وإلى والده العارف الكبير حامل لواء الحجة بالكتاب والسنة الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني رضي الله عنهما وجزاك الله خيرا الموقع الرسمي للشيخ الإمام على شبكة المعلومات www.srajalden.com

عدد الصفحات ٢

3 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد : فهذه جملة محاضرات ألقاها فضيلة الشيخ الإمام عبد الله سراج الدين الحسيني رضي الله تعالى عنه في جامع بانقوسا الذي كان يدر س فيه كل يوم جمعة بعد صلاة العصر ، وهذه المحاضرات تتعلق بموضوع القضاء والقدر الذي هو ركن من أركان الإيمان ، لا يقبل الله ايمان الم من اذا لم يعتقد به .. بدليل الحديث المشهور الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه أن سيدنا جبريل عليه السلام - الذي تمث ل بصورة رجل - سأل سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم : أن ت من بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخ ر وت من بالقدر خيره وشر ه ، قال : صدقت .. في حين أن بعض الناس يجهل معنى هذا الركن الإيماني العظيم ويغفل عن أهميته ، بل وربما يتهم القدر بالظلم وينسب اليه ارتكابه للمعاصي وتراخيه عن فعل الطاعات ، ويتعلل بكلمات خطيرة ربما تندرج تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم : [وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ] ، وفي رواية : [يكتب الله له بها سخطه الى يوم يلقاه] وقد أجادسيدنا الشيخ الإمام رضي الله عنه وأفاد في كلامه عن القضاء والقدر فذكر أطرافاً من هذا البحث في كتبه : [الإيمان بالملائكة]و[حول تفسير سورة الملك]و[حول تفسير سورة الإنسان ] في كتاب الإيمان انظر المسند 9508 و صحيح البخاري كتاب الرقاق كما في الموطأ كتاب الجامع

عدد الصفحات ٣

4 وفصل الكلام هنا مبيناً بأسلوبه السهل الجامع أهمية حسن الاعتقاد بهذا الركن الإيماني العظيم ، ووجوب الإيمان بعلم الله تعالى السابق على وجود الأشياء ، وكتابته سبحانه لها ، وأنه سبحانه حكيم عادل لا يظلم أحداً .. ثم بي ن رضي الله عنه أن قضاء الله تعالى وقدره لا يسلب الإنسان مشيئته واختياره بدليل أن الله تعالى أثبتهما للإنسان بقوله جل وعلا : {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُ رْ }.. وقد ثبت الاختيار للإنسان شرعاً وعقلاً وذوقاً ووجداناً وفطرة، فأن ى له الإنكار بعد هذا ؟!! ونو ه شيخنا الإمام رضي الله عنه الى أن القضاء والقدر ليسا بحجة للعبد على فعله المعاصي والذنوب لأن الكتابة السابقة لا تمنع العبد اختياره ولا تسلبه ارادته ، وقد ثبتت له جميع صفاته على الحقيقة ، فلا يصح له أن ينكر صفة الاختيار فيه ، والا لزمه أن ينكر سائر صفاته أيضاً ، وهذا ما لا يقول به عاقل ، وهذه الشبهة : ( العبد لا اختيار له مطلقاً ) هي شبهة الكافرين كما أخبر عنهم سبحانه بقوله : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهَُّ مَا أَشْرَكْنَا وَلََ آبَاؤُنَا وَلََ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء } فرد عليهم جل وعلا بقوله :{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْم فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلََّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ } . ويوم القيامة عندما تحق الحقائق يحمد جميع الناس ربهم ، فيحمده الم منون لفضله ورحمته سبحانه ، ويحمده الكافرون لعدله جل وعلا . قال تعالى : {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَِِّّ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: وقال كل قائل من أهل الموقف : الحمد لِلّ رب العالمين

عدد الصفحات ٤

5 وهناك بعض الناس يتمسكون- أثناء حديثهم عن القضاء والقدر - يتمسكون بفهمهم الخاطئ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلَ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ] . علما أنه جاء في حديث آخر عند الإمام البخاري ومسلم جاء قوله صلى الله عليه وسلم : [إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ] يعني: أن عمله رياء وسمعة ، وهذا من شعب النفاق ، فزال الإشكال وانجلى الحق ، والحمد لِلّ على ذلك ، لأن روايات الحديث يفسر بعضها بعضا ، فالروايات يكون اختلافها أحيانا بسبب اختلاف فهم الصحابة رضي الله عنهم ، وإن اختلاف مفاهيم الصحابة لكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو حجة يعتد بها ، وإن ما أجمله صلى الله عليه وسلم في حديث فص له في حديث آخر حسب ما تقتضيه الحكمة والمناسبة . وقد أشار الشيخ الإمام رضي الله عنه إلى أن سبب خروج البعض عن الحق والعدل إنما هو بسبب إعمالهم العقل في مسألة القضاء والقدر ، وأنى للعقل البشري أن يحيط علما بأسرار وحِ كم أفعال الله تعالى ؟!! لذلك يجب على العاقل أن يعتقد أن القضاء يتعلق بجميع أموره وحركاته وسكناته ، لَ بأفعال الطاعة والمعصية فقط . وجزى الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم معل م الناس الخير جزاه الله كل خير فهو الذي كفانا مؤونة إعمال العقل في القضاء والقدر ، فقال : [إذا ذُكِ ر القدر فأمسِ كوا ] . انظر صحيح مسلم كتاب القدر و سنن ابن ماجه في المقدمة واللفظ له انظر صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير وصحيح مسلم كتاب الإيمان رواه الطبراني في المعجم الكبير والحارث في مسنده والبيهقي في القضاء والقدر وحكم الحافظ ابن حجر في الفتح بأن سنده حسن

عدد الصفحات ٥

6 ونفى صاحب جوامع الكلم صلى الله عليه وسلمنفى شبهة عدم اختيار العبد فقال [:اعملوا فكل مُيَ سَّ ر لما خُ لِ ق له ] فهو ميسر وليس مكرها ولَ مضطرا . فجزى الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عن ا كل خير . وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل المبارك منار هدي ونفع لكل من يقرؤه إلى يوم القيامة ، وأن يجعل ثواب ذلك مكتوبا في صحيفة سيدنا الشيخ الإمام رضي الله عنه ، وكتاب أعماله الواسع ، إنه سميع مجيب . وصلى الله العظيم وسل م على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومحبيه وعلينا معهم أجمعين في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله العظيم وكما يحبه مولَنا ويرضاه ، آمين والحمد لِلّ رب العالمين و َك َت َب َه َََ َ دَ.َمَ.َمحمدَمحييَالدينَسراجَالدينَ طرف حديث في صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن وصحيح مسلم كتاب القدر

عدد الصفحات ٦

7 كلمة شكر وتقدير يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) تحقيقاً لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة في اسناد المعروف الى أهله ، وشكرهم على اتقانهم عملهم ، فإني أتقدم بالشكر والثناء لمن كانت له يد بيضاء وجهد خفي - منذ سنوات - في اظهار ما صدر من الكتب المتعلقة بما نُقل عن الشيخ الإمام رضي الله عنه من بيانات ونصوص ودروس ومحاضرات - وما سيصدر ان شاء الله تعالى - ، واخراج ها بهذه الحل ة النافعة الزاهرة ، ، تجل ى ذلك خاصة في ضبط الألفاظ من حيث اللغة ، والتوسع في تخريج الأحاديث النبوية الشريفة وضبط ألفاظها ، فلم يَكْتَف بالموسوعات الإلكترونية وشبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت ) ، بل رجع في توثيق ذلك الى المكتبات العالمية كمكتبة الإسكندرية والمكتبة الوقفية وغيرها ، والمخطوطات الموجودة فيها ، وكذا ما وجد عند كبار أهل العلم من كتب بطبعات قديمة كالطبعات البولاقية والميمنية وغيرها ان الذي قام بذلك هو : خادم العلم الشرعي الأخ الأستاذ بكري بريمو السمان بن الحاج محمد ناجي وفقه الله تعالى لما فيه رضاه ، وبارك في نفعه المتواصل في التربية والتعليم . وقد حصل الأستاذ بكري على ثانوية التعليم الشرعي الخاصة ، وتخر ج من معهد التعليم الشرعي ( الشعبانية ) بحلب بتفوق باهر سنة 2 1 هـ الى جانب حصوله على الثانوية السورية العامة . رواه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة وصحّحه , ورو اه أبو داود في سننه في كتاب الأدب عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه

عدد الصفحات ٧

8 كما نال الإجازة العالية( الليسانس ) في الحديث النبوي الشريف من جامعة الأزهر سنة 2 1 هـ ثم حاز على الدبلوم الدولي المعتمد من الاتحاد العالمي للبرمجة اللغوية المعروف بـ (NLP )سنة2 هـ ونال شهادة الدراسات العليا ( الماجستير ) في علوم اللغة العربية من جامعة الأمة سنة 2 هـ و له خبرة عملية في تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية منذ سنة 2 1 هـ، لأن الله تعالى فَطَره على حب العلم تعل ماً وتعليماً منذ سني طلبه الأولى ، ولا يزال يقوم بالتدريس في الكل يات العامة والخاصة . وفقه الله تعالى لما فيه رضاه . موقعه على شبكة المعلومات : www.ostazbakri.com وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين

عدد الصفحات ٨

9 بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرةَالأولىَ:َحولَالإيمانَبالقضاءَوالقدرََ الحمد لِلّ رب العالمين وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد : إن البحث في القضاء والقدر يشتمل على أمور عدة أو لها : الإيمان بالقدر وثانيها : الإيمان بعلمه سبحانه بالأشياء قبل وجودها وقبل أن يخلقها ، ثم الإيمان بأنه جل وعلا كتب الأشياء قبل خلقها ، وهذه الكتابة على مراتب ، ثم الإيمان بمشيئته وإرادته وحكمته سبحانه ، وأنه تصر ف في العالم بحكمته وعدله ، وأنه سبحانه لم يَ ظلم أحدا في قضائه وقدره . ثم الإيمان بأن القضاء والقدر لَ يسلب اختيار الإنسان ، وليس القضاء والقدر حجة للإنسان العاصي على ربه ، وإليك تفصيل هذا : أولاًَ:َالإيمانَبالقدرَركنَمنَأركانَالإيمانَ:َ إن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الَعتقادية القلبية ، التي من أنكر واحدة منها فهو خارج من المل ة ، وقد جاء في حديث جبريل عليه السلام عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان جاء قوله صلى الله عليه وسلم [:أن تؤمن بالِلّ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ] تقدم تخريجه في مقدمة الكتاب

عدد الصفحات ٩

11 وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ثلاث مِن أصل الإيمان : الكف عمن قال : لَ إله إلَ الله ، ولَ نكف ره بذنب ، ولَ نخرجه من الإسلام بعمل ] ثم قال صلى الله عليه وسلم: [ والإيمان بالأقدار] ومن جملة الإيمان بالقضاء والقدر: أن لَ يحاكم الإنسان قضايا القدر إلى عقله دون أن يستند إلى دليل شرعي ، وإن هو فعل ذلك وحاكم قضايا القدر إلى نظريات عقله فقد يخرج عن الحق والعدل .. وقد أشارت إلى هذا جملة من الأحاديث النبوية الشريفة . منها : [إذا ذكر القدر فأمسكوا] ، أي لَ تتركوا مجالَ للأحكام العقلية أو النظريات الفكرية أن تجري في قضاء الله تعالى وقدره ، لأن الإنسان مهما بحث وعرف فإن علم الله تعالى أعظم ، وحكمته سبحانه أجل وأعلى ، والعقل عاجز عن إدراك ما هنالك من الحكم والأسرار الإلهية في خلقه . تعريفَالقضاءَوالقدرَ:ََ القضاء هو : حكم الله تعالى على الأشياء السابق على وجودها ، المطابق لعلمه الأزلي سبحانه . والقدر هو : تنفيذ ما حكم به سبحانه انظر سنن أبي داود كتاب الجهاد والسنن الكبرى للبيهقي ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن سعيد بن منصور تقدم تخريجه في مقدمة الكتاب

عدد الصفحات ١٠

11 ثانياًَ:ََ إن الإيمان بالقضاء والقدر يرتكز على الإيمان بعلمه سبحانه السابق على الأشياء ، وذلك أن يعتقد الإنسان أن جميع الأشياء والحركات والس كَ نات والأقوال والأفعال والخواطر كلها معلومة عند الله تعالى في أزل الآزال بالعلم القديم الذي لَ أول له ، وهو العلم الذاتي الملازم للذات الإلهية التي لَ أول لها ولَ آخر . واعلم أن هذا الأمر شرعي وفطري وعقلي قال تعالى :{أَلََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } أي: إن خالق الشيء أعلم بالشيء ، ولولَ أن علمه سبحانه بالشيء سابق على وجود الشيء لَ مَ ا صدر هذا الشيء . وقد بي ن سبحانه أن علمه بقلوب المؤمنين المستعدة للإيمان ، بي ن جل وعلا أن علمه بذلك قديم لَ أول له ، وأنه سبحانه عالم - بالعلم القديم الأزلي - بالقلوب غير المستعدة للإيمان ، وفي هذا قال سبحانه في الصحابة رضي الله عنهم ومن كان مت بعا لهم : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهَُّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم ا } وكلمة التقوى هي[ :لَ إله إلَ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم] وهي التي جمعت مراتب التقوى كلها ، وبها الوقاية من عذاب الله تعالى ، ومن كل شدة وكرب . وقد بي ن سبحانه لماذا ألزمهم بها وجعلها ملازمة لهم فقال جل وعلا : {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا }أيأنهم كانوا في علم الله القديم هم أحق بها من غيرهم وهم أهلها {وَكَانَ اللهَُّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم ا }أي: كان ولَ يزال عالما بكل شيء . وقال سبحانه في الكفار :{وَلَوْ عَلِمَ اللهَُّ فِيهِمْ خَيْر ا لأََسْمَعَهُمْ }أي: لأسمعهم القرآن سماع فهم وقبول وإجابة

عدد الصفحات ١١

12 { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ }فهو سبحانه عليم بالقلوب المستعدة وغير المستعدة ، والقلوب القابلة وغير القابلة ، وهو سبحانه حكيم يضع الشيء في موضعه اللائق به ، وقد تصر ف بخلقه بعلمه وحكمته ومشيئته سبحانه ، ولَ مستكره له ولَ حاكم عليه ، ولَ معق ب لحكمه سبحانه وتعالى . واعلم أن الحكيم لَ يُنتقد ولَ يُعترض عليه ، فلا تظنن بالِلّ سوءا ، فإن الحكمة حكمته ، وسر الحكمة هو أعلم بها ، ومن أيقن بذلك وأن الله هو الحكم العدل ، استسلم لأمره سبحانه ، أما من كان شاك ا مرتابا في ربوبية الله تعالى فشأنه الَعتراض والَنتقاد ، والعياذ بالِلّ تعالى . وإليك مثالَ يحملك على الَستسلام لأمر الله تعالى لأنه رب العالمين وأحكم الحاكمين : إنك عندما تثق بحكمة الطبيب ، وأنه طبيب عالمي ماهر ، تراك تذهب إليه وتسلم نفسك بين يديه ، وتثق بما يصفه لك من علاج ، وربما غي ب فكرك وشق بطنك وأنت مستسلم له لأنك تعتقد أنه حكيم يضع الدواء موضع الداء ، ولكنك أيها الإنسان لم تط لع على أسرار حكمة هذا الطبيب ومدى علمه ، كما أنك لم تط لع على تركيب الدواء الذي يصفه لك . فإن ثقتك بحكمته جعلتك تستسلم له بالسمع والطاعة دون انتقاد أو اعتراض ، ومن هنا - ولِلّ المثل الأعلى - فإنك إذا آمنت بالِلّ تعالى حقا وأيقنت أن الله تعالى حقا هو الحكم العدل ، فلا تظنن سوءا في قضائه وقدره ، وإنما يجب عليك الَستسلام لذلك ، وأن تعلم وتؤمن أن حكمته سبحانه أجل وأعلى ، وأن هناك أحكاما ، ووراء هذه الأحكام حِ كم ، وأن للحكم أسرارا ، والأسرار من غوامض الأمور ، ولَ يمكن أن تط لع عليها أيها الإنسان لأنك ما بلغت مرتبة الربوبية حتى تحيط علما بحكمة أسرار رب العالمين جل وعلا . ومِ ن عِ لْ مه سبحانه : أنه عالم بما كان وما هو كائن إلى يوم الدين ، وأنه سبحانه يعلم ما لَ يكون كيف يكون لو كان ، وفي هذا يقول سبحانه في الكفار عندما يدخلون النار ويطلبون الرجوع إلى الدنيا :{ولو رُد وا لعادوا لما نهوا عنه }..

عدد الصفحات ١٢

13 ولهذا لما جاء رجل إلى سيدنا علي رضي الله عنه فقال: أخبرني عن القدر ؟ قال له : طريق مظلم فلا تسلكه ، فأعاد السؤال - أي : جاء يريد أن يفهم سر الله تعالى في القدر - فقال له : بحر عميق فلا تَ لِ جْ هُ ، فأعاد السؤال فقال : سر الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفت شه .. أي : لَ تكلف نفسك ذلك ، فأنت وأمثالك لَ تحيطون علما بذلك ، ولكن هناك يوم ترتفع فيه الحجب ، وتنكشف فيه الدقائق ، وتظهر الحقائق ، وهو يوم القيامة الذي تقول فيه الخلائق كلها {الْحَمْدُ لِلَِِّّ رَبِّ الْعَالَمِينَ }. فالمؤمنون قالوا: الحمد لِلّ رب العالمين ، والكفار في جهنم اعترفوا بذنوبهم وأيقنوا بحكمة ربهم فيهم فقالوا : الحمد لِلّ رب العالمين ، وفي هذا يقول سبحانه : {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ }أي: بين الخلائق وأصنافهم . {بِالْحَقِّ وَقِيلَ }أي وقال كل مخلوق{الْحَمْدُ لِلَِِّّ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ثالثاًَ: إن الإيمان بالقدر يكون بأن الله تعالى كتب جميع المقادير على مقتضى علمه سبحانه ، وهذه الكتابة على مراتب : فهناك كتابة سابقة على خلق السموات والأرض ، وهناك كتابة بعد خلق السموات والأرض وقبل خلق آدم عليه السلام ، وهناك كتابة عند خلق كل إنسان وهو في رحم أمه ، وهناك كتابة سنوية ، واعلم أن كل كتابة لَحقة إنما هي تابعة للكتابة السابقة ، وتخصيص وتفصيل لها ، وجميع الكتابات إنما هي تخصيص وتفصيل من الكتاب العام الجامع . ومن هذا ما ورد في سنن أبي داود والترمذي أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال لَبنه - عندما كان في مرض الوفاة - : ( يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ) - أي : ما نالك من خير وبِ ر إنما هو لك - ( وما أخطأك ) أي : لم ينلك ولم تحصل عليه انظر تاريخ دمشق لَبن عساكر وفيض القدير للمناوي ومرقاة المفاتيح للقاري وتحفة الأحوذي للمباركفوري

عدد الصفحات ١٣

14 (لم يكن ليصيبك) أي أنه ليس لك ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول [ :إن أول ما خلق الله القلمُ - بضم الميم - فقال له : اكتب ، قال : رب وماذا أكتب ؟ قال : ( اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) . وفي رواية : قال سبحانه : ( اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد ) ، يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [من مات على غير هذا فليس مِنِّ ي ] وقد يتوهم بعض الناس: أنه ما الفائدة من العمل إذا كان الأمر مقضيا ومكتوبا ؟! فيقال له : أليس من المكتوب والمقضي والمقد ر أن تعمل ؟ وأنك تعمل باختيارك وإرادتك ؟ ولو قال : أنا لَ أعمل ، فهذا كلام منه ، لأنه يدعي أن القضاء والقدر مسل ط على أمر السعادة والشقاء فقط ، فأبطل العمل لأنه مفروغ منه . فيقال له : وهل القضاء والقدر مسل ط على أعمال التكليف فقط ؟ أم أنه عام ويتعلق بجميع حركاتك وسكناتك ومأكلك ومشربك وسعيك ؟ نعم لَ شك أنه عام يتعلق بأعمال التكليف وغيرها . فإذا كنت تبطل العمل في أسباب السعادة لأن السعادة والشقاء من المكتوبات والمقد رات ، فيجب عليك أن تبطل السعي في أسباب رزقك لأن رزقك من المقد رات أيضا ، ثم يجب عليك أن تمكث في بيتك ولَ تأكل ولَ تشرب ، لأن أكلك وشربك من المقدرات والمقضي ات أيضا . أي : أن القلم هو أول المخلوقات ، وهذه الأولية نسبية سنن أبي داود كتاب السنة وسنن الترمذي كتاب القدر

عدد الصفحات ١٤

15 وكذلك يجب عليك أن لَ تتنفس ، لأن أجلك وحياتك من جملة المقضيات، فما فائدة الأكل والشرب على زعمك ؟ لأن الأجل من المقد رات أيضا . وعلى هذا فيجب أن تعط ل وجودك ، بل وجود الكائنات بأجمعها ، وهذا محض الجنون ، ولكي تدفع عنك أيها الإنسان هذه الوساوس والشبهات الباطلة يجب أن تعلم يقينا أن تقدير الله تعالى لأهل السعادة وكتابته لأعمالهم لم يجبرهم على أعمال السعادة ، وإنما فعلوا ذلك باختيارهم وإرادتهم . فقد كتب سبحانه أن فلانا وفلانا من أهل السعادة ، وكتب أنهم سيعملون عمل أهل السعادة باختيارهم وإرادتهم ومشيئتهم ، وكذلك أهل الشقاء فإن كتابة الله تعالى لهم ذلك لم تجبرهم على فعل المعاصي والفجور ، وإنما فعلوا ذلك باختيارهم وإرادتهم ، فقد كتب سبحانه أن فلانا وفلانا من أهل الشقاء ، وكتب أنهم سيعملون عمل أهل الشقاء باختيارهم وإرادتهم ومشيئتهم ، فليس أهل السعادة مجبرين على عمل أهل السعادة ، بل هذا باختيارهم ومشيئتهم ، وليس أهل الشقاء مجبرين على عمل أهل الشقاء ، بل هو باختيارهم وإرادتهم . وهذا معنى قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : [اعملوا فكل مُيَ سَّ ر لما خُ لِ ق له ] ولم يقل: فكل مُ كرَ ه أو مضطر . طرف حديث في صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن ، وصحيح مسلم كتاب القدر عن علي رضي الله عنه

عدد الصفحات ١٥

16 ثبوتَصفةَالاختيارَعندَالإنسانَشرعاًَ:ََ َ لقد أناط الشارع المسؤولية والتكليف على وجود الَختيار ، وإذا فُ قد الَختيار فلا مسؤولية ولَ حساب ، فلو فرضنا أن رجلين تكلما بكلمة الكفر ، الأول تكلم بها باختياره ومشيئته فيقال عنه : لقد كفر . وأما الثاني فتكلم بها لأن هناك رجلا رفع السيف فوقه وأجبره على كلمة الكفر فتكلم بها مكرَ ها مضطرا ، لكن قلبه مطمئن بالإيمان ، فلا مسؤولية عليه ، وهو مؤمن ، وفي هذا يقول سبحانه : { إِلََّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْر ا } أي: قالها باختياره وشرح صدر منه {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهَِّ }...الآية ، فلو كان القدر يسلب اختيار الإنسان لم يكن مسؤولَ في ذلك ، لأن الشارع لَ يسألك أو يحاسبك عما لَ اختيار لك فيه ، ومن ذلك أيضا قوله تعالى : {حُرِّمَتْعَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهَِّ بِهِ } وهذا التحريم حالة الَختيار ، أما عند الإكراه والَضطرارفقد قال سبحانه :{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلََ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } فالمسؤولية والعقوبات منوطة على وجود الَختيار ، وحيث لَ اختيار فلا مسؤولية ، كمن اضطر في الصحراء لأكل الميتة ليدفع عنه الموت وهكذا .

عدد الصفحات ١٦